النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
يقول الآخر : نَتَفَ حَلَمَتِى، فيقول : انتف حَلَمَتَهُ ، وجعل الرجل يأتى فيقول :
لَهَزنى فيقول : الْهَزْه ، وجعل الرجل يجئ فيقول: نتف لحيتى فيقول : انتف
لحيته .
وكان يقيمه كل يوم ، ويدعو الناس إلى القصاص منه سَنّة ، فقام مصعب بن
عبد الرحمن بن عوف فقال : جلدنى مائة جلدة بالسياط ، وليس بوالٍ ، ولم آت
قبيحًا ، ولم أركب منكرًا ، ولم أخلع يدًا من طاعة ، فأمر بِعَمْرٍو أن يقام ، وَدَفَع
إلى مصعب سوطًا ، وقال له عبد الله بن الزبير : اضرب . فجلده مصعب مائة
جلدة بيده ، فتغل جسد عَمٍو فمات ، فأمر به عبد الله فصلب .
قالوا : ونخّى عبد الله بن الزبير ، الحارث بن خالد عن الصلاة بمكة ، وكان
عاملًا ليزيد بن معاوية عليها وأمر مصعب بن عبد الرحمن أن يصلى بالناس ، فكان
يصلى بهم ، وكان لا يقطع أمرًا دون المِشْور بن مَخْرَمة ، ومصعب بن عبد
الرحمن بن عوف ، وجبير بن شيبة ، وعبد الله بن صفوان بن أمية ، يشاورهم فى
أمره كله ، ويريهم أن الأمر شورى بينهم لا يستبدُّ بشئ منه دونهم ، ويصلى بهم
الصلوات والجمع ويحج بهم .
وعزل يزيد بن معاوية ، عَمْرو بن سعيد عن المدينة ، وولاها الوليد بن عتبة ،
ثم عزله ، وولى عثمان بن محمد بن أبى سفيان ، فوثب عليه أهل المدينة
فأخرجوه ، وكانت وقعة الحرة .
وكانت الخوارج قد أتته ، وأهل الأهواء كلهم ، وقالوا : عائذ الله ، وكان
شعاره ، لا حكم إلا الله ، فلم يزل على ذلك بمكة ، وحج بالناس عشر سنين
وِلَاءً، أولها سنة اثنتين وستين ، وآخرها سنة إحدى وسبعين (٥) ..
قال : أخبرنا عارم بن الفضل ، قال : حدثنا حماد بن يزيد ، عن هشام بن
عروة ، قال : كان عبد الله بن الزبير بمكة تسع سنين (١) ..
قال : أخبرنا أنس بن عياض ، عن هشام بن عروة ، أن عبد الله بن الزبير أقام
بمكة تسع سنين ، يهل بالحج لهلال ذى الحجة .
(١) تاريخ ابن عساكر ص ٤٩١
[ ٣١ - الطبقات الكبير جـ ٦ ]

٤٨٢
قال : أخبرنا كثير بن هشام ، قال : حدثنا جعفر بن برقان ، قال : حدثنا
ميمون بن مهران ، قال : شهدت الموسم مع عبد الله بن الزبير ، قال : فعلّم الناسَ
مناسكهم ، ثم قال : إذا انصرفتم - إن شاء الله - إلى أهليكم ، فاذكروا الله
وكبروه عند هبوط وصعود .
قال : أخبرنا الفضل بن دكين، قال : حدثنا أبو سعيد بن (١) عوذ البرّاد ، قال :
حدثنا محمد بن المرتفع ، قال : سمعت ابن الزبير يقول : يا معشر الحاج ، سلونى
فعلينا كان التنزيل ، ونحن حضرنا التأويل ، فقال له رجل من أهل العراق : دَخَلَتْ فى
جرابى فأرة أيحل لى قتلها وأنا محرم ؟ قال : اقتل الفُوَيْسِقَة . قال : أخبرنا بالشفع
والوتر، والليال العشر؟ قال : العشر: الثمان وعرفة والنحر، والشفع: من تعجل فى
يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه ، وهو اليوم (٢).
قال : أخبرنا الفضل بن دكين ، قال : حدثنا سفيان ، عن محمد بن
المنكدر، قال : رأيت ابن الزبير يأتى الجِمَار ماشيا .
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسى ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبى بشر ،
قال : حدثنى من رأى ابن الزبير صائما يوم عرفة .
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا
زيد بن جبير الجشمى، أنه رأى عبد الله بن الزبير يطوف بالبيت وعليه بُرطُلّة (٣).
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا
عروة بن عبد الله بن قُشَير ، قال : مارأيت إنسانًا أسرع مشيًا حول البيت من ابن
الزبير ، قال : وكان يؤمنا عند المقام ، فإذا فرغ من المكتوبة صلى تحت الميزاب
قائما ما يحرك منه شئ .
قال : أخبرنا عفان بن مسلم وعارم بن الفضل ، قالا : حدثنا حماد بن زيد ،
قال : حدثنا ثابت البنانى ، قال : ذُكِرَ ابن الزبير قال : كنا نمرّ به خلف المقام
يصلى كأنه شئ منصوب موضوع (٤) .
(١) ث ((عن)) وصوابه لدى ابن عساكر وهو ينقل عن ابن سعد.
(٢) ابن عساكر فى تاريخه ص ٤٠٧
(٣) البُرْطُلّة : المظلة الصيفية.
(٤) ابن عساكر ص ٤٠٨

٤٨٣
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا حسن بن صالح ، عن موسى
ابن أبى عائشة ، قال : كان ابن الزبير يصفُّ قدميه فى الصلاة .
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن منصور ، عن
مجاهد ، عن عبد الله بن الزبير ، أنه كان يقوم فى الصلاة كأنه عود ، وكان
أبو بكر يفعل ذلك . قال مجاهد : هو الخشوع فى الصلاة (١).
قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا إبراهيم بن مرزوق أبو إسماعيل
الثقفى مولى الحجاج بن يوسف ، قال : حدثنا أبى - وكان خادمًا لعبد الله بن
الزبير - قال : كان عبد الله بن الزبير إذا سمع أذان المغرب ، قام فصلى ركعتين بين
الأذان والإقامة ، فإذا انصرف من الصلاة انصرف عن يمينه .
قال : أخبرنا معن بن عيسى وعبد الله بن مَسْلَمة بن قَعْنَب ، قالا : حدثنا
مالك بن أنس ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، أنه كان إذا سمع
الرعد، ترك الحديث ، وقال : سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ،
ويقول : إن هذا لوعيد لأهل الأرض شديد .
قال : أخبرنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا يزيد بن إبراهيم ، قال : سمعت
عمرو بن دينار ، قال : كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه .
قال : أخبرنا عارم بن الفضل ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا
عِشْل بن سفيان ، عن عطاء بن أبى رباح ، قال : صليت مع ابن الزبير المغرب
فسلم فى ركعتين ، ثم قام إلى الركن ليمسحه فسبح القوم ، فرجع فصلى بهم
الركعة ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ، فأتيت ابن عباس من فورى فأخبرته ،
فقال: لله أبوك، فكيف صنع فأخبرته . فقال : ما ماط (٢) عن سنة نبيه .
قال : أخبرنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا حَمّاد بن سَلَمَة ، قال : أخبرنا
عمرو بن دينار ، قال : صلى بنا ابن الزبير فى جمعة ، ويوم فطر ، فخطبنا فى ظل
الحجر بعدما ارتفع النهار ، وأخر الصلاة بعض التأخير ، فجئت إلى الجمعة فلم
يخرج إلينا إلى صلاة العصر .
(١) ابن عساکر ص ٤٠٨
(٢) ما تعدّى سنة النبى اَللَّه.

