النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
الجهاد ، وشقّ ذلك على من بقى بالمدينة من اليهود فخرج ، واستخلف على المدينة
سِباع بن عُوْفُطَة الغِفارى وأخرَج معه أمّ سَلَمة زوجته ، فلما نزل بساحتهم لم
يتحرّكوا تلك الليلة ، ولم يَصِح لهم ديكٌ حتى طَلَعت الشمس، وأصبحوا
وأفئِدَتُهم تَخْفِق وفتحوا حصونهم وغَدوا إلى أعمالهم معهم المسَاحِى والكَرازين
والمكَاتِل (١)، فلمّا نظروا إلى رسول الله، وَخَرَ، قالوا: مُحمّد والخَميس! يعنون
بالخميس الجيش ، فولّوا هاربين إلى حصونهم وجعل رسول الله، وَله، يقول :
الله أكبر خَرِبت خَيبر! إِنّا إذا نزلنا بساحة قوم فسَاءَ صَباحُ المُنْذَرِين ! ووعظ رسول
الله، وََّ، النّاس وفرّق فيهم الرايات ولم يكن الرايات إلا يومَ خَيبر إنّما كانت
الألوية فكانت راية النبيّ، وَاجله، السوداء من بُرْد لعائشة تُدْعَى العُقابَ ولواؤه
أبيض ودفعه إلى علىّ بن أبى طالب ، وراية إلى الحباب بن المنذر ، وراية إلى سعد
ابن عُبادة، وكان شعارهم: يا مَنصُورُ أُمِتْ! فقاتَل رسول الله، وَه،
المشركين، قاتلوه أشدّ القتال وقَتَلوا من أصحابه عِدّةً وقُتل منهم جماعة كثيرة .
وفتحها حصنًا حصنًا ، وهى حصون ذوات عدد منها النّطاة ومنها حصن
الصّعب بن مُعاذ وحصن ناعم وحصن قلعة الزبير والشقّ ، وبه حصون منها حصن
أبىّ وحصن التّزار ، وحصون الكتيبة منها القَموص والوَطيح وسُلالِم ، وهو حصن
بنى أبى الحُقيق ، وأخذ كنزَ آل أبى الحقيق الذى كان فى مَسْك الجَمَل ، وكانوا قد
غَيّبوه فى خَرِبَةٍ فدلّ الله رسولَه عليه فاستخرجه وقَلَ منهم ثلاثةً وتسعين رجلاً من
يهود ، منهم الحارث أبو زينب ومَرْحَب وأُسَير وياسر وعامر وكنانة بن أبى الحُقُيق
وأخوه ، وإنّما ذكرنا هؤلاء وسَمّيناهم لشَرَفهم ، واستُشْهِد من أصحاب النبيّ ،
وَلَه، بخيبر ربيعة بن أكثَم وثَقْف بن عمرو بن سُميط ورِفاعة بن مَسروح ، وعبد
الله بن أُميّة بن وهب حليف لبنى أسد ابن عبد العُزَّى ، ومحمود بن مسلمة ،
وأبو ضيّاح بن النعمان من أهل بدر ، والحارث بن حاطب من أهل بدر ، وعَدِىّ
ابن مُرّة بن شراقة وأوس بن حبيب وأنيف بن وائل ومسعود بن سعد بن قيس ،
(١) المكاتل - جمع مِكتل : القفة الكبيرة التى يحمل فيها التراب وغيره ، سميت بذلك لتكتل
الشىء فيها ، وهو تلاصق بعضه ببعض .

١٠٢
١
وبشر بن البراء بن معرور مات من الشاة المسمومة ، وفُضيل بن النعمان، وعامر بن
الأْوَع أصابَ نفسه فدفن هو ومحمود بن مسلمة فى غار واحد بالرجيع بخيبر،
وعُمارة بن عُقبة بن عَبّاد بن مُلَيل ، ويَسار العبد الأسود ورجلٌ من أَشْجَع ،
فجميعهم خمسةَ عشرَ رجلًا .
وفى هذه الغزاة سمَّت زينب بنت الحارث امرأة سَلاّم بن مِشْكَم رسولَ الله ،
وَلَّهِ، أَهدَت له شاةً مسمومةً فأكلَ منها رسول الله، وَّله، وناسٌ من أصحابه
فيهم بشر بن البراء بن مَعرور فمات منها، فيقال إن رسول الله، ومَّله، قَتَلها وهو
الثبت عندنا، وأمر رسول الله، وَله، بالغنائم فيجُمعت واستعمل عليها فَرْوَةَ بن
عمرو البياضى ثمّ أمر بذلك فَجْزِىء خمسة أجزاءٍ وكُتب فى سهم منها لِلّهِ وسائرٍ
السهمان أغفال ، وكان أوّل ما خرج سهم النبىّ، بَلّه، لم يتخيّر فى الأخماس
فأمر بِبيع الأربعةِ الأخماس فى من يزيد فباعها فَروة وقسم ذلك بين أصحابه .
وكان الّذِى وَلِىَ إحصاء الناسِ زَيد بن ثابت فأحصَاهم ألفًا وأربعمائة والخيل
مائتى فرس ، وكانت السهمان على ثمانية عشر سهمًا لكلّ مائة رأس وللخيل
أربعمائة سهم، وكان الخُمس الذى صار إلى رسول الله، وَلَه، يُعطى منه على
ما أراه الله من السلاح والكسوة ، وأعطى منه أهل بيته ورجالاً من بنى عبد المطلب
ونساءً واليتيم والسائل ، وأطعم من الكتيبة نساءه وبنى عبد المطّلب وغيرهم ، وقدم
الدَّوْسِيُون فيهم أبو هريرة وقدم الطّفيل بن عمرو وقدم الأشْعَريّون ورسول الله ،
وَ لَه، بِخَيير فَلَحِقوه بها فكلّم رسول الله، وَلّه، أصحابه فيهم أن يُشْرِكوهم فى
الغنيمة ففعلوا ، وقدم جعفر بن أبى طالب وأهل السفينتين من عند النّجاشى بعد أن
فُتحت خيبر فقال رسول الله، وَّلّ: ما أدرى بأتّهِما أنا أَسَرّ بقدوم جعفر أو بفتح
خَيير؟ وكانت صَفيّة بنت حُبَىّ مّن سَبى رسول الله، وَه، بخيبر فأعتقها
وتَزَوّجها .
وقدم الحجّاج بن عِلاط السّلَمى على قريش بمكّه فأخبرهم أنّ محمّدًا قد أسَرَته
يهود وتفرّق أصحابه وقُتلوا، وهم قادمون بهم عليكم، واقتضى الحَجّاج دَينَه
وخرج سريعًا فلقيه العبّاس بن عبد المطّلب فأخبره خبر رسول الله، وَلَه، على
حقّه وسأله أن يكتُم عليه حتى يخرج ، ففعل العبّاس ، فلمّا خرَج الحجّاج أعلن

