النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
قال ابن عبّاس : فاحتملتُ عمرَ فى رهط حتى أدخلته بيته ، ثمّ صلّى بالنّاس
عبدُ الرحمن فأنكر الناس صوت عبد الرحمن فقال ابن عبّاس : فلم أزل عند عمر
ولم يزل فى غَشْيَةٍ واحدة حتى أسفر الصبح ، فلمّا أسفر أفاق فنظر فى وجوهنا
فقال : أَصَلّى الناسُ ؟ قال فقلتُ : نعم ، فقال: لا إسلامَ لمن ترك الصّلاة . ثمّ دعَا
بوضوء فتوضّأْ، ثمّ صلّى ثمّ قال: اخْرُجْ ياعبد الله بن عبّاس فسَلْ من قتلنى (١).
قال ابن عبّاس : فخرجتُ حتى فتحتُ باب الدار فإذا النّاسُ مجتمعون
جاهلون بخَبَرِ عمر ، قال فقلت : من طعن أمير المؤمنين ؟ فقالوا : طعنه عدوّ الله
أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة بن شعبة . قال فدخلتُ فإذا عمر يُبِدُّنِى (٢) النظر يَستأنى خبرَ
ما بعثنى إليه فقلتُ أرسلنى أمير المؤمنين لأسْألَ من قتله فكلّمتُ الناس فزعموا أنّه
طعنه عدوّ الله أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة بن شعبة ، ثمّ طعن معه رهطًا ، ثمّ قتل نفسه .
فقال : الحمدُ لله الذى لم يجعل قاتلى يُحاجّنى عند الله بسَجْدَةٍ سجدها له قَطّ ،
ما كانت العرب لِتَقْتُلَنى (٣).
قال سالم فسمعتُ عبد الله بن عمر يقول : قال عمر أزْسِلوا إلىّ طبيبًا ينظر
إلى جُرحى هذا . قال فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسَقَى عمر نبيذًا فشَبَه النبيذ
بالدم حين خرج من الطعنة التى تحت السرّة ، قال فدعوتُ طَبِيبًا آخر من الأنصار
ثمّ من بنى معاوية فسقاه لَئِنًا فخرج اللبن من الطعنة يَصْلِد (٤) أبيض ، قال فقال له
الطبيب : ياأمير المؤمنين أَعْهَدْ، فقال عمر: صَدَقَنى أخو بنى معاوية ولو قلتَ غير
ذلك لَكَذّبِتُك . قال فبكى عليه القومُ حين سمعوا فقال: لا تبكوا علينا ، من كان
باكيًا فَلْيَخْرُجْ، أَلَمْ تَسمعوا ما قال رسول الله، وَّهِ، قال: يُعَذَّبُ الَّتُ بَيْكَاءِ
أَهْله عليه ، فمِنْ أجل ذلك كان عبد الله بن عمر لا يُقِرّ أن يُتكى عنده على هالك
(١) ابن عساكر ص ٣٥٤ من ترجمة عمر .
(٢) كذا فى ث ، ومثله لدى ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٥٤ من ترجمة عمر ، ولدى ابن الأثير
فى النهاية (بد) ومنه حديث ابن عباس ((دخلت على عمر وهو يُبدّنى النظر استعجالا لخبر ما بعثنى
إليه)). يبدّنى النظر: أى يصوب بصره نحوى يستأنى خبر ... أى ينتظر خبر ما أرسلنى فيه ويتربص .
ورواية ل ((يُيدّفِىّ)) ومثله لدى صاحب الكنز برقم ٣٦٠٤٨ وهو ينقل عن ابن سعد .
(٣) ابن عساكر ص ٣٥٤
(٤) يصلد : أى يبرق ويبصّ .

٣٢٢
من ولده ولا غيرهم. وكانت عائشة زوج النبيّ، وَّله، تُقيمُ النّوْحَ على الهالك
من أهلها فحدّثَت بقول عمر عن رسول الله، بَّهِ، فقالت: يرحم الله عمر وابن
عمر فوالله ما كَذَبَا ولكنّ عمر وَهِلَ، إنما مَرّ رسول الله، وَّرَ، على نُوحٍ بيكون
على هالكِ لهم فقال : إنّ هؤلاء يبكون وإنّ صاحبهم ليعذّب ، وكان قد اجْتَرَمَ
ذلك (١) .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى هشام بن عمارة عن أبى الحويرث
قال : لمّا قَدِمَ غُلامُ المغيرة بن شعبة ضرب عليه عشرين ومائة درهم كلّ شهر، أربعةً
دراهم كلّ يوم . قال وكان خبيثًا إذا نظر إلى السّبى الصغار يأتى فيَمْسَحُ رءوسهم
ويَيْكى ويقول: إنّ العرب أكلت كَبِدی. فلمّا قدم عمر من مكّة جاء أبو لؤلؤة إلى
عمر يريده فوجده غاديًا إلى السوق وهو متّكِىءٌ على يد عبد الله بن الزبير فقال:
يا أمير المؤمنين إنّ سيّدى المغيرة يُكلّفُنى مالا أطيق من الضريبة ، قال عمر : وكم
كلّفك ؟ قال : أربعة دراهم كلّ يوم ، قال : وما تعملُ؟ قال: الأزْحاء، وسكت
عن سائر أعماله . فقال : فى كم تعمل الرحى ؟ فأخبره ، قال : وبِكَمْ تَبِيعُها ؟
فأخبره ، فقال : لقد كلّفك يسيرًا ، انْطَلِقْ فَأَعْطِ مولاك ما سَأَلَك . فَلّما ولّى قال
عمر: ألا تجعل لنا رَحَّى ؟ قال: بلى أجعل لك رحى يتحدّث بها أهل الأمصار.
ففزَعَ عمر من كلمته ، قال وعَلِىّ معه فقال : ما تراه أراد ؟ قال : أوعدك يا أمير
المؤمنين ، قال عمر : يكفيناه الله ، قد ظننتُ أنّه يريد بكلمته غَوْرًا .
أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله
ابن أبى بكر بن خَزْم قال : كان أبو لؤلؤة من سَبْی نهاوند .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن
سعد عن أبيه قال : لمّ ◌ُعِنَ عمر هرب أبو لؤلؤة ، قال وجعل عمر ينادى : الكلب
الكلب . قال فطَعَنَ نفرًا فأخذ أبا لؤلؤة رهطٌ من قريش عبدُ الله بن عوف الزهرىّ
وهاشم بن عتبة بن أبى وقّاص ورجل من بنِى سَهْم فطرح عليه عبد الله بن عوف
خميصةً كانت عليه فانتحر بالخنجر حين أُخذ .
(١) ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٥٤ من ترجمة عمر .