٤٨٤
قال : أخبرنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : أخبرنا
حبيب بن أبى بقية المعلم ، عن عطاء ، أن ابن عباس أخبر بما صنع ابن الزبير
فقال : أصاب .
قال : أخبرنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : حدثنا
هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : قال عبد الله بن الزبير : والله ما كنت أُمَكّن من
التمر كما أريد ، وما هى إلا قبضة تقبض لى من أول النهار وقبضة من آخر النهار .
قال : أخبرنا الفضل بن دكين ، قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن هشام بن
عروة ، عن عروة ، قال : قال عبد الله بن الزبير: أَطْعِمُونى تمرًا، قالوا: قد أكلت
اليوم مرة ، قال : فلا .
قال : أخبرنا روح بن عبادة ومسلم بن إبراهيم ، قالا : حدثنا الأسود بن
شيبان ، عن أبى نوفل بن أبى عقرب ، قال : دخلت على عبد الله بن الزبير صبيحة
خامسة من العشر الأواخر من رمضان وهو يواصل .
قال : أخبرنا روح بن عبادة ويحيى بن عبّاد ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة ،
عن عمار بن أبى عمار ، أن عبد الله بن الزبير كان يواصل سبعة أيام ، فإذا كانت
ليلة السابعة ، دعا بإناء من سمن فشربه ، ثم أتى بثريدة فى صحفة عليها
عَزْقَان (١) ، ويؤتى الناس بالجفان فتوضع بين أيديهم فيقول : يا أيها الناس هذا من
خالص مالى وهذا من بيت مالكم (٢) .
حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا حبيب بن الشهيد ، عن ابن أبى مُلَيْكة ،
قال : كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام ، فيصبح اليوم الثامن وهو أليثنا (٣).
قال : أخبرنا حفص بن عمر الحَوْضِى ، قال : حدثنا يزيد بن إبراهيم ، قال :
حدثنا عمرو بن دينار ، أن ابن الزبير كان يواصل بين السبع (٤) .
قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرَّقى ، قال : حدثنا أبو المليح ، عن ميمون ،
(١) العَرْق : العظم أخذ أكثر لحمه وبقى عليه لحوم رقيقة .
(٢) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٤١٦ نقلا عن ابن سعد .
(٣) ابن عساكر ص ٤١٦ وأليثنا : يعنى أشدهم وأقواهم .
(٤) ابن عساكر ص ٤١٤

٤٨٥
أن ابن الزبير كان يواصل الصيام من الجمعة إلى الجمعة ، فإذا أفطر ، استغاث
بالسمن يحسوه يُلَتِن أمعاءه (١) .
قال : أخبرنا [ عبد الوهاب ] (٢) بن عطاء ، عن هشام بن حسان ، قال:
كان عبد الله بن الزبير يصوم عشرة أيام لا يفطر فيها ، قال : فكان إذا دخل
رمضان ، أكل أكلة فى نصف الشهر (٣).
قال : أخبرنا المعلَّى بن أسد ، قال: حدثنا سلام بن أبى مطيع ، عن هشام بن
عروة ، أن عمه ابن الزبير كان يغتسل كل ليلة مرة وكل يوم مرة .
قال : أخبرنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا جرير بن حازم ، عن
[عبد الله](٣) بن عُبَيد بن عُمَير (٤) ، قال : كان ابن الزبير إذا كان فى أهله
جنازة، كان كأنه قائم على رِجْل حتى يخرجها .
قال : أخبرنا أزهر بن سعد السمان ، عن ابن عون ، عن محمد ، قال : دخل
ابن عمر على امرأة ابن الزبير فقالت : إنما بى أنك ترى أنه يقاتل على الدنيا قال :
هو فى نفسى ولو شاء الله لم يجعله .
قال : أخبرنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن هلال بن
يساف ، قال : حدثنى البريد الذى جاء برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير قال :
لما وضعتُه بين يديه قال : ما حدثنى كعب بشئ أصبته فى سلطانى ، إلا قد رأيته
غير هذا ، فإنه حدثنى أنه يقتلنى رجل من ثقيف فأرانى الذى قتلته (٥) .
قال محمد بن عمر : وكان مصعب بن الزبير هو الذى قتل المختار وبعث
برأسه إلى عبد الله بن الزبير ، وَتَخَلّف على العراق وَوَجّه إلى خراسان .
(١) ابن عساكر ص ٤١٥
(٢) عبد الوهاب: تحرف فى الأصل إلى ((عبد الله )) وصوابه لدى ابن عساكر وهو ينقل عن ابن
سعد .
(٣) ابن عساكر ص ٤١٦ نقلا عن ابن سعد .
(٤) عبد الله بن عبيد بن عمير: تحرف فى الأصل إلى ((عَبد بن عبيد بن عمير)) وصوابه من
المزى والتقريب .
(٥) سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٣٧٨

٤٨٦
رجع الحديث إلى الأول :
(* قال : ولما بلغ يزيد بن معاوية وثوبُ أهل المدينة وإخراجهم عامله وأهل
بيته عنها ، وجّه إليهم مسلم بن عقبة المرى ، وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة ،
كانت به النّوطة (١) ، فوجهه فى جيش كثيف ، فكلمه عبد الله بن جعفر فى أهل
المدينة ، وقال : إنما تقتل بهم نفسك . فقال : أجل أقتل بهم نفسى ، وأشفى
نفسى، ولك عندى واحدة ، آمر مسلم بن عقبة أن يتخذ المدينة طريقا ، فإن هم
تركوه ، ولم يعرضوا له ، ولم ينصبوا الحرب ، تركهم ، ومضى إلى ابن الزبير
فقاتله، وإن هم منعوه أن يدخلها ونصبوا له الحرب ، بدأ بهم ، فناجزهم
القتال، فإن ظفر بهم قتل من أشرف له ، وأنهبها ثلاثًا ثم مضى إلى عبد الله بن
الزبير .
فرأى عبد الله بن جعفر ، فى هذا فرج كبير، وكتب بذلك إليهم ، وأمرهم أن
لا يعرضوا لجيشه إذا مَرّ بهم ، حتى يمضى عنهم إلى حيث أرادوا . وأمر يزيدُ
مسلم بن عقبةً بذلك ، وقال : إن حدث بك حدث ، فخُصَين بن نمير على
الناس، فورد مسلم بن عقبة المدينة ، فمنعوه أن يدخلها ، ونصبوا له الحرب ،
ونالوا من يزيد ، فأوقع بهم وأنهبها ثلاثا .
ثم خرج يريد ابن الزبير ، وقال : اللهم إنه لم يكن قوم أحب إلىّ أن أقاتلهم
من قوم خلعوا أمير المؤمنين ، ونصبوا لنا الحرب ، اللهم فكما أقررت عينى من
أهل المدينة ، فأبقنى حتى تقر عينى من ابن الزبير ، ومضى فلما كان بالمشلل نزل
به الموت ، فدعا حصين بن نمير فقال له : يابرذعة الحمار ، لولا عهد
أمير المؤمنين إلىّ فيك ما عهدت إليك ، اسمع عهدى ، لا تمكن قريشًا من
أذنك، ولا تزدهم على ثلاث ؛ الوقاف ، ثم الثقاف ، ثم الانصراف . وأعلم
الناسَ أن الحصين واليهم، ومات مكانه . فدفن على ظهر المشلل لسبع ليالٍ بقين
من المحرم سنة أربع وستين .
(#) من هذه العلامة إلى مثلها فى ص ٤٨٧ أورده ابن عساكر ص ٤٥١ نقلا عن ابن سعد .
(١) النوطة : غُدة تصيب البعير فى بطنه فتقتله .