١٠٣
بذلك العبّاسُ وأَظهَرَ السّرُورَ وأعتقَ غلامًا يُقال له أبو زَبِيبَة (١).
أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال : أخبرنا هشام الدَّستَوائى عن قتادة عن
أبى نضرة عن أبى سعيد الخُدْرى قال: خرجنا مع رسول الله، وَّل، إلى خَيبر
لثمانى عشرة مَضَت من شهر رمضان ، فصامَ طوائف من النّاس وأفطَر آخرون ،
فلم يُعَبْ على الصّائم صَومُه ولا على المُفْطِرِ فطِرُهُ .
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى ، أخبرنا محُميد الطويل عن أنس قال :
انتهينا إلى خَيبر ليلاً، فلمّا أصبحنا وصلّى رسول الله، وَلِّ، الغَداةَ رَكِبَ وركب
المسلمون معه فخرَج وخَرج أهل خيبر حين أصبحوا بمساحيهم ومَكَاتِلهم كما كانوا
فى أَرَضِيهم، فلمّا رأوا رسول الله، وَجّره، قالوا: محمّد والله ! محمّد والجيش !
ثمّ رجعوا هُرّابًا إلى مدينتهم، فقال النبىّ، وَّه: الله أكبر خَرِبت خَيبر! إنّا إذا
نزلنا بساحة قوم فَسَاءَ صباحُ المُذَرين ! قال أنس : وأنا رَديف أبى طلحة وإنّ قَدَمى
لَتَمَسّ قَدَم رسول الله، وَلِ .
أخبرنا رَوْح بن عُبادة ، أخبرنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك
عن أبى طلحة قال: لمّ صبّح رسول الله، وَلَّ، خَيْرَ وقد أخذوا مَسَاحيهم
وَغَدَوا إلى خُروثهم وأَرَضِيهم ، فلمّا رَأوا نبيّ الله، وََّ، ومعه الجيش نَكَصوا
مُدْبِرِين فقال نبيّ الله، وَّ: الله أكبر الله أكبر! إنّا إذا نَزَلْنَا بساحةٍ قَومٍ فساء
صباح المنذَرِين !
أخبرنا هَؤْذَة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحَسن قال: لَّا نَزَلَ رسول الله،
وَّه بحَضرة خَيبر فَزع أهل خيبر وقالوا جاء محمّد وأهل يَتْرِب ، قال : فقال
رسول الله، وَّه، حين رأى فَزَعهم: إنّا إذا نزلنا بساحَةٍ قومٍ فساءَ صَبَاح المُذَرِين!
أخبرنا عقّان بن مسلم ، أخبرنا حمّاد بن سلمة ، أخبرنا ثابت عن أنس قال :
كنتُ رَدِيفَ أبي طلحة يومَ خَيْبٍ وٍقَدَمِى تَمْسّ قَدَمَ رسول الله، ◌َِّ، قال :
فأتيناهم حين بَزَغَت الشمس وقد أُخرَجوا مواشيهم وخَرجوا بفئوسهم ومَكاتِلهم
(١) كذا فى ل، ت. ومثله لدى الصالحى ج ٥ ص ٢١٨ وقيده بقوله: ((وأبو زبيبة بلفظ
واحدة العنب ولم أجد له ذكرًا فى الإصابة)). ولدى الواقدى ص ٧٠٤ ((أبو زُبَيْنَة)).

١٠٤
ومرورهم وقالوا: محمّد والخَميس (١)! قال: وقال رسول الله، وَلّ: الله أكبر
الله أكبر! إنّا إذا نزلنا بساحةٍ قومٍ فسَاءَ صباحُ المُنْذَرين ! قال : فَهَزَمهم الله .
أخبرنا سليمان بن حَرْب ، أخبرنا حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس أنّ النبيّ ،
وَه، صلَّى الصُّبحَ بغَلَس وهو قريب من خَيبر ثمّ أغار عليهم فقال: الله أكبر
خَرِبت خَيبر ! إنّا إذا نزلنا بساحةٍ قومٍ فساءَ صباح المنذَرين ! فدخل عليهم فخرَجوا
يَسعون فى السِّكَك ويقولون: محمّد والخَميس! محمّد والخَميس ! قال: فَقَتَل
المقاتلة وسَبَى الذّرّيّةَ .
أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حمّاد بن سَلَمة قال: أخبرنا عُبيد الله بن عُمر
قال: وأظنّه عن نافع عن ابن عمر ، قال: أتى رسولَ الله ، عليه السلام، أهلُ خَيبر
عند الفجر فقاتلهم حتّى ألجأهم إلى قَصرهم وغَلَبهم على الأرض والنخل ،
فصالَحَهم على أن يَحقُن دماءهم ولهم ما حملت رِكابهم وللنبىّ، وََّ، الصَّفراءُ
والبيضاءُ والحلقة، وهو السلاح، ويُخرِجُهم، وشرطوا للنبى، وَّ، أن
لا يكتموه شيئًا ، فإِنْ فعلوا فلا ذِمّةَ لهم ولا عَهدَ ، فلمّا وجدَ المالَ الذى غَيَّبوه فى
مَسْك الجَمَلِ سَبَى نساءهم وغلب على الأرض والنخل ودفعها إليهم على الشطر،
فكان ابن رَواحة يَخرُصها عليهم ويضمنهم الشّطرَ .
أخبرنا عبد الله بن ثُمير ، أخبرنا يحيى بن سعيد عن صالح بن كيسان قال :
كان مع النبىّ، وَلَه، يوم خيبر مائتا فرس.
أخبرنا عفّان بن مُسلم ، أخبرنا وُهَيْب ، أخبرنا سُهيل عن أبيه عن أبى هريرة قال:
قال رسول الله، وَّله، يوم خيبر: لأدفعنّ الراية إلى رجلٍ يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله
ورسوله ويفتح عليه ، قال : قال عمر فما أحببت الإمارة قبل يومئذ فتطاوَلتُ لها
واستشرفتُ رجاء أن يدفعها إلىّ: فلمّا كان الغَد دعا عليًّا فدفَعَها إليه فقال : قاتلْ
ولا تَلتَفتْ حتى يفتح الله عليك فسارَ قريبًا ثمّ نادى: يا رسولَ الله عَلَامَ أَقاتل؟ قال :
حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منّى
دماءهم وأموالهم إلّ بحقّها وحسابهم على الله .
(١) سمى الجيش خميسا لأنه خمسة أقسام : المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب.