٣٢٣
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عبد الله بن نافع عن أبيه قال: إنّما
طعن نفسه به حتى قتل نفسه ، واخْتَزّ عبدُ الله بن عوف الزهرىّ رأسَ أبى لؤلؤة .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن
محمّد بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال : سمعتُ عمر يقول لقد طعننى
أبو لؤلؤة وما أظنّه إلاّ كلبًا حتى طعننى الثالثة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة
عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: لمّ ◌ُعن عمر بن الخطّاب اجتمع الناس إليه ،
البدريّون المهاجرون والأنصار ، فقال لابن عبّاس : اخْرُجْ إليهم فَسَلْهُم : عن ملأٍ
منكم ومشورة كان هذا الذى أصابنى ؟ قال فخرج ابن عبّاس فسألهم فقال القوم :
لا والله ولَوَدِدْنَا أنّ الله زاد فى عمرك من أعمارنا .
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح قال : أخبرنا الأعمش عن إبراهيم التيمى عن
عمرو بن ميمون قال : رأيتُ عمر بن الخطّاب يومَ أُصيب عليه إزارٌ أصفر ، قال
وكنتُ أَدعُ الصفّ الأوّل هيبةً له وكنتُ فى الصفّ الثّانى يومئذٍ ، قال فجاء فقال:
الصلاةَ عِبادَ الله اسْتَؤُوا ، ثمّ كبر ، قال فطعنه طعنة أو طعنتين ، قال وعليه إزارٌ
أصفر قد رفعه على صدره فأهوى وهو يقول: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾
[ سورة الأحزاب: ٣٨]. قال ومال على النّاس فقَتَل وَجَرَحَ بضعة عشر، فمال الناس
عليه فاتّكأ على خنجره فقَتَل نفسه (١) .
قال : أخبرنا أبو معاوية الضرير قال : أخبرنا الأعمش عن إبراهيم التيمى عن
عمرو بن ميمون قال : لما طُعن عمر تلك الطعنة انصرف وهو يقول : وكان أمر الله
قَدَرًّا مقْدورًا ، قال فطلبوا القاتل وكان عبدًا للمغيرة بن شعبة ، وكان فى يده
خنجر له طرفان ، قال فَجَعَلَ لا يدنو منه أحَدٌ إلا طعنه فَرَحَ ثلاثة عشر رجلًاً ،
فأفْلَتَ أربعة ومات تسعة ، أو أفلت تسعة ومات أربعة .
قال : أخبرنا الفضل بن دكين قال : أخبرنا مِسْعَرٌ عن مهاجر عن عمرو بن
ميمون قال : صلّى عمر الفجر فى العام الذى أصيب فيه فقرأ: ﴿لَآَ أُقِْمُ بِهَذَا
اَلْبَلَدِ ﴾ [ سورة البلد: ١] و﴿ وَاَلِتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [ سورة التين: ١].
(١) ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٥٨ من ترجمة عمر ،

٣٢٤
قال : أخبرنا يحتى بن حَمّاد قال: أخبرنا أبو عوانَة عن رَقَبَة بن مَصْقَلَة عن
أبى صَخْرة عن عمرو بن ميمون قال : سمعتُ عمر بن الخطّاب حين طُعن يقول :
وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا﴾ [ سورة الأحزاب: ٣٨] (١) .
قال : أخبرنا الفضل بن ذُكين قال : أخبرنا العُمَرىّ عن نافع عن ابن عمر عن
عمر أنّه كان يكتب إلى أمراء الجيوش : لا تَجْلبوا علينا من العلوج أحدًا جرت عليه
المواسى . فلمّا طعنه أبو لؤلؤة قال : من هذا ؟ قالوا : غلام المغيرة بن شعبة ، قال :
أَلَمْ أَقُلْ لكم لا تجلبوا علينا من العلوج أحدًا ؟ فغلبتمونى .
قال : أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسى قال : أخبرنا شعبة قال : أنبأنا
أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون قال : شهِدتُ عمر من حين طُعِن وطَعن الذى
طعنه ثلاثة عشر أو تسعة عشر فأمّنا عبدُ الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين فى
القرآن ، بالعَصْرِ وإذا جاء نَصْرُ الله ، فى الفجر .
قال : أخبرنا يَغْلى بن عبيد قال : أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب
قال : طَعَنَّ الذى طَعَنَ عمرَ اثنى عشر رجلًا بعمر فمات منهم ستّة بعمر وأفْرَقَ ستّةٌ .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر عن عمر بن أبى عاتكة عن أبيه عن ابن عمر قال :
لمّ طُعن عمر حُمل فغُشى عليه فأفاق فأخَذْنَا بيده ، قال ثمّ أخذ عمر بيدى
فأجلسنى خلفه وتساند إلىّ وجِرَاحُه تَثْعَبُ (٢) دَمَّا إنّى لأُضَعُ إصبعى هذه الوسطى
فما تسدّ الرَّثْق، فتوضْأ ثمّ صلّى الصبْح فقرأ فى الأولى وَالعَصْرِ، وفى الثانية ﴿قُلّ
يَأَيُّهَاَ اُلْكَفِرُونَ﴾ [ سورة الكافرون ] .
قال : أخبرنا وهب بن جرير وسليمان بن حرب قالا : أخبرنا جرير بن حازم
قال : سمعتُ يعلى بن حكيم يحدّث عن نافع قال : رأى عبد الرحمن بن عوف
السكّين التى قُتل بها عمر فقال : رأيتُ هذه أمس مع الهرمزان وجُفينة فقلتُ :
ما تصنعان بهذه السكّين ؟ فقالا: نَقْطعُ بها اللحم فإنّا لا تَمَسَّ اللحمَ . فقال له
عبيد الله بن عمر: أنتَ رأيتَها معهما ؟ قال : نعم . فأخذَ سَيفه ثمّ أتاهما فقَتَلَهُما
(١) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٥٨ من ترجمة عمر .
(٢) تثعب دما : أى تجرى .

٣٢٥
فأرسل إليه عثمان فأتاه فقال : ما حَمَلك على قَتل هذين الرجلين وهما فى ذِمّتنا ؟
فأخذ عبيد الله عثمان فصرعه حتى قام الناس إليه فحجزوه عنه ، قال وقد كان
حين بعث إليه عثمان تَقَلّدَ السيف فعزم عليه عبد الرحمن أن يضعه فوضعه .
قال : أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقىّ المكّ قال : أخبرنا مسلم بن
خالد قال : حدّثنى عبيد الله بن عمر عَن نافع عن أسلم أنّه لما طُعن عمر قال : مَن
أصابنى ؟ قالوا: أبو لؤلؤة، واسمه فَتِرُوزُ، غلام المغيرة بن شعبة ، قال : قد نهيتكم
أن تجلبوا علينا من علوجهم أحدًا فعصيتمونى .
قال : أخبرنا وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة عن أبيه عن المِشْوَر بن
مخرمة أنّ ابن عبّاس دخل على عمر بعدما طُعن فقال : الصلاةَ ، فقال : نعم
لاحظٌ لامرىءٍ فى الإسلام أضاعَ الصّلاة . فصلّى والجُرُجُ يَشْعَبُ دمًا .
قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ عن أيّوب بن أبى مليكة عن المشْوَر
ابن مخرمة أنّ عمر لمّ طُعِن جَعَلَ يُغْمى عليه فقيل إنّكم لَنْ تُفْزِعوه بشيءٍ مثل
الصّلاة إن كانت به حياة ، فقال : الصلاة يا أمير المؤمنين ، الصّلاة قد صُلّيَتْ ،
فانتبه فقال : الصلاة هاءَ الله إذًا ولاحظّ فى الإسلام لمن ترك الصّلاة ، قال فصَلّى
وإنّ جرحه ليثْعَبُ دمًا .
قال : أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدىّ قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر
عن أمّ بكر بنت المِشْوَر عن أبيها المسور بن مخرمة قال : دخلتُ على عمر بن الخطّاب
حين طُعن أنا وابن عبّاس وأوذِنَ بالصّلاة فقيل: الصلاةَ يا أمير المؤمنين ، قال فرفع رأسه
فقال: الصلاةَ، ولاحظّ فى الإسلام لمن ترك الصّلاة (١) . قال فصلّى وإنّ جرحه ليثعب
دمًا ، قال ودُعى له طبيبٌ فسقاه نبيذًا فخرج مشاكلًا للدم ، فسقاه لبنًا فخرج أبيض
فقال : يا أمير المؤمنين اعْهَدْ . فذاك حين دعا أصحاب الشورى .
قال : أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدى قال : أخبرنا مِشعر عن
سِماك قال : سمعتُ ابن عبّاس قال : دخلتُ على عمر حين طُعِن فجعلتُ أُثْنِى
عليه فقال : بأىّ شىءٍ تُثنى علىّ ، بالإمرةِ أو بغيرها ؟ قال : قلتُ بكلّ ، قال :
لَيْتَنِى أُخْرُجُ منها كَفافًا لا أَجْرَ ولا وِزْرَ .
(١) ابن عساكر ص ٣٧٩ من ترجمة عمر .