٤٨٧
ومضى حصين بن نمير فى أصحابه حتى قدم مكة فنزل بالحجون إلى بئر
ميمون وعسكر هناك . فحاصر ابن الزبير قبل سلخ المحرم بأربع ليال وصفرَ وشهر
ربيع الأول ، فكان الحصر أربعة وستين يومًا ، يتقاتلون فيها أشد القتال ، ونصب
الحصين المنجنيق على ابن الزبير وأصحابه ورمى الكعبة ، ولقد قتل من الفريقين
بشر كثير ، وأصاب المِسْوَرَ فلْقة من حجر المنجنيق فمات ليلة جاء نَعِىُّ يزيد بن
معاوية ، وذلك لهلال شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين .
فكلم حصين بن نمير ومن معه من أهل الشام عبد الله بن الزبير أن يدعهم
يطوفوا بالبيت وينصرفوا عنه ، فشاور فى ذلك أصحابه ثم أذن لهم فطافوا ، وكلم
ابن الزبير الحصين بن نمير وقال له : قد مات يزيد وأنا أحق الناس بهذا الأمر ، لأن
عثمان عهد إلىّ فى ذلك عهدًا، صلى به خلفى طلحة والزبير ، وَعَرَفته أم
المؤمنين، فبايعْنى ، وادخل فيما دخل فيه الناس معى ، يكن لك مالهم ، وعليك
ما عليهم . قال له الحصين بن نمير: إنى والله ياأبا بكر لا أتقرب إليك بغير ما فى
نفسى ، أَقْدُم الشام فإن وجدتهم مجتمعين لك أطعْتُكَ ، وقاتلتُ من عصاك ، وإن
وجدتهم مجتمعين على غيرك أطعته وقاتلتك ولكن سر أنت معى إلى الشام
أملّكُك رقاب العرب . فقال ابن الزبير : أو أبعث رسولًا . قال : تَبَّا لك سائر
اليوم، إن رسولك لا يكون مثلك .
وافترقا وأمِنَ الناسُ ووضعت الحرب أوزارها ، وأقام أهل الشام أياما يبتاعون
حوائجهم ، ويتجهزون ، ثم انصرفوا راجعين إلى الشام . فدعا ابن الزبير من يومئذ
إلى نفسه ، فبايع الناس له على الخلافة ، وسُمى أمير المؤمنين ، وترك الشعار الذى
كان عليه ، ويدعى به ، عائذ الله ، ولا حكم إلا لله ، قبل أن يموت مصعب بن
عبد الرحمن بن عوف والمسور بن مخرمة . وفارقته الخوارج وتركوه ، وولّی
العمال، فولّى المدينة : مصعب بن الزبير بن العوام فبايع له الناس ، وبعث الحارث
ابن عبد الله بن أبى ربيعة إلى البصرة فبايعوه ، وبعث عبد الله بن مطيع إلى الكوفة
فبايعوه ، وبعث عبد الرحمن بن عتبة بن جَحْدَم الفهرى إلى مصر أميرًا فبايعوه ،
وبعث واليه إلى اليمن فبايعوه ، وبعث واليه إلى خراسان فبايعوه ، وبعث الضحاك
ابن قيس الفهرى إلى الشام واليًا فبايع له عامة أهل الشام ، واستوسقت له البلاد
كلها ، ما خلا طائفة من أهل الشام ، كان بها مروان بن الحكم وأهل بيته (٥) .

٤٨٨
قال : وأخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا موسى بن يعقوب ، عن عَمّه أبی
الحارث بن عبد الله (١) بن وهب بن زَمْعة ، قال :
وأخبرنا شرحبيل بن أبى عون وعبد الله بن جعفر ، عن أبى عون ، قال :
وأخبرنا إبراهيم بن موسى ، عن عكرمة بن خالد ، قال :
وأخبرنا أبو صفوان العَطّاف بن خالد، عن أخيه ، قالوا: لما ارتحل الحصين
ابن نمير من مكة لخمس ليالٍ خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ، أمر
عبد الله بن الزبير بتلك الخِصَاص (٢) التى كانت حول الكعبة فهدمت ، فبدت
الكعبة ، وأمر بالمسجد فكنس ما فيه من الحجارة والدماء ، فإذا الكعبة تَنْغَض (٣)
مُتَوَهِّنَةٌ من أعلاها إلى أسفلها ، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق ،
وإذا الركن قد اسودّ واحترق من الحريق الذى كان حول الكعبة ، فشاور ابن الزبير
الناس فى هدمها وبنائها ، فأشار عليه جابر بن عبد الله بن عمير وغيرهما بأن
يهدمها ويبنيها، وأبى ذلك عليه عبد الله بن عباس وقال : أخشى أن يأتى مَنْ
بَعدك فيهدمها فلا تزال تهدم ، فيتهاون الناس بحرمتها فلا أحب لك .
وكان قد شَاوَرَ المِسْورَ بن مَخْرَمَة قبل أن يموت فى هدمها ، فأشار عليه
بذلك، فمكث أيامًا يشاور فى هدمها ، ثم انبرى له أن يهدمها .
فغدا عليها بالفَعَلة يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين ،
فهدمها حتى وضعها كلها بالأرض ، ثم حفر الأساس فؤُجِدَ واصلًا بالحِجْر مُشَبِّكًا
كأصابع يدَىّ هاتين ، فدعا خمسين رجلاً من قريش ، وأشهدهم على ذلك ،
وجعل الحَجَر عنده فى تابوت فى سَرقة من حرير ، ثم بنى البيت وأدخل الحجر
فيه، وجعل للكعبة بابين موضوعين بالأرض ، باب يُدخل منه ، وباب يُخرج منه
(١) عمه أبى الحارث بن عبد الله: تحرف فى المطبوع إلى ((عمه ابن أبى الحارث عبد الله ))
وصوابه من التاريخ الكبير للبخاری ج ٨ ص ٣٤٦، وتهذيب الكمال ج ٢٩ ص ١٧٢ وهو : یزید بن
عبد الله بن وهب بن زمعة)) .
(٢) الخصاص : الفُرَج والأنقاب .
(٣) لدى ابن الأثير فى النهاية (نغض) وفى حديث ابن الزبير ((إن الكعبة لما احترقت نَغَضَت))
أى تحركت ووَهَت .

