النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٧٢٦ - عبد الرحمن بن أبى بكر
الصِّدّيق رضى الله عنه ، واسمه عبد الله بن أبى قُحافة ، واسمه عثمان بن
عامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَيم بن مُرّة ، وأمه أم رومان بنت عامر بن
عُوَيِر بن عبد شمس بن عَتَّب بن أذينة بن سُبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن
مالك بن كنانة (١) .
قال محمد بن سعد : وسمعتُ مَن ينسبها إلى غير هذا النسب فيقول : أمّ رُومان
بنت عامر بن عَميرة بن ذُهْل بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة (٢).
وكان لعبد الرحمن بن أبى بكر من الوَلدِ محمدٌ وهو أبو عَتِيق ، فولدُهُ يقال
لهم بَنُو أَبِى عَتِيق وأمّه أمية بنت عَدِىّ بن قَيْس بن حُذافة بن سَعد بن سهم .
وعبدُ الله بن عبد الرحمن وأمّ حَكيم ، وحَفْصةُ الكبرى وهى التى زوجتها عائِشةُ
المنذر بن الزبير ، وعبد الرحمن غائبٌ ، فلما قَدِمَ أراد نَشْخ ذلك. وقال : يُفتَاتُ
عَلَىَّ فى بَنَاتِى ، ثم رضى وأجازَ ما صنعت عائشة . وأسماء وأم كلثوم وحفصة
الصغرى وهم لأمهاتِ أولادٍ شتى .
قالوا : ولم يزل عبد الرحمن بن أبى بكر على دين قومه وشهد بدرًا مع
المشركين ، ودعا إلى المبارزَةِ فقام إليه أبو بكر الصديق ليُبارِزهُ فقال له رسول الله ،
وَّ: مَتِّعنا بنفسك، ثم أسلم عبد الرحمن بن أبى بكر فى هُدْنَةِ الحُدَيِية وهاجر
إلى المدينة، وأَطْعَمَه رسولُ الله، وَلَه، بخَيْبَر أربعين وسقًا. وكان عبد الرحمن
يكنى أبا عبد الله ، ومات سنة ثلاث وخمسين فى خلافة معاوية بن أبى سفيان بعد
سعد بن أبى وقّاص .
قال : أخبرنا يحيى بن عَبَّاد ، والحسن بن موسى قالا : حدّثنا حمادُ بن
سَلمة ، قال : أخبرنا عمارة بن أبى عمار ، قال : رأيت عبد الرحمن بن أبى بكر
الصّدّيق يخضبُ بالحِناء والكتم .
٧٢٦ - من مصادر ترجمته : الإصابة ج ٤ ص ٢٩١ ، ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج
١٤ ص ٢٧٩
(١) أورده المصنف بنصه فى ترجمة أم رومان فى القسم الخاص بطبقات النساء .
(٢) انظر ترجمة أم رومان فى القسم الخاص بتراجم النساء .

٢٢
قال : أخبرنا وكيعُ بنُ الجرّاح ، ومحمد بن عبد الله الأسدى ، عن عبد الله
ابن لاَحِق المكى ، عن ابن أبى مُليكة سمعته منه قال : مات عبد الرحمن بن أبى
بكر بالحُبُشِىّ (١) ، فحمِل حتى دُفن بمكة . قال : فقدمت عائشة من المدينة فَأَتَت
قبره فوقفت عليه فتمثلت بهذين البيتين :
وكُنّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمة حِقْبَةً من الدَّهْرِ حتى قيل: لن يَتَصدَّعَا
فلما تَفَرَّقْنَا كَأَنِّى ومَالكًا لطُولِ اجتماع لم نَبِتْ ليلةً مَعَا (٢)
ثم قالت أَمَا والله لو شهدتك مازرت قبرك ، ولو شهدتك ما حُمِلتَ من
حبشىّ ميتًا وَلَّدُفِنْتَ مكانك .
قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدى عن أيوب (٣) ، عن عبد الله بن أبى
مُليكَةً أن عبد الرحمن بن أبى بكر تُوفى فى منزلٍ له فحملناه على رقابنا ستة أميالٍ إلى
مكة وعائشةُ غائبةُ . فقَدِمَتْ بعد ذلك فقالت : أَرُونى قبرَ أخى فأَرَوها فَصَلَّت عليه .
قال : أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ ، قال : حدّثنا ابن عون ، قال : حدّثنى رجلٌ قال :
قدمت أم المؤمنين ذَا طُوَّى (٤) حين رفعوا أيديهم عن قبر عبد الرحمن بن أبى بكر،
قال : فَفَعَلَتْ يومئذ وتركت ، قال : فقالت لها امرأة : وإنك لتفعلين مثل هذا يا أمَّ
المؤمنين ؟! قالت : وما رأيتينى فعلت ؟ إِنه ليست لنا أكباد كأكباد الإبل ، قال : ثم
أمرت بفُسطاط فَضُرب على القبر وَوَكّلوا به إنساناً وارتحلت ، فقدم ابن عمر فرأى
الفسطاط مضروبًا فسأل عنه فحدثوه ، فقال للرجل : انزعه قال : إنهم وكّلونى به،
قال : وأخبرهم أن عبد الرحمن إنما يُظلّه عَملهُ (٥) .
(١) حُبْشِىّ : جبل أسفل مكة بنعمان الأراك ، يقال به شميت أحابيش قريش (ياقوت) وفى
هامش الأصل (( قال البكرى : حَبِيش بفتح أوله وكسر ثانيه: جبل بمكة ، وبه سُمَّيت الأحابيش حلفاء
قريش، لأنهم تحالفوا تحته لا ينقضون ماأقام حَبِيش. وأهل الحديث يقولون ((حُبْشِىّ)) بضم أوله
منسوب على مثال فُعْلِيّ : موضع على نحو عشرة أميال من مكة ، به مات عبد الرحمن بن أبى بكر
فجأة ؛ وصحته والله أعلم : حَبِيش)).
(٢) البيتان فى الشعر والشعراء ج ١ ص ٣٣٨، وأسد الغابة ج ٣ ص ٤٦٩
(٣) ((عن أيوب)) استدركت بهامش الأصل ، وفوقها (صح) .
(٤) ذو طوى : واد بمكة .
(٥) الخبر بنصه لدى ابن عساكر فى تاريخه - مختصر ابن منظور ج ١٤ ص ١٨٦

٢٣
قال : أخبرنا عبد الملك بن عَمرو أبو عامر العَقَدِىّ ، قال : حدّثنا نافع بن
عمر، عن ابن أبي مليكة ، أن عبد الرحمن بن أبى بكر تُوفى بالحبشى على رأس
أميال من مكة فنقله ابن صفوان إلى مكة ، فبلغ ذلك عائشة فقالت : ما آسى من
أمره إلا على خصلتين: إنه لم يُعَالَجْ ولم يُدفن حيث مات . قال نافع : وكان مات
فجأة (١) .
قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى أُوَيس المدنى الأعشى ، عن سليمان
ابن بلال ، عن علقمة بن أبى عَلقمة ، عن أمه ، أن امرأة دخلت بيت عائشة
فصلّت عند بيت النبى، وَّله، وهى صحيحة، فَسَجَدَتْ فلم ترفع رأسها حتى
مَاتَتْ ، فقالت عائشة : الحمد لله الذى يحيى ويميت ، إن فى هذا لَعِبْرَةً لى فى
عبد الرحمن بن أبى بكر ، رَقَّدَ فى مَقِيلِ له قَالَهُ ، فذهبوا يُوقظِونَهُ فوجدوه قد
مات، فدخل نفس عائشة تهمةٌ أن يكون صُنع به شرٌّ ، أَوْ عُجِلَ عليه فَدُفِن وهو
حَىّ ، فرأت أنه عِبرةٌ لها ، وذهب ما كان فى نفسها من ذلك (٢) .
قال : أخبرنا مَعن بن عيسى ، قال : حدّثنا مالك بن أنس عن يحيى بن
سعيد، قال: توفى عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق فى نوم نامَهُ ، فأعتقت عنه
عائشة أم المؤمنين رقابًا .
قال : أخبرنا وَكيع بن الجرّاح ، عن سفيان ، عن يحيى بن سعيد، عن القَاسم
ابن محمد ، أن أخًا لعائشةَ نزل منزلًا فمات فجأةً ، فأعتقت عنه عائشة رقيقًا من
تلاده ، ترجو أن ينفعه ذلك بعد موته (٣).
قال : أخبرنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن القَاسم بن
محمد ، أن عبد الرحمن بن أبى بكر تُوفى فى قائلةٍ لهُ وأن عائشةَ أختهُ زوج النبى ،
وَّ، أَعتقت عنه عبيدًا له مِن تِلاَدِهِ ، ترجو أن ينفعهُ الله بهم .
قال : أخبرنا الفضلُ بن دُكَينْ ، قال : حدّثنا سفيان ، عن ابن ◌ُجرَيْج ، عن ابن
أَبِى مُلَيْكَة ، قال : كانت عائِشة تزور قبرَ أخيها فى هَودج .
(١) الخبر بنصه لدى ابن عساكر فى تاريخه - كما أورده ابن منظور ج ١٤ ص ٢٨٥
(٢) المصدر السابق .
(٣) نفس المصدر .