١٠٥
أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا ◌ِكْرمة بن عَمّار ، أخبرنى إياس بن سلمة بن
الأْوَع قال : أخبرنى أبى قال: بارز عمّى يوم خَيبر مَرْحَبًّا اليهودىّ فقال مرحب :
قَدْ عَلمَتْ خَيْبَرُ أَنّى مَرْحَبُ شاكى السّلاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
إذا الحُرُوبُ أقبَلَتْ تَلَهَبُ (١)
فقال عمّى عامر :
قد عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنّى عامِرُ شَاكِى السّلاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
فاختلفا ضربتين فوقع سَيف مَرحب فى تُرس عامر وذهب عامر يسفل له ،
فرجع السيف على ساقه فقَطَع أكْحُلَه فكانت فيها نَفسُهُ ، قال سَلمة بن الأْوع :
فلقيتُ ناسًا من أصحاب رسول الله، وََّ، فقالوا: بَطَلَ عَمَلُ عامِرِ قَتَل نَفسَه!
قال سلمة: فجئتُ إلى رسول الله، وَلّه، أبكى فقلتُ: يا رسول الله أَبَطَلَ عَمَلُ
عامرٍ؟ قال: ومَن قال ذاك؟ قلت: أناسٌ من أصحابك! قال رسول الله، وَلّ:
كَذب من قال ذاك (٢)! بل لَهُ أجرُه مرّتين، إنّه حين خرج إلى خيبر جَعل یرجز
بأصحاب رسول اللّهُ، وَلَه، وفيهم النبىّ يسوق الرّكابَ وهو يقول:
وما تَصَدَّقنا وما صَلَّينا
ثَاللهِ ، لَوْلا اللهُ ما اهْتَدَينا
إذا أرادوا فِتْنَةٌ أَبَيْنَا
إِنَّ الّذينَ كَفَرُوا عَلَيْنَا
فَثَبَّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا
ونَحْنُ عن فَضْلِكَ ما استَغْنَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا (٣)
فقال رسول الله، وَله: مَن هذا؟ قالوا: عامر يا رسول الله ! قال: غَفَر لك
ربّك! قال: وما استغفَرَ لإنسانٍ قطّ يَخُصّه إلّ استُشْهِد ، فلمّا سَمع ذلك عمر بن
الخطّاب قال: يا رسول الله لَوْمَا مَتِّعْتَنا بعامر، فتقدّم فاستُشهد. قال سَلمة: ثمّ إنّ
(١) ابن هشام ج ٣ ص ٣٣٣، والواقدى ج ٢ ص ٦٥٤، والنويرى ج ١٧ ص ٢٥٣ ،
والصالحى ج ٥ ص ١٩٨ مع اختلاف فى اللفظ .
(٢) النويرى ج ١٧ ص ٢٦٠
(٣) ابن هشام ج ٣ ص ٣٢٨، والواقدى ج ٢ ص ٦٣٨، ٦٣٩ مع اختلاف فى اللفظ .

١٠٦
نِبِىّ الله، وََّ، أرسلنى إلى علىّ فقال لأعطين الرايةَ اليومَ رَجُلًا يُحِبّ الله ورسوله
ويُحبّهُ الله ورسوله: قال: فجئتُ به أقودُه أَرْمَدَ فبَصق رسول الله، وَخَرَ، فى
عَينيه ثمّ أعطاهُ الرايةَ فخرَج مَرْحَب يخطر بسيفه فقال :
قَدْ عَلِمَتْ خيْبَرُ أَنَّى مَرْحَبُ شَاكِى السّلاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
إذا الحُرُوبُ أقبلتْ تَلَهّبُ
فقال علىّ ، صلوات الله عليه وبركاته :
أنَا الّذى سَمّتْنى أمّى حَيدَرَهْ كَلَيْتِ غَبَاتٍ كَرِيهِ المنْظَرَةْ
أَكِيلُهُمْ بِالصَّاعِ كَثْلَ السَّنْدَرَهْ!(١)
فَفَلَقَ رأسَ مَرحب بالسيف ، وكان الفتح على يديه .
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضى الكوفة ، حدّثنى عيسى بن المختار بن عبد
الله بن أبى ليلَى الأنصارى عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبى ليلَى الأنصارى عن
الحَكَم عن مِقْسَم عن ابن عباس قال: لمّا ظَهَرَ النبيّ، وَّه، على خيبر صالحهم
على أن يخرجوا بأنفسهم وأهليهم ليس لهم بيضاء ولا صَفراء ، فأتَى بكِنَانة
والربيع، وكان كنانة زَوجَ صفَيّة والربيع أخوه وابن عمّه ، فقال لهما رسول الله ،
وَله: أين آنيتكما التى كنتما تُعيرانها أهل مكّة؟ قالا: هَربنا فلم تزل تَضَعُنا أَرْضٌ
وتَرْفَعُنَا أخرى فذهبنا فأنفقنا كلّ شيء : فقال لهما : إنّكما إن كتمتمانى شيئًا
فاطلعتُ عليه استحللتُ به دماءَكما وذراريّكما : فقالا : نَعَمْ ! فدعا رجلاً من
الأنصار فقال : اذهَبْ إلى قرَاح كذا وكذا ثمّ ائتِ النّخلَ فانظُرْ نَخْلَةً عن يمينك
أو عن يَسارك فانظرْ نَخلَةً مرفوعة فأتنى بما فيها . قال : فانطلقَ فجاءه بالآنية
والأموال فضَرَب أعناقَهما وسَبَى أهليهما، وأرسلَ رجلًا فجاء بصفيّة فمرّ بها على
مَصرَعهما فقال له نبى الله، وَّلَه: لمَ فعلتَ؟ فقال: أحببتُ يا رسول الله أن
أغيظها . قال : فَدَفَعها إلى بِلال وإلى رجل من الأنصار فكانت عنده .
أخبرنا هاشم بن القاسم . أخبرنا ◌ِكْرِمة بن عَمّار عن يحيى بن أبى كثير عن
(١) النویری ج ١٧ ص ٢٥٣ - ٢٥٤
١

١٠٧
أبى سلمة بن عبد الرّحمن عن جابر بن عبد الله قال : لمّا كانَ يوم خَيبر أصاب
النّاسَ مجاعةٌ ، فأخذوا الحُمُرَ الإنسيّة فَذَبحوها وملئوا منها القُدورَ فبلَغ ذلك نبىّ
الله، صلوات الله عليه: قال جابر: فأمَرَنا رسولُ الله، ◌ِّلَهِ، فَكَفَأْنَا الْقُدورَ وهى
تَغْلِى، فَحَرّمَ رسول الله، وَّه، الحُمُرَ الإنسيّة ولخُم البِغال وكلّ ذى نابٍ من
السّباع وكلّ ذى مخلَب من الطّير وحَرّم المجَّمَةَ والخُلُسَة والنُّهبَةَ.
أخبرنا عقّان بن مُسلم ، أخبرنا حمّاد بن زَيد ، أخبرنا عَمرو بن دينار عن
محمّد بن علىّ عن جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله، مَ لّ، نَهى يومَ خَيبر عن
لُحُومِ الحُمُر وأذن فى لُوم الخيل .
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى ، أخبرنا هشام بن حَسّان ، أخبرنا
محمّد، أخبرنا أنسَ بن مالك قال: أتى آتٍ رسولَ الله، وَله، يوم خيبر فقال:
يا رسول الله أكلتُ الحُمُر! ثمّ أتاه آتٍ فقال: يا رسول الله أفنيت الحُمُرِ! فأمر
أبا طلحة فنادى : إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر فإنّها رِجٌ، فَأَكْفِئَت
القُدور .
أخبرنا عفّان بن مسلم وهاشم بن القاسم قالا : أخبرنا شُعبة عن أبى إسحاق
عن البراء بن عازِب قال : أصبنا محُمُرًا يوم خيبر ، قال : فنادى منادی رسول الله،
وٍَّ، أَن أَكْفِئُوا الْقُدُور (١).
أخبرنا عبد الله بن محمّد بن أبى شيبة ، أخبرنا عبد الله بن ثُمير عن محمّد بن
إسحاق عن عبد الله بن عمرو بن ضَمرة الفزارى عن عبد الله بن أبى سليط عن
أبيه أبى سَليط، وكان بدريًّا، قال: أتانا نَهىُ رسول الله، وَه، عن لحوم الحُمُر
يوم خيبر وإنّا جياعٌ فكفأناها .
أخبرنا يزيد بن هارون ، أخبرنا يحيى بن سَعيد عن بُشير بن يسار : أنّ رسول
الله، وَّر، لما أفاء الله عليه خَيبر قسمها على ستّة وثلاثين سهمًا، جَمَعَ كلّ سهم
مائة سهم ، وجعل نصفها لنوائبه وما ينزل به ، وعَزَل النصف الآخر فقسمه بين
المسلمين وسَهم النبيّ، وَلَّ، فيما قسم بين المسلمين الشّقّ ونَطاة (٢) وما حيز
(١) الصالحى ج ٥ ص ٢٠٢
(٢) الشق ونطاة من حصون خيبر .