٣٢٦
قال : أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسى وعبيد الله بن موسى عن مِشْعَر عن
سِماك الحَنَفى قال : سمعتُ ابن عبّاس يقول: قلتُ لعمر مَصَّرَ الله بك الأمصار
وفتح بك الفتوح وفعل بك وفعل ، فقال: لوددت أنى أنجو منه لا أجْرَ ولا وِزْرَ (١).
قال : أخبرنا معن بن عيسى قال : أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن
أبيه قال : لمّ حضرت عمر بن الخطّاب الوفاةُ قال : بالإمارة تَغبطوننى؟ فوالله
لوددت أنى أنجو كَفافًا لا علىّ ولا لى. قال مالك : فقال سليمان بن يسار للوليد
ابن عبد الملك ذلك . فقال : كذبتَ ، فقال سليمان أو كُذبتُ .
قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى أويس عن سليمان بن بلال عن
محمد بن أبى عتيق وموسى بن عقبة قالا : قال ابن شهاب أخبرنا سليمان بن يسار
عن حديث المشور بن مخرمة عن عمر ليلةَ طُعن دخل هو وابن عبّاس فلما أصبح
أفْزَعوه وقالوا: الصّلاة ، ففزع فقال: نعم ولاحظّ فى الإسلام لمن ترك الصّلاة ،
فصلّى والجُرْحُ يَثْعَبُ دمًا .
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بن يونس عن كثير النّاءِ عن أبى
عبيد مولى ابن عبّاس عن ابن عبّاس قال : كنتُ مع علىّ فسمعنا الصيحة على عمر ،
قال فقام وقمتُ معه حتى دخلنا عليه البيتَ الذى هو فيه فقال : ما هذا الصوت ؟
فقالت له امرأة : سقاه الطبيب نبيذًا فخرج وسقاه لبنًا فخرج ، فقال: لا أرى تُمْسى ،
فما كنْتَ فاعِلًا فافْعَلْ . فقالت أمّ كلثوم: واعمراه ! وكان معها نسوة فبكين معها
وارِتَجّ البيتُ بكاءً فقال عمر: والله لو أنّ لى ما على الأرض من شىء لافتديتُ به من
هَوْل المُطّلَع . فقال ابن عبّاس: والله إنّى لأرجو أن لا تراها إلاّ مقدار ما قال الله :
﴿ وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [سورة مريم: ٧١]، إن كنتَ ما عَلمنا لأمير المؤمنين وأمين
المؤمنين وسيّد المؤمنين تَقْضى بكتاب الله وتَقْسِمُ بالسويّة ، فأعجبه قولى فاستوى
جالسًا فقال : أَتَشْهَدُ لى بهذا يابن عبّاس ؟ قال فكففتُ فضرب على كتفى فقال :
اشهد لى بهذا يابن عبّاس، قال قلت : نعم أنا أَشْهَدُ (٢).
قال : أخبرنا هَوْذة بن خليفة قال : أخبرنا ابن عون عن محمّد بن سيرين قال :
لمّ طُعن عمر جعلَ النّاس يدخلون عليه فقال الرجل : انظر ، فأدخل يده فنظر ،
(١) ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٦٢ من ترجمة عمر .
(٢) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٦٥ من ترجمة عمر نقلا عن ابن سعد.

٣٢٧
فقال : ما وجدت ؟ فقال : إنى أجده قد بقى لك من وَتِينِك (١) ما تَقضى منه
حاجتك ، قال : أنت أصدقُهم وخيرُهم . قال فقال رجل : والله إنّى لأرجو أن
لا تَمَسّ النارُ جِلْدَك أبدًا. قال فنظر إليه حتى رثينا أو أوينا له ثمّ قال : إنّ عِلْمَك
بذلك يافلان لقليلٌ، لو أنّ ما فى الأرض لى لافتديتُ به من هول المطّلَعِ (٢).
قال : أخبرنا هَؤْذة بن خليفة قال : أخبرنا عوف عن محمّد قال : قال ابن عبّاس لما
كان غداةً أصيب عمر كنتُ فيمن احتمله حتى أدخلناه الدار ، قال فأفاق إفاقة فقال :
من أصابنى؟ قلت : أبو لؤلؤة غلامُ المغيرة بن شعبة ، فقال عمر: هذا عملُ أصحابك،
كنتُ أريد أن لا يَدْخُلها عِلْجٌ من السبى فغلبتمونى على أن غُلِبْتُ على عقلى، فاحْفَظْ
منى اثنتين : إنى لم أستخلف أحَدًا ولم أَقْضِ فى الكلالة شيئًا ، قال عوف وقال غيرُ
محمّد إنّه قال : لم أَقْضِ فى الجَدّ والإخوة شيئًا .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا وهيب قال : أخبرنا عبد الله بن
طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنّه دخل على عمر لما أصيب فقال : ياأمير المؤمنين إنّما
أصابك رجلٌ يقال له أبو لؤلؤة ، فقال : إنّى أَشْهِدكم أنى لم أَقضِ فى ثلاثة إلا بما
أقول لكم ، جعلتُ فى العبد عبدًا وفى ابن الأُمَة عَبْدَيْن .
قال : أخبرنا عقّان بن مسلم قال : أخبرنا أبو عَوانة قال : أخبرنا داود بن عبد
الرحمن الأؤدى عن حميد بن عبد الرحمن الحِمْيَرِىّ قال : أخبرنا ابن عبّاس
بالبصرة قال : أنا أوّل من أتى عمر بن الخطّاب حين طُعن فقال: احْفَظْ منى ثلاثًا ،
فإنى أخاف أن لا يُدْركَنِى النّاسُ، أمّا أنا فلمْ أقضٍ فى الكلالة قضاءً ، ولم
أستخلف على الناس خليفة ، وكلّ مملوك لى عتيق ، قال فقال له الناس :
اسْتَخْلِفْ، فقال : أىّ ذلك ما أفعل فقد فَعَلَه من هو خير منّى ، إنْ أَتْرُكْ للناس
أمْرَهم فقد تركه نبيّ الله، وََّ، وإِنْ أَسْتَخْلِفْ فقد استخلف من هو خير منی
أبو بكر ، فقُلْتُ : أَبْشِرْ بالجَنَّة ، صاحبتَ رسولَ الله فأطلْتَ صُحبتَه ، وَوَلِيتَ أَمرَ
المؤمنين فقوّيتَ وأدّيتَ الأمانَة ، فقال: أمّا تبشيرك إيّاى بالجنّة فوالله الذى لا إله إلّ
هو لو أنّ لى الدنْيا وما فيها لافتديتُ به من هول ما أمامى قبل أن أُعْلَمَ الخبر ، وأمّا
(١) الوتين : عرق يسقى العروق كلها الدم ، إذا انقطع مات صاحبه .
(٢) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٦٩ نقلا عن ابن سعد .