٢٤
قال : أخبرنا الفضل بن دُكَيْ ، قال : حدّثنا سُفْيان ، عن منصور بن صَفِيَّة ،
عن أمهِ ، قال : مات أخْ لعائشةَ بوادِى الحُشِىّ فَحُمل من مكانه ، فأتيناها نعزّيها
فقالت : ما أجد فى نفسى إلا أننى وَددتُ أنه كان دُفن مكانهُ .
قال : أخبرنا هشام أبو الوليد الطَّيَالِسىّ، قال: حدّثنا نافع بن عمر ، عن ابن
أَبِى مُلَيْكَةَ قال: قالت عائشة: ما آسى من أمر عبد الرحمن على شىء إلا أنه لم
يُعالج ولم يُدفن حيث مات .
قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدى ، قال : حدّثنا سفيان ، عن ابن
◌ُجُرَيْج ، عن ابن أبى مُلَيْكَة ، عن القاسم بن محمد قال: مات عبد الرحمن بن أبى
بكر فعمدَ ابنه فلم يدع أحدًا من قرابته إلا أعطاهُ شيئًا . قال القاسم : فذكرته لابن
عباس فقال : ما كان ذلك له ، إنما ذاك فى الوصية أن يدُلّهُم عليها أو يأمرهم بها .
قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدّثنا خالد بن أبى عثمان القرشى ،
قال : حدّثنى أيوب بن عبد الله بن يَسار ، قال: مرّ عبد الله بن عمر على قبر
عبد الرحمن بن أبى بكر أخِى عائشة وعليه فُسطاطٌ مضروبٌ فقال للغلام : انزعهُ
فإنما يُظلهُ عمله . قال الغلام : تَضْرِئِنِي مَوْلاَتِى. فقال له ابن عمر : كلا ، فنزعه .
قال : أخبرنا سليمان بن حربٍ ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن
عبد الله بن أبى مُلَيكَة: أن عبد الرحمن بن أبى بكر حَلفَ ألاَّ يُكلّم إنسانًا ، فلما
مات قالت عائشة : يمينى فى يمين ابن أمّ رُومان .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى ، قال : حدّثنا همام بن يحيى ، عن ابن
مجرَيج ، عن ابن أبى مُلَيكَةً أنه رأى عائشةَ جائية من قبر أخيها عبد الرحمن بن أبى
بكر .
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس والحسن بن موسى الأشيب ، قالا :
حدّثنا زهير بن معاوية ، قال : حدّثنا مُروة بن عبد الله بن قُشير، قال : حدثنى ابن
أبى مُلَيْكَة ، قال : رأيت عائشة بعينيّ هاتين تزور قبر أخيها فتُسَلِّم وتُصَلِّى عليه
وتستغفر له .
قال : أخبرنا عفان بن مسلم ، قال : أخبرنا حماد بن زيد ، قال : حدّثنى
أبو التَّياح، عن عبد الله بن أبى مُليكة قال، رُحتُ من منزلى وأنا أريدُ منزل عائشة

٢٥
فتلقتنى على حمار فسألت بعض من كان معها قال : زارت قبر أخيها
عبد الرحمن .
٧٢٧ - عبد الرحمن بن عثمان
ابن عُبيد الله بن عثمان - وكان عثمان بن عمرو بن كعب يقال له شارِب
الذهب وبه كان يُلقب - ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة .
وأمه هند بنت عُمَير بن جُدْعان (١) أخى عبد الله بن جدعان . وهو ابن أخى
طلحة بن عُبَيد الله .
وكان لعبد الرحمن بن عثمان من الولد معاذٌ لأم ولدٍ ، وعثمان ، وأم أبيها ،
وهند . وأمهم جَفنةُ بنتُ الحُصين بن عبد الله بن الأعلم بن خَليع بن ربيعة بن
عُقَيل . وأم عثمان بنت عبد الرحمن وأمها أم ولدٍ (٢) .
وأسلمَ أيامَ الحديبية، وروى عن النبى، وََّ، قال: دخلنا مع النبى، وَّـ ه
فى عُمرة القَضِيَّةِ فَسَلَكَ بين الصخرتين اللتينِ فى المروة مُصْعِدًا فيها ، وروى عنه
سَعِيد بن المسيِّب .
٧٢٧ - من مصادر ترجمته : الإصابة ج ٤ ص ٣٣٢
(١) أورد المزى بخصوص أم عبد الرحمن روايتين إحداهما لخليفة والأخرى لابن سعد . دون
ترجيح لإحداهما على الأخرى فقال: ((قال خليفة بن خياط : أمه عُمَيرة بنت جُدعان بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تَيم بن مُرة أخت عبد الله بن جدعان)).
وقال محمد بن سعد: أمه هند بنت عُمَير بن جدعان أخى عبد الله بن جدعان)).
ولدى ابن حجر فى الإصابة (( أمه عميرة بنت جدعان أخت عبد الله بن جدعان)) .
(٢) أورده المزى نقلًا عن ابن سعد .

٢٦
ومن بنى مَخْزُوم بن يقظة .
٧٢٨ - خَالِدُ بنُ الوليدِ
ابن المُغِيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزُوم . ويكنى أبا سليمان . وأمهُ
عصماء، وهى لُبَابَة الصغرى بنت الحارث بن حَزْن بن بُجَير بن الهُزَم بن رُوَيْيَةَ بن
عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن قيس عَيلان . وهى أخت أم الفضل
بنتُ الحارث أم بنى العباس بن عبد المطلب .
وكان لخالد بن الوليد من الولد: المهاجرُ ، وعبدُ الرحمن لا بقية له . وعبدُ الله
الأكبر قُتل بالعراق: وأمهم أسماء بنتُ أنس بن مُدرِك الخَتَعَمِىّ . وسليمانُ بن
خالد وبه كان يكنى، وأمه كبشَةُ بنت هَؤْذَةَ بن أبى عَمْرو بن عَدّاء بن أُميّة بن
رِزَاحِ بن ربيعة بن حَرَام بن ضنّةَ بن عَبد بن كَبِير بن عُذرة مِنْ قُضَاعة . وعبدُ الله
الأصغر وأمه أم ◌َميم .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام ، قال : سمعت أبى يُحَدِّث قال : قال خالدُ بنُ الوليد : لما
أراد الله بى ما أراد من الخير قَذَفَ فى قلبى حبَّ الإسلام ، وحضرنى رشدى ،
وقلتُ قد شهدتُ هذه المواطن كلها على محمدٍ ، فليس مَوْطنٌ أَشهده إلا
انصرفت وأنا أرى فى نفسى أنى مُوضِعٌ فى غير شىء ، وأن محمدًا سيظهرُ .
ودافعتْهُ قريش بالراح يوم الحديبية فقلتُ : أين المذهَبُ ؟ وقلتُ : أخرج إلى هِرقل .
ثم قلت : أخرج من دينى إلى نصرانيةٍ أو يهودية ، فأقيم مع عجم تابعًا لهم مع
عِيبٍ ذلك عَلَىَّ! ودخل رسول الله، وَخَّر، مكة عام القَضِيَّةِ فتغيَّثُ، فكتب إِلَىّ
أَخى: لم أَرَ أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلُكَ عَقلُكَ ! ومثل الإسلام
جَهِلَهُ أحدٌ؟ وقد سألنى رسول الله، وَلَّ، عَنك فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتى
الله به فقال: ما مثل خالد جَهِلَ الإسلام ! ولو كان جعل نكايته وَحَدَّهُ (١) مع
٧٢٨ - من مصادر ترجمته : الإصابة ج ٢ ص ٢٥١ ، وقد ترجم له المؤلف مرة أخرى فيمن
نزل الشام من الصحابة .
(١) كذا فى الأصل وتحت حاء الكلمة (ح) ولدى الواقدى وابن عساكر فى تاريخه ((وَجَدِّه)).