١٠٨
معهما ، وكان فيما وَقَفَ الوطيحةُ والكتيبة وسُلالم (١) وما حيز معهنّ ، فلمّا
صارت الأموال فى يد النبيّ، وَله، وأصحابه لم يكن لهم من العمّال ما يَكْفُون
عَمَلَ الأرض فَدَفعها النبيّ، وَلِّ، إلى اليهود يعملونها على نصف ما يخرج منها،
فلم يزالوا على ذلك حتى كان عمر بن الخطّاب وكثر فى يَدَى المُسلمين العُمّال
وقَووا على عمل الأرض ، فَأَجْلَى عمر اليهود إلى الشأم وقسم الأموال بين المسلمين
إلى اليوم .
أخبرنا سليمان بن حرب قال : أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن
بُشير بن يسار قال: لِمّا افتتح النبيّ، وَلَ، خيبر أخذها عُنوةً فقسمها على ستّة
وثلاثين سهمًا ، فأخَذ لنفسه ثمانيةَ عشر سهمًا وقسم بين النّاس ثمانية عشر
سهمًا، وشهدها مائة فَرَس وجعل للفَرس سهمين .
أخبرنا موسى بن داود ، أخبرنا محمّد بن راشد عن مكحول : أنّ رسول الله ،
وَلَه ، أَسْهَمَ يومَ خَيبر للفارس ثلاثة أسهم : سهمانِ لفرسه وسهم له .
أخبرنا عتَّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال : أخبرنا ابن لَهِيعة عن
محمّد بن زيد أخبرنى عُمير مولى آبى اللّحم قال : غزوتُ مع سيّدى يوم خيبر
فشهدتُ فتحَها مع رسول الله ، وَلَه، فسألته أن يَقسِمَ لى معهم فأعطانى من
خُزْئِىّ (٢) المتاع ولم يَقسِم لى.
أخبرنا عّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال : أخبرنا ابن ◌َهِيعة ،
حدّثنى الحارث بن يزيد الحَضْرَمى عن ثابت بن الحارث الأنصارى قال : قسم
رسول الله ، ومَّله، عامَ خَيبر لسَهلة بنت عاصم بن عدىّ ولابنة لها ولدت.
أخبرنا عتّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال : أخبرنا محمّد بن
إسحاق عن يزيد بن أبى حبيب عن فلان الجيشانى أو قال عن أبى مرزوق مولى
◌ُجيب عن حَنَش قال : شهدتُ فتح جَرْبة (٣) مع رُوَيفع بن ثابت البَلَوى قال
(١) من حصون خيبر .
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية ( خرث) فيه ((جاء رسولَ الله ◌ِّل سَبْىٌ وخُزْنِىٌ)) الخرثى: أثاث
البيت ومتاعه .
(٣) لدى ياقوت : جربة: قرية بالمغرب ولديه كذلك إشارة إلى خبر حنش مَع رويفع بن ثابت .
وفيه (( لا يحل لامرئ .. أن يسقى مازرعه غيره: يعنى إتيان النساء الحبالى)).

١٠٩
فَخَطَبنا فقال: شهدتُ فتح خيبر مع رسول الله ، وَِّ ، فسمعته يقول: من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَشْقِ مَاءَه زَرْعَ غيره ، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فلا يقضِ على امرأةٍ من السَّبى حتّى يَسْتَبرئها ، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فلا يبع مَغْنَمًا حتى يُقْسَم ، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابّة من
فَىء المسلمين حتّى إذا أعْجَفَها ردَّها فى فَىْء المسلمين ، أو يلبس ثوبًا حتى إذا
أْلَقَه ردّه فى فَىء المسلمين .
أخبرنا عقّان بن مُسلم وهاشم بن القاسم قالا : أخبرنا شُعبة قال : قال الحكم:
أخبرنى عبد الرّحمن بن أبى لَيلى فى قوله: ﴿ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [ سورة الفتح:
١٨]: قال: خيبر. ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيَّهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ﴾ [ سورة الفتح:
٢١] : قال : فارس والروم .
أخبرنا موسى بن داود قال : أخبرنا لَيْث بن سعد إِن شاء الله عن سعيد بن أبى
سعيد المقبرى عن أبى هريرة أنّه قال: لمّا فُتحت خَيبر أَهدِيت لرسول الله، وَ لَه ،
شَاةٌ فيها سَمّ فقال النبيّ، فَ له: اجمعوا من كان هاهنا من اليهود ، فجمعوا له
فقال رسول الله، وَله : إنّى سائلكم عن شىء فهل أنتم صادقىّ عنه ؟ قالوا: نعم
يا أبا القاسم: فقال لهم رسول الله، وَله: مَن أبوكُم؟ قالوا: أبونا فلان: فقال
رسول الله، وَلٍّ: كَذَبتم! أبوكم فلان : قالوا : صدقتَ وبَرِزْتَ: فقال : هل
أنتم صادقىّ عن شىء إن سألتكم ؟ قالوا: نَعَمْ يا أبا القاسم ، فإِنْ كَذَبناك عرفتَ
كِذْبَنا كما عرفته فى أبينا: فقال لهم رسول الله، وَله: مَن أهل النّار! فقالوا:
نكون فيها يَسيرًا ثمّ تخلفونا فيها: فقال رسول الله، وَّ: احْسَئوا فيها
ولا نخلفكم فيها أبدًا : ثمّ قال لهم : هل أنتم صادقىّ عن شىء إن سألتكم عنه ؟
قالوا : نعم يا أبا القاسم : قال لهم : هل جَعلتم فى هذه الشاة سمَّا ؟ قالوا : نعم :
قال : ما حَمَلَكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنتَ كاذبًا استرحنا منكَ وإن كنت
نبيًّا لم يَضرُوْك .
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضى أهل الكوفة ، أخبرنا عيسى بن المختار عن
محمّد بن عبد الرحمن بن أبى لَيلى عن الحكم عن مِقسم عن ابن عبّاس قال : لمّا
أراد رسول الله، وَّر، أن يخرج من خيبر قال القوم: الآن نعلم أسُريّةٌ صَفيّة أم
امرأة ، فإن كانت امرأةً فإنّه سيحجبها ، وإلاّ فهى سُرِّيّة: فلمّا خرَج أمر بسترٍ فَشِر