٤٨٩
بإزائَه من خلفه، وقال: إن عائشة حدثتنى أن رسول الله وَلّه قال لها: إن أراد
قومك يبنون البيت على ما كان على عهد إبراهيم فليفعلوا ذلك . فأرتنى عائشة
الذى أراها رسول الله وَّله، فكان عندى مذروعًا حتى وَلَيْت هذا الأمر، فلم أَعْدُ
به ما قال رسول الله وَ الر، فرأى الناس يومئذ أنه قد أصاب.
وبنى البيت حتى بلغ موضع الركن الأسود فوضعه ، وكان الذى وضعه حمزة
ابن عبد الله بن الزبير ، وشده بالفضة لأنه كان انصدع ، ثم ردّ الكعبة على بنائها ،
وزاد فى طولها فجعله سبعًا وعشرين ذراعًا ، وخلّق جوفها ، ولطّخ جدرَها
بالمسك حتى فرغ منها من خارج ، وسترها بالديباج ، وهو أول من كساها
الديباج .
فلما فرغ من بناء الكعبة اعتمر من خيمة مجمانه ماشيًا معه رجال من قريش ،
ابن صفوان وعبيد بن عمير وغيرهما ، ولبّى حتى نظر إلى البيت ، وخيمة جمانة
عند مسجد عائشة .
قال : وبايع أهل الشام مروان بن الحكم ، فسار إلى الضحاك بن قيس الفهرى
وهو فى طاعة ابن الزبير يدعو له ، فلقيه بمرج راهط ، فقتله وفَضّ جمعه . ثم رجع
فوجه محُبّيش بن دَلَجة القينى فى ستة آلاف وأربعمائة إلى ابن الزبير ، فسار حتى
نزل بالجرف فى عسكره ، ودخل المدينة فنزل فى دار مروان - دار الإمارة -
واستعمل على سوق المدينة رجلًا من قومه يدعى مالكا ، أخاف أهل المدينة خوفًا
شديدًا وآذاهم ، وجعل يخطبهم فيشتمهم ويتوعدهم وينسبهم إلى الشقاق والنفاق
والغش لأمير المؤمنين فكتب عبد الله بن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبى
ربيعة وهو واليه على البصرة ، أن يوجه إلى المدينة جيشًا، فبعث الخَتْتف (١) بن
الشّجْف التميمى فى ثلاثة آلاف . فخرجوا معهم ألف وخمسمائة فرس وبغال
وحمولة ، وبلغ الخبر حبيش بن دلجة ، فقال : نخرج من المدينة فنلقاهم ، فإنا
لا نأمن أهل المدينة أن يعينوهم علينا ، فخرج وخَلّف على المدينة ثعلبة الشامى .
(١) كذا فى الأصل، ومثله لدى البلاذرى ق ٤ ج ١ ص ٣٥٣ . ولدى الطبرى ج ٥
ص ٦١٢، وابن عساكر فى المختصر ج ٦ ص ١٩٤ ((الحُتُيف))

٤٩٠
فالتقوا بالرّبذة عند الظُّهْر ، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتل حبيش بن دلجة ، وقتل من
أصحابه خمسمائة ، وأسر منهم خمسمائة، وانهزم الباقون أسوأ هزيمة ، ففرح أهل
المدينة بذلك، وقُدم بالأسارى فحبسوا فى قصر خَلّ (١) ، فوجه إليهم عبد الله
ابن الزبير مصعب بن الزبير فضرب أعناقهم جميعًا (٢).
قالوا : فلما بويع عبد الملك بن مروان ، بعث عروة بن أنيف فى ستة آلاف
إلى المدينة ، وأمرهم أن لا ينزلوا على أحدٍ ، ولا يدخلوا المدينة إلا لحاجة لابدّ
منها ، وأن يعسكروا بالعرصة ، فنزل عروة بجيشه العرصة ، وهرب الحارث بن
حاطب عامل ابن الزبير على المدينة ، فكان عروة ينزل فيصلى بالناس الجمعة ، ثم
يرجع إلى معسكره ، فلم يبعث إليهم ابن الزبير أحدًا ولم يلقوا قتالًا ، فكتب إليهم
عبد الملك ، أن يقبلوا إلى الشام ففعلوا ، ولم يتخلف منهم أحد ، ورجع الحارث
ابن حاطب إلى المدينة عاملًا لابن الزبير ، ثم بعث عبد الملك بن مروان ،
عبد الملك بن الحارث بن الحكم فى أربعة آلاف إلى المدينة فما دونها ، يَلْقون
جموع ابن الزبير ومن أشرف لهم من عُمّاله (٣) .
وكان سليمان بن خالد بن أبى خالد الزرقى عابدًا له فضل ، فولاه ابن الزبير
خيبر وفدك ، فخرج فنزل فى عمله ، فبعث عبدُ الملك بنُ الحارث ، أبا القمقام
فى خمسمائة إلى سليمان بن خالد ، فقتله ، وقتل من كان معه ، فلما انتهى خبره
إلى عبد الملك بن مروان أغاظه وكره قتله (٤) . ووجه عبد الملك بن مروان طارق
ابن عمرو فى ستة آلاف وأمره أن يكون فيما بين أيلة ووادى القرى مددًا لمن
يحتاج إليه من عمال عبد الملك بن مروان أو من كان يريد قتاله من أصحاب ابن
الزبير ، وكان أبو بكر بن أبى قيس فى طاعة ابن الزبير قد ولاه جابر بن الأسود
خيبر ، فقصد له طارق فقتله فى ستمائة من أصحابه ، وهرب من بقى منهم فى
(١) لدى السمهودى فى وفاء الوفاء ج ٤ ص ١٢٨٩: ويعرف اليوم بحصن خل غربى
بطحان .. وكان قصرخل فى بعض السنين سجنا .
(٢) أورده ابن عساكر : مختصر ابن منظور ج ٦ ص ١٩٤
(٣) ابن الأثير: الکامل ج ٤ ص ٣٤٨
(٤) ابن الأثير : الکامل ج ٤ ص ٣٤٨