٢٧
المسلمين على المشركين لكان خيرًا له ولقدّمناه على غيره فاستدرِكْ يا أخى
ما فاتك ، فقد فَاتَتْك مَوَاطِنُ صالحةٌ .
فلمّا جاءنى كتابُه نَشِطتُ للخروج ، وزادنى رغبةً فى الإسلام وَسَرَّتْنِى مقالةُ
رسول الله، وَلَه، وأرى فى المنام كأنى فى بلادٍ ضَيّقةٍ جَدْبةٍ ، فخرجت إلى بلدٍ
أخضَرَ واسع . فقلت: إنَّ هذه لَرُؤْيا . فذكرتها بَعدُ لأبى بكر الصِّدِّيق فقال : هو
مَخْرَجُكَ الذَّى هَداك الله فيه للإسلام ، والضِّيقُ الذى كنتَ فيه : الشِّرْكُ فأجمعت
الخروج إلى رسول الله، وَلّه، وطلبت من أَصَاحبُ فلقيت عثمان بن طلحة
فذكرت له الذى أريد فأسرع الإجابة وخرجنا جميعا فأدلجنا سَحَرًا . فلما كنّا
بالهَدةِ إذا عمرو بن العاص فقال : مرحبًا بالقوم . قُلنا : وبك ، قال : أين
مسيركم؟ فَأَخْبَرْناهُ وأَخْبَرَنا أنه يريدُ أيضًا النبى، وَلَه، لِيُسْلِم. فاصطحبنا حتى
قدمنا المدينة على رسول الله، وَّر، أول يوم من صفر سنة ثمان . فلما طلعتُ
على رسول الله ، وَّه، سلّمت عليه بالنُبَّوَةِ، فردَّ عَلَىّ السلام بوجْهٍ طَلْقٍ
فأسلمت وشهدت شهادة الحق. فقال رسول الله، وَّ: قد كنت أرى لك عقلًاً
رجوتُ أن لا يُسْلِمُك إلا إلى خيرٍ وبايعتُ رسول الله، ◌َّ، وقلت: استغفر لى
كلّ ما أوضعتُ فيه من صدٍّ عن سبيل الله ، فقال : إن الإسلام يَجُبُّ ما كان
قبلَه . قلت : يا رسول الله على ذلك ؟ فقال : اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل
ما أوضع فيه من صدِّ عن سبيلكَ .
قال خالد : وتقدم عَمْرو بن العاص وعثمان بن طلحة فأسلما وبايعا رسول الله
وَلّه، فوالله ما كان رسول الله، وَلَه، من يوم أسلمت يَعْدِل بى أحدًا من
أصحابه فيما يَخْزبه (١) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنا محمد بن عبد الله ، عن الزُّهْرى ،
عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، قال: أقطع رسول الله، وَلّر، خالد بن الوليد
مَوْضِعَ دارهٍ .
(١) الخبر بطوله لدى الواقدى فى المغازى ص ٧٤٥ - ٧٤٩ ، وكذلك لدى ابن عساكر فى
تاريخه - مختصر ابن منظورج ٨ ص ٧ - ١٠ وقد تحرفت ((يحزبه)) فى ل إلى ((يجزيه)) والصواب
من الأصل والواقدى وابن عساكر .

٢٨
قال محمد بن عمر: وإنما (١) أقطعَهُ رسول الله، وَلّ، بعد خيبر وبعد قدوم
خالد عليه ، وكانت دُورًا لحارثة بن النعمانِ ورثها من آبائه فوهبها لرسول الله ،
وَ لَره، فأقطع منها رسولُ الله، وَلَه، خالد بن الوليد وعمّار بن ياسر.
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى إسماعيل بن مُصْعَب ، عن
إبراهيم بن يحيى بن زيد بن ثابت قال: لما كان يوم مُؤتَةً وقُتل الأمراء أخذ اللواءَ
ثابت بن أقرم وجعل يصيح: يَا لَلأَنْصار ، فجعل الناس يتوبون إليه . فنظر إلى
خالد بن الوليد فقال : خُذِ اللواءَ يا أبا سليمان ، قال : لا آخذه ، أنت أحق به ،
لك سِنّ وقد شهدتَ بدرًا. قال ثابت ؟ خذْهُ أيها الرّجُلُ ، فوالله ما أخذتهُ إلا
لك! وقال ثابت للناس : آصطلحتم على خالدٍ ؟ قالوا: نعم فأخذ خالد اللواءَ
فحملهُ ساعةً وجعلَ المسلمونَ يحملون عليه، فثبتَ حتى تكَرَكَرَ (٢) المشركون ،
وحمل بأصحابه فَفَضَّ جَمعًا من جمعهم ، ثم دهمه منهم بشرٌ كثيرٌ فانحاشَ
بالمسلمين فانكشفوا راجعين (٣) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى عبد الله بن الحارث بن
الفُضَيل (٤)، عن أبيه، قال: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله، وَل:
الآن حمى الوطيسُ (٥) !
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح ، وعبد الله بن ثُمير (٦) ، ومحمد بن عُبَيد
الطنافسى ، عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن قيس بن أبى حازم ، قال : سمعت
خالد بن الوليد بالحيرة يقول : لقد انقطع فى يدى يوم مُؤْتَةً تسعةُ أسياف وصَبَرتْ
فى يدى صفيحةٌ لى يمانِيَّةٌ .
قال : أخبرنا عبد الملك بن عَمْرو أبو عامر العَقَدِى ، قال : حدّثنا الأسودُ بن
(١) وإنما: تحرفت فى ل إلى ((والمنّاء)).
(٢) تكركر الرجل فى أمره : أى تردد .
(٣) الخبر لدى الواقدى فى المغازى ص ٧٦٣ .
(٤) الفضيل: تحرف فى ل إلى ((الفضل)).
(٥) أى الآن اشتدت الحرب وانظر الخبر لدى الواقدى .
(٦) نمير: تحرف فى ل إلى ((عمير)).

