النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
بدَقِيقٍ فَيَنْخَلَ فى خرقة ثمّ آمُرَ به فيُخْبَرَ خبزًا رقاقًا وَآمُرَ بصاع من زبيب فيُقْذَف فى
سُعْن (١) ثمّ يُصَبّ عليه من الماء فيُصبحَ كأنه دَمُّ غزال ؟ فقال: إنى لأراك عالماً
بطيب العيش ، فقال : أجَلْ ! والّذى نفسى بيده لولا أن تنتقص (٢) حَسَنَاتى
لَشَارَكْتُكم فى لين عيشكم .
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن سعيد الجريرى
عن أبى نَضْرة عن الربيع بن زياد الحارثى أنّه وفد إلى عمر بن الخطّاب فأعجبته
هيئته ونحوه فشكا عمر طعامًا غليظًا أكله ، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين إنّ أَحَقّ
الّاس بطعامٍ لَيْنّ ومركبٍ ليّنّ وملبسٍ لَيْنّ لأَنْتَ . فرفع عمر جريدة معه فضرب بها
رأسه وقال: أما والله ما أراكَ أَرَدتَ بها الله وما أردتَ بها إلاّ مقاربتى إن كُنْتُ
لأخْسِب أنّ فيك [ خيرًا ] ويحك ! هل تَدْرى ما مثلى ومثل هؤلاء ؟ قال :
وما مثلك ومثلهم؟ قال : مثلُ قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم ، فقالوا
له : أَنْفِقْ علينا : فهل يَحِلّ له أن يستأثر منها بشىء ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ،
قال: فكذلك مثلى ومثلهم (٣) .
ثمّ قال عمر : إنى لم أستعمل عليكم عُمّالى ليضربوا أبشاركم وليشتموا
أعراضكم ويأخذوا أموالكم ولكنى استعملتهم ليعلّموكم كتابَ ربّكم وسنّه
نبيكم، فمن ظَلَمَه عاملُه بمظلمة فلا إذنَ له علىّ ليرفعها إلىّ حتّى أَقِصّه منه . فقال
عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين أرأيت إنْ أَدّبَ أميرٌ رجلاً من رعيته أَتُقِصّه منه ؟
فقال عمر: وما لى لا أَقِصّه منه وقد رأيت رسول الله، وَلَه، يُقِصّ من نفسه؟
وكتب عمر إلى أمراء الأجناد : لا تَضْرِبوا المُسلمين فتُذِلّوهم ولا تَحْرِموهم
فُتُكْفِرُوهم ولا تُجمّرُوهم فَتَفْتِنوهم ولا تُنْزِلوهم الغِياض فتُضَيّعوهم (٤) .
(١) فى النهاية ( سعن) فى حديث عمر ((وأمرتُ بصاع من زَبيب فجعل فى سُعْن)) الشعن:
قِرْبة أو إداوة يُنْتَبَذُ فيها وتعلق بوتِدٍ أو جذع نخلة .
(٢) فى ل ((تنتقض)) وبالهامش: الشيخ محمد عبده (تنتقص ) وآثرت قراءة الشيخ اعتمادا
على رواية ث . وفى طبعتى إحسان وعطا ((تنتقض)).
(٣) أورده ابن شبة فى تاريخ المدينة ج ٢ ص ٦٩٧ ، وابن عساكر فى تاريخه ص ٢٥٥ من
ترجمة عمر ، وابن الجوزى فى مناقب عمر ص ١٨ ، وابن منظور فى مختصر تاريخ دمشق ج ١٨
ص ٣٢٩ ومابين حاصرتين مما ذكر .
(٤) تاريخ ابن عساكر ص ٢٣٦ من ترجمة عمر .

٢٦٢
قالوا: إنّ رسول الله، وَه، لمّا تُوفى واسْتُخلف أبو بكر الصّدّيق كان يقال
له خليفةُ رسول الله، وَّله، فلمّا توفى أبو بكر، رحمه الله، واستُخلف عمر بن
الخطّاب قيل لعمر خليفة خليفة رسول الله، وَلَّه، فقال المسلمون: فمن جاء بعد
عمر قيل له خليفة خليفة خليفة رسول الله ، عليه السلام ، فيطول هذا ، ولكن
أَجْمِعُوا على اسم تدعون به الخليفة يُدْعَ به مَنْ بعده من الخلفاء ، فقال بعض
أصحاب رسول الله، وَلّ: نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدُعى عمر أمير المؤمنين
فهو أوّل من سُمّى بذلك (١)، (*) وهو أوّل من كتب التاريخ فى شهر ربيع الأوّل
سنة ستّ عشرة فكتبه من هجرة النّبيّ، وَ ل﴿، من مكّة إلى المدينة، وهو أوّل من
جمع القرآن فى الصّحُف ، وهو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان وجَمَعَ النّاس على
ذلك وكتب به إلى البلدان ، وذلك فى شهر رمضان سنة أربع عشرة ، وجعل
للنّاس بالمدينة قارِئَين، قارئًا يُصلّى بالرّجال وقارِئًا يصلى بالنساء.
وهو أوّل من ضرب فى الخمر ثمانين واشتدّ على أهل الرّيَب والتّهم وأحرق
بيت رُويشد الثقفى وكان حانوتًا وغَرّبَ ربيعة بن أَميّة بن خلف إلى خيبر وكان
صاحب شراب ، فدخل أرضَ الرّوم فارتدّ ، وهو أوّل من عَسّ فى عمله بالمدينة
وحمل الدِّرّة وأَدّبَ بها ، ولقد قيل بعده لَدِرَةُ عمر أَهْيَبُ من سيفكم .
وهو أوّل من فتح الفتوح وهى الأرضون والكُوَر التى فيها الخراج والفَىءُ، فتح
العراق كلّه ، السواد والجبال ، وأذربيجان وكور البصرة وأرضها وكور الأهواز
وفارس وكور الشأم ما خلا أجنادين فإنّها فتحت فى خلافة أبى بكر الصّديق ،
رحمه الله .
وفتح عمر كور الجزيرة والموصل ومصر والإسكندريّة ، وقُتِل ، رحمه الله ،
وخَيْلُه على الرىّ وقد فتحوا عامّتها ، وهو أوّل من مسح السواد وأرض الجبل
ووضع الخراج على الأرضين والجزية على جماجم أهل الذمّة فيما فتح من البلدان ،
فوضع على الغنى ثمانيةً وأربعين درهمًا وعلى الوسط أربعةً وعشرين درهمًا وعلى
(١) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ٦٦ نقلا عن ابن سعد .
(*) من هذه العلامة إلى مثلها فى الصفحة التالية أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ٦٨ -
٧٠ نقلا عن ابن سعد .