٤٩١
كل وجه ، فكتب الحارث بن حاطب إلى عبد الله بن الزبير أن عبد الملك بن
مروان بعث طارق بن عمرو فى جمع كثير ، فَهُمْ فيما بين أيلة إلى ذى خُشُب ،
يَجُدّوا فى أموال الناس ويقتطعونها (١) ويظلمونهم ، فلو بعثت إلى المدينة رابطة
لَا تُدْخَل .
فكتب ابن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة ، أن يوجه إلى المدينة
ألفين، ويستعمل عليهم رجلًا فاضلاً ، فوجه إليهم ابن روّاس فى ألفين ، فقدموا
المدينة فمنعوها من جيوش أهل الشام ، وكانوا قومًا لا بأس بهم . وكانت المدينة
مَرّة فى يد ابن الزبير ، ومرّة فى يد عبد الملك بن مروان ، أيهما غلب عليها
استولى على أمرها ، وكانت أكثر ذلك تكون فى يد ابن الزبير .
فلما بلغ ابن الزبير مقتَلُ أبى بكر بن أبى قيس ، كتب إلى ابن رّاس أن يخرج
فى أصحابه إلى طارق بن عمرو ، فشق ذلك على أهل المدينة ، وخرج ابن روّاس
وبلغ ذلك طارقًا فندب أصحابه ، ثم التقوا بشبكة الدوم (٢) على تعبية ، فاقتتلوا
قتالًا شديدًا ، ثم كانت الدولة لطارقٍ وأصحابه ، فقُتل ابن روّاس وأصحابه قتلاً
ذريعًا ، ونجا رجل منهم ، فقدم المدينة فأخبر بمقتل ابن رواس وأصحابه ، فسيئ
بذلك أهل المدينة ، ثم خرج ذلك الرجل إلى عبد الله بن الزبير ، فأخبره الخبر ،
ورجع طارق إلى وادى القرى ، وكتب ابن الزبير إلى واليه بالمدينة أن يفرض
الألفين من أهل المدينة يكونوا رِدْءًا للمدينة ممن يدهمها ، ففرض الفرض ولم يأت
المال ، فبطل ذلك الفرض وسُمّى فرض الريح (٣).
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا عبد الله بن جعفر ، عن أم بكر
بنت المسور ، عن أبيها . ورياح بن مسلم ، عن أبيه . وإسماعيل بن إبراهيم ، عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى ، عن أبيه ، قالوا : قدم أبو عبيد
الثقفى من الطائف - وكان رجلاً صالحًا - وندب عمر الناسَ إلى أرض العراق ،
فخرج أبو عبيد إليها فقُتل وبقى ولده بالمدينة ، وكان المختار يومئذ غلامًا يُعرف
(١) أى ينهبون أموال الناس ويقطعون ثمارهم .
(٢) شبكة الدوم : موضع بوادى إضم بعد ذى خشب .
(٣) ابن الأثير : الکامل ج ٤ ص ٣٤٩

٤٩٢
بالانقطاع إلى بنى هاشم ، ثم خرج فى آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد إلى
البصرة ، فأقام بها يُظهر ذكر الحسين بن علىّ ، فأخبر بذلك عبيد الله بن زياد ،
فأخذه فجلده مائة جلدة ودرّعه عباءة ، وبعث به إلى الطائف (١) .
فلم يزل بها حتى قام عبد الله بن الزبير ودعا إلى ما دعا إليه ، فقدم عليه ،
فأقام معه من أشد الناس قتالًا وأحسنه نِيّة ومناصحة فيما يرون ، وكان يختلف إلى
محمد بن الحنفية ، ويسمعون منه كلامًا ينكرونه ، فلما مات يزيد ، ومات
المسور بن مخرمة ، ومصعب بن عبد الرحمن ، استأذن المختار ابن الزبير فى
الخروج إلى العراق ، فأذن له ، وهو لا يشك فى مناصحته وهو مصرٌّ على الغش
له، فكتب ابن الزبير إلى عبد الله بن مطيع ، وهو عامله على الكوفة ، يذكر له
حاله عنده ويوصيه به ، فكان يختلف إلى ابن مطيع ، ويظهر مناصحة ابن الزبير
ويعيبه فى السر ، ويذكر محمد بن الحنفية فيمدحه ، ويصف حاله ويدعو إليه ،
وحرّض الناسَ على ابن مطيع واتخذ شيعة يركبُ فى جماعةٍ وخيلٍ ، فعدت خيله
على خيل ابن مطيع فأصابوهم ، وخافه ابن مطيع فهرب ، فلم يطلبه المختار ،
وقال : أنا على طاعة ابن الزبير ، فلأى شئ خرج ابن مطيع ؟ .
وكتب إلى ابن الزبير يقع بابن مطيع ويجبّنه ، ويقول : رأيته مداهنًا لبنى أمية
فلم يسعنى أن أقره على ذلك ، لما حملت فى عنقى من بيعتك ، فخرج من الكوفة
وأنا ومَنْ قِتَلى على طاعتك. فقبل منه ابن الزبير وصدّقه ، وأقره واليا على الناس .
فلما اطمأن ورأى أن ابن الزبير قد قبل منه ، سار إلى منزل عمر بن سعد بن
أبى وقاص فقتله فى داره ، وقتل ابنه حفصًا أسوأ قِئْلة ، وجعل يتتبع قتلة الحسين
من الديوان الذين خرجوا إليه ، فيقتل كل من قدر عليه ، وتغيّب كل من خالفه من
أهل الكوفة ، ثم بعث مسالحه إلى السواد ، والمدائن ، وعمال الخراج ، فجبيت
إليه الأموال .
فبعث إليه عبد الملك بن مروان ، عبيد الله بن زياد ، فى ستين ألفًا من أهل
الشام ، فأخذ على الموصل ، فبعث المختارُ ، إبراهيم بن الأشتر فى عشرين ألفًا
(١) سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٥٤٤

٤٩٣
من أصحابه ، لقتال عبيد الله بن زياد ، فلقيه بأرض الموصل ، على نهر يدعى
الخازِر (١) فتراشقوا بالنبل ساعة ، وتشاولوا بالرماح ، ثم صاروا إلى السيوف ،
فاقتتلوا أشد القتال ، إلى أن ذهب ثلث الليل ، وقُتل أهل الشام تحت كل حجر ،
وهرب من هرب منهم ، وقتل عبيد الله بن زياد ، والحصين بن نمير فى المعرك ،
وبعث بالرءوس إلى المختار ، فبعث برأس عبيد الله بن زياد ، وبرأس الحصين بن
نمير وستة نفر من رؤسائهم مع خلّاد بن السائب الخزرجَى ، فقدم بها المدينة يومًا
إلى الليل ، ثم خرج بها إلى ابن الزبير ، فتَصَبها على ثنية الحجون (٢).
وجعل ابن الزبير يسأل خلاد بن السائب عن التقائهم وقتالهم ، فيخبره ،
فقال: فكيف رأيت مناصحة المختار ؟ فقال : رأيتُه على ما يحبُّ أميرُ المؤمنين ،
يدعو له على منبره ، ويذكر طاعَتَك ومُفَارَقَةً بنى مروان .
ورجع المختار ومن معه إلى الكوفة ، وكتب إلى ابن الزبير يخدعه ويُخبره أنه
إنما يقوم بأمره ، ويسگّنه حتى يمكنه ما يريد .
فأبصر ابن الزبير أمره ، وكلمه فيه عروة بن الزبير ، وعبد الله بن صفوان ،
وغيرهما وأعلموه غِشّه وسوء مذهبه ، وأنه ليس له بصاحب ، قال : فمن أُوَلِى ؟
أحتاج إلى رجل جَلْد مجزئ مِقْدَام، فقال له مُصعب بن الزبير: لا تولِّ أحدًا أقومَ
بأمرك مِنِّى ، قال : فقد وليتك العراق ، فَسِرْ إلى الكوفة ، قال : ليس هذا برأى ،
أَقْدمُ على رجل قد عَرَفْتَه ، إنما هواه ورأيه فى غيرنا ، وإنما يستتر بنا ، وقد اجتمع
معه من الشيعة بَشَر كثير ، ولكنى أقدم البصرةَ وأهلها سامعون مطيعون ، ثم
أزحف إليه بالجنود إن شاء الله ، فقال ابن الزبير : هذا الرأى .
فسار مصعب إلى البصرة واليًا عليها ، وبلغ المختارَ ، فعرف أنه الشر
والسيف ، فكتب إلى ابن الزبير يشتمه ويعيبه ويقول : إنه لا طاعة لك على أحد
ممن قِبَلى ، فَأَجْلِب بِخَيْلك وَرَجِلِكِ، وخَطَب المختار الناس بالكوفة ، وأظهر
عيْب ابن الزبير، وخلعه، ودعا إلى الرضا من آل محمد وَلَه، وذكر محمد بن
(١) الخازر: تحرف فى الأصل إلى ((الجازر)) وصوابه من ياقوت. والخازر: نهربين إربل
والموصل، ثم بين الزاب الأعلى والموصل ، يصب فى دجلة .
(٢) سير أعلام النبلاء ج ٣ ص ٥٤٨