٢٩
شيبان ، عن خالد بن سُمَيْر ، عن عبد الله بن رباح الأنصارى ، قال : حدّثنا
أبو قَتَادَةَ الأنصارى فارسُ رسول الله، وَلِّ، أنه سمع رسول الله، وَرَ، لما ذَكرَ
جيشَ الأمراء ونعاهم واحدًا واحدًا واستغفر لهم قال: ثم أخذ اللواء خالدٌ سيفُ
الله قال: ولم يكن من الأمراءِ، قال فرفع رسول الله، وَلَه، ضَبْعَيْهِ (١) وقال :
اللهم هو سيفٌ من سيوفك فانتصر به ، قال : فيومئذٍ سُمى خالد سيف
الله (٢) .
قال : أخبرنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنى صفوان بن عَمْرو ، عن
عبد الرحمن بن جبير بن نُفَير ، عن أبيه ، عن عوف بن مالك الأشجَعِىّ ، قال :
خرجت مع مَن خرج مع زَيد بن حارثة من المسلمين فى غزوة مُؤْثَةً وَرَافَقَنِى
مَدَدِىّ (٣) من اليمن ليس معه شىء غير سيفه ، فَتَحَرَ رجلٌ من المسلمين جَزُورًا ،
فسأله المددِىّ طائفة من جلده ، فأعطاه إياه ، فاتخذه كهيئة الدّرق ، ومضينا فلقينا
مجموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرجٌ مُذْهَبٌ وسلاحٌ مُذْهَبٌ
فجعل الرومىّ يَفْرِى (٤) بالمسلمين، وقعد له المَدَدِىّ خَلْفَ صخرةٍ فَمَرّ به الرومىّ
فَعَرْقَبَ فرسَه ، فخَرَّ وعلاه بالسيف فقتله ، وحاز فَرسَهُ وسِلاَحَه . فلما فتح الله
للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد ، فأخذ منه السَّلَب ، قال عوفٌ : فأتيتهُ فقلت :
يا خالد، أماعلمتَ أن رسول الله، وَّةٍ، قضى بالسَّلَب للقاتل؟ قال: بَلَى.
ولكنى استكثرته. فقلت: لَتَرْدَّنَّهُ إليه أو لأَعَرّفَتَّكُمَا عند رسول الله، وَرِ ، فأبى
أن يردّ عليه . قال عوف : فاجتمعنا عند رسول الله فقصصنا عليه قِصَّةَ المَدَدِىّ
وما فعل خالد: فقال رسول الله، وَلّل: يا خالد، ما حَمَلكَ على ما صنَعْتَ ؟
(١) الضَّبْع بسكون الباء: وسَطُ العَضُد: وقيل هو ماتحت الإبط .
(٢) الخبر لدى ابن عساكر فى تاريخه - مختصر ابن منظور ج ٨ ص ١٤
(٣) مددى: تصحف فى الأصل إلى (( مدرى)) وصوابه من صحيح مسلم ولدى ابن الأثير فى
النهاية (مدد) وفيه حديث عوف بن مالك ((خرجت مع زيد بن حارثة فى غزوة مؤتة ورافقنى مَدَدِىّ
من اليمن)) هو منسوب إلى المدد. وفى نفس المكان: وفى حديث أويس ((كان عُمر إذا أتى أمداد أهل
اليمن ... )) الأمداد : جمع مَدَدَ ، وهم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون المسلمين فى الجهاد .
(٤) لدى ابن الأثير فى النهاية (فرا) ومنه حديث غزوة مُؤْتَة ((فجعل الرُّومِىُّ يَفْرِى بالمسلمين)) أى
يبالغ فى النكاية والقتل. وفى سنن أبى داود ((يغرى بالمسلمين)).

٣٠
فقال: يا رسول الله استكثرتُه. فقال رسول الله، وَلّ: يا خالد رُدَّ عليه
ما أخذتَ . قال عوف فقلت : دونك يا خالد ، أَلَمْ أَفِ لك ؟ فقال رسول الله ،
وَّ: وما ذاك؟ فأخبرته فغضب رسول الله، وَّله، وقال: يا خالد، لا تردّه
عليه ، هل أنتم تاركون لى أَمَرائى؟ لكم صفوةُ أمرِهم وعليهم كدره (١) .
قال الوليد بن مسلم سألت ثور بن يزيد ، عن هذا الحديث فحدثنى عن خالد
ابن معدان ، عن جبير بن نُفَير ، عن عوف بن مالك الأشجعىِّ بنحوٍ من ذلك .
قال : أخبرنا عبد الله بن نُمير ، قال : حدّثنا إسماعيل بن أبى خالد ، عن قيس
ابن أبى حازم، قال: قال رسول الله، وَلَه: إنما خالد سيفٌ من سيوفِ الله صبَّهُ
على الكُفّار .
قال : أخبرنا يَعْلَى ومحمد ابنا عُبَيد ، قالا : حدّثنا إسماعيل بن أبى خالد ،
عن قيس بن أبى حازم، قال: قال رسول الله، وَله: لا تُؤذوا خالدًا فإنه سيفٌ
من سيوفِ الله صبَّهُ على الكفار .
قال : أخبرنا محمد بن عُبَيد ، قال : حدّثنا إسماعيل بن أبى خالد ، عن عامر
الشَّعْبِىّ ، قال : قال خالد: يا رسول الله إنهم يقعون فى عرضى فلا أستطيع إلا أن
أُدّ عليهم مثلَ ما يقولون لى. فقال رسول الله، وَلِّ: لا تُؤذوا خالدًا فإنه سيفٌ
من سيوفِ الله سَلَّهُ الله على أعدائه .
قال : أخبرنا عقّان بن مسلم ، قال: حدّثنا مهدى بن ميمون ، قال: حدّثنا
محمد بن عبد الله بن أبى يعقوب ، قال : حدثنى الحسن بن سعد مولى الحسن بن
على بن أبى طالب قال فى حديثه الذى رواه عن النبى، بَِّ، حين نَعَى زيدَ بنَ
حارثة وجَعْفرَ بنَ أبى طالب وعبدَ الله بن رَوَاحة إلى الناس قال : ثم أخذ الرايةً
سيفٌ من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى
سَبْرَةَ ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن ابن كعب بن مالك ، قال : حدّثنى نَفَرْ من
(١) أخرجه مسلم - كتاب الجهاد والسير : باب استحقاق القاتل سلب القتيل . وأبو داود :
كتاب الجهاد : باب فى الإمام يمنع القاتل السلب .

٣١
قومى حضروا يوم مُؤْتَة . قال : وأخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى داود بن
سنان ، عن ثعلبة بن أبى مالك . قال محمد بن عمر : وحدثنى خالد بن إلياس ،
عن صالح بن أبى حسان ، عن عُبَيد بن حُنَيْ ، عن أبى سعيد الخُدْرِىّ . قال :
وأخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى نافع بن ثابت ، عن يحيى بن عَبّاد ، عن
أبيه ، عن رجل من بنى مُرّة كان فى الجيش بِمُؤْتَةً ، قالوا جميعًا: لما أخذَ خالدُ بن
الوليدِ اللواءَ يومئذٍ انكشفَ الناسُ منهزمين. قال أبو سعيدِ الخُدْرِىّ فى حديثه فلما
سمع أهل المدينة بجيش مُؤْتَةً قادمين تلقّوهم بالجُرُفِ (١) ، فجعلَ الناسُ يَحثُون فى
وجوههم التراب ويقولون : يا فُرَّار ، أَفَررتم فى سبيل الله ؟ فيقول رسول الله ،
وَالله: ليسوا بفُزّار، ولكنهم كُوَّار إن شاء الله (٢)!
قال محمد بن عمر: وأمرَ رسول الله، وَلّر، خالد بن الوليد يوم فتح مكة
أن يدخل من اللِّيط فدخل فوجد جمعًا من قريش وأحابيشها ، فيهم صفوان بن
أُمية ، وعِكْرمةُ بن أبى جهل ، وسُهيل بن عَمْرو ، فمنعُوه الدخول وشهرُوا السلاح
ورموا بالنبل ، وقالوا : لا تدخلها عَنوةً أبدًا ! فصاحَ خالدُ فى أصحابه وقاتلهم ،
فقتل منهم أربعةً وعشرين رجلاً ، عشرونَ منهم من قريش ، وأربعةٌ من هُذَيل ،
وانهزموا أقبح انهزام حتى قُتلوا بالحَزْوَرَة (٣) وهم مُوَلَّون فى كل وجهٍ . ولما ظهر
رسول الله، وَل﴾، على ثنيةِ أَذاخِر نظرَ إلى البارِقةِ (٤) فقال: ما هذه البارقة ، ألم
أَنْه عن القتال ؟ قيل: يا رسول الله ، خالد بن الوليد قُوتل فقَاتل ، ولو لم يُقاتَل
ما قَاتل! فقال رسول الله، وَله: قضاء الله خير (٥) ! قال وجعل خالد بن الوليد
وهو يُقاتل خارجة بن خُوَيْلِد الكعبى (٦) يومئذٍ يتمثل بأبيات :
(١) الجُرْف : موضع على ثلاثة أميال من المدينة .
(٢) الخبر لدى الواقدى فى المغازى ص ٧٦٤ - ٧٦٥ .
(٣) الحزورة : سوق مكة وقد دخلت فى المسجد لما زيد فيه .
(٤) بارقة السيوف : لمعانها ، يقال : برق بسيفه وأبرق إذا لمع به .
(٥) لدى الواقدى الذى ينقل عنه ابن سعد ((قَضَى اللَّه خيرًا)).
(٦) كذا لدى الواقدى الذي ينقل عنه المصنف. وفى الأصل ((وهو يقاتل يومئذ يتمثل بأبيات
خارج بن خويلد الكعبى )) .