٢٦٣
الفقير اثنى عشر درهمًا ، وقال : لا يُعْوِزُ رجلًا منهم درهمٌ فى شهر، فبلغ خراج
السواد والجبل على عهد عمر ، رحمه الله ، مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف
وافٍ ، والواف درهم ودانقان ونصف ، وهو أوّل من مصّر الأمصار : الكوفة
والبصرة والجزيرة والشأم ومصر والموصل ، وأنزلها العرب ، وخطّ الكوفة والبصرة
خططًا للقبائل ، وهو أول من استقضى القضاة فى الأمصار ، وهو أوّل من دوّن
الديوان وكتب النّاس على قبائلهم وفرض لهم الأَعْطِيَّةَ من الفىء وقَسَمَ القسوم فى
النّاس ، وفرض لأهل بدر وفَضّلَهم على غيرهم ، وفرض للمسلمين على أقدارهم
وتقَدُّمهم فى الإسلام ، وهو أوّل من حمل الطعام فى السّفْن من مصر فى البحرِ
حتّى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة .
وكان عمر ، رضى الله عنه ، إذا بعث عاملًا له على مدينة كتب ماله ، وقد
قاسم غير واحدٍ منهم ماله إذا عزله ، منهم سعد بن أبى وقّاص وأبو هُريرة ، وكان
يستعمل رجلًا من أصحاب رسول الله ، عليه السلام ، مثل عمرو بن العاص
ومعاوية بن أبى سفيان والمغيرة بن شعبة ، ويَدَعُ مَن هو أفضل منهم مثل عثمان
وعلىّ وطلحة والزّبير وعبد الرحمن بن عوف ونظرائهم لقوّة أولئك على العمل
والبَصَر به ، ولإشراف عمر عليهم وهيبتهم له ، وقيل له: مالك لا تُوَلّى الأكابر من
أصحاب رسول الله ، عليه السلام ؟ فقال : أكره أن أدنّسهم بالعمل (*).
واتخذ عمر دار الرقيق ، وقال بعضهم الدقيق ، فجعل فيها الدقيق والسويق
والتمر (١) والزبيب وما يُحتاج إليه يُعين به المنقطع به والضيف ينزل بعمر ، ووضع
عمر فى طريق السّبْلِ ما بين مكة والمدينة ما يُصْلح مَنْ ينقطع به ويحمل من ماء إلى
ماء، وهَدَمَ عمرُ مسجد رسول الله، وَخَّر، وزاد فيه وأدخل دار العبّاس بن عبد
المطّلب فيما زاد ، ووسّعه وبناه لمّ كَثُرَ الّاسُ بالمدينة ، وهو أخرج اليهود من الحجاز
وأجلاهم من جزيرة العرب إلى الشأم ، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة ،
وكان عمر خرج إلى الجابية فى صفر سنة ستّ عشرة فأقام بها عشرين ليلة يقصّر
(١) فى ل ((والثمر)) وبهامشها: الشيخ محمد عبده ((التمر)) وآثرت قراءة الشيخ اعتمادا على
رواية ث .

٢٦٤
الصلاة ، وحضر فتح بيت المقدس ، وقسم الغنائم بالجابية ، وخرج بعد ذلك فى
جمادى الأولى سنة سبع عشرة يريد الشأم فبلغ سَرْعَ فبلغه أنّ الطّاعون قد اشتعل
بالشأم فرجع من سرغ ، فكلّمه أبو عُبيدة بن الجرّاح وقال : أتَفِرّ من قدر الله ؟
قال : نعم إلى قَدَرِ الله (١) .
وفى خلافته كان طاعون عَمَواس فى سنه ثمانى عشرة . وفى هذه السنة كان
أوّل عام الرّمادة أصابَ النّاسَ محلٌ وجَدْبٌ ومجاعة تسعة أشهر ، واستعمل عمر
على الحجّ بالنّاس أول سنة اسْتُخْلِف ، وهى سنة ثلاث عشرة ، عبد الرّحمن بن
عوف فحجّ بالنّاس تلك السنة ثمّ لم يزل عمر بن الخطّاب يحجّ بالنّاس فى كلّ
سنة خلافته كلّها فحجّ بهم عشر سنين ولاءً: وحجّ بأزواج التّبىّ ، عليه السلام ،
فى آخر حِجّة حجّها بالنّاس سنة ثلاثٍ وعشرين، واعْتَمَرَ عمر فى خلافته ثلاث
مرّات ، عُمرة فى رجب سنة سبع عشرة ، وعمرة فى رجب سنة إحدى وعشرين،
وعمرة فى رجب سنة اثنتين وعشرين ، وهو أخّر المقام إلى موضعه اليوم ، كان
ملصقًا بالبيت .
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارىّ قال : حدّثنى الأشعث عن الحسن
أنّ عمر بن الخطّاب مصّرَ الأمصار : المدينة والبصرة والكوفة والبحرين ومصر
والشأم والجزيرة (٢) .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن يونس عن الحسن أنّ
عمر بن الخطّاب قال : هانَ شىءٌ أُصْلِحُ به قومًا أنْ أُبَدّلهم أميرًا مكان أمير .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن علىّ بن زيد عن
عبد الله بن إبراهيم قال: أوّل من ألقى الحصى فى مسجد رسول الله، وَخليل ، عمر
ابن الخطّاب ، وكان النّاس إذا رفعوا رءوسهم من السجود نفضوا أيديهم فأمر عمر
بالحصى فجىء به من العقيق فبُسِطَ فى مسجد النّبِىّ، وَّةٍ.
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حمّاد بن زيد قال : أخبرنا أيوب عن
(١) ابن الجوزى : مناقب عمر ص ١٠٥
(٢) ابن الجوزى : مناقب عمر ص ١٠٥

٢٦٥
محمّد بن سيرين قال : قال عمر بن الخطّاب: لأعْزِلَنّ خالد بن الوليد والمثنى مثنى
بنى شيبان حتّى يعلما أنّ الله إنّما كان ينصر عباده وليس إيّاهما كان ينصر .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا حماد بن سلمة قال : أخبرنا كثير
أبو محمّد عن عبد الرحمن بن عجلان أنّ عمر بن الخطّاب مَرّ بقوم يرتمون فقال
أحدهم : أسَيْتَ . فقال عمر: سُوءُ اللّحن أسْوَأْ مِنْ سُوءِ الرّمْى.
قال : وأخبرنا سليمان بن حرب قال : أخبرنا جرير بن حازم عن يَعْلى بن
حكيم عن نافع قال : قال عمر: لا يسألنى الله عن ركوب المسلمين البحر أبدًا .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم
قال : كتب عمر بن الخطّاب إلى عمرو بن العاص يسأله عن ركوب البحر ، قال
فكتب عمرو إليه يقول : دُود على عود فإن انكسر العود هلك الدود . قال فكره
عمر أن يحملهم فى البحر ، قال هشام وقال سعيد بن أبى هلال : فأمسك عمر
عن ركوب البحر .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال : أخبرنا داود بن أبى الفرات قال :
أخبرنا عبد الله بن بُرَيْدة الأسلمى قال: بينا عمر بن الخطّاب يَعُسّ ذات ليلةٍ إذا
امرأةٌ تقول :
هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشرَيَها أم هل سبيلٌ إلى نصرِ بن حجّاجٍ ؟
فلمّا أصبح سأل عنه ، فإذا هو من بنى سُلَيْم فأرسل إليه فأتاه فإذا هو من
أحسن النّاس شَعرًا وأصبحهم وجهًا، فأمره عمر أن يَطُمّ شعره ففعل ، فخرجت
جبهته فازداد حسنًا ، فأمره عمر أن يَعْتَمّ ففعل ، فازداد حسنًا ، فقال عمر :
لا والذى نفسى بيده لا تُجامعُنى بأرض أنا بها ! فأمر له بما يُصْلحه وسيره إلى
البصرة (١) .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال : أخبرنا داود بن أبى الفرات قال :
أخبرنا عبد الله بن بُرَيْدة الأسلمى قال : خرج عمر بن الخطّاب يَعُسّ ذات ليلةٍ فإذا
هو بنسوة يتحدّثن ، فإذا هنّ يقلن : أىّ أهل المدينة أصْبَحُ ؟ فقالت امرأة منهنّ :
(١) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ٩٦