٤٩٤
الحنفية فقرّظه وسماه المهدى ، وكتب ابن الزبير إلى مُصعب يأمره بالمسير إلى
المختار فى أهل البصرة ، فأمر مصعب بالتهيؤ ثم عسكر ، واستعمل على مَيْمَنَته
الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة ، وعلى مَيْسَرته عبد الله بن مطيع ، واستخلف
على البصرة عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن مَعْمر .
وبلغ المختارَ مَسِيرُ مصعب بالجنود ، فبعث إليه أحمر بن شميط البجلى ،
وأمره أن يواقعهم بالمَذار ، فبيتهم أصحاب مصعب فقتلوا ذلك الجيش ، فلم
يفلت منهم إلا الشريد ، وقتل تلك الليلة عبيد الله بن على بن أبى طالب ، وكان
فى عسكر مصعب مع أخواله بنى نهشل بن دارم .
وخرج المختار فى عشرين ألفًا حتى وقف بإزائهم ، وهم فيما بين الجسر إلى
نهر البصريين ، وزحف مصعب ومَن معه فوافوهم مع الليل ، ولم يكن بينهم
حرب، فأرسل المختار إلى أصحابه حين أمسى ، أن لا يبرحن أحدٌ منكم موقفه
حتى تسمعوا مناديًا ينادى يامحمد، فإذا سمعتم ، فاحملوا على القوم ، واقتلوا مَن
لم تسمعوه ينادى يا محمد ، ثم أمهل ، حتى إذا حلّق القمر واتسق أمر مناديًا
فنادى : يامحمد. ثم حملوا على مصعب وأصحابه فهزموهم ، ودخلوا عسكرهم،
فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا ، وأصبح المختار وليس عنده أحد له ذكر غير
عشرة فوارس ، وإذا أصحابه قد وَغَلُوا جميعًا فى أصحاب مصعب ، فانصرف
المختار منهزمًا فأغذّ السير حتى أتى الكوفة ، فدخل القصر ورجع أصحاب
المختار حين أصبحوا حتى وقفوا موقفهم فلم يروا المختار ، وقالوا : قد قُتل .
فهرب منهم مَن أطاق الهرب ، واختفى الباقون ، وتوجه منهم ثمانية آلاف إلى
الكوفة ، فوجدوا المختار فى القصر فدخلوا معه .
وأقبل مصعب حتى خَنْدَق على سُدّة القصر والمسجد ، وحصرهم أشدّ
الحصار، فخرج المختار يومًا على بغلة شَهْباء، فقاتَلَهم فى الزّيّاتين (١) ، فقتلوه ،
وطلب أهل القصر الأمان من مصعب فأمنهم ، وفيهم سبعمائة من العرب وسائرهم
من الموالى والعجم ، فأراد قتل هؤلاء ، وتَرك العرب فقيل له : ماهذا بدين ، ذنبهم
(١) موضع فى الكوفة كان سوقا للزيت .

٤٩٥
واحد ، تقتل العجم وتترك العرب ، فقدمهم جميعا فَضَرَبَ أعناقهم صَبْرا ، وبعثَ
برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير مع رجل من الشرط ، فقدم الرسول فانتهى إلى
ابن الزبير وهو فى المسجد الحرام قد صلى عشاء الآخرة ، ثم قام يتنفل ، قال :
فوالله ماالتفت إليه ولا انصرف حتى أسحر فأوتر ، ثم جلس ، فدنا الرسول فدفع
إليه الكتاب ، فقرأه ، ثم دفعه إلى غلام له ، فقال الرسول : ياأمير المؤمنين هذا
الرأس معى ، فقال : ألقه فألقاه على باب المسجد . ثم أتاه فقال : جائزتى قال :
خذ الرأس الذى جئتَ به .
ولما قتل مصعبُ المختارَ، وظفر بالعراق ، واستعمل العمال ، وجبى الأموال،
وكتب إليه إبراهيم الأشتر يعلمه بأنه على طاعته ، وأسرع الناس إليه مع عداوته
لأهل الشام ، وقتله إياهم ، ويسأله أن يأذن له فى الوفادة إليه ، فأجابه مصعب إلى
ذلك ، فخلف أبا قارب على الجزيرة وقدم على مصعب ، فأخذ بيعته لعبد الله بن
الزبير وأقام عنده ، آثر الناس عنده ، وأکرمهم عليه ، إنما کان یجلسه على سريره ،
واستعمل مصعب المهلب بن أبى صُفرة على الجزيرة والمؤْصِل وأَذْرَبِيجان وأَوْمِينَةَ .
وفَّق العمال فى البلدان ، ثم جمع أشراف أهل المِصرین ، ووفد إلى عبد الله
ابن الزبير ، وجعل إبراهيم بن الأشتر على الوفد جميعًا .
فقال له عبد الله : نظرت إلى راية قد خفضها الله فرفعتها .
قال : يا أمير المؤمنين ، هذا سيد من خلفى ، إن رضى رضوا ، وإن سخط
سخطوا . فحل عبد الله بن الزبير إزاره فإذا ضربة على منكبه قد أجافته ، ثم قال
لمصعب : أترانى كنت أحب الأشتر بعد هذه الضربة ضربنيها يوم الجمل .
وقال مصعب : ياأمير المؤمنين سمّ للوفد ما بدا لك من الجائزة وأنا أعطيهم
إياه من العراق . قال : لا والله ولا درهمًا .
ثم خطب عبد الله بن الزبير فحمد الله وأثنى عليه وقال : ياأهل العراق ،
أتيتمونا أوباشًا من كل جِمّة ، والله لو كانت تصرف لصرفناكم صرف الذهب ،
والله لوددتُ أن لى بكل رجليْن منكم رجلاً من أهل الشام .
فقام إليه أبو حاضر الأسدى - وكان قَاصَّ الجماعة بالبصرة - فقال :
يا أمير المؤمنين ، إن لنا ولك مثلًا قد مضى، هو ما قاله الأعشى :-