٣٢
كَلُجَّةِ بَحْرِ نال فيها سَرِيرُها
إِذَا مَا رسُولُ اللهِ فِيَا رَأَيْتَنَا
رُدَيْنِيّةٌ يَهدِى الأصم خَرِيرُها
إذا ما ارتدينا الفارسِيّةَ فوقَها
إذا ماارتديناها فإن محمداً لها ناصرٌ عَزَّتْ وعَزَّ نصيرُها
قال محمد بن عمر: أنشدنى هذه الأبيات حزام بن هشام الكعبى ، عن
أبيه (١) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى عبد الله بن يزيد الهُذلى، عن
سعيد بن عمرو الهُذلى، قال: لما فتح رسول الله، وَلّ، مكة بَثَّ السرايا،
فبعثَ خالد بن الوليد إلى العُزّى يهدمها ، فخرج خالد فى ثلاثين فارسًا من
أصحابه، فلما انتهى إليها جَرَّد سيفهُ فخرجت إليه امرأةٌ سوداء ، عُريانةٌ ، ناشرةُ
الرأس قال وأخذنى اقْشِعرَارٌ فى ظهرى، وجعل السادِنُ يصيحُ بها (٢):
أَعْزَّىَ شُدِّى شَدَّةً لا تُكَذِّبِى على خالد أَلْقِى القناعَ وَشَمِّرِى
أَعُزَّىَ إن لم تَقْتُلى المرءَ خالدًا فَبُونَّى بذنب عاجلٍ أَوْ تَنَصَّرِى (٣)
قال : وأقبل خالد بالسيف إليها وهو يقول :
[ يا عُزَّ] كُفْرَانَكِ لاَ سُبْحَانَكِ إنى وجدت اللَّه قَدْ أَهَانَكِ
قال: فضربها بالسيف فَجزَّلها باثنين، ثم رجع إلى رسول الله، وَّ فأخبره،
فقال : نعم ، تلك العُزَّى وقد آيَسَت أن تُعْبَدَ ببلاد كم أبدًا (٤) .
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمَير ، عن الأجلح ، عن عبد الله بن أبى الهُذيل ،
قال: وأخبرنا مسلم بن إبراهيم ، قال: حدّثنا محمد بن خالد بن سَلَمة المَخْزُومِيّ
أبو عبد الرحمن ، قال : حدّثنى أبى : قال: وأخبرنا عُبيد الله بن موسى ، عن
إِسْرَائيلٍ، عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن أبى الهُذيل، أن نبيّ الله، وَهُ،
بعث خالد بن الوليد إلى العُزَّى ليكسرها فجعل يضربها وهو يقول :
(١) الواقدى ص ٨٢٥ - ٨٢٦ .
(٢) البيتان لدى الواقدى ص ٨٧٣ وابن هشام ج ٤ ص ٤٣٧ .
(٣) فى الأصل ((وتنصرى)) والمثبت من المصدرين السابقين .
(٤) الواقدى ص ٨٧٤ ومابين حاصرتين منه .

٣٣
[ يا عُزّ ] كفرانكِ لا سبحانكِ إنى رأيت الله قد أَهَانَكِ
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن
حكيم بن حكيم بن عَبَّاد بن حُنَيف ، عن أبى جعفر ، قال : لما رجع خالد بن
الوليد من هَدْم العُزَّى إلى رسول الله، وَّه، وهو مقيم بمكة ، بعثه رسول الله،
وَخَّر ، إلى بنى جَذِيَمَةً وهم من كِنَانَة، وكانوا بأسفل مكة على ليلةٍ أو أقل ناحيةً
يَلَمْلَمَ (١) بموضع يُقال له الغُمَيْصَاء (٢)، فبعثه داعيًا لهم إلى الإسلام ولم يبعثهُ
مقاتلاً ، فخرج فى ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وَبَنِي سُلَيم ،
فانتهى إليهم فقالوا : نحن قومٌ مسلمون وقد صَلَّيْنا وَصَدَّقْنا بمحمد وبنينا المساجدَ
وأَذَّنا فيها . قال : فما بال السلاح عليكم ؟ قالوا : إن بيننا وبين قوم من العرب
عداوةً ، فخفنا أن تكونوا هم ، فأخذنا السلاح . قال: فَضَعُوا السلاحَ ! فوضع
القوم السلاح فأوقع بهم، وبلغ رسول الله، وَّ الخبر، فبعث عَلِىَّ بن أبى طالب
فَودَى ما أصابَ خالد منهم (٣) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنى يوسف بن يعقوب بن عُْبة ، عن
عثمان بن محمد عن عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
قال : ما عَتَبَ رسول الله، وَّرَ، على خالدٍ فيما صنع ببنى جَذِيمَةً، لأنهم إنما
ادَّعوا الإِسلام بعدَ الذى صَنَعَ بهم، ولقد كان المُقَدَّمَ عنده حتى مات ، ولقد خرج
بعد ذلك معه إلى حُنَيْْ على مُقدِّمته وإلى تَبُوك، وبعثه رسول الله، وَثُّ، مِنْ
تَبُوك إلى أَكْيَدْرِ دُوَمة (٤) الجَنَّدَل فسَبِى من سَبَى ثم صالحهم . ولقد بعثَهُ إلى بنى
الحارث بن كعب بنجران فى شهر ربيع الأول سنة عشرٍ أميرًا وداعيًا إلى الله ،
فخرج فى أربعمائة من المسلمين ، فقدِمَ عليهم فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا ولم
يقاتلوا، وكتبَ بذلك إلى رسول الله، وَله، مع بلال بن الحارث المُزنى، فكتب
(١) يَلَمْلَم : موضع على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن.
(٢) موضع فى بادية العرب قرب مكة ، كان يسكنه بنو جَذِيمة بن عامر .
(٣) راجع الواقدى : المغازى ص ٨٧٥ ومابعدها .
(٤) وورد لدى الواقدى ص ٨٨٣ الذى ينقل عنه المصنف ((إلى أكيدر، ودُومة الجندل)) والمثبت
رواية الأصل وابن عساكر فى تاريخ دمشق .
[ ٣ - الطبقات الكبير جـ ٥ ]