٢٦٦
أبو ذئب . فلمّا أصبح سأل عنه فإذا هو من بنى سُليم ، فلمّا نظر إليه عمر إذا هو
من أجمل النّاس ، فقال له عمر: أنت والله ذِئْبُهُنّ ، مرّتين أو ثلاثًا ، والذى نفسى
بيده لا تجامعنى بأرض أنا بها ! قال : فإن كنت لا بُدّ مُسَيِّرنى فسَيّرنى حيث
سَيّرتَ ابن عمّى ، يعنى نصر بن حجّاج السلمى ، فأمر له بما يُصْلحه وسيّره إلى
البصرة (١) .
قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ عن ابن عون عن محمّد أنّ بُرَيْدًا
قَدِمَ على عُمر فنثر كنانته فبدرت صحيفة فأخذها فقرأها فإذا فيها :
فِدی لك من أخى ثقة إزارى
ألا أَبْلِغْ أبا حفصٍ رَسُولاً
شُغِلْنا عنكُمُ زَمَنَ الحِصَارِ
قَلائِصَنا ، هداك الله ، إنّا
قَفَا سَلْعِ بُمُخْتَلِفِ التِّجَار (٢)
فما قُلُصٌ وُجِدْنَ مُعَقَّلاتٍ
وأسْلَمَ أَو جُهَيْنَةً أو غِفارٍ
قلائصُ من بنی سعد بن بکرٍ
مُعيدًا يَبْتَغِى سَقَطَ العذارِ
يُعَقّلْهُنّ جعدةُ مِنْ سُلَيمٍ
فقال : ادعوا لى جَعْدَةَ من سُلَيم . قال فدعوا به فجُلِدَ مائةً معقولًا ونهاه أن
يدخُل على امرأة مُغيبة .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم قال : أخبرنا عاصم بن العبّاس الأسدىّ قال :
سمعتُ سعيد بن المسيّب يقول : كان عمر بن الخطّاب يُحِبّ الصلاة فى كَبِد
اللّيل، يعنى وسط اللّيل.
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم قال : أخبرنا أبو هلال عن محمّد بن سيرين
قال: كان عمر بن الخطّاب قد اعتراه نسيانٌ فى الصلاة فجعل رجلٌ خلفه يُلقّنُه ،
فإذا أومأ إليه أن يسجد أو يقوم فعل .
قال: أخبرنا المُعَلّى بن أسد قال : أخبرنا وهيب بن خالد عن يحيى بن سعيد
(١) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ١٠١
(٢) ل: البحار، ومثله لدى ابن شبة ج ٢ ص ٧٦١. وفى هامش ل (( البحار: الشيخ محمد
عبده : التّجار ، وهى قراءة المخطوطات أيضا. والبحار: قراءة اللسان)) ولدى ابن عساكر فى مختصر
ابن منظور ج ٧ ص ١١٣ ((النجار)) وقد آثرت قراءة الشيخ اعتمادًا على رواية (ث) والتجار بالكسر
والتخفيف جمع تاجر .

٢٦٧
عن سالم بن عبد الله أنّ عمر بن الخطّاب كان يُدْخِلُ يده فى دَبَرَة (١) البعير
ويقول: إنى لخائفٌ أن أُسْأل عَمّا بك (٢).
قال : أخبرنا خالد بن مَخْلَد البَجَلى قال : أخبرنا عبد الله بن عمر عن الزهرىّ
قال : قال عمر بن الخطّاب فى العام الذى طُعِنَ فيه : أيّها النّاس إنى أَكلّمكم
بالكلام فمن حفظه فليحدّث به حيث انتهت به راحلتُه ، ومن لم يحفظه فأَحَرّجُ
بالله على امرىءٍ أنْ يقولَ علىّ ما لم أقلْ .
قال : أخبرنا قبيصة بن عقبة قال : أخبرنا سفيان عن مَعْمَر عن الزّهرىّ قال :
أراد عمر بن الخطّاب أن يكتب السُّنَنَ فاسْتَخَارَ الله شهْرًا ثمّ أصبحَ وقد عُزِمَ له
فقال : ذكرتُ قومًا كتبوا كتابًا فأقْبلوا عليه وتركوا كتابَ الله (٣) .
قال : أخبرنا محمّد بن مصعب القرقسانيّ قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله
ابن أبى مريم عن راشد بن سعد أن عمر بن الخطّاب أَتِىَ بمالٍ فجعل يَقْسِمُه بين
النّاس فازدحموا عليه . فأقبل سعد بن أبى وقّاص يُزاحمُ النّاس حتّى خلص إليه
فعلاه عمر بالدِّرّة وقال : إنّك أقبلتَ لا تهابُ سلطان الله فى الأرض فأحببتُ أنْ
أَعلّمَكَ أنّ سلطان الله لن يهابك .
قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقىّ قال : أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن عبد
الكريم عن عكرمة أنّ حَجّامًا كان يقصّ عمر بن الخطّاب وكان رجلاً مهيبًا، فَتَنَحْنَحَ
عمر فأحدث الحجّام ، فأمر له عمر بأربعين درهمًا ، والحجّام هو سعيد بن الهَيْلَم (٤).
قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس قال : حدّثنا أبى عن يحتّى
أبن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر بن الخطّاب أنّه قال فى ولايته : من وَلَىَ
هذا الأمر بعدى فليعلم أن سيُريدُه عنه القريبُ والبعيد، وائمُ الله ما كنتُ إلاّ أُقاتل
النّاسَ عن نفسى قتالًا .
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (دبر) فى حديث ابن عباس ((كانوا يقولون فى الجاهلية: إذَا بَرَأ
الدَّبَرُ وعفا الأثر)) الدَّبَر: الجُرْح الذى يكون فى ظهر البعير.
(٢) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ١١٠
(٣) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ١٤٤
(٤) هذا الضبط من ث ضبط قلم . والخبر لدى ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ١٥٢

٢٦٨
قال : أخبرنا مطرّف بن عبد الله قال : أخبرنا عبد العزيز بن أبى حازم عن
معمر بن محمّد عن أبيه محمّد بن زيد قال : اجتمع علىّ وعثمان وطلحة والزّبير
وعبد الرحمن بن عوف وسعد ، وكان أجْرَأَهم على عمر عبدَ الرّحمن بن عوف ،
فقالوا: يا عبد الرّحمن لو كلّمتَ أمير المؤمنين للنّاس فإنّه يأتى الرّجلُ طالب الحاجة
فَتَمْنَعُهُ هَيْبِئُكَ أنْ يكلّمك فى حاجة حتّى يرجع ولم يَقْضِ حاجته . فدخل عليه
فكلّمه فقال : يا أمير المؤمنين لِنْ للّاس فإنّه يَقْدَمُ القادم فتمنعه هيبتُك أن يُكلّمك
فى حاجته حتّى يرجع ولم يُكلّمْك . قال: يا عبد الرّحمن أَنْشُدُك الله أَعَلىّ
وعثمان وطلحة والزبير وسعد أمَروك بهذا ؟ قال : اللّهمّ نعم ، قال : يا عبد
الرّحمن والله لقد لِنْتُ للّاس حتّى خشيت الله فى اللين ثمّ اشتددت عليهم حتّى
خشيت الله فى الشدّة، فأينَ المخْرَجُ ؟ فقام عبد الرّحمن بيكى يَجُرّ رِداءَه يقول
بيده : أُفّ لهم بعدكِ ، أُفّ لهم بعدك (١) !
قال : أخبرنا سعيد بن منصور قال : أخبرنا سفيان عن عاصم بن كُليبٍ عن
أبيه عن ابن عبّاس قال : كان عمر بن الخطاب كُلّما صلّى صلاةٌ جلس للنّاس ،
فمن كانت له حاجة نظر فيها . فصلّى صلوات لا يجلس فيها فأتيتُ الباب
فقلتُ : يا يَزْفا ، فخرج علينا يَرْفا ، فقلت : أبأمير المؤمنين شَكْوَى ؟ قال : لا ، فبينا
أنا كذلك إذ جاء عثمان فدخل يرفا ثمّ خرج علينا فقال : قم يابن عفّان ، قم يا ابن
عبّاس ، فدخلنا على عمر وبين يديه صُبَرٌّ من مال ، على كلّ صُبْرة منها كَتِفٌ ،
فقال : إنى نظرتُ فلم أجِدْ بالمدينة أكثر عشيرة منكما ، خُذا هذا المال فاقْسِماه بين
النّاس ، فإِن فَضَلَ فَضْلٌ فرُدّا. فأمّا عثمان فحثا وأما أنا فجثيتُ لرُكْبَتَىّ فقلتُ :
وإن كان نقصانًا رددتَ علينا ؟ فقال: شِنْشِنَةٌ مِنْ أَخْشَنَ ، قال سفيان : يعنى
حجرًا من جبل، أما كان هذا عند الله إذ محمّد، وَّله، وأصحابه يأكلون القِدّ؟
قلتُ : بلى ولو فُتح عليه لَصَنَعَ غير الذى تَصْنَعُ ، قال : وما كان يصنع ؟ قلت :
إذًا لأكل وأطعمنا . قال : فرأيته نَشج حتّى اختلفت أضلاعه وقال : لَوَدِدْتُ أنى
خرجتُ منه كفافًا لا عَلَىّ ولا لى .
(١) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٢٢٩ من ترجمة عمر .