٤٩٦
عُلّقْتُهَا عَرَضًا وعُلِّقَتْ رجلًا غيرِى وعُلِّقَ أخرى غِيرَها الرّجلُ (١)
عُلّقْناكَ ، وعُلِّقت أهل الشام ، وعُلّق أهلُ الشام آل مروان ، فما عسينا أن
نصنع . قال الشعبى : فما سمعت جوابًا أحسن منه .
ثم انصرف مصعب والوفد إلى الكوفة ، ثم قدم مصعب البصرة ، فجمع مالاً
ووفد الثانية على عبد الله بن الزبير بمال العراق ، فعزله عن البصرة ، وولاها ابنه
حمزة بن عبد الله وكان شابًّا تائهًا، فأقام مصعب عند عبد الله بن الزبير ، ومضى
حمزة إلى البصرة ، فمنع الناس العطاء وأمر بالمال يحمل إلى ابن الزبير فمنعه من
ذلك مالك بن مسمع ووجوه أهل البصرة ونخسوا به ، فخرج من البصرة ، فبلغ
ذلك ابن الزبير ، فولى مصعب البصرة وأمره أن يتوجه إلى العراق .
قال الشعبى : فما رأينا أمير فُرْقَة كان أشبه بأمراء الجماعة من مصعب بن
الزبير.
ولم يزل مصعب أحب أمراء العراق إليهم ، كان يعطيهم عطاءين فى السنة
عطاء للشتاء ، وعطاء للصيف ، وكان يشتد فى موضع الشدة ، ويلين فى موضع
اللِّين ، وكان محكمًا لأمره قويًا على شأنه .
وكان عبد الملك بن مروان يكتب إلى شيعته بالعراق فى اغتيال مصعب .
وكتب إلى شيعته بالبصرة يأمرهم أن يخرجوا على مصعب ، وأخبرهم أنه باعث
إليهم بألف من أهل الشام . ولم يَطْمَع فى ذلك بالكوفة ومُصْعَبٌ بها ، وكان
يَخْرُج كل سنة حتى يأتى بُطْنَان حبيب (٢)، وهى من قِنَّسرين (٣) فيعسكر بها ،
وهى أقصى سلطانه ، ويخرج مصعب بن الزبير حتى ينزل بالجمَيْرا (٤) من أرض
الموصل ، فيعسكر ، وهى أقصى سلطانه ، فقال أبو الجهم الكنانى :
أبيتَ يا مصعبُ إِلَّ سَيْرًا أكل عام لك بالمجمَيْرًا (٥)
(١) البيت فى ديوان الأعشى ص ١٠٧
(٢) بطنان حبيب : بأرض الشام ، كان عبد الملك يشتر فيه فى حربه لمصعب بن الزبير .
(٣) كورة بالشام بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص بقرب العواصم .
(٤) باجميرا : موضع دون تكريت من أرض الموصل .
(٥) ياقوت مادة ( باجميرا ) .

٤٩٧
وكان إذا اشتد البرد وارتجّ الشتاء ، انصرفوا جميعًا معًا، هذا إلى دمشق ،
وهذا إلى الكوفة ، وكان ابن الزبير يكتب إلى مصعب فى عبد الملك : لا تغفله
واغزه قبل أن يغزوك ، فإنك فى عين المال والرجال .
ففرض مصعب الفروض ، وأخذ فى التهيئة للخروج ، وقسم أموالًا وأخرج
العطاء ، وبلغ ذلك عبد الملك ، فجمع جنوده ، وسار بنفسه يؤم العراق لقتال
مصعب ، وقال لروح بن زنباع وهو يتجهز : والله إنّ فى أمر هذه الدنيا لعجب لقد
رأيتنى ومصعب بن الزبير أفقده الليلة الواحدة من الموضع الذى نجتمع فيه فكأنی
والٌ ، ويفقدنى فيفعل مثل ذلك ، ولقد كنت أُوتَى باللّطَف (١)، فما أراه يجوز لى
أن آكله حتى أبعث به إليه أو ببعضه ، وكان يفعل مثل ذلك ، ثم صرنا إلى
السيف !!! ولكن هذا الملك عقيم (٢) .
فلما أجمع مصعب الخروج من الكوفة يريد عبد الملك ، خرج وقد اصطف
له الناس بالكوفة صفين، وقد اعْتَمَّ عِمَّتَه القَفْدَاءِ (٣)، وهو مقبل على مَعْرَفة (٤)
دابته، ثم نظر فى وجوه القوم يمينًا وشمالاً ، فوقعت عينه على عروة بن المغيرة بن
شعبة ، فقال : يا عروة .؟ قال : لبيك . قال : ادنُ . فدنا ، فسار معه ، فقال :
أخبرنى عن حُسين بن على كيف صنع حين نُزِلَ به ؟ قال : فأنشأت أُحدّثه عن
صَبره وإبائه ما تُرض عليه ، وكراهته أن يدخل فى طاعة عبيد الله بن زياد حتى
قُتل .
قال : فضرب بسوطه على مَعْرَفة برذونه ، ثم قال :-
إِنَّ الأَّلَى بالطَّف مِنْ آلِ هاشم تأسَّوْا فسَنّوا للكِرَامِ التَأَسِّيَا
(١) اللَّطَفُ : الهَدِيّة واليسير من الطعام .
(٢) الطبرى ج ٦ ص ١٦١
(٣) كذا فى الأصل الذى رجع إليه محقق المطبوع ولدى الفیروزابادى فى القاموس ( ق ف د )
القَفَدُ : أن يلف عمامته ولا يسدل عَذَبَتَه . وكذا القَفْدَاء . وذكر محقق المطبوع بالهامش بعد أن أثبت
بالمتن ((العقداء)): هكذا قرأتها ولعل المعنى الملتوية فإن العقداء من الشاء : التى ذنبها كأنه معقود ،
والعقد التواء فى ذنب الشاة
قلت : وجميع ماورد بالمطبوع وهامشه خطأ .
(٤) أى منبت عرفه من رقبته .
[ ٣٢ - الطبقات الكبير جـ ٦ ]