٣٤
إليه رسول الله، وَله: أن يقدم عليه هو وَوَفْدُ بَنِى الحارث بن كعب، فقدموا معهُ
فأنزلهم خالدٌ عليه فى منزله وأكرمهم .
ولقد خرج مع رسول الله، بََّ، فى حجة الوَدَاع، فلما حَلَقَ رسولُ الله،
وَّة، رأسه أعطاه ناصِيتَهُ فكانت فى مُقَدَّم قَلَنْسُوته، فكان لا يلقى أحدًا إلا
هزمهُ، ولقد قاتَل يوم اليَرْمُوك فوقعت قَلَنْسُوَته . فجعل يقول : القَلَتْسُوَة القَلْتْسُوَة !
فَقِيلَ له بعد ذلك : يا أبا سليمان : عجبًا لِطَلَبِك القَلَتْسُوَة وأنت فى حَوْمَةِ القتال !
فقال: إن فيها نَاصِيةَ رسولِ الله، ◌َِّ، ولم أَلْقَ بها أَحَدًا إلاَّ وَلَّى، ولقد تُوفِّى
[ خالد ] يوم تُوِّى، وهو مجاهد فى سبيل الله ، وقَبْرُهُ فى بعض قُرى حِمْص
فأخبرنى مَنْ غَسَّله وحَضَره ونظرَ إلى ما تحت ثيابه ، ما فيه مَصَحّ ، ما بين ضربةٍ
بسيف أو طعنةٍ بُرُمْحٍ أو رَمْيَةٍ بسهم (١) .
وقال : أخبرنا سعيد بن منصور ، قال : حدثنا هُشَيم ، قال : أخبرنا
عبد الحميد بن جعفر الأنصارى ، عن أبيه ، قال : لما كان يَوْمَ اليَوْمُوك فَقَدَ خالدُ بنُ
الوليد قَلَتْسُوَةً لَهُ فقال : اطلبوها ، فطلبوها فلم يجدوها ، فقال : اطلبوها فطلبوها
فوجدوها ، فإذا هى قَلَتْسُوَةٌ وَسخَةٌ. فقال: اعْتَمَرَ رسولُ الله، وَِّ ، فَحَلَقَ رَأْسَه
فَابْتَدَرَ الناسُ إلى شَعرِهِ فسبقتُهم إلى ناصيته فجعلتها فى هذه القلنسوة ، فما
شهدت قتالًا وهى معى إِلاَّ رُزِقْتُ النَّصْرَ .
قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أَبِى أُوَيْس ، قال : حدثنى سُلَيمان بن
مُسلم بن جَمَّاز (٢) القارِئِ مَوْلَى بنى زُهرة ، عن قيس بن محمد بن عبد العزيز بن
قيس، عن العباس بن عبد الله بن معبد يرفعه إلى رسول الله، وَلّر، أن خالد بن
الوليد أراد الخروج إلى مكة وأنه استأذن النبى، بَلّه، فى رجل من بنى بَكْر -
يُريد أن يَصْحَبه فقال له رسول الله، وَّةٍ: اخرج به، أخوك (٣) البِكْرىّ (٤)
(١) الخبر لدى الواقدى ص ٨٨٣ ومابين حاصرتين منه.
(٢) الضبط عن توضيح المشتبه ج ٢ ص ٤٠٠
(٣) فى الأصل: وأخوك البكرى بفتح الباء ضبط قلم . والمثبت رواية أبى داود: كتاب الأدب :
باب فى الحذر من الناس رقم ٤٨٦١ ، وكذا رواية الكنز برقم ٢٤٧٨٢ و٢٥٦٠١
(٤) بهامش الكنز نقلا عن فيض القدير (( أخوك البكرى : بكسر الموحدة ، أى الذى ولده أبواك
أولا ، وهذا على المبالغة فى التحذير ، أى أخوك شقيقك خفه واحذر منه ولا تأمنه فضلا عن الأجنبى =

٣٥
وَلاَ تَأْمَنْهُ فقال فخرج معه فاستيقظ به خالد وقد سلّ السيف يريد أن يقتله به ،
فقتله خالد بن الوليد .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون ومحمد بن عُبَيْد ومحمد بن عبد الله الأسدى ،
قالوا : حدّثنا مِسْعَر ، عن عَلْقَمَةَ بن مَرْتَد (١) ، عن عبد الرحمن بن سابط قال :
أصاب خَالِدَ بنَ الوليد أَرَقٌ فقال له رسول الله، وَلَ: ألا أُعلّمك كلماتٍ إذا
قُلْتَهُنَّ ◌ِمْتَ! قال قل: اللهم رب السموات السبع، وما أَظَلّت، ورب الأرض (٢)
وما أَقَلّت، ورب الشياطين وما أَضَلّت، كُنْ جَارِى من شَرِّ خَلْقِك كلهم جميعًا ،
أن يَفْرُطَ عَلَىّ أحدٌ منهم أو أَنْ يَطْغَى، عَّ جَارُكَ ولا إله غَيْرُكَ .
قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصارى ، قال : حدّثنا حُمَيْد الطّويل ،
قال: حدثنا بكر بن عبد الله المزنى ، أن أبا الْعَالِيَّةَ حدثهم ، أن خالد بن الوليد
اشتكى إلى النبى، وَ لّه، فقال: يا رسول الله، إنى ألقى تفزاعًا من الليل (٣) فقال
ألا أعلمك كلمات علمنيهن جبريل - قال : قال يا محمد إن عفريتًا من الجن
يكيدك - فقل : أعوذ بكلمات الله التامات التى لا يُجاوزُهّن بَرّ ولا فاجرٌ من شر
ما ينزل من السماء وَمَا يَعْرُجُ فيها، ومن شر ما ذَرَأْ فى الأرض وَمَا يَخْرُج منها،
ومن شر فتن الليل والنهار ، ومن كل طارقٍ إِلاّ طارِقًا يطرِقُ بخيرٍ يا رحمن .
قال : أخبرنا عفان بن مسلم ، قال : حدّثنا حماد بن سَلَمة ، قال أخبرنا على
ابن زَيدٍ ، عن يحيى بن جَعْدَةً، أن خالد بن الوليد اشتكى إلى رسول الله، وَّل ،
تَفْزاعًا يَجِدُهُ بالليل ، ثم ذكر مثل حديث حُمَيد الطَّوِيل عن بكرٍ .
قال : أخبرنا يحيى بن حَمّاد ، قال: حدثنا أبو عَوَانَةَ ، عَن عاصم بن كُلَيْب ،
قال : سمعتُ شَيْخَيْنْ فى المسجد ممّن سمع خالد بن الوليد ، قال أحدهما
= فالتحذير منه أبلغ . فأخوك مبتدأ ، والبكرى نعته والخبر : يخاف منه ، مقدرا ، وفيه إثبات الحذر
واستعمال سوء الظن فيمن لم يتحقق فيه حسن السيرة . قال الديلمى : وهذه كلمة جاهلية تمثل بها
رسول الله وَ لّ وقال: هذا من الحكم والأمثال)).
(١) الضبط عن ابن حجر فى التقريب .
(٢) رواية الكنز برقم ٤١٣٥٥ ((الأرضين)).
(٣) رواية الكنز برقم ٤١٣٥٤ وهو ينقل عن المصنف ((إِنّى أَجِدُ فَرَعًا بالليل)).