٢٦٩
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن
المسيّب قال : أصيب بعيرٌ من المال زعم يحتى من الفىء فنحره عمر وأرسل إلى
أزواج التّبىّ منه وصنع ما بقى فدعا عليه من المسلمين وفيهم يومئذ العبّاس بن عبد
المطّلب ، فقال العبّاس: يا أمير المؤمنين لو صنعت لنا كلّ يوم مثل هذا فأكلنا عندك
وتحدّثنا، فقال عمر: لا أعود لمثلها، إنّه مضى صاحبان لى، يعنى النّبِىّ، وَليله ،
وأبا بكر عملا عملًا وسلكا طريقًا وإنى إِنْ عَمِلْتُ بغير عَمَلهما سُلك بى طريقٌ غير
طريقهما .
قال : أخبرنا عبد الله بن مسلم بن قَعْتَب الحارثى قال : أخبرنا مالك بن أنس
عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب خرج فقعد على المنبر فئاب النّاس إليه
حتّى سمع به أهل العالية فنزلوا فعَلّمهم حتّى ما بقى وجةٌ إلاّ عَلّمَهُم، ثمّ أتى أهلَه
وقال : قد سمعتم ما نهيتُ عنه وإنى لا أعرف أنّ أحدًا منكم يأتى شيئًا ممّا نهيتُ
عنه إلا ضاعفتُ له العذاب ضِعْفَينْ، أو كما قال (١) .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى معمر عن الزّهرىّ عن سالم بن عبد
الله عن أبيه قال : كان عمر إذا أراد أن يَنْهَى النّاس عن شىء تقدّ م إلى أهله فقال:
لا أَعْلَمَنّ أحدًا وَقَعَ فى شىءٍ مِّ نهيتُ عنه إلا أضعفتُ له العقوبة .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَة عن
إسماعيل بن أبى حكيم عن عروة قال : كان عمر إذا أتاه الخصمان برك على
رُكْبَتَيْه وقال: اللّهمّ أعِنّى عليهما فإنّ كلّ واحدٍ منهما يريدنى عن دينى (٢).
قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق ومحمّد بن عبد الله الأنصارىّ وهوذة
ابن خليفة قالوا : أخبرنا ابن عون عن محمّد بن سيرين قال : قال عمر بن
الخطّاب: ما بقى فىّ شىءٌ من أمر الجاهليّة إلا أنى لستُ أَبالى إلى أىّ النّاس
نّكَحْتُ وأتِّهم أَنْكَحْتُ .
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا القاسم بن الفضل قال : حدّثنی
(١) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٢٢٨ من ترجمة عمر ، نقلا عن ابن سعد .
(٢) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ١٠٧

٢٧٠
معاوية بن قُرّة عن الحكم بن أبى العاص الثقفىّ قال : كنت قاعدًا مع عمر بن
الخطّاب فأتاه رَجُلٌ فسَلّمَ عليه فقال له عمر: بينك وبين أهل نجران قرابةٌ ؟ قال
الرجل : لا ، قال عمر: بلى ، قال الرجل: لا ، قال عمر: بلى والله ، أَنْشُدُ الله
كلّ رجلٍ من المسلمين يعلم أنّ بين هذا وبين أهل نجران قرابةً لما تَكَلّمَ ، فقال رجل
من القوم : يا أمير المؤمنين بلى بينه وبين أهل نجران قرابة من قِبَل كذا وكذا ، فقال
له عمر : مَهْ فإنّا نقفو الآثار .
قال : أخبرنا يعلى بن عُبيد قال : أخبرنا سفيان عن أبى نَهيك عن زياد بن
حُدَيْر قال : رأيتُ عمر أكثر النّاس صيامًا وأكثرهم سواكًا ..
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال : أخبرنا زهير بن معاوية قال :
أخبرنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال : قال عمر بن الخطّاب :
لو كنتُ أُطِيقُ مع الخِلَّفَى (١) لأَذّنْتُ .
قال : أخبرنا يعلى بن عُبيد قال : أخبرنا مِشْعَر بن كِدام عن حبيب بن أبى
ثابت عن يحيى بن أبى جَعْدة قال: قال عمر بن الخطّاب : لولا أنْ أسيرَ فى سبيلٍ
الله أو أضع جبينى لله فى التراب أو أجالس قومًا يلتقطون طيّب القول كما يُلتقط
طيّب الثمر لأخْبَيْتُ أن أكون قد لحقتُ بالله (٢) .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمى قال : أخبرنا عمر بن سليمان بن أبى
مُثْمة عن أبيه قال : قالت الشفاءُ ابنة عبد الله ، ورأتْ فِتْيانًا يقصدون فى المشى
ويتكلّمون رويدًا فقالت : ما هذا؟ فقالوا: نُسّاكٌ ، فقالت : كان والله عمر إذا
تكلّم أسمع وإذا مشى أسرَع وإذا ضَرب أوجع ، وهو النّاسك حقًّا .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر عن أَمّ بكر بنت
المِسْوَر عن أبيها المِسْوَر بن مخرمة قال : كنّا نلزم عمر بن الخطّاب نَتَعَلّمُ منه الوَرَعَ.
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن زيد عن يحيّى ، يعنى ابن
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (خلف) وفى حديث عمر ((لو أَطَفْتُ الأذان مع الخِلِّفَى لَأَذَّنْتُ))
الخليفى بالكسر والتشديد والقصر: الخلافة، وهو وأمثاله من الأبنية ، كالرَّمَّا والدِّلِيلا، مصدر يدل
على معنى الكثرة . يريد به كثرة اجتهاده فى ضبط أمور الخلافة وتصريف أَعِنَّتُها .
(٢) أورده ابن عساكر ص ٢٦٧ من ترجمة عمر .