١١٠
دونها فعرَف النّاس أنّها امرأة ، فلمّا أرادت أن تركب أدنَى فَخِذَه منها لتركب
عليها فَأَبَت ووضعت ركبتها على فَخِذه ثمّ حَمَلها ، فلمّا كان اللّيل نزل فدخل
الفُسطاطَ ودخلت معه ، وجاء أبو أيوب فبات عند الفُسطاط معه السيف واضحٌ
رأسَه على الفُسطاط. فلمّا أصبح رسول الله، وَلّه سَمع الحركة فقال: مَن
هذا؟ فقال : أنا أبو أيّوب ! فقال : ما شأنك ؟ قال : يا رسول الله جارية شابّة
حديثةُ عهدٍ بِعُرْسِ ، وقد صنعتَ بزوجها ما صنعت ، فلم آمنها ، قلتُ إن تحرّكتْ
كنتُ قريبًا منك. فقال رسول الله، وَلّر: رحمك الله يا أبا أيوب! مرتين (١).
أخبرنا عقّان بن مسلم ، أخبرنا حمّاد بن سلمة قال : أخبرنا ثابت عن أنس
قال : وقعت صفيّة فى سهم دِحية ، وكانت جارية جميلة ، فاشتراها رسول الله ،
وَّر، بسبعة أرؤس ودفعها إلى أمّ سُليم تصنعها وتُهيّها . وجعل رسول الله،
وَلَه، وَليمتَها التمرَ والأَقِط والسمنَ، قال: ففُحِصت الأرضُ أَفاحِيصَ وجِىء
بالأنطاع فوُضعت فيها ثمّ جىء بالأقط والسمن والتمر فشبع النّاس : قال : وقال
النّاس ما ندرى أتزوّجها أم اتّخذها أمّ وَلَدٍ ؟ قال فقالوا: إن حَجَبها فهى امرأته وإنْ
لم يحجبها فهى أمّ ولد: قال: فلمّا أراد أن يركب حَجَبها حتى قَعدَت على عَجُزِ
البعير ، قال : فعرفوا أنّه قد تزوّجها .
أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس قال : كان
فى ذلك السّبى صَفيّة بنت حُتَىّ فصارت إلى دِحية الكلبى ثمّ صارت بَعدُ إلى
النبىّ، وَلِّر، فأعتقها ثمّ تزوّجها وجَعل عِتقَها صَدَاقها . قال حمّاد : قال
عبد العزيز لثابت يا أبا محمّد أنتَ قلتَ لأنس ما أصْدَقها؟ قال : أصدَقَها نفسهَا :
قال: فحرّك ثابت رأسه كأنّه صدّقه .
سريّة عمر بن الخطّاب، رحمه الله، إلى تُرَبَة (٢)
ثمّ سريّة عمر بن الخطّاب ، رضى الله عنه، إلى تُرَبَة فى شعبان سنة سبع من
مُهَاجَرٍ رسول الله، وَّةَ، قالوا: بعثَ رسول الله، فَلّ، عمرَ بن الخطّاب فى
(١) الواقدى ج ٢ ص ٧٠٧
(٢) مغازى الواقدى ص ٧٢٢

١١١
ثلاثين رجلاً إلى عَجُز هَوَازن بتُربَة ، وهى بناحية العبلاء على أربع ليال من مكّة
طَريقَ صَنعاء وتَجْران ، فخرَج وخرج معه دليل من بنى هلال ، فكان يسير الليلَ
ويكمن النهارَ ، فأتى الخبر هوازنَ فهربوا ، وجاء عمر بن الخطّاب محالّهم فلم يَلْقَ
منهم أحدًا فانصرفَ راجعًا إلى المدينة .
سريّة أبى بكر الصدّيق ، رضى الله عنه، إلى بنى كِلاب بنَجْد (١)
ثمّ سريّة أبى بكر الصّدّيق إلى بنى كلاب بنجد ناحية ضَريّة فى شعبان سنة
سبع من مُهاجَر رسول الله، وَالهيل .
أخبرنا هاشم بن القاسم الكِنانى ، أخبرنا عِكْرمة بن عمّار ، أخبرنا إياس بن
سلمة بن الأكْوَع عن أبيه قال: غَزوتُ مع أبى بكر إذ بعثه النبيّ، وَّر ، علينا
فَسَبِى ناسًا من المشركين فَقَتَلْنَاهم ، فكان شِعارنا: أمِتْ أمت ! قال: فقتلتُ بيدى
سبعة أهل أبيات من المشركين .
أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا ◌ِكْرِمة بن عَمّار، أخبرنا إياس بن سَلَمة بن
الأْوَع عن أبيه قال: بعثَ رسول الله مَ لَّ، أبا بكر إلى فَزارة وخرجتُ معه
حتى إذا ما دَنونا من الماء عرّس أبو بكر، حتى إذا ما صَلّينا الصُّبح أمَرَنا فشئنًا
الغارة فَوَردنا الماءَ. فَقَتل أبو بكر مَن قَتَل ونحن معه ، قال سَلمة: فرأيت عُنُقًا من
النّاس فيهم الذَّرَارىّ فخشيتُ أن يسبقونى إلى الجبل فأدر كتُهم فرميتُ بسهم بينهم
وبين الجَبَل ، فلمّا رأوا السهم قاموا فإذا امرأة من فَزَارة فيهم عليها قَشْعُ من أدَم ،
معها ابنتها مِن أحسن العرب ، فجئتُ أسُوقهم إلى أبى بكر فنقَّلنى أبو بكر ابنتها
فلم أُکشِف لها ثوبًا حتى قَدِمتُ المدينة ، ثمّ باتت عندی فلم أکشِفْ لها ثوبًا
حتى لَقينى رسول الله ، وَّر، فى السوق فقال: يا سَلَمة هَبْ لى المرأة! فقلت :
يا نَبِىّ الله! والله لقد أعْجَبتنى وما كشفتُ لها ثوبًا! فسكتَ حتى إذا كان من
الغد لَقينى رسول الله، وَّ، فى السوق ولم أكشِف لها ثوبًا فقال: يا سَلَمة
هَبْ لى المرأة لله أبوك ! قال : فقلتُ هى لك يا رسول الله ! قال : فبعثَ بها
(١) مغازى الواقدى ص ٧٢٢