٣٢٨
قولك فى إمْرَة المؤمنين فوالله لوددتُ أنّ ذلك كَفاف لا لى ولا علىّ ، وأمّا
ما ذكرتَ من صُحبة رسول الله، مَّ، فذاك (١).
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن محمّد
عن أبى سعيد الخُدْرىّ قال : كنتُ تاسعَ تسعةَ عشر رجلًا حين طُعن عمر فأدخلناه
فشكا إلينا ألَمَ الوَجَع .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة قال : أخبرنا يوسف
ابن سعد عن عبد الله بن جُنين عن شدّاد بن أوس عن كعب قال : كان فى بنى
إسرائيل ملكٌ إذا ذكرناه ذكرنا عُمَرَ وإذا ذكرنا عمر ذكرناه ، وكان إلى جنبه نبىّ
يوحَى إليه فأوحى الله إلى النبيّ، وَله، أن يقول له: اعْهَدْ عَهدك واكتبْ إلىّ
وَصِيَّك فإنّك ميّتٌ إلى ثلاثة أيّام ، فأخبره النبىّ بذلك ، فلمّا كان فى اليوم الثالث
وقع بين الجَدْرِ وبين السرير ثمّ جَأَرَ إلى ربّه فقال : اللهمّ إن كنتَ تعلمُ إنى كنتُ
أَعْدِلُ فى الحكم ، وإذا اختَلَفَتِ الأمورُ اتَّعْتُ هواك وكنتُ وكنتُ ، فزدنى فى
عمرى حتى يكبرَ طِفْلى وترْبُو أَمَّتى . فأوحى الله إلى النبيّ أنّه قد قال كذا وكذا
وقد صَدَقَ وقد زدته فى عمره خمس عشرة سنة ، ففى ذلك ما يَكْبَرُ طفلُه وتربو
أمّتُه . فلمّا طُعن عمر قال كعب : لَئِنْ سَأَلَ عمر ربه لَيَثْقِيَتَهُ الله، فأُخْبِرَ بذلك عمرُ
فقال عمر : اللهمّ اقْبضْنى إليك غير عاجزٍ ولا ملوم (٢).
قال : أخبرنا محمد بن عبيد والفضل بن دُكين قالا : أخبرنا هارون بن أبى
إبراهيم عن عبد الله بن عبيد بن عمير أنّ عمر بن الخطّاب لمّا طُعن قال له النّاسُ :
يا أمير المؤمنين لو شربت شربة ، فقال : اشْقونى نبيذًا، وكان من أحبّ الشراب
إليه ، قال فخرج النبيذ من جرحه مع صَديد الدم فلم يَتَبَيّنْ لهم ذلك أنّه شرابه
الذى شرب ، فقالوا : لو شربتَ لبنًا ، فأتى به فلمّا شرب اللبن خرج من تجرحه ،
فلمّا رأى بياضه بكى وأبْكَى من حوله من أصحابه ، فقال : هذا حينٌ ، لَوْ أنّ لى
ما طَلَعَتْ عليه الشمس لافتديتُ به من هَوْلِ المُطْلَع ، قالوا: وما أبكاك إلّ هذا ؟
قال : ما أبكانى غيره ، قال فقال له ابن عبّاس : يا أمير المؤمنين والله إنْ كان
إسلامك لنصرًا وإن كانت إمامتك لفتحًا، والله لقد مَلأتْ إمارتك الأرض عدلا،
(١) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٦٣ من ترجمة عمر.
(٢) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٦٠ من ترجمة عمر نقلا عن ابن سعد .

٣٢٩
ما من اثنين يختصمان إليك إلّ انتهيا إلى قولك. قال فقال عمر: أجلسونى، فلمّا
جلس قال لابن عباس : أعِدْ علىّ كلامك ، فلمّا أعاد عليه قال : أتشهد لى بذلك
عند الله يومَ تلقاه ؟ فقال ابن عبّاس: نعم ، قال ففرح عمر بذلك وأعجبه (١).
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمير عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمّد أنّ
عمر بن الخطّاب حين ◌ُعن جاءَ الناس يُثْنونَ عليه ويودّعونَه فقال عمر: أبا الإمارة
تُركّونَنِى؟ لقد صَحِبْتُ رسول الله، وَّهِ، فقبض الله رسوله وهو عنى راضٍ ، ثمّ
صحبتُ أبا بكرٍ فسمعتُ وأطعتُ فتوّى أبو بكر وأنا سامع مطيع ، وما أصبَحْتُ
أخافُ على نفسى إلا إمارتَكم هذه .
قال : أخبرنا يحيى بن خُليف بن عقبة قال : أخبرنا ابن عون عن محمّد بن
سيرين قال: لمّ طُعن عمر جعل الناس يدخلون عليه فقال: لو أنّ لى ما فى الأرض
من شىء لافتديتُ به من هَوْل المُطَّلَعِ (٢) .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى
قال : دعا عمر بن الخطّاب بلبن بعدما طُعن فشرب فخرج من جِراحته فقال : الله
أكبر ، فجعل جلساؤه يثنون عليه فقال: إنّ مَن غَرِّهُ عمرهُ لمغرورٌ ، والله لوددتُ
أَنّى أخرج منها كما دخلتُ فيها ، والله لو كان لى ما طلعت عليه الشمسُ
لافتديتُ به من هول المُطْلَع .
قال : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرى عن أبيه عن صالح بن كيسان
عن ابن شهاب قال : أخبرنى سعيد بن المسيّب أنّ عبد الرحمن بن أبى بكر
الصّدّيق قال حين قُتل عمر : قد مررتُ على أبى لؤلؤة قاتلٍ عمر ومعه ◌ُفينة
والهرمزان وهم نَجِّ فلمّا بَغَتُهُم ثاروا فسقط من بينهم خنجرٌ له رأسان ونصابه
وسطه ، فانْظُروا ما الخنجر الذى قتل به عمر ، فوجدوه الخنجر الذى نَعَتَ عبد
الرحمن بن أبى بكر ، فانطلق عبيدُ الله بن عمر حين سمع ذلك من عبد الرحمن
ابن أبى بكر ومعه السيف حتّى دعا الهرمزان فلمّا خرج إليه قال : انْطَلِقْ معی حتّى
ننظر إلى فرس لى ، وتأخّر عنه حتّى إذا مضى بين يديه عَلَاهُ بالسيف ، قال عبيد
الله : فلمّا وجد حرّ السيف قال : لا إله إلّ الله ، قال عبيد الله : ودعوتُ مجفينة
(١) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٦٨ من ترجمة عمر نقلا عن ابن سعد .
(٢) ابن عساكر ص ٣٦٧ من ترجمة عمر .