٤٩٨
قال : فعرفت والله أنه لن يَفِرّ وأنه سيصبر حتى يقتل (١).
قال : والشعر لسليمان بن قَتّة ، قال : ثم سار عبد الملك ، وسار مصعب ،
حتى الْتّقيا بمن معهما بمَشْكِن ، فقال عبد الملك : ويلكم ما أصبهان هذه ؟ قيل
سُرّة العراق . قال : فقد - والله - كتب إلىّ أكثر من ثلاثين رجلاً من أشراف أهل
العراق ، وكلهم يقولون : إن خِشْتُ بمصعبٍ فلى أصبهان ؟ قال : فكتبت إليهم
جميعًا : أَنْ نعم . فلما التقوا ، قال مصعب لربيعة : تقدموا للقتال . فقالوا : هذه
مخروءة بين أيدينا . فقال : ما تأتون أنتن من المخروءة - يعنى تخلفهم عن القتال
- وقد كانت ربيعة قبل ذلك مجمعة على خذلانه ، فأظهرت ذلك ، فخذله الناس
ولم يتقدم أحد يقاتل دونه .
فلما رأى مصعب ما صنع الناس وخذلانهم إياه ، قال : المرء ميت على كل
حال، فوالله لئن يموت كريمًا أحسن به من أن يَضْرَع إلى مَنْ قَد وتَرَه ، لا أستعين
بربيعة أبدًا ولا بأحدٍ من أهل العراق ، ما وجدنا لهم وفاء ، انطلق يابنى - لابنه
عيسى وهو معه - فاركب إلى عمك بمكة فأخبره بما صنع أهل العراق ، ودعنى
فإنى مقتول . فقال له ابنه : والله لا أخبر نساء قريش بشرّ عنك أبدا . قال : فإن
أردتَ أن تُقَاتِلَ ، فتقدّم فَقَاتِل حتى أخْتَسبك .
فدنا ابنه عيسى فقاتل قتالًا شديدًا حتى أخذته الرماح من كل ناحية ، وكثره
القوم فقُتِل ، ومُصعب جالسٌ على سريره ، فأقبلَ إليه نَفَر ليقتلوه فقاتَلَهم أشد
القتال حتى قُتل. وجاء عبيد الله بن ظبيان فاحتزّ رأسه فأتَى به عبد الملك بن
مَروان ، فأعطاه ألف دينار ، فأبى أن يأخذها . وكان مُصعب قُتل على نهر يقال
له : دُجَيْل (٢) ، عند دَيْرِ الجَاثَلِيقِ (٣) ، فأمر به عبد الملك وبابنه عيسى فدفنا ، ثم
(١) الطبرى ج ٦ ص ١٥٦
(٢) دجيل : فرع من نهر دجلة ، مخرجه من أعلى بغداد ، بين تكريت وبينها ، مقابل القادسية
دون سامراء .
(٣) دير قديم البناء من نواحى دُجيل على غربيه على علو منه كانت الحرب بين عبد الملك بن
مروان ومصعب بن الزبير ، وقتل مصعب بقربه ، وقبره ظاهر عليه مشهد وقبة .
مے

٤٩٩
سار عبد الملك حتى نزل النُّخَيلة ، ودعا أهل العراق إلى البيعة فبايعوه ، واستخلف
على الكوفة بشر بن مروان أخاه ، ثم رجع إلى الشام (١) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى عثمان بن محمد العُمَرِى ، عن
عمر بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، أنه قيل له : أى ابنَى الزبير كان أشجع ؟
قال : ما منهما إلّا شُجَاع، كلاهما مَشَى إلى الموت وهو يراه .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا مصعب بن ثابت ، عن أبى الأسود
عن عباد بن عبد الله بن الزبير ، قال :
وحدثنا شرحبيل بن أبى عون ، عن أبيه - وكان عالما بأمر ابن الزبير - قال :
وحدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال :
وحدثنا عبد الله بن جعفر ، عن أبى عون مولى عبد الرحمن بن مسور ، قال :
وحدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زَمْعَة ، عن عمه أبی
الحارث بن عبد الله ، قال :
وحدثنا عبد الله بن جعفر ، عن أم بكر بنت المسور ، قال : وغير هؤلاء أيضا
قد حدثنى ، وكتبت كل ما حدثونى به فى مقتل عبد الله بن الزبير ....
مقتل عبد الله بن الزبير :-
قالوا : لما قَتَل عبدُ الملك بن مروان مصعب بن الزبير ، بعث الحجاجَ بن
يوسف إلى عبد الله بن الزبير بمكة فى ألفين من جند أهل الشام ، فأقبل حتى نزل
الطائف ، فكان يبعث البعوث إلى عرفة ، ويبعث ابن الزبير بعثا ، فيلتقون فَتُهْزم
خيل ابن الزبير ، وترجع خيل الحجاج إلى الطائف ، فكتب الحجاج إلى عبد
الملك فى دخول الحرم ومحاصرة ابن الزبير ، وأن يمده برجال ، فأجابه
عبد الملك إلى ذلك ، وكتب إلى طارق بن عمرو ، يأمره أن يلحق بالحجاج ،
فسار طارق فى أصحابه وهم خمسة آلاف فلحق بالحجاج ، فنزل الحجاج من
الطائف، فحصر ابن الزبير فى المسجد ، وحج بالناس الحجاج سنة اثنتين
(١) الطبرى ج ٦ ص ١٦٠

٥٠٠
وسبعين، وابن الزبير محصور ، ثم صَدَرَ الحَجّاج وطارق حين فرغا من الحج ،
فنزلا بئر ميمون ، ولم يَطُوفا بالبيت ، ولم يَقْرَبا النساء ولا الطِّيب إلى أن قتل
ابن الزبير ، فطاف بالبيت ، وذبحا جزُرًا ، وحصر ابن الزبير ليلة هلال ذى القعدة
سنة اثنتين وسبعين ، ستة أشهر وسبع عشرة ليلة ، وقُتل يوم الثلاثاء لسبع عشرة
خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين (١) .
وقدم على ابن الزبير حُبْشَان من أرض الحبشة يرمون بالمزاريق (٢) ، فقدَّمهم
لأهل الشام ، فجعلوا يرمون بمزاريقهم ، فلا يقع لهم مزراق إلا فى إنسان ، فقتلوا
من أهل الشام قتلى كثيرة ، ثم حمل عليهم أهل الشام حملة واحدة ، فانكشفوا ،
وكان ابن الزبير يقدم أصحاب النكاية (٣) بالسيوف ، ويتقدم هو ما يستفزه
صياحهم ، وكان معه قوم من أهل مصر ، فقاتلوا معه قتالًا شديدًا ، وكانوا
خوارجًا، حتى ذكروا عثمان فتبرأوا منه ، فبلغ ابن الزبير فناكرهم ، وقال : ما بينى
وبين الناس إلا باب عثمان فانصرفوا عنه (٤).
ونصب الحجّائج المنجنيق يرمى بها أحثَّ الرمى ، وألحّ عليهم بالقتال من كل
وجه ، وحبس عنهم المِيرَة ، وحصرهم أشدّ الحصار ، حتى مجُهدَ أصحابُ ابن
الزبير ، وأصابتهم مجاعة شديدة (٥) .
وكان ابن الزبير قد وضع فى كل موضع يخاف منه مَسْلحة ، فكانت مسالحه
كثيرة يطوف عليها أهل الثبات من أصحابه ، وهم على ذلك مبلوغون من الجوع
ما يقدر الرجل يقاتل ولا يحمل السلاح كما يريد من الضعف ، وكانوا يستغيثون
بزمزم فيشربون منها ، فتعصمهم ، وجعلت الحجارة من المنجنيق يُؤْمی بها
الكعبة، حتى يؤثر فيها كأنها جيوب النساء ، ويُؤْمَى بالمنجنيق من أبى قبيس فتمرّ
الحجارة وابن الزبير يصلى عند المقام كأنه شجرة قائمة ما ينثنى ، تهوى الحجارة
(١) أورده ابن عساكر بسنده ونصه ص ٤٧٨ - ٤٧٩ نقلا عن ابن سعد .
(٢) رماح قصيرة واحدها مزراق .
(٣) نكى العدو نكاية : أصاب منه .
(٤) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٤٧٩ نقلا عن ابن سعد .
(٥) ابن عساكر ص ٤٨٠ نقلا عن ابن سعد .