٣٦
لصاحبه، أتذكر ما لقينا يوم الكُمَّةِ (١) بِسُبَاطة الخيرَة؟ قال : نعم ما لقينا يومًا أشد
منه ، وقعت كُمَّةُ خالد بن الوليد فقال : التمسوها وغضب فوجدناها ، فوضعها
على رأسه ثم اعتذر إلينا فقال: لا تلومونى فإن نبيّ الله، ◌ِّله، حين حَلَقَ رأسه
انْتَهَبْنا شَعْرَهُ فوقعت ناصيتُه بيدى فجعلتها ناصيةً لى فى هذه الخِرْقَة ، فإنما شَقَّ عَلَىَّ
حين وَقَعَتْ .
قال : أخبرنا محمد بن عُبَيْد عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن زياد ، قال :
قال خالد بن الوليد عند موته : ما كان فى الأرض ليلة أحَبَّ إلىّ من ليلةٍ شديدة
الجَلِيدِ فى سَرِيَّةٍ من المهاجرين أَصَبِّحُ بهم العَدُوّ فعليكم بالجهاد (٢).
قال: أخبرنا عبد الله بن ثُمَيْر ، قال: حدّثنى إسماعيل ، عن قَيْس ، قال :
سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد منعنى كثيرًا من القراءة الجهادُ فى سبيل الله (٣).
قال : أخبرنا الفَضْلُ بن دُكَيْنْ ، قال : حدّثنا الوليد بن عبد الله بن جُمَيْع
قال : حدثنى رجل أثق به أَنّ خالدَ بنَ الوليد أَمَّ الناس بالحيرة فقرأ مِنْ سُوَرٍ شَتَّى ثم
التفت إلى الناس حين انصرف فقال : شغلنى عن تَعْلِيم القرآن الجهادُ .
قال: أخبرنا أَبُو معاويةَ الضَّرِير ، قال : حدّثنا هشامُ بن عُرْوَةَ ، عن أبيهِ ، قال :
كانت فى بنى سُليم رِدّةٌ ، فبعث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد فجمع منهم رجالاً فى
حَظَائِر ثم أحرقهم بالنار ، فجاء عمر إلى أبى بكر فقال : انْزِعْ رجلًا عَذَّبَ بعذابٍ
اللهِ! قال: فقال أبو بكر لاَ وَالله لاَ أَشِيمُ (٤) سَيْفًا سَلَّهُ الله على عبادهِ حتى يكون هو
يَشِيمُهُ قال : ثم أمره فَمَضَى من وجهه ذلك إلى مُسَيْلِمَةً (٥) .
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمَيْر ، قال : حدّثنا هشام بن عُرْوَةَ ، قال : أخبرنى
أبى أن عمر بن الخطاب قال لأبى بكر : اْزِعْ خالد بن الوليد فإنّهُ عَذَّبَ بعذابٍ
اللهِ! قال : لا أَشِيمُ سيفًا سلَّهُ الله على الكفّار حتى يكون الله الذى يَشِيمهُ .
(١) الكُتَّةُ : القَلَنْسُوةُ المُدَوَّرَة؛ لأنها تغطّى الرأس .
(٢) الخبر لدى الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٣٧٥
(٣) نفس المصدر.
(٤) أَشِمُ : أَغْمِد .
(٥) أخرجه المصنف من نفس الطريق عندما ترجم لخالد فيمن نزل الشام من الصحابة .

٣٧
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال حدثنى عُتبة بن جَبِيرَة ، عن عاصم بن عُمَر
ابن قَتَادَة ، قال: وحدثنى محمد بن عبد الله ، عنِ الزُّهْرِىّ. قال: وحدثنى أُسَامةُ
ابن زَيْدِ اللَِّىّ عن الزُّهْرِىّ، عن حَنْظَلَة بن علىّ الأَسْلَمِىّ. قال: وحدثنى مَسْلَمَةُ
ابن عبد الله بن عروة ، عن أبيه ، دخل حديثُ بعضهم فى حديث بعض قال : لما
ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ من العرب وامتنعوا من الصَّدَقَة شَاوَرَ أبو بكر الصّدّيق فى غَزْوِهِم
وقِتَالهم ، فأجمعَ البِعثَةَ إليهم ، وخرَج هو نفسهُ إلى قَنَاة فَعَشْكَرَ بها ، وأظهر أنه
يريد غَزْوَهُم بنفسِهِ لِيبَلُغَهُم ذلك فيكون أَهْيب لهم . ثم سَارَ من قَنَاة فى مائة من
المهاجرين وخالد بن الوليد يحمل لواءهُ حتى نزل بَقْعَاء (١) ، وهو ذو القَصَّة وأراد
أن يتلاحق به الناس ويكون أسرَعَ لخروجهم ، فلما تلاحقوا به استعمل خالدَ بنَ
الوليد عليهم ، وأمرَهُ أن يسير إلى أهلِ الرَِّّةِ فيقاتلهم على خمس خصالٍ : شهادة
أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله ، وإِقَامِ الصلاةِ ، وإيتاء الزكاة ، وصيام
شَهرِ رمضانَ .
ورجع أبو بكر إلى المدينة ومضَى خالد بن الوليد ومعه أهل السابقة من
المهاجرين والأنصار فأوقَعَ بأهل الرَِّّةِ من بنى تميم وغيرهم بالبِطَاحِ ، وقَتَلَ مالِكَ بن
نُوَيْرة، ثم أوقع بأهلِ بُزَاخَةَ وحَرَّقَهُم بالنار ، وذلك أنه بلغه عنهم مقالةٌ سَيَةٌ ،
شَتَموا النبى، وَّ، وثَّبَتوا على رِدَّتهم .
ثم مَضَى إلى اليَمَامَةِ فقاتلَ بها مُسَيْلِمَةً وبَنِي حَنِيفَة حتى قَتَلَ مُسَيْلِمَةً وصالحَ
خالد أهلَ اليمامةِ على الصفراءِ والبيضاءِ والحلّقَةِ والكُرَاعِ (٢) وَنصفِ السَّبْي.
وكتب إلى أبى بكر: إِنِّى لم أصالحهم حتى قُتِل من كنتُ أَقوى به ، وحتى عَجِفَ
الكُرَاعُ ونُهِكَ الخُفُّ (٣) ، ونُهِكَ المسلمون بالقتل والجراح، وقدمَ خالد بن الوليد
المدينةَ من اليمامة ومعهُ سبعة عشر رجلاً من وَقْدِ بَنِى حَنِيفَةَ فيهم مُجَّاعَةُ بن مُرَارَةً
(١) بقعاء: بالمدّ، تحرف فى الأصل إلى ((بَقْعًا)) وصوابه عن الفيروزابادى فى المغانم المطابة فى
معالم طابة . وورد لديه (( بقعاء : بالمدّ وأوله مفتوح ، اسم موضع على أربعة وعشرين ميلا من المدينة ،
خرج إليه أبو بكر لتجهيز المسلمين لقتال أهل الرِّدَّة . قال الواقدى : وبقعاء هو ذو القصة)) .
(٢) الحلقة : السلاح عامة ، أو الدرع خاصة . والكراع : الخيل .
(٣) الخف : البعير .

٣٨
وإخوتُهُ ، فلما دخل خالد بن الوليد المدينة دخل المسجد وعليه قَبَاءٌ ، عليه صَدَأُ
الحديد ، مُتَقَدِّدًا السيفَ مُعتمًّا فى عمامته أَسْهُمْ، فمرَّ بعمر فلم يكلِّمه ودخل على
أبى بكرٍ ، فرأى منه كُلَّ ما يُحِبّ ، فخرج مسرورًا، فعرفَ عمر أن أبا بكر قد
أرضاه ، فأمسَكَ عن كلامه ، وإنما كان وَجَدَ عليه عمر فيما صنعٍ بِمَالِك بن نُوَيرةَ
من قَتْلِهِ إيّاهُ ، وتَزَوُّج امرأتِهِ ، وما كان عليه فى نفسه قبل ذلك من أَمْر بنى
جَذِيمَةُ (١) .
قال محمد بن عمر: فهذا أَتْبَتُ عندنا أَنّ خالد بن الوليد رجع من اليمامة إلى
المدينة . وقد رَوَى قوْمٌ من أهل العلم أَنَّ أبا بكر الصّدّيق كتب إلى خالد حين فرغ
من أهل اليمامةِ أَنْ يَسِيرَ إلى العراق فَفَعَلَ .
قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدّثنا شيبان بن عبد الرحمن ، عن
جابر، عن عامر ، عن البَرّاء بن عَازِب . قال : وحدثنى طلحة بن محمد بن
سعيد، عن أبيه ، عن سعيد بن المُسَيَّب ، قالا : كتبَ أبو بكر الصديق إلى خالد
ابن الوليد حين فرغ من أهل اليمامة أن يسير إلى العراق ، فخرج خالد من اليمامة
فسار حتى أَتَى الحِيرَةَ فنزل بِخَقَّانِ (٢) - والمرزُبَان بالحِيرَةِ مَلِكٌ كان لكسرى ،
مَلَّكَهُ حين مات النَّعمان بن المُنْذِر - فتلقاهُ بنو قَبِيصَةَ وبنو ثَعْلَبةَ ، وعبد المسيح بن
حَيَّنِ بنِ بُقَيْلَةَ، فصالحَوه عن الحِيرَةِ وأعطوهُ الجزيةَ مائةَ ألف درهم ، على أن
يَتَنَخَّى إلى السَّوَاد ففعل ، وصالحَهم وكتب لهم كتابًا ، وكانت أولَ جزية فى
الإسلام ثم سار خالد إلى عَيْنْ الثَّمر فدعاهم إلى الإسلام فأَبَوْا، فقاتَلَهم قتالًا
شديدًا فظفَّرهُ الله بهم ، فقتل وسَبَى وبعث بالسَّبْى إلى أبى بكر الصديق . ثم نزل
بأهل أُلَّيْس: وهى قرية أسفل الفرات ، فصالحَهم ، وكان الذى وَلِىَ صُلْحَه هانىء
ابن جابر الطائىّ على ثمانين ألف درهم ، ثم سار فنزل بِبَانِقْيًا (٣) على شاطىء
(١) الخبر لدى ابن عساكر فى تاريخه كما أورده ابن منظور ج ٨ ص ١٩ وانظره كذلك لدى
الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٣٧٨
(٢) خَفَّان : بالفتح ثم التشديد وآخره نون ، موضع قرب الكوفة ، فوق القادسية .
(٣) بانِقْيا : ناحية من نواحى الكوفة ، كانت على شاطىء الفرات .