٢٧١
سعيد، قال : قال عمر بن الخطّاب ما أَبالى إذا اختصم إلىّ رجلان لأيّهما كان
الحقّ .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا وُهيب بن خالد قال : أخبرنا خالد
الحذّاء عن أبى قلابة عن أنس بن مالك عن النّبيّ، وَلَّ، قال: أشدّ أَمَّتى فى أمر
الله عمر .
قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال : أخبرنا محمّد بن قيس الأسدى
عن العلاء بن أبى عائشة أنّ عمر بن الخطّاب دعا بحَلاّق فحلقه بموسى ، يعنى
جسده ، فاستشرف له النّاسُ فقال : أيّها النّاس ، إنّ هذا ليس من السّنّة ولكن
النورة من النعيم فكَرِهْتُها .
قال : أخبرنا حَجّاج بن محمّد قال : أخبرنا أبو هلال الراسبىّ عن قتادة قال :
كان الخلفاء لا يتنوّرون ، أبو بكر وعمر وعثمان .
قال : أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْلى قال : أخبرنا سعيد بن أبى عَروبة
بلغه عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال: رأيتُ النّبيّ، وَّرَ، فى المنام وأبو بكر عن
يمينه وعمر عن شماله فقال لى : يا عمر إنْ وَليتَ من أمر النّاس شيئًا فخُذْ بسيرة
هذَيْن .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا عبد الله بن عبد الله بن أبى أويس
المدينىّ عن الزّهرىّ عن سالم قال: كان عمر بن الخطّاب وعبد الله بن عمر
لا يُعْرَفُ فيهما البِرّ حتّى يقولا أو يفعلا (١)، قال : قلتُ يا أبا بكر ما تعنى بذلك ؟
قال : لم يكونا مُؤنّئَين ولا مُتماوٍتَين .
قال : أخبرنا مَعن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا : أخبرنا مالك
عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عُثْبَة بن مسعود قال : كان البِرّ
لا يُعْرَفُ فى عمر ولا فى ابنه حتّى يقولا أو يفعلا .
قال : أخبرنا مَعن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا : أخبرنا مالك
ابن أنس عن قطَن بن وهب بن عُوَيمر بن الأجدع قال معن : إنّ عمر بن الخطّاب
(١) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ١٨٩

٢٧٢٠
كان يسير ببعض طريق مكّة ، وقال عبد الله بن مسلمة عن قَطَن بن وهب عن
عمه إنّه كان مع عمر بن الخطّاب فى سفر فلمّا كان قريبًا من الروحاء ، قال معن
وعبد الله بن مسلمة فى حديثهما ، فسمع صوت راع فى جبل فعدل إليه فلما دنا
منه صاح : يا راعىَ الغنم ، فأجابه الراعى فقال: يا راعيها ، فقال عمر : إنى قد
مررتُ بمكان هو أخصبُ من مكانك وإنّ كلّ راع مسئول عن رعيته ، ثمّ عدل
صدورَ الركاب .
قال : أخبرنا عبد الحميد بن عبد الرّحمن الحِمّانى عن النعمان بن ثابت عن
موسى بن طلحة عن ابن الحوتكيّة قال : سُئِل عمر عن شىءٍ فقال : لولا أنى أكره
أن أزيد فى الحديث أو أنتقص منه لحدّثتكم به .
قال : أخبرنا معن بن عيسى ورَوْح بن عبادة قالا : أخبرنا مالك بن أنس عن
إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال : سمعتُ عمر بن
الخطّاب يومًا وخرجتُ معه حتّى دخل حائطًا فسمعتهُ يقول ، وبينى وبينه جدارٌ
وهو فى جوف الحائط : عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين بَخْ والله بُنيَّ الخطّاب لَتَتَّقِيَنَّ
اللَّه أَو لَيُعَذّبَتْك (١).
قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أُويس قال: حدّثنى أبى عن يحتِى
ابن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يقول : إنّ النّاس لم
يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أثمّتُهم وهُداتُهم (٢) .
قال : أخبرنا عبد الله بن إدريس عن هشام بن حسّان عن الحسن قال : قال
عمر بن الخطّاب: الرعيّة مُؤَدِّيَّةٌ إلى الإمام ما أدّى الإمامُ إلى الله، فإذا رَتَعَ الإمامُ
رتعوا .
قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس قال : حدّثنى أبى عن عاصم بن
محمّد عن زيد بن أسلم قال : أخبرنى أسلم أبى أنّ عبد الله بن عمر قال : يا أسلم
أخبرنى عن عمر ، قال: فأخبرتُه عن بعض شأنه فقال عبد الله : ما رأيتُ أحدًا قطّ بعد
رسول الله، وَلِّ، من حين قُبض كان أجَدّ ولا أجودَ حتّى انتهى من عمر (٣).
(١) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ١٧١
(٢) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ٢٢٣
(٣) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٢٣٢ من ترجمة عمر نقلا عن ابن سعد .

٢٧٣
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا مِنْدَل بن علىّ عن عاصم قال :
سمعتُ أبا عثمان النّهدى يقول : والّذى لو شاء أنْ تَنْطِقَ قَناتى نَطَقَتْ لو كان عمر
ابن الخطّاب ميزانًا ما كان فيه مَيْطُ شَعْرَة (١).
قال : أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقيّ المكّى قال : أخبرنا أبو عُمير
الحارث بن عمير عن رجل أنّ عمر بن الخطّاب رقى المنبر وجمع النّاس فحمد الله
وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الّاس لقد رأيتُنى وما لى من أَكَال (٢) يَأْكُلُهُ الّاس، إلاّ أنّ
لى خالاتٍ من بنى مخزوم ، فكنتُ أستعذِبُ لهنّ الماءَ فَيُقَبِّضْنَ (٣) لى القبضات
من الزبيب . قال ثمّ نزل عن المنبر ، فقيل له : ما أردتَ إلى هذا يا أمير المؤمنين ؟
قال : إنى وجدتُ فى نفسى شيئًا فأردتُ أن أطأطىءَ منها .
قال : أخبرنا علىّ بن عبد الله بن جعفر قال : قال سفيان ، يعنى ابن عيينة :
قال عمر بن الخطّاب : أحبّ النّاس إلىّ من رفع إلىّ عيوبى.
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حماد بن سلمة قال : أخبرنا حميد
عن أنس بن مالك أنّ الهُرْمُزان رأى عمر بن الخطّاب مضطجعًا فى مسجد رسول
الله، مََّ، فقال: هذا والله المَلِكُ (٤) الهَنِىءُ.
قال : أخبرنا خالد بن مَحْلَد البَجَلىّ قال : أخبرنا عبد الله بن عمر قال :
أخبرنى زيد بن أسلم عن أبيه قال : رأيتُ عمر بن الخطّاب يأخذ بأذن الفرس
ويأخذ بيده الأخرى أذنه ثمّ يتْزُو على مَتْن الفرس .
(١) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٢٧٢ من ترجمة عمر نقلا عن ابن سعد، والميط : الميل .
(٢) الأكال : مايؤكل
(٣) كذا فى ل، وبهامشها ((قراءة الشيخ محمد عبده: فَيَقْبِضْنَ)) وفى ث: فيقبضَن - بفتح
الضاد - ضبط قلم . وقَبَّضَ الشىءَ - بتشديد الباء - جعله فى قبضته . والخبر لدى ابن عساكر فى
تاريخه ص ٢٦٨ من ترجمة عمر نقلا عن ابن سعد . وأورده كذلك ابن الجوزى فى مناقب عمر ص
١٧١ نقلا عن ابن سعد .
(٤) كذا فى متن (ل) وبهامشها قراءة الشيخ محمد عبده)) الملك)) ولم يضبط منها فى (ث).
سوى الكاف بالضم ضبط قلم . ولدى ابن الأثير فى النهاية (ملك) وفى حديث أبى سفيان («هذا مُلْك
هذه الأمة قد ظهر)) يروى بضم الميم وسكون اللام ، وبفتحها وكسر اللام . وانظر الخبر لدى ابن
عساكر فى تاريخه ص ٣٦٠ من ترجمة عمر .
[ ١٨ - الطبقات الكبير جـ ٣ ]