٣٣٠
وكان نصرانيًا من نصارى الحيرة ، وكان ظِئْرًا لسعد بن أبى وقّاص أقدمه المدينة
للمِلْح الذى كان بينه وبينه ، وكان يعلِّمُ الكتاب بالمدينة ، قال عبيد الله : فلمّا
علوتُه بالسيف صَلّبَ بين عينيه ، ثمّ انطلق عبيد الله فقَتَلَ ابنة لأبى لؤلؤة صغيرة
تدّعى الإسلام ، وأراد عبيد الله أن لا يترك سَبْيًا بالمدينة إلاّ قَتَلَه، فاجْتَمَعَ
المهاجرون الأوّلون عليه فنهوه وتوعّدوه فقال: والله لأَقْتُلَّهُم وغيرَهم ، وعَرَّضَ
ببعض المهاجرين فلم يزل عمرو بن العاص به حتّى دفع إليه السيف ، فلمّا دفع إليه
السيف أتاه سعد بن أبى وقّاص فأخذ كلّ واحد منهما برأس صاحبه يتَنَاصَيان حتى
حُجز بينهما ، ثمّ أقبلِ عثمانُ قبل أنْ يُبَايَعَ له فى تلك اللّيالى حتّى واقع عبيد الله
فتناصيا، وأظْلَمَت الأرضُ يومَ قَتَلَ عبيد الله جُفينةَ والهرمزانَ وابنةً أبى لؤلؤة على
الناس ، ثمّ مُحُجِزَ بينه وبين عثمان ، فلمّا استُخلِفَ عثمانُ دعا المهاجرين والأنصار
فقال : أشيروا علىّ فى قتل هذا الرجل الذى فتق فى الدين ما فتق ، فاجتمع
المهاجرون على كلمة واحدة يُشايعون عثمان على قتله وجُلّ الناس الأعظمُ مع
عبيد الله يقولون لجُّفينة والهرمزان أَبْعَدَهما الله: لعلّكم تريدون أن تُتبعوا عمرَ ابنَه ؟
فكثر فى ذلك اللّغطُ والاختلاف ثمّ قال عمرو بن العاص لعثمان : يا أمير المؤمنين إنّ
هذا الأمر قد كان قبل أن يكون لك على الناس سلطانٌ فأعْرِضْ عنهم . وتَفَرّقَ
النّاسُ عن خطبة عمرو وانتهى إليه عثمان وؤُدىَ الرجلان والجارية (١).
قال محمد بن شهاب : قال حمزة بن عبد الله : قال عبد الله بن عمر : يَرْحَمُ
الله حَفْصَةً فإنّها تمن شجّع عبيد الله على قتلهم .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى موسى بن يعقوب عن أبيه عن جدّه
قال : جَعَلَ عثمان يومئذٍ يناصى عبيد الله بن عمر حتى نظرتُ إلى شعر رأس عبيد
الله فى يد عثمان ، قال ولقد أظلمت الأرض يومئذٍ على الناس .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى موسى بن يعقوب عن أبى وَجْزَة
عن أبيه قال : رأيتُ عبيد الله يومئذٍ وإنّه ليناصى عثمان ، وإنّ عثمان ليقول :
قاتَلَكَ الله قتلتَ رجلاً يصلّى وصبيّةً صغيرة وَآخَرَ من ذِمّةِ رسول الله، وَهِ ،
ما فى الحقّ تَرْكُك! قال فعجِبْتُ لعثمان حين وَلَى كيف تَرَكَه، ولكنّنى عرفتُ أنّ
عمرو بن العاص كان دخل فى ذلك فَلَفَته عن رأيه .
(١) أورده الذهبى فى تاريخ الإسلام ص ٢٩٦ من عهد الخلفاء الراشدين .

٣٣١
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عتبة بن جَبِيرَةَ عن عاصم بن عمر
ابن قتادة عن محمود بن لَبيد قال : ما كان عبيد الله يومئذٍ إلا كهيئة السّبُع
الحَّب، وجعل يعترض العَجَمَ بالسيف حتى حُبس يومئذ فى السجن ، فكنت
أحْسِبُ لو أنّ عثمان وَلَى سَيَقْتُلُه لِما كنتُ أراه صَنَعَ به ، كان هو وسعدٌ أشدّ
أصحاب رسول الله، وَّر ، عليه .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر أنّ عمر أوصى
إلى حفصة ، فإذا ماتت فإلى الأكابر من آل عمر .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال : أخبرنا همّام بن يحبّى عن قتادة
قال : أوصى عمر بن الخطّاب بالرُّبْع .
قال : أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقىّ قال : أخبرنا مسلم بن خالد
عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب لم يتشهّد فى وصيته .
قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ ومحمد بن عبد الله الأنصارىّ
وإسحاق بن يوسف الأزرق وعبد الوهاب بن عطاء العجلى عن ابن عون عن نافع
عن ابن عمر قال: أصابَ عمرُ أرضًا بخَيْبَرَ فأتى النبيَّ، وَله، فاستأمَره فيها
فقال : أصبتُ أرضًا بخيبر لم أُصِبْ مالًا قطّ أنفسَ عندى منه ، فما تأمر به ؟ قال :
إن شئتَ حَبَسْتَ أَصلَها وتصدّقتَ بها ، قال قتصدّقَ بها عمرُ، قال لا يُباعُ أصلُها
ولا توهَبُ ولا تورثُ ، وتصدّق بها فى الفقراء والقُرْبَى وفى الرّقاب وفى سبيل الله
وابن السبيل والضيف ، لا جناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأْكُلَ منها بالمعروف ويُطعِمَ
صديقًا غيرَ مُتَمَوِّل (١) فيها . قال ابن عون فحدّثتُ به محمد بن سيرين فقال : غيرَ
مُتأثّل مالًا ، قال إسماعيل قال ابن عون وحدّثنى رجل أنّه قرأ فى قطعة أدم ،
أو رقعة حمراء ، غير متأثّل (٢) مالًا (٣).
قال : أخبرنا مطرّف بن عبد الله اليسارى قال : أخبرنا عبد الله بن عمر عن
(١) ث ((فيه)).
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية ( أَثَلَ) وفى حديث مال اليتيم ((فليأكل منه غير مُتَأْثل مالا)) أى
غير جامع . يقال مال مُؤَثَّل ، أى مجموع ذو أصل .
(٣) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ٢٣٠

٣٣٢
نافع عن ابن عمر أنّ أوّل صدقةٍ تُصُدّقَ بها فى الإِسلام ثَمْغٌ (١) صَدَقَةُ عُمَرَ بن
الخطاب .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا الضحاك بن عثمان عن عثمان بن
عروة قال : كان عمر بن الخطّاب قد استسلف من بيت المال ثمانين ألفًا فدعا عبد
الله بن عمر فقال : بِعْ فيها أموالَ عمر فإن وَفَتْ وإلّ فسَلْ بنى عدىّ فإن وفَتْ
وإلّ فسَلْ قريشًا ولا تَعْدُهم (٢) .
قال عبد الرحمن بن عوف : ألا تستقرضها من بيت المال حتى تُؤدّيَها ؟ فقال
عمر : معاذَ الله أن تقولَ أنتَ وأصحابك بعدى أما نحن فقد تركنا نصيبنا لعمر
فَتَعُرُّونِى بذلك فَتَتْبَعَنِى تَّبِعَتُهُ وأَقَعَ فى أمر لا يُنْجينى إلا المخْرَجُ منه. ثمّ قال لعبد
الله بن عمر : اضْمَنْها ، فضمنها ، قال فلم يُدْفَنْ عمر حتى أَشْهَدَ بها ابنُ عمر
على نفسه أهلَ الشورى وعدّةً من الأنصار ، وما مضت جمعةٌ بعد أن دُفن عمر
حتى حَمَلَ ابن عمر المالَ إلى عثمان بن عفان وأحضر الشهود على البراءة بدفع
المال .
قال : أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة قال : حدّثنى عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر قال : حدّثنى يحيى بن أبى راشد النصرىّ أنّ عمر بن الخطّاب لمّا حضرته
الوفاة قال لابنه : يابنىّ إذا حضرتنى الوفاةُ فاحرفنى وَاجْعَلْ رُكْبَتَيْكَ فِى صُلْبِى
وضع يدك اليمنى على جبينى ويدك اليسرى على ذَقْنى، فإذا قُبِضْتُ فَأَغْمِضْنِى ،
واقْصِدُوا فى كفنى فإنّه إنْ يكن لى عند الله خيرٌ أَبْدَلَنى خيرًا منه، وإن كنتُ على
غير ذلك سلبنى فأسْرَعَ سَلْبِى ، واقْصِدوا فى حفرتى فإنّه إنْ يكن لى عند الله خيرٌ
وَسّعَ لى فيها مَدّ بصَرى ، وإن كنتُ على غير ذلك ضَيْقَهَا عَلَىّ حتى تَخْتَلِفَ
(١) لدى الفيروزابادى فى المغانم المطابة فى معالم طابة ص ٨٠ ((ثمغ : موضع بخيبر ، وكان
مالا لعمر بن الخطاب . وأضاف قائلا : وفى البخارى أن عمر بن الخطاب تصدق بمال يقال له ثمغ
وكان نخلا. فقال: يارسول الله، استفدت مالا وهو عندى نفيس فأردت أن أتصدق به، فقال ◌َله
تصدق بأصله ، ولا يباع ولا يُوهَب ، ولا يورث ، ولكن ينفق ثمره . فتصدق به عمر رضى الله عنه -
الحديث .
(٢) ابن عساكر ص ٣٥٦ من ترجمة عمر .