٣٩
الفُرَاتِ ، فقاتلوه ليلةً حتى الصباح ثم طَلبوا الصُّلح فصالحهم وكَتَبَ لهم
كتاباً (١) .
وصالح صَلُوبًا (٢) بن بَصْبَهْرَى - ومنزله بشاطىء الفرات - على جزية ألف
درهم، ثم كتَب إليه أبو بكر يأمره بالمسير إلى الشام ، وكتب إليه: إِّى قد
استعملتك على جندك ، وعَهدتُ إليك عهدًا تقرأهُ وتعمل بما فيه ، فَسِر إلى الشام
حتى يوافيك كتابى فقال خالد: هذا عمل عمر بن الخطاب حَسَدَنى أن يكون فتح
العراق على يدى . فاستخلفَ المُنَّى بن حارثة الشيبانى مكانَهُ ، وسَارَ بالأُدِلاَءِ حتى
نزل دُومَةَ الجَنَّدَل ، فوافاهُ كتابُ أبى بكرٍ وعَهِدُهُ مع شَرِيك بن عَبَدَةَ العَجْلانى ،
فكان أحدُ الأمراءِ بالشام خلافة أبى بكر ، وفتح بها فتوحًا كثيرة ، وهوالذى ولى
صلحَ دمشق وكتب لهم كتابا فأنفذوا ذلك له ، فلما تُوفى أبو بكر وَوَلى عمرُ بن
الخطاب عزل خالدًا عما كان عليه ، وولى أبا عبيدة بن الجَّاح ، فلم يزل خالدٌ مع
أبى عُبيدة فى مجنده يغزو ، وكان لهُ بلاءٌ وغَنَاءٌ وإقدام فى سبيل الله حتى تُوفِّى
رحمهُ الله بحِمْص سنة إحدى وعشرين، وأوصى إلى عمر بن الخطاب ودُفن فى
قريةٍ على مِيلٍ من حِمْصَ .
قال محمد بن عُمَر : سألتُ عن تلك القريةَ فقيل قَدْ دَثَرَت .
قال : أخبرنا عَقَّنُ بنُ مُسْلِم ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَة ، عن عاصم بن
بَهْدَلَةَ ، عن أبى وائل ، أن خالد بن الوليد كتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من
خالد بن الوليد إلى رستم ومهران وَمِلاَءٍ (٣) فارس: سلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدَى،
فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هُوَ ، أما بعد : فإنى أَعْرِضُ عليكم الإسلامَ ،
(١) أخرجه المصنف من نفس الطريق عندما ترجم لخالد فيمن نزل الشام من الصحابة .
(٢) صَلُوبا: تحرف فى الأصل هنا إلى ((صلويا)) وصوابه من تاريخ الطبرى والكامل لابن
الأثير . وهو مذكور لدى المصنف فيما بعد على الصواب فى ترجمته لخالد فيمن نزل الشام من
الصحابة .
(٣) وورد لدى الطبرى فى تاريخه وأبى يوسف فى الخراج ((ومَرَازِبَة فارس)). والملاء بالكسر:
الأغنياء المتمولون أو : الحسنو القضاء منهم .

٤٠
فَإِن أَقْرَزْتُمَا به فلكما ما لأهل الإسلام وعليكما ما على أهل الإِسلام ، وإن أَيُما
فإنى أعرض عليكما الجزية ، فإن أقررتما بالجزية فلكما ما لأهل الجزية ، وعليكما
ما على أهل الجزية ، وإن أَبَيْثُما فإِنّ عندى رجالًا يُحِبّون القتالَ كما تُحِبُّ فارسُ
لخَهْرَ .
قال : أخبرنا عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِى، قال: حدّثنا سُفْيَانُ بن عُبَيْنَةً ، عن
إسماعيل بن أبى خالد ، عن قيس بن أبى حازم ، قال : رأيت خالد بن الوليد أَتِىَ
بِسُمِّ فقال : ما هذا ؟ قالوا: سُمّ. فقال: بسم الله وشَرِبَه ، وأشار سفيان بيده إلى
فيه : قال عبد الله بن الزبير : وذلك بالحيرة .
قال : أخبرنا الفَضْل بن دُكَيْ ومحمد بن عبد الله الأسدى ، قالا : حدّثنا
يونس بن أبى إسحاق ، قال : حدّثنا أبو السَّفَر ، قال : نزل خالد بن الوليد الحيرة ،
فنزل عَلَى بَنِى أُمَّ الْمَرَازِبة [ فقالوا: اخْذَر السُّمَّ لا يسقيكه الأعاجم ] فقال لهم :
اْتُونِى بالسّمّ ، فلما أتَوْهُ بهِ فوضعه فى رَاحَتِه ثم قال : بسم الله ، فاقتحمه (١) فلم
يضرّهُ بإذن الله شيئًا (٢) .
قال : أخبرنا هِشَامُ بن الوليد الطَّيالسى، قال: حدّثنا شُعْبَةُ عن الحكم ، عن
قيس بن أبى حازم ، قال : أَمَّنا خالد بن الوليد باليَوْمُوك فى ثوب واحدٍ ، قد خالف
بين طرفيه، وَخَلْفَهُ أصحابُ رسول الله، وَه.
قال : أخبرنا سليمان بن حَرْب، قال حدّثنا حَمَّادُ بن سَلَمَةً ، عن عَطَاء بن
السَّائِب ، عن مُحَارِب بن دِثَّار، قال : قيل لخالد بن الوليد: إنّ فى عَشْكَرِكَ من
يشرب الخَمْرَ ، فركب دابتهُ وجَالَ فى العسكر فلقى رجلاً عَلَى مَنْسِج (٣) فرسه
زِقُّ خَمْرٍ ، فقال له : ما هذا؟ قال : خَلِّ فقال خالد: اللهم اجعله خَلَّاً . قال
فجاء الرجلُ أصحابَهُ فقال : قد أتيتكم بخمرٍ مَا شَرِبَت العربُ مثلها ، فلما فتحوهُ
(١) رواية ابن عساكر فى تاريخه كما فى المختصر (( ثم اقتحفه)) أى: شربه جميعه ورواية الأصل
هنا تتفق ورواية الذهبى فى سير أعلام النبلاء .
(٢) الخبر لدى ابن عساكر فى تاريخه كما فى المختصر ومابين الحاصرتين منه .
(٣) المَنَّسِج : ماشخص من فروع الكتفين إلى أصل العنق ، وهو بمنزلة الكاهل من الإنسان
(النهاية) .