٢٧٤
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء
قال : كان عمر بن الخطّاب يأمر عماله أن يوافوه بالموسم فإذا اجتمعوا قال : أيّها
النّاس ، إنى لم أبعث عُمّالى عليكم ليُصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم ، إنّما
بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فَكم بينكم ، فمن فُعِلَ به غير ذلك فلْيقُمْ . فما
قام أحد إلا رجلٌ واحد قام فقال : يا أمير المؤمنين إنّ عاملك فلانًا ضربنى مائة
سوط . قال : فيمَ ضربتَه ؟
قم فاقتصّ منه ، فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين إنّك إنْ فعلتَ
هذا يَكْثر عليك ويكون سُنّةً يأخذُ بها مَن بعدك، فقال: أنا لا أُقِيدُ وقد رأيتُ
رسول الله يُقيد من نفسه ، قال : فَدَعْنا فلنُرْضِه ، قال : دُونَكم فأرْضوه . فافتدى
منه بمائتى دينار ، كلّ سوط بدينارين .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا الجريرىّ عن أبى نَضْرَة عن أبى سعيد
مولى أبى أسيد قال : كان عمر بن الخطّاب يَعُسّ المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه
أحدًا إِلا أخرجه إلاّ رجلًا قائمًا يصلّى، فمرّ بنفر من أصحاب رسول الله، وَّ،
فيهم أَتَىّ بن كَعب فقال : من هؤلاء ؟ قال أَتَىّ : نفر من أهلك يا أمير المؤمنين ،
قال: ما خلّفَكم بعد الصّلاة ؟ قال : جلسنا نذكر الله ، قال فجَلَسَ معهم ثمّ قال
لأَذْناهم إليه : خُذْ ، قال فدعا فاسْتَقْرَأهم رجلًا رجلًا يدعون حتّى انتهى إلىّ وأنا
إلى جنبه فقال : هات ، فحُصرتُ وأخذنى من الرّعدة أفْكَلٌ حتّى جعل يجد مسّ
ذلك منّى ، فقال: ولو أن تقول اللّهمّ اغفر لنا ، اللّهمّ ارحمنا، قال ثمّ أخذ عمر
[ يدعو] فما كان فى القوم أكثر دمعةً ولا أشدّ بكاءً منه، ثمّ قال: إِيهًا ، الآن
فتفرّقوا (١) .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا فَرَج بن فَضالة عن محمّد بن الوليد
الزّبيدىّ عن الزّهرىّ قال: كان عمر بن الخطّاب يجلس متربّعًا ويستلقى على ظهره
ويرفع إحدى رجليه على الأخرى .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا فرج بن فضالة عن محمّد بن الوليد
(١) أورده ابن الجوزى فى مناقب عمر ص ١٠١ ومابين حاصرتين منه .

٢٧٥
عن الزّهرىّ قال: قال عمر بن الخطّاب إذا أطال أحدُكم الجلوس فى المسجد
فلا عليه أن يضع جنبه فإنّه أجدر أن لا يَمَلّ جلوسه .
قال : أخبرنا عارم بن الفضل قال : أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب وهشام عن
محمّد بن سيرين قال : قُتِلَ عمر ولم يجمع القرآن .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال . حدّثنى عائذ بن يحتى عن أبى الحويرث
عن جبير بن الحُويرث بن نُقَيْد أنّ عمر بن الخطّاب استشار المسلمين فى تدوين
الديوان فقال له علىّ بن أبى طالب : تَقْسِمُ كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال
ولا تُمْسِكُ منه شيئًا ، وقال عثمان بن عفّان: أرى مالًا كثيرًا يَسَعُ النّاسَ وإنْ لم
يُخْصَوْا حتّى تَعْرِفَ من أَخَذَ مّن لم يأخذ ، خشيتُ أَن يَنْتَشِرَ الأمْرُ . فقال له الوليد
ابن هشام بن المغيرة : يا أمير المؤمنين قد جئتُ الشأم فرأيتُ ملوكها قد دوّنوا ديوانًا
وجَّدوا جنودًا فدَوّنْ ديوانًا وجَنّدْ جنودًا، فأخذ بقوله فدعا عَقيل بن أبى طالب
ومخرمة بن نوفل ومجبير بن مطعم وكانوا من نُسّاب قريش فقال : اكتبوا النّاس
على منازلهم ، فكتبوا فبَدُوا ببنى هاشم ثمّ أَتْبعوهم أبا بكر وقوْمَه ، ثمّ عمر وقومه
على الخلافة ، فلمّا نظر إليه عمر قال : وددتُ والله أنّه هكذا ولكن ابدءوا بقرابة
النّبِىّ، وَّه، الأقرب فالأقرب حتّى تضعوا عمر حيث وضعه الله .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن
جدّه قال : رأيتُ عمر بن الخطّاب حين عُرِض عليه الكِتابُ ، وبنو تيم على أثر بنى
هاشم ، وبنو عدىّ على أثر بنى تيْم، فأسْمَعُهُ يقول: ضَعوا عُمرَ موضعَه وابْدَءُوا
بالأقرب فالأقرب من رسول الله، وَّه، فجاءت بنو عدىّ إلى عمر فقالوا: أنت
خليفة رسول الله، وَليل، أو خليفة أبى بكر وأبو بكر خليفة رسول الله ، عليه
السلام ، قالوا : وذاك فلو جعلتَ نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم ، قال : بَخٍ بَخٍ
بنى عَدىّ ، أردتم الأكل على ظهرى لأنْ أُذْهِبَ حَسناتى لكم ، لا والله حتّى
تأتيكم الدّعوة وإِنْ أَطْبِقَ عليكم الدفترُ، يعنى ولو أن تُكتبوا آخرَ النّاس ، إنّ لى
صاحبين سلكا طريقًا فإن خالفتُهما خولف بى ، والله ما أدركنا الفضل فى الدنيا
ولا ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عَمِلنا إلاّ بمحَمّد، ◌َّ، فهو شرفنا
وقومه أشرف العرب ثمّ الأقرب فالأقرب ، إنّ العرب شَرْفَتْ برسول الله ، ولو أن

٢٧٦
بعضنا يلقاه إلى آباءٍ كثيرة وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثمّ لا نفارقه إلى آدم إلا
آباء يسرةً مع ذلك، والله لئن جاءتْ الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى
بمحمّدٍ منّا يومَ القيامة ، فلا ينظُرُ رجلٌ إلى القرابة ويعمل لما عند الله ، فإنّ من قَصّرَ
به عَمَلُه لا يُشْرِعُ به نَسَبُه .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى أُسامة بن زيد بن أسلم عن يحيى بن عبد
الله بن مالك عن أبيه عن جدّه . قال محمّد بن عمر وأخبرنا سليمان بن داود بن
الحصين عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس . قال محمّد بن عمر وأخبرنا عبد الله بن
جعفر عن عثمان بن محمّد الأخنسىّ . قال محمّد بن عمر وأخبرنا موسى بن محمّد
ابن إبراهيم عن أبيه قال : وحدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزّهرىّ عن سعيد بن
المسيّب، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض ، قالوا: لمّ أجْمَعَ عمر بن الخطّاب
على تدوين الديوان وذلك فى المحرّم سنة عشرين بدأ ببنى هاشم فى الدعوة ، ثمّ الأقرب
فالأقرب برسول الله، وَّر، فكان القوم إذا اسْتَوَوْا فى القرابة برسول الله، وَلَ، قَدّمَ
أهْل السابقة حتّى انتهى إلى الأنصار فقالوا: بمن نبدأ؟ فقال عمر : ابْدَءُوا برهط سعد
ابن مُعاذ الأشهلىّ ثمّ الأقرب فالأقرب بسعد بن مُعاذ .
وفَرَضَ عمرُ لأهل الديوان ففَضّلَ أهل السوابق والمشاهد فى الفرائض ، وكان
أبو بكر الصّدّيق قد سَوّى بين النّاس فى القَسْم فقيل لعمر فى ذلك فقال : لا أجْعَلُ
من قاتلَ رسولَ الله، وَلّ، كمن قاتل معه. فبدأ بمن شهد بدرًا من المهاجرين
والأنصار ففرض لكلّ رجل منهم خمسة آلاف درهم فى كلّ سنة ، حليفهم
ومولاهم معهم بالسواء ، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام أهل بدر من مهاجرة
الحَبَشَةِ ومَنْ شهد أَحَدًا أربعة آلاف درهم لكلّ رجل منهم ، وفرض لأبناءِ البدريّين
ألفين ألفين إلّ حَسَنًا وحُسَيْنًا فإنّه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما برسول الله ،
نَّهِ، ففرض لكلّ واحدٍ منهما خمسة آلاف درهم ، وفرض للعبّاس بن
عبد المطّلب خمسة آلاف درهم لقرابته برسول الله، وَاخله .
قال : وقد روى بعضهم أنّه فرض له سبعة آلاف درهم ، وقال سائرهم : لم
يُفَضّلْ أحدًا على أهل بدر إلاّ أَرْواج النّبيّ، وَلِّ، فإنّه فرض لكلّ امرأةٍ منهنّ اثنى
عشر ألف درهم ، مجويرية بنت الحارث وصَفِيّة بنتُ حُبىّ فيهنّ ، هذا المجتمع
عليه .