٣٣٣
أضْلاعى ، ولا تُخْرِجُنّ معى امرأةٌ ، ولا تُزَكّونى بما ليس فيّ ، فإنّ الله هو أعلم
بى، وإذا خرجتم بى فأسرعوا فى المَشْى فإنّه إنْ يكن لى عند الله خيرٌ قَدمْتمونى
إلى ماهو خير لى ، وإن كنْتُ على غير ذلك كنتم قد ألْقَيْتُمْ عن رقابكمْ شَرًّا
تَحْمِلُونَه (١) .
قال : أخبرنا محمد بن عبد الله بن يونس قال : أخبرنا أبو الأحوص عن ليث
عن رجل من أهل المدينة قال : أوصى عمر بن الخطّاب عبدَ الله ابنه عند الموت
فقال : يابنىّ عليك بخصال الإيمان ، قال : وما هنّ ياأبتِ ؟ قال : الصوم فى شدّة
أيام الصيف ، وقتل الأعداء بالسيف ، والصبر على المصيبة ، وإسباغ الوضوء فى
اليوم الشاتى ، وتعجيل الصلاة فى يوم الغَيْم ، وترك رَدْغة الخبال . قال فقال :
وما ردغة الخبال ؟ قال : شُوْب الخمر .
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة بن علىّ بن زيد عن
أبى رافع أنّ عمر بن الخطّاب قال لسعيد بن زيد وعبد الله بن عمر وعبد الله بن
عبّاس : اعْلَمُوا أنى لم أَسْتخلِف وأنّه من أدرك وفاتى من سَبْى العرب من مال الله
فهو حُرّ .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عبد الله بن عمر عن حفص عن
نافع عن ابن عمر أنّ عمر أوصى عند الموت أن يُغْتَقَ من كان يُصلّى السجدتين من
رقيق الإمارة وإن أحَبّ الوالى بعدى أن يَحْدُموه سنتين فذلك له .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا ربيعة بن عثمان أنّ عمر بن الخطّاب
أوصى أن تُقَرّ عُمَّالُه سنةً ، فأقرّهم عثمان سنة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن
محمّد بن سعد قال : وحدّثنى أبو بكر بن إسماعيل بن محمّد بن سعد عن أبيه
عن عامر بن سعد قال : قال عمر بن الخطّاب إنْ وَلّيْتُمْ سعدًا فسبيلُ ذاك وإلاّ
فَلْيَسْتَشِرْهِ الوالى فإنّى لم أعْزِلْه عن سخطة .
قال : أخبرنا وهب بن جرير قال : أخبرنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن
(١) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٨٣ من ترجمة عمر .

٣٣٤
عبد الله بن عامر بن ربيعة أنّ عمر قال لعبد الله بن عمر ورأسُهُ فى حجْره : ضَغْ
خَدّى فى الأرض ، فقال : وما عليك فى الأرض كان أو فى حجْرى ؟ قال : ضَعْه
فى الأرض، ثمّ قال: ويُلٌ لى ولأمّى إنْ لم يغفر الله لى، ثلاثًا (١).
قال : أخبرنا يزيد بن هارون ووهب بن جرير وكثير بن هشام قال : أخبرنا
شعبة عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : رأيتُ
عمر بن الخطّاب أخذ تِثْنَةً من الأرض فقال : ليتنى كنتُ هذه التبنة ، ليتنى لم
أَخْلَقْ ، ليتَ أمّى لم تَلِدْنى، ليتنى لم أكُ شيئًا ، ليتنى كنتُ نَشْيًا منسيًّا .
قال : أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثى قال : أخبرنا مالك بن أنس
قال : وأخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا : أخبرنا حمّاد بن زيد
جميعًا عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عن عثمان
ابن عقّان قال : أنا آخِرُكُم عَهْدًا بعمر ، دخلتُ عليه ورأسه فى حجر ابنه عبد الله
ابن عمر فقال له : ضَعْ خدّى بالأرض ، قال: فهل فَخِذِى والأرض إلا سواءٌ ؟
قال: ضع خدّى بالأرض لا أمّ لك ، فى الثانية أو فى الثالثة ، ثمّ شَبَكَ بين رجليْه
فسمعتُه يقول : ويلى وويلَ أمّى إن لم يغفر الله لى ، حتى فاظت نفسه (٢).
قال : أخبرنا قبيصة بن عقبة قال : أخبرنا سفيان عن عصام بن عبيد الله قال :
حدّثنيٍ أبان بن عثمان عن عثمان قال : آخِرُ كلمة قالها عمر حتى قضى : ویلی
وويلٌ أَمّى إنْ لم يغفر الله لى ، ويلى وويل أمّى إن لم يغفر الله لى ، ويلى وويل أمّى
إنْ لم يغفر الله لی !
قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى أويس قال : أخبرنا سليمان بن بلال
عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن عاصم بن عبيد الله عن سالم بن
عبد الله أنّ عمر بن الخطّاب قال : ليتنى لم أكن شيئًا قطّ ، ليتنى كنتُ نسيًا
منسيًّا، قال ثمّ أخذ كالتّبْنَةِ أَو كالعود عن ثوبه فقال : ليتنى كنتُ مثلَ هذا .
قال : أخبرنا أبو بكر بن محمّد بن أبى مُرّة المكّى قال : حدّثنی نافع بن عمر
قال: حدّثنى ابن أبى مُلَيْكة أنّ عثمان بن عفّان وضع رأس عمر بن الخطّاب فى
حجْره فقال : أعِدْ رأسى فى التراب ، ويلٌ لى وويلٌ لأمّى إنْ لم يغفر الله لى !
(١) ابن عساكر ص ٣٨٢
(٢) ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٨١ من ترجمة عمر .