١١٢
رسول الله، وَّةٍ، إلى أهل مكة فقدى بها أسرَى من المسلمين كانوا فى أيدى
المشركين .
سريّة بَشِير بن سَعد الأنصارى إلى فَدَك (١)
ثمّ سريّة بَشير بن سَعد إلى فَدَك فى شعبان سنة سبع من مُهَاجَرِ رسول الله ،
وَرَ، قالوا: بَعثَ رسول الله، وَه بَشِير بن سعد فى ثلاثين رجلاً إلى بنى مُرّة
بقَدَك ، فخرج يلقَى رِعاء الشاءِ ، فسأل عن النّاس فقِيل فى بَواديهم ، فاستَاقَ النَّعمَ
والشّاءَ وانحدَرَ إلى المدينة ، فخرج الصَّريخ فأخبرهم فأدركه الدّهمُ منهم عند
الليل، فأتوا يرامونهم بالنبل حتى فَنيَتْ نَبْلُ أصحاب بَشير وأصبحوا ، فحمل
المُرّون عليهم فأصابوا أصحابَ بَشِير وقاتَل بشير حتى ارتُتّ وضُرِب كَعبُه فقيل قد
مات ، ورجعوا بنَعَمهم وشائهم . وقَدم عُلبة بن زَيد الحارثى بخبرهم على رسول
الله، وَّ، ثمّ قدم من بعده بَشير بن سَعد .
سريّة غالب بن عبد الله الليثى إلى المَتْفَعَة (٢) .
ثمّ سريّة غالب بن عبد الله اللّيثىّ إلى المُتْفَعَة فى شهر رمضان سنة سبع من
مُهاجَر رسول الله، وَلَه. قالوا: بعَثَ رسول الله، وَّل، غالبَ بن عبد الله إلى
بنى عُوال وبنى عَبد بن ثعلبة ، وهم بالمَتْفَعَة ، وهى وراء بطن نخل إلى النّقرة قليلًا
بناحية تَجد ، وبينها وبين المدينة ثمانية بُد ، بعثه فى مائة وثلاثين رجلاً ودليلهم
يَسار مَولَى رسول الله، وَّه، فهجموا عليهم جميعًا ووقعوا وسط محالّهم،
فَقَتلوا من أشرف لهم واستاقوا نَعَمًّا وشاءً فحَدَروه إلى المدينة ولم يأسروا أحدًا،
وفى هذه السريّة قَتَل أسامة بن زَيد الرجل الذى قال لا إله إلاّ الله ، فقال النبىّ ،
وَّ: ألا شَققتَ قَلبَه فَتَعلَمَ صادقٌ هو أم كاذب ؟ فقال أسامة : لا أُقاتِلُ أحدًا
يشهد أن لا إله إلّ الله .
(١) مغازى الواقدى ص ٧٢٣
(٢) مغازى الواقدى ص ٧٢٦

١١٣
سريّة بشير بن سعد الأنصارى إلى يَمْن وجَبار (١)
ثمّ سرية بشير بن سعد الأنصارى إلى يَمْن وجَبَار فى شوّال سنة سبع من
مُهاجَر رسول الله، وَله، قالوا: بلغ رسولَ الله، وَلَ، أَنّ جمعًا من غَطَفَان
بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله، مَلآله ،
فدعا رسول الله ، وَله، بشير بن سعد فعقد له لواءً وبعث معه ثلاثمائة رجل،
فساروا اللّيلَ وكمنوا النّهار حتى أتوا إلى يَمن وجَبار وهى نحو الجناب ، والجناب
يُعارضُ سَلاحِ وَخَيْبَر ووادى القُرى ، فنزلوا بسلاح ثمّ دنوا من القوم فأصابوا لهم
نعمًا كثيرًا وتفرّق الرّعاء ، فحذّروا الجمع فتفرّقوا ولحقوا بعلياء بلادهم ، وخرج
بشير بن سعد فى أصحابه حتى أتى محالّهم فيجدها وليس فيها أحدٌ ، ؟ فرجع
بالنعم وأصاب منهم رجلين فأسرهما وقدم بهما إلى رسول الله، مَّه ، فأسلما
فأرسلهما .
عمرة رسول الله، وَلَّ، القَضيّة (٢)
ثمّ عُمرة رسول الله، وََّ، القَضِيّة فى ذى القعدة سنة سبع من مُهاجَره .
قالوا: لمّ دخل هلال ذى القعدة أمر رسول الله، وبَله، أصحابه أن يعتمروا قَضاءً
لعمرتهم التى صدّهم المشركون عنها بالحديبية ، وأن لا يتخلّف أحدٌ ممن شهد
الحُديبية . فلم يتخلّف منهم أحدٌ إلاّ رجالٌ استُشهدوا منهم بخيبر ورجال ماتوا .
وخرج مع رسول الله، وَلِّ، قوم من المسلمين عُمّارًا فكانوا فى عُمرة القضيّة
ألفين، واستخلف على المدينة أبا رُهم الغفارىّ وساق رسول الله، وَلَه ، ستّين
بَدَنَةً وجعل على هَدْيهِ ناجيَةَ بن جُندَّب الأسلمى، وحمل رسول الله، وَلَّهِ ،
السّلاح البَيضَ والدّروع والرّماح وقاد مائَةً فَرس ، فلمّا انتهى إلى ذى الحُليفة قدّم
الخيلَ أمامَه عليها محمّد بن مسلمة ، وقدّم السّلاحَ واستعمل عليه بشير بن سعد ،
وأحرم رسول الله، وَله، من باب المسجد ولتّى والمسلمون معه يلبّون ، ومضى
محمّد بن مسلمة فى الخيل إلى مَرّ الظّهران فوجد بها نفرًا من قريش فسألوه فقال :
هذا رسول الله، وَله، يُصبح هذا المنزلَ غدًا إن شاء الله: فأتوا قريشًا فأخبروهم
(١) مغازى الواقدى ص ٧٢٧
(٢) مغازى الواقدى ص ٧٣١
[ ٨ - الطبقات الكبير جـ ٢ ]

١١٤
فَفَزِعوا ونَزَل رسول الله، وَّهِ، بَمَرّ الظّهران وقَدّم السّلاح إلى بَطن يَأْجَج حيث
يُنظَر إلى أنصاب الحَرَمِ ، وخلّفَ عليه أوسَ بن خَوْلِىّ الأنصارى فى مائة رجل ،
وخرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال وخلّوا مكّة، فقدّم رسول الله، وَّ ،
الهَدْيَ أمامَه فحبس بذى طُوَّى، وخرج رسول الله، وَخله، على رَاحِلته القَصْواء
والمسلمون متوشّحون السيوف مُحدِقون برسول الله، وَلّر، يلبّون فدخل من الثّنيّة
التى تُطلعه على الحَجُون وعبد الله بن رواحة آخذٌ بزمام راحلته ، فلم يزل رسول
الله، وَّ، يُلَتّى حتى استَلَم الرّكنَ بمحجَنِهِ مضطبعًا (١) بثوبه، وطافَ على
راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطبعوا بثيابهم ، وعبد الله بن رواحة يقول :
خلّوا فكلّ الخيرِ مَعْ رَسولِةْ
خلّوا بَنِى الكُفّارِ عن سبيلهْ
كمّا ضَرَّبْنَاكُمْ على تَنْزِيلِهْ
نحنُ ضَرَبْناكُمْ على تأوِيلة
ويُذْهِلُ الخليلَ عَنْ خَليلِهْ
ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقيلةْ
يا ربّ إِنّى مُؤمنُ بقيلهْ (٢)
فقال عمر: يابن رواحة إيهًا ! فقال رسول الله، وَّر: يا عُمر إنّى أسمعُ!
فأسكتَ عمرَ وقال رسول الله، وَله: إيهًا يابن رَواحة! قال: قُلْ لا إله إلّ الله
وحدَه نَصَرَ عَبده وأعزّ جُندَه وهَزَمَ الأحزابَ وحدَه : قال فقالها ابن رواحة فقالها
النّاس كما قال. ثمّ طاف رسول الله، وَيّل، عن الصّفا والمروة على راحلته،
فلمّا كان الطّواف السابع عند فراغه وقد وقف الهَدْىُ عند المَرْوَة قال: هذا المنَحَرُ
وكلّ فجاج مكّة مَنحَرٌ : فنحر عند المروة وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون فأمر
رسول الله، وَ لّ، ناسًا منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يَأْجَج فيقيموا على
السّلاح ويأتى الآخرون فيقضوا نُشكَهم ففعلوا، ثمّ دخل رسول الله، وَّه ،
الكعبةَ فلم يزل فيها إلى الظّهر ثمّ أمر بلالاً فأذّن على ظهر الكعبة وأقام رسول الله ،
وَلَه، بمكّة ثلاثًا وَتَزَوّجْ مَيمونَةً بنت الحارث الهلاليّة، فلمّا كان عند ظُهر من اليوم
الرابع أتاه سُهيل بن عمرو وحُويطب بن عبد العُزّى فقالا : قد انقضى أجَلُك
فاخْرُجْ عنّا! وكان رسول الله، وَّه، لم ينزل بيتًا بل ضُربَتْ له قُتَّةٌ من أدَم
(١) الاضطباع : هو أن يأخذ الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ويلقى طرفيه على
كتفه الأيسر (النهاية) .
(٢) الواقدى ص ٧٣٦، والصالحى ج ٥ ص ٢٩١ ولديهما اختلاف عماهنا.
٠