٢٧٧
وفرض لمن هاجر قبل الفتح لكلّ رجلٍ ثلاثة آلاف درهم ، وفرض المسلمة
الفتح لكلّ رجل منهم ألفين ، وفرض الغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار
كفرائض مسلمة الفتح ، وفرض لعمر بن أبى سلمة أربعة آلاف درهم ، فقال
محمّد بن عبد الله بن ◌َحش : لِمَ تُفَضِّلُ عمرَ علينا فقد هاجر آباؤنا وشهدوا ؟
فقال عمر: أَفَضّله لمكانه من النّبيّ، وََّ، فليأتِ الّذِى يَشْتَغْتِبُ بأمّ مثل أُمّ سَلَمة
أُعْنِيْه ، وفرضَ لأسامة بن زيد أربعة آلاف درهم ، فقال عبد الله بن عمر: فَرَضْتَ
لى ثلاثَةَ آلاف وفرَضتَ لأسامة فى أربعة آلاف وقد شهدتُ ما لم يشهدْ أَسامة ،
فقال عمر: زِدْتُه لأنّه كان أحَبّ إلى رسول الله، وََّ، منك وكان أبوه أُحبّ
إلى رسول الله ، عليه السلام ، من أبيك .
ثمّ فرض للنّاس على منازلهم وقراءتهم للقرآن وجهادهم ، ثمّ جعل من بقى
من النّاس بيَّانًا (١) واحدًا فألحق مَن جاءهم (٢) من المسلمين بالمدينة فى خمسةٍ
وعشرين دينارًا لكلّ رجلٍ ، وفرض للمُحَرَّرين معهم ، وفرض لأهل اليمن وقيس
بالشأم والعراق لكلّ رجلٍ ألفَين إلى ألف إلى تسعمائة إلى خمسمائة إلى ثلاثمائة لم
يُنْقِصْ أحدًا من ثلاثمائة، وقال: لئنْ كَثُرَ المال لأَفْرِضَنّ لكلّ رجلٍ أربعة آلاف
درهم ، ألف لسَفَرِه وألف لسلاحه وألف يُخَلّفُها لأهله وألف لفرسه وبَغْله .
وفرض لنساءٍ مُهاجراتٍ، فَرَضَ لصَفِيّة بنت عبد المطّلب ستّة آلاف درهم ،
ولأسماءً ابنة عُمَيس ألف درهم ، ولأمّ كلثوم بنت عقبة ألف درهم ، ولأمّ عبد الله
ابن مسعود ألف درهم . وقد روى أنّه فرض للنساء المهاجرات ثلاثة آلاف درهم
لكلّ واحدة ، وأمر عمر فكُتِبَ له عيالُ أهل العوالى فكان يُجرى عليهم القُوت ،
ثمّ كان عثمان فوسّع عليهم فى القوت والكسوة ، وكان عمر يفرض للمنفوس مائة
درهم فإذا ترعرع بَلَغَ به مائتى درهم فإذا بلغ زاده ، وكان إذا أتى باللّقيط فرض له
(١) ل، ث ((بابا)) وبهامش ل: قراءة الشيخ محمد عبده ((يَّانًا)) وآثرت قراءته اعتمادا على
ماورد لدى ابن الأثير (بَّان ) فى حديث عمر (( لولا أن أترك آخر الناس بَّانًا واحدًا ما فُتِحت علىّ قرية
إلا قسمتها )) أى أتركهم شيئا واحدا ، لأنه إذا قَسم البلاد المفتوحة على الغانمين بقى من لم يحضر
الغنيمة ومن يجىء بعدُ من المسلمين بغير شيء منها فلذلك تركها لتكون بينهم جميعهم . والمعنى :
لأَسُوِيَنَّ بينهم فى العطاء حتى يكونوا شيئا واحدًا لا فضل لأحد على غيره .
(٢) ث ((جاء)).

٢٧٨
مائة درهم وفرض له رزقًا يأخذه وليّه كلّ شهر ما يُصْلِحُه ، ثمّ ينقله من سنة إلى
سنة ، وكان يوصى بهم خيرًا ويجعل رِضاعهم ونفقتهم من بيت المال .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى حزام بن هشام الكعبىّ عن أبيه
قال : رأيتُ عمر بن الخطّاب يَحْمِلُ ديوان خزاعة حتّى ينزل قُديدًا فتأتيه بقديد فلا
يغيب عنه امرأةٌ بكر ولا تَيِّبٌ فِيُعطيهنّ فى أيديهنّ ثمّ يروح فينزل عُشْفان فيفعل
مثل ذلك أيضًا حتّى تُوفى .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَهْرَة
عن محمّد بن زيد قال : كان ديوان حِمْيَرَ على عهد عُمر على حَدّه .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى عبد الله بن عمر العمرىّ عن جهم
ابن أبى جهم قال : قدم خالد بن عُوْفُطة العُذرى على عمر فسأله عمّا وراءه فقال :
يا أمير المؤمنين تركتُ مَنْ ورائى يسألون الله أن يزيد فى عمرك من أعمارهم ،
ما وٍطىء أحدٌ القادسيّة إلا عطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة ، وما من مولودٍ يولّدُ
إِلّ أُلحِقٍ على مائة وجَريتين (١) كلّ شهر ذكرًا كان أو أنثى، وما يبلغ لنا ذَكَرٍ إلاّ
أَلْقَ على خمسمائة أوستمائة، فإذا خرج هذا لأهلِ بيت مِنْهُمْ مَنْ يَأْكُلُ الطّعام
ومنهم من لا يأكُلُ الطّعام ، فما ظنّك بِه ؟ فإنّه ليْفِقُه فيما ينبغى وفيما لا ينبغى ،
قال عمر : فالله المستعان إنما هو حَقّهم أَعْطوه وأنا أَسْعَدُ بأدائه إليهم منهم بأخْذِه ،
فلا تَحْمَدَنّى عليه فإنّه لو كان من مال الخطّاب ما أُعطيتموه ولكنّى قد علمتُ أنّ
فيه فضلاً ولا ينبغى أن أَخْبِسَه عنهم ، فلو أنّه إذا خرجَ عطاءُ أحد هؤلاء العُرَيْبِ
ابتاعَ منه غَنَمًّا فجعلها بسوادهم ثمّ إذا خرج العطاءُ الثانيةَ ابتاعَ الرأسَ فجعله فيها
فإنى، ويحك يا خالد بن عُرْفُطة، أخاف عليكم أنْ يَلِيَّكُم بعدى وُلاةٌ لا يُعَدّ
العطاءُ فى زمانهم مالًا ، فإن بقىَ أحدٌ منهم أو أحدٌ من ولده كان لهم شىء قد
اعتقدوه فَيَتْكِئُونَ عليه ، فإنّ نصيحتى لك وأنت عندى جالس كنصيحتى لمن هو
بأقصى ثَغْر من ثغور المسلمين وذلك لما طَوّقَنى الله من أمرهم ، قال رسول الله ،
وَهُ: مَنْ ماتَ غَاشًا لرعيته لم يَرِعْ رائحةَ الجنّة (٢).
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى محمّد بن عمرو السُّمَيْعىّ عن
(١) الجريب من الطعام والأرض : مقدار معلوم
(٢) أورده ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٠٢ - ٣٠٣ من ترجمة عمر نقلا عن ابن سعد .