٣٣٥
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن زید عن أتوب عن ابن أبى
مُليكة قال : لمّ طُعن عمر جاءَ كعب فجعل بيكى بالباب ويقول : والله لو أنّ
أمير المؤمنين يُقْسِمُ على الله أَنْ يُؤْخّرَه لأُّرَه ، فدخل ابن عبّاس عليه فقال :
يا أمير المؤمنين هذا كعب يقول كذا وكذا ، قال: إذًا والله لا أسأله . ثمّ قال: ويلٌ
لى ولأمّى إنْ لم يغفر الله لی !
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا حريز بن عثمان قال : أخبرنا حبيب
ابن عبيد الرحَبى عن المقدام بن مَعْدِيكَرب قال : لمّ أصيب عمر دَخَلَتْ عليه
حَقْصَةُ فقالت : ياصاحب رسول الله ويا صِهْرَ رسول الله ويا أمير المؤمنين ، فقال
عمر لابن عمر : ياعبد الله أجْلِسْنِى فلا صَبَّر لى على ما أسمع ، فأسنده إلى صدره
فقال لها : إنى أَحَرَّجُ عليْك بما لى عليك من الحقّ أن تَنْدُبِينِى بعد مجلسك هذا
فأمّا عَيْنُك فلن أَمْلِكَهَا، إنّه ليس من مَيّبٍ يُنْدَبُ بما ليس فيه إلا الملائكة تَمْقُتُه (١) .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حماد بن سلمة قال : أخبرنا ثابت
عن أنس بن مالك أنّ عمر بن الخطّاب لمّ طُعِن عَوّلَت حفصةُ فقال : ياحفصة
أما سمعت النبيّ، وَّه، يقول إنّ المُعَوَّلَ عليه يُعَذَّبُ ؟ قَالَ وعَوّلَ صُهِيْبٌ فقال
عمر : ياصُهيب أما علمتَ أنّ المُعَوَّلَ عليه يُعَذَّبُ ؟
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا هشام بن حسّان عن محمّد قال :
وأخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال : أخبرنا ابن عون عن محمّد قال : لما
أصيب عمر محمل فأُدخل فقال صُهيب : وأخاه ! فقال عمر : ويحك يا صُهيب
أما علمت أن المُعُوَّل عليه يُعذّب ؟
قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : أخبرنا أبو عقيل قال : أخبرنا محمد بن
سيرين قال : أتى عمر بن الخطّاب بشراب حين طُعِن فخرج من جِراحته ، فقال
صهيب : واعمراه وا أخاه ، مَنْ لنا بعدك؟ فقال له عمر: مَوْ ياأخى أما شَعَرْتَ أَنّه
من يعوَّل عليه يعذَّب ؟
(١) فى متن ل (نَمَقَتْه)) والمثبت من ث مضبوطا ضبط قلم هكذا . ومثله لدى ابن عساكر فى
تاريخه ص ٣٨٥ من ترجمة عمر ، وهو ينقل عن ابن سعد ، وابن الجوزى فى مناقب عمر ص ٢٥٣
وأخرجه صاحب الكنز برقم ٤٢٩٠٤ وروايته هناك (( ... إلا الملائكة تلعنه)) والمعنى على رواية ل : أن
الملائكة تكتب كل ذلك وتحصيه .

٣٣٦
قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّى قال : أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن عبد
الملك بن عُمير عن أبى بُودَة عن أبيه قال: لمّ طُعِن عمر أقْبل صُهيب يبكى رافعًا
صوته ، فقال عمر : أعلىّ ؟ قال : نعم ، قال عمر : أما علمتَ أنّ رسول الله ،
وَه، قال مَنْ يُنْكَ عليه يُعَذَّبُ ؟
قال عبد الملك : فحدّثنى موسى بن طلحة عن عائشة أنّها قالت : أولئك
يُعَذَّب أمواتُهم ببكاءِ أحيائهم، تعنى الكُفّار .
قال : أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب وهشام بن عبد الملك أبو الوليد
الطيالسى قالا : أخبرنا الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أنّ عمر نهى أهله أن
بیکوا عليه .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَة عن
خالد بن رباح عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب أنّ عمر بن الخطّاب صلّى فى
ثيابه التى مجرحَ فيها ثلاثًا .
قال: أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أُسامة قال : أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أنّ
عمر بن الخطّاب أرسل إلى عائشة: ائْذَنى لى أن أُذْفَنَ مع صاحبَىّ . قالت : أى
والله ، قال فكان الرجل إذا أُرسل إليها من الصحابة قالت : لا والله لا أَبَّهم بأحَدٍ
أبدًا .
قال : أخبرنا معن بن عيسى قال : أخبرنا مالك بن أنس أنّ عمر بن الخطّاب
استأذن عائشة فى حياته فأذِنَتْ له أن يُدْفَنَ فى بيتها ، فلمّا حضرته الوفاة قال : إذا
مِتّ فاستأذنوها فإن أذنَتْ وإلاّ فدعوها فإنى أخشى أن تكون أذِنَتْ لى لسلطانى .
فلمّا مات أذنتْ لهم .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنی نافع بن أبى نُعيم عن نافع عن ابن
عمر قال : وحدّثنى عبد الله بن عمر عن سالم أبى النضر عن سعيد بن مَرْجانَة عن
ابن عمر أنّ عمر قال : اذْهَبْ ياغلام إلى أمّ المؤمنين فقل لها إنّ عمر يسألك أن
تأذنى لى أن أُدْفَنَ مع أخَوَىّ ثمّ ارْجِعْ إلىّ فأخبرنى. قال فأرسَلَتْ أنْ نَعَمْ قد أذِنْتُ
لك، قال فأرسل فحُفر له فى بيت النبيّ، وَلَّ، ثمّ دعا ابن عمرَ فقال: يابُنىّ إنى
قد أرسلتُ إلى عائشة أستأذنها أن أُدفنَ مع أخَوَىّ فأذِنَتْ لى وأنا أخشى أن يكون

٣٣٧
ذلك لمكان السلطان ، فإذا أنا مِتّ فاغْسِلْنى وكَفّى ثمّ احملْنى حتى تقف بى على
باب عائشة فتقول هذا عمر يستأذن، تقول : أَلِجُ ؟ (١) فإنْ أذنت لى فادفنى
معهما وإلا فادفنى بالبقيع . قال ابن عمر : فلمّا مات أبى حملناه حتى وقفنا به
على باب عائشة فاستأذنها فى الدّخول فقالت ادْخُلْ بسلام (٢) .
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى كثير بن زيد عن المطّلب بن عبد
الله بن حنطب قال: لما أرسل عمر إلى عائشة فاستأذنها أن يُدفن مع النبىّ، وَلَه ،
وأبى بكر فأذِنَتْ قال عمر : إنّ البيت ضَيَقٌ ، فدعا بعَصًا فأتىَ بها فقدّر طوله ثمّ
قال : احْفِروا على قَدْرِ هذه .
قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس المدنى قال : حدّثنى أبى عن
يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبى بكر بن محمّد بن عمرو بن حَزْم وغيرهما عن
عَمرة بنت عبد الرحمن الأنصاريّة عن عائشة قالت : ما زِلْتُ أضع خِمارى
وأتَفضّلُ (٣) فى ثيابى فى بيتى حتى دُفن عمر بن الخطّاب فيه ، فلم أزَلْ متحفّظة
فى ثيابى حتى بَنَيْتُ بينى وبين القبور جِدارًا فتفضّلتُ بعدُ (٤).
قالا: ووصفت لنا قبر النبيّ، وَله، وقبر أبى بكر وقبر عمر، وهذه القبور
فى سَهْوة (٥) بيت عائشة .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى محمّد بن موسى عن إسحاق بن
(١) فى متن ل ((يقول الّخ)) وبالهامش: ((جميع النسخ بها الخ (بوضع نقطة تحت كل من
الحرفين الأخيرين). أقول: ((والنقطة التى أشار إليها ساخاو بأنها موضوعة تحت كل من الحرفين
الأخيرين إنما هى الكسرة تحت اللام ونقطة الجيم التى وضحتهما رواية ث المثبتة هاهنا)). ومثلها لدى
ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٨٣ من ترجمة عمر ، وهو ينقل عن ابن سعد .
(٢) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٨٣ من ترجمة عمر ، نقلا عن ابن سعد .
(٣) لدى ابن الأثير فى النهاية ( فضل) وفى حديث امرأة أبى حذيفة ((قالت: يارسول الله إن
سالمًا مولى أبي حذيفة يرانى فُضُلًا)) أى متبذلة فى ثياب مِهْنَتى. يقال: تفضلت المرأة إذا لَبِست ثياب
مِهْنَتِها أو كانت فى ثوب واحد .
(٤) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ٢٥٩
(٥) لدى ابن الأثير فى النهاية ( سها) وفيه (( أنه دخل على عائشة وفى البيت سَهْوَةٌ عليها سِتْرٌ))
السهوة : بيت صغير منحدر فى الأرض قليلا، شبيه بالمُخْدَع والخزانة . وقيل هو كالصُّفَّة تكون بين يدى
البيت وقيل : شبيه بالرّفّ أو الطاق يوضع فيه الشئ.
[ ٢٢ - الطبقات الكبير جـ ٣ ]

٣٣٨
عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال : أرسل عمر بن الخطّاب إلى أبى
طلحة الأنصارىّ قُبَيل أن يموتَ بساعة فقال : يا أبا طلحة كُنْ فى خمسين من
قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى فإنّهم فيما أحْسِبُ سيجتمعون
فى بيت أحدهم ، فقُم على ذلك الباب بأصحابك فلا تَتْرِْ أحدًا يَدْخُلُ عليهم
ولا تتركهم يَمْضى اليومُ الثالث حتى يُؤمّروا أحدَهم ، اللّهمّ أنت خليفتى عليهم .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى مالك بن أبى الرّجال قال : حدّثنی
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال : وافَى أبو طلحة فى أصحابه ساعةً قُبِرَ عُمر
فَلَزِمَ أصحابَ الشّورى ، فلمّا جعلوا أمرهم إلى ابن عوف يَخْتَارُ لهم منهم لَزِمَ
أبو طلحة بابَ ابن عوف فى أصحابه حتى بايع عثمانَ بن عفّان .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال : أخبرنا همّام بن يحتى قال :
أخبرنا قتادة أنّ عمر بن الخطاب طُعن يوم الأربعاء ومات يوم الخميس ، رحمه الله .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى أبو بكر بن إسماعيل بن محمّد بن
سعد عن أبيه قال : طُعن عمر بن الخطّاب يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بقين من ذى
الحجّة سنة ثلاث وعشرين ودُفن يوم الأحد صَباحَ هلالِ المحرّم سنة أربع وعشرين ،
فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلة من مُتَوفّى أبى بكر
الصّديّق على رأس اثنتين وعشرين سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا من الهجرة ،
وبُويعَ لعثمان بن عفّان يوم الاثنين لثلاث ليالٍ مضين من المحرّم . قال فذكرتُ ذلك
لعثمان بن محمّد الأخْنسى فقال : ما أراك إلا قد وَهِلت ، توفّى عمر لأربع ليالٍ
بقين من ذى الحجّة وبويعَ لعثمان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذى الحجّة فاسْتَقْبَلَ
بخلافته المحرّم سنة أربع وعشرين .
قال : أخبرنا يحيى بن عبّاد قال : أخبرنا شعبة قال : أخبرنى أبو إسحاق عن
عامر بن سعد عن جَرير (١) أنّه سمع معاوية يقول : توفّى عمر وهو ابن ثلاث
وستين .
(١) جَرِير: تحرفت فى ل وطبعتى إحسان وعطا إلى ((حريز)) وصوابه من ث، والمزى ج ١٤
ص ٢٣ والمراد به جرير بن عبد الله البجلى .

٣٣٩
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا شَريك بن عبد الله عن أبى إسحاق
قال : مات عمر وهو ابن ثلاثٍ وستّين سنة .
قال محمد بن عمر : ولا يُعْرَفُ هذا الحديث عندنا بالمدينة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن
أبيه قال : توفّى عمر وهو ابن ستّين سنة ، قال محمّد بن عمر: وهذا أثبت الأقاويل
عندنا وقد رُوى غيرُ ذلك .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عبد الله بن عمر العمرى عن نافع
عن ابن عمر أنّه توفّى وهو ابن بضع وخمسين سنة .
قال : وأخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهرىّ
قال : توفّى عمر وهو ابن خمسٍ وخمسين سنة .
قال محمد بن سعد : وأخبرتُ عن هُشيم عن علىّ بن زيد عن سالم بن عبد
الله مثلَه .
قال : أخبرنا مَغْن بن عيسى قال : أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر
أنّ عمر بن الخطّاب ◌ُسَلَ وكُفّن وصُلّى عليه وكان شهيدًا (١).
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمير قال : أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن
عمر قال : غُسلَ عمر وكُفّنَ ومحتّط .
قال : أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثى قال : أخبرنا عبد العزيز بن
مسلم عن عبد الله بن دينار عن نافع عن ابن عمر أنّ عمر بن الخطّاب غُسل وكُفّن
وصلّى عليه وكان شهيدًا .
قال : أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسى قال : أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله
عن أبيه عن ابن عمر أنّ عمر غُسل وكُفّن وحُّط وصُلّى عليه وكان شهيدًا.
قال : أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسى وسليمان بن حرب قالا : أخبرنا شعبة
ابن الحجّاج قال: سمعتُ فُضَيلًا يحدّث عن عبد الله بن مَعْقِل أنّ عمر بن
الخطّاب أوصى أن لا يُغَسّلوه بمِشْك أو لا يُقرّبوه مسكًا .
(١) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٨٥ من ترجمة عمر .

٣٤٠
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن
عمر قال : غُسّل عمر ثلاثًا بالماء والسّدْر .
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح ومحمّد بن عبد الله الأسدىّ عن سفيان عن
عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر أنّ عمر كُفّن فى ثلاثة أثواب ، قال
وكيع ثوبين سَحوليتّين (١)، وقال محمّد بن عبد الله الأسدىّ صُحَارِيَّين (٢)،
وقميصٍ كان يلبسه .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن
عن عمر أنّه كُفّن فى قميص وحُلّة .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا حفص بن غياث عن الحجّاج عن
فُضَيل عن عبد الله بن مَعْقِل أنّ عمر قال : لا تجعلوا فى حَنوطى مِشْكًا .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى قيس بن الربيع عن محمّد بن عبد
الرحمن بن أبى ليلى عن الفضيل بن عمرو قال : أوصى عمر ألاّ يُتْبَعَ بنارٍ ولا تَتْبَعَه
امرأةٌ ولا يُحَتّطَ بِسْك .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى هشام بن سعد قال : حدّثنى من
سمع ابن عكرمة بن خالد يقول : لمّ وُضعَ عمر ليُصَلّى عليه أقبل علىّ وعثمان
جميعًا واحدهما آخذٌ بيد الآخر فقال عبد الرحمن بن عوف - ولا يَظُنّ أنّهما
يسمعان ذلك - قد أوشكتما يابنى عبد مناف ، فسمعاها فقال كلّ واحد منهما :
قم ياأبا يحتَى فصَلّ عليه ، فصَلّى عليه صُهَيْبٌ (٣) .
: (١) لدى ابن الأثير فى النهاية ( سحل) فيه (( أنه كُفّن فى ثلاثة أثواب سَحُوليّة ليس فيها قميص
ولا عمامة)) يروى بفتح السين وضمها ، فالفتح منسوب إلى السَّحول ، وهو القَصّار؛ لأنه يشْحَلُها :
أى يغسلُها ، أو إلى سَحُول وهى قرية باليمن . وأما الضم فهو جمع سَخْل، وهو الثوب الأبيض النقى،
ولا يكون إلّا من قُطن . وقيل إن اسم القرية بالضم أيضا .
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية (صحر) فيه (( كُفِّن رسول الله مَّ فى ثوبين صُحارتّين)) صُحار:
قرية باليمن نُسب الثوبُ إليها . وقيل هو من الصُخْرة ، وهى حُمرة خفيّة كالغُبرة . يقال ثوب أصْخَر
وصُحارِىّ .
(٣) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٨٦ من ترجمة عمر، نقلا عن ابن سعد ..