١١٥
بالأبطَح ، فكان هناك حتى خرجَ منها وأمر أبا رافع فنادى بالرّحيل وقال : لا يُمسينّ
بها أحدٌ من المسلمين . وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المطّلب من مكّة وأمّ
عُمارة سَلمَى بنت عميس . وهى أمّ عبد الله بن شدّاد بن الهاد ، فاختصم فيها
علىّ وجعفر وزيد بن حارثة أيّهم تكون عنده فقضى بها رسول الله، وَّه، لجعفر
من أجل أنّ خالتها عنده أسماءُ بنت عُميس، وركب رسول الله، بَّهِ ، حتى
نزل سرِف وتَنَامّ النّاس إليه . وأقام أبو رافع بمكّة حتى أمسَى فحمل إليه ميمونَةً بنت
الحارث فَبَتَى عليها رسول الله، وَِّ، بِسَرِف ثمّ أدلَجَ فسار حتى قدم المدينة.
أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حمّاد بن زيد وأخبرنا يحتى بن عبّاد ، أخبرنا
حمّاد بن سَلمة جميعًا عن أيّوب عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أن النبيّ، وَلِّ،
وأصحابه قَدِموا مكّة يعنى فى القضية ، فقال المشركون من قريش: إنّه يقدم عليكم قوم
قد وَهَنَتْهم حُمّى يَتْرِبَ. قال: وقعدوا مّا يلى الحجر فأمر النبيّ، وَلِّ، أصحابه أن
يَوْمُلُوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون قُوّتَهم ، وأن يمشوا ما بين الرّكنَين .
قال ابن عبّاس : ولم يمنعه أن يأمرهم أن يَرْمُلوا الأشواطَ كلّها إلّ إبقاءٍ عليهم،
فلمّا رملوا قالت قريش : ما وهنتهم .
سريّة ابن أبى العَوْجاء الشّلَمى إلى بنى سُليم (١)
ثمّ سريّة ابن أبى العَوجاء إلى بنى سُليم فى ذى الحجّة سنة سبع من مُهاجَّر
رسول الله، وَلّ. قالوا: بعث رسول الله، وَلّ) ابن أبى العَوْجاءَ السُّلَمى فى
خمسين رجلاً إلى بنى سُليم ، فخرج إليهم وتقدّمه عينٌ لهم كان معه فحذّرهم
فجمّعوا فأتاهم ابن أبى العَوْجاء ، وهم مُعِدّون له ، فدعاهم إلى الإسلام فقالوا :
لا حاجةً لنا إلى ما دعوتنا ، فَتَراموا بالنبل ساعة وجعلتِ الأمداد تأتى حتى أحدَقوا
بهم من كلّ ناحية ، فقاتَل القوم قتالًا شديدًا حتى قُتل عامّتهم وأُصيبَ ابن أبى
العَوْجاء جريحًا مع القتلى ثمَّ تحامَلَ حتى بلغ رسول الله، وَله، فَقَدِموا المدينة فى
أول يوم من صَفر سنة ثمان .
(١) مغازى الواقدى ص ٧٤١

١١٦
سريّة غالب بن عبد الله اللَّيْنِى إلى بنى المُوِّح بالكَديد (١)
ثمّ سريّة غالب بن عبد الله اللّينى، إلى بنى الملوّح بالكَديد فى صفر سنة ثمان
من مُهاجَر رسول الله ، وَه .
أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو مَعمَر ، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد ، أخبرنا
محمّد بن إسحاق عن يعقوب بن عُتبة عن مُسلم بن عبد الله الجُهَنى عن جُندَب
ابن مَكيث الجُهنى قال: بعثَ رسول الله، وََّ، غالب بن عبد الله الليثى ثمّ
أحد بنى كَلْب بن عَوف فى سريّة ، فكتب فيهم وأمرهم أن يشُّوا الغارةَ على بنى
الملوّح بالكديد ، وهم من بنى ليث ، قال : فخرجنا حتى إذا كنّا بقُديد لقينا
الحارث بن التزصاء اللّيثى فأخذناه فقال: إنّما جئت أريد الإسلام وإنّما خرجتُ إلى
رسول الله، وَلَ﴾، قلنا: إن تَكُنْ مُسلمًا لم يضررك رباطُنا يومًا وليلةً، وإن تكن
على غير ذلك نَسْتَوثق منك. قال : فشددناه وثاقًا وخلّفنا عليه رُويجلاً منّا أسودَ
فقلنا : إِن نازَعَك فاحتزٌ رأسَه ! فسرنا حتّى أتينا الكَديد عند غروب الشمس فكمنّا
فى ناحية الوادى وبعثنى أصحابى رَبيئةً لهم فخرجت حتّى أتيت تلَّا مشرفًا على
الحاضر يُطلعُنى عليهم حتى إذا أسندتُ عليهم فيه علوتُ على رأسه ثمّ اضطجعتُ
عليه قال : فإنّى لأنظر إذ خرج رجلٌ منهم من خِباءٍ له فقال لامرأته : إنّى أرى على
هذا الجبل سوادًا ما رأيته أوّل من يومى هذا فانظرى إلى أوعِيَتِكٍ لا تكون الكلاب
جرّت منها شيئًا . قال : فنظرت فقالت : والله ما أفقد من أوعيتى شيئًا . قال :
فناولينى قوسى ونبلى ، فناولَته قوسَهُ وسهمين معها ، فأرسل سهما فوالله ما أخطأ
بين عينىّ ، قال: فانتزعته وثبَتّ مكانى ثمّ أرسل آخر فوضعه فى منكبى فانتزعته
فوضعته وثبتّ مكانى ، فقال لامرأته : والله لو كانت ربيئةً لقد تحرّكت بعد! والله
لقد خالَطَهَا سَهمَاىَ لا أبا لَكِ ! فإذا أَصبحتِ فانظريهما لا تمضغهم الكلاب ،
قال: ثمّ دخل وراحَت الماشية من إبلهم وأغنامهم ، فلمّا احتَلَبوا وعَطَنوا واطمأنّوا
فناموا شنّا عليهم الغارةَ واستَقْنَا النّعَمَ . قال : فخرج صريخ القوم فى قَومهم فجاء
ما لا قِبَلَ لنا به ، فخرجنا بها نحدرها حتّى مررنا بابن البَرْصاء فاحتملناه واحتملنا
صاحبنا ، فأدركَنا القومُ حتى نظروا إلينا ما بيننا وبينهم إلاّ الوادى ونحن موجّهون
(١) مغازى الواقدى ص ٧٥٠

١١٧
فى ناحية الوادى إذ جاء الله بالوادى من حيث شاء يملأ جَنبَتَيَه ماءٌ ، والله ما رأينا
يومئذ سحابًا ولا مطرًا فجاء بما لا يستطيع أحدٌ أن يحوزه فلقد رأيتهم وقوفًا
ينظرون إلينا وقد أسندناها فى المسيل ، هكذا قال ، وأمّا فى رواية محمّد بن عمر
قال : أسندناها فى المُشَلّل (١) نحدرها وفُتناهم فَونًا لا يقدرون فيه على طلبنا ،
قال: فما أنسى قولَ راجزٍ من المسلمين وهو يقول :
أَبَى أَبُو القاسِمِ أنْ تَعَزّبى فى خَضِلٍ نَبَاتُهُ مُغلَوْلِبٍ
صُفرٍ أعاليهِ كَلَوْنِ الْمُذْهَبِ
وزاد محمّد بن عمر فى روايته :
وذَاكَ قوْلُ صادِقٍ لَمْ يَكذِبِ
قال : فكانوا بضعة عشر رجلاً . قال عبد الوارث: وحدّثنى هذا الحرفَ رجلٌ
عن محمّد بن إسحاق أنه حدّثَّهُ رجُلٌ من أسلم أنّهُ كان شعارهم يومئذ : أمِتْ
أمِتْ (٢) .
سريّة غالب بن عبد الله اللَّيْنِى أيضًا إلى مُصَاب
أصحاب بَشير بن سعد بِفَدَك (٣)
ثمّ سريّة غالب بن عبد الله اللّيثيّ إلى مُصاب بَشير بن سعد بفَدَكٍ فى صفر
سنة ثمانٍ من مُهاجَر رسول الله، وَلَّهِ .
أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثنى عبد الله بن الحارث بن الفُضيل عن أبيه قال :
هيّأ رسول الله، وَله، الزّبير بن العوام وقال له: سِرْ حتى تنتهى إلى مُصاب
أصحاب بَشير بن سعد فإن أَظْفَرَك الله بهم فلا تُبقِ فيهم . وهيّأ معه (٤) مائتى
(١) المشلل : ثنية مشرفة على قديد .
(٢) انظره لدى الواقدى ج ٢ ص ٧٥٢
(٣) النويرى ج ١٧ ص ٢٧٦
(٤) معه: تحرفت فى طبعة إحسان وعطا إلى (معهم)).

١١٨
رجل وعَقَدَ له لواءً ، فقدم غالب بن عبد الله اللّيثيّ من الكَديد من سريّة قد ظفّره
الله عليهم ، فقال رسول الله، وَّر، للزبير: اجلسْ! وبعث غالبَ بن عبد الله
فى مائتى رجل ، وخرج أسامة بن زَيد فيها حتى انتهى إلى مُصاب أصحاب بَشير
وخرج معه علبة بن زيد فيها فأصابوا منهم نَعَمًا وقَتلوا منهم قَتلَى .
أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثنى أفلح بن سعيد عن بشير بن محمّد بن عبد الله
ابن زيد قال : خرج مع غالب فى هذه السريّة عقبة بن عَمْرو أبو مسعود وكعب بن
عُجرة وأسامة بن زيد الحارثى .
أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثنى شبل بن العلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن
محُويّصة عن أبيه قال: بعثنى رسول الله، وَّر، فى سريّة مع غالب بن عبد الله
إلى بنى مُرّةٍ فَأَغَرْنا عليهم مع الصّبح وقد أَوْعَزَ إلينا ، أمَرَنَا أَلاّ نفترِقَ وواخَى بيننا
فقال: لا تعصونى فإنّ رسول الله، وَله، قال: من أطاع أميرى فقد أطاعنى ومن
عصاه فقد عصانى وإنّكم متى ما تعصونى فإنّكم تعصون نبيّكم ، قال: فآخَى بينى
وبين أبى سعيد الخدرىّ ، قال : فأصبنا القومَ .
سريّةَ شُجاع بن وَهْب الأسَدى إلى بنى عامر بالسِّيّ (١)
ثمّ سريّة شُجاع بن وهب الأسدىَ إِلى بنى عامر بالسّىّ فى شهر ربيع الأوّل
سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله ، وَلِه.
أخبرنا محمّد بن عمر الأسلَمى، حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَةَ عن
إسحاق بن عبد الله بن أبى فَرْوَة عن عمر بن الحَكَم قال : بعث رسول الله ،
وَلِّ، شُجاع بن وَهب فى أربعةٍ وعشرين رجلاً إلى جَمْع من هَوازِنَ بالسّىّ ناحيةً
رُكبة من وراء المَعَدِن ، وهى من المدينة على خمس ليالٍ ، وأمره أن يُغيرَ عليهم ،
وكان يسير اللّيلَ ويكمن النّهار حتّى صَبّحهم وهم غارّون، فأصابوا نعمًا كثيرًا
وشاءً واستاقوا ذلك حتّى قدموا المدينةَ واقتسموا الغنيمة ، وكانت سهامهم خمسة
عشر بعيرًا وعدلوا البعيرَ بعشر من الغنم ، وغابت السريّة خمس عشرة ليلةً .
(١) مغازى الواقدى ص ٧٥٣

١١٩
سريّة كعب بن عُمير الغِفَارِىّ إلى ذات أطلاح (١)
ثمّ سرية كَعب بن عمير الغفارى إلى ذات أطلاح ، وهى من وراء وادى
القُرَى، فى شهر ربيع الأول سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، وَلَّ.
أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ قال: بعث
رسول الله ، وَلَّ، كَعب بن عُمير الغِفارى فى خمسة عشر رجلًا حتى انتهوا إلى
ذات أطلاح من أرض الشأم فوجدوا جمعًا من جمعهم كثيرًا ، فدعوهم إلى
الإسلام فلم يستجيبوا لهم وَرَشقوهم بالنبل ، فلمّا رأى ذلك أصحابُ رسول الله ،
وَ له، قاتَلوهم أشدّ القتال حتّى قُتلوا وأفَلَتَ منهم رجل جريح فى القَتَلَى، فلمّا
برد عليه اللّيلُ تحامل حتّى أتى رسولَ الله، وَلَّ، فأخبره الخبر فشقّ ذلك عليه
وهم بالبعث إليهم فبلغه أنّهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم .
سريّة مُؤتَّة (٢)
ثمّ سريّة مؤتة ، وهى بأدنى البلقاء ، والبلقاء دون دمشق ، فى جمادى الأولى
سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله ،
قالوا: بعث رسول الله، وَّ، الحارثَ بن عُمير الأزْدى أحد بنى لهبٍ إلى
ملك بُصرَى بكتاب ، فلمّا نزل مُؤتَة عرض له شُرَحبيل بن عمرو الغسّانى فقتله ولم
يُقتلْ لرسول الله، وَّ، رسولٌ غيره، فاشتدّ ذلك عليه وندبَ النّاس فأسرعوا
وعسكروا بالجُرف وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله، وَلَّ أَميرُ النّاس زَيد بن
حارثة ، فإن قُتل فجعفر بن أبى طالب