٢٧٩
الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة أن أعْطِ النّاس أعْطِيَتَهم وأرزاقهم . فكتب إليه :
إنّا قد فعلنا وبقى شىء كثير ، فكتب إليه عمر إنّه فيؤهم الذى أفاءَ الله عليهم ،
ليس هو لعمر ولالآل عمر ، اقْسِمْه بينهم .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الزّهرىّ وعبد
الملك بن سليمان عن إسماعيل بن محمّد بن سعد عن السائب بن يزيد قال :
سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: والذى لا إله إلا هو ، ثلاثًا، ما من النّاس أحدٌ إلّ
له فى هذا المال حَقِّ أَعْطِيَه أو مُنِعَهُ، وما أحَدٌ بأحَقّ به من أحَد إلا عبدٌ مملوك ،
وما أنا فيه إلاّ كأحَدِهم ولكنّا على منازلنا من كتابِ الله وقِشْمنا من رسول الله ،
وَلَه ، فالرجل وبلاؤه فى الإسلام، والرجُل وقِدَمهٍ فى الإسلام، والرّجل وغَناؤه
فى الإسلام ، والرجل وحاجته ، والله لئن بقيتُ لَيَأْتِيَنّ الراعىَ بجبل صنعاءَ حَظُّه
من هذا المال وهو مكانه . قال إسماعيل بن محمّد : فذكرتُ ذلك لأبى فعرف
الحديث (١) .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى أسامة بن زيد اللّيثيّ عن
محمّد بن المنكدر عن مالك بن أوس بن الحدَثان قال : سمعتُ عمر بن
الخطّابِ يقول: ما على الأرض مسلمٌ لا يملكون رَقَبْتَهُ إلّ له فى هذا الفىء
حقّ أَعطِيَه أو مُنِعَه، ولَئِن ◌ِشْتُ لَيَأْتِيَنّ الراعىَ باليمن حَقّه قبل أن يحْمَرّ
وَجْهُه ، يعنى فى طلبه .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا محمّد بن عمرو عن أبى سلمة عن
أبى هريرة أنّه قدم على عمر من البحرين ، قال أبو هريرة : فلقيتُه فى صلاة العشاء
الآخرة فسلّمتُ عليه فسألنى عن النّاس ، ثمّ قال لى: ماذا جئتَ به ؟ قلتُ : جئتُ
بخمسمائة ألف درهم ، قال : هل تدرى ما تقول ؟ قلت : جئتُ بخمسمائة ألف
درهم ، قال : ماذا تقول ؟ قال قلت : مائة ألف ، مائة ألف ، مائة ألف ، مائة
ألف، مائة ألف ، حتّى عددت خمسًا . قال : إنّك ناعس فارجع إلى أهلك فتَمْ
فإذا أصبحتَ فأتنى ، فقال أبو هريرة : فغدوتُ إليه ، فقال : ماذا جئت به ؟ قلت :
جئت بخمسمائة ألف درهم ، قال عمر : أَطَيِّبٌ ؟ قلت : نعم لا أعلم إلا ذلك
(١) ابن عساكر ص ٢٨٧ من ترجمة عمر .

٢٨٠
فقال للنّاس : إنّه قد قدِمَ علينا مالٌ كثير فإن شئتم أن نعدّ لكم عددًا وإن شئتم أن
نكيله لكم كيلاً ، فقال له رجل : يا أمير المؤمنين إنى قد رأيتُ هؤلاء الأعاجم
يدوّنون ديوانًا يُعطون النّاس عليه، قال: فَدَوّنَ الديوان وفرض للمهاجرين الأوّلين
فى خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار فى أربعة آلاف أربعة آلاف ، ولأزواج
النّبِىّ، عليه السلام، فى اثنى عشر ألفًا (١).
قال يزيد : قال محمّد بن عمرو وحدّثنى يزيد بن خُصَيْفة عن عبد الله بن
رافع عن بَرْزَةَ بنت رافع قالت: لمّا خَرَجَ العطاء أَرْسَلَ عمر إلى زينب بنت جحش
بالذى لها ، فلمّا دخل عليها قالت : غفر الله لعمر ! غيرى من أُخَواتى كان أقْوَى
على قَشْم هذا منى ، فقالوا : هذا كلّه لك ، قالت : سبحان الله ! واستترت منه
بثوب ، قالت : صُبّوه واطْرَحوا عليه ثوبًا، ثمّ قالت لى : أدخِلِى يَدَكِ فاقبِضى منه
قَبْضَة فاذْهبى بها إلى بنى فلان وبنى فلان ، من أهل رحمها وأيتامها ، فَقَسَمَتْه
حتّى بقيت بقيّةٌ تحت الثوب فقالت لها برزة بنت رافع : غفر الله لكِ يا أمّ
المؤمنين! والله لقد كان لنا فى هذا حَقّ ، فقالت : فلكم ما تحت الثوب . قالت :
فكشفنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهمًا ، ثمّ رفعت يديها إلى السماء فقالت :
اللّهمّ لا يُدْرِكنى عطاءٍ لعمر بعد عامى هذا . فماتت .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا أبو عَقيل يحيى بن المتوكّل قال :
حدّثنى عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: قَدِمَتْ رُفْقَةٌ من التّجّار ، فنزلوا
المُصَلَّى ، فقال عمر لعبد الرّحمن بن عوف: هل لك أن نَخْرُسَهم اللّيلة من
الشَّرَق؟ فباتا يحرسانهم ويصلّان ما كتب الله لهما ، فسمع عمر بكاءَ صبىّ
فتوجّه نحوه فقال لأمّه : اتّقى اللّه وأخْسِنى إلى صبيّك ، ثمّ عاد إلى مكانه ،
فسمع بكاءَه فعاد إلى أمّه فقال لها مثل ذلك ثمّ عاد إلى مكانه ، فلمّا كان فى آخر
اللّيل سمع بكاءه فأتى أمّه فقال : ويحكِ، إنى لأراكِ أَمّ سوءٍ ، ما لى أرى ابنكٍ
لا يَقِرّ منذ اللّيلة؟ قالت: يا عبد الله قد أبْرَمْتَنى منذ اللّيلة، إنى أريغُه عن الفِطام
فيأتَى ، قال : ولِمَ ؟ قالت: لأن عمر لا يَفْرِضُ إلاّ للفُطُم، قال: وكم له ؟ قالت:
كذا وكذا شهرًا ، قال : ويحك لا تُعْجِليه! فصلّى الفجر وما يَستبينُ النّاسُ قراءته
(١) ابن عساكر ص ٢٩١ من ترجمة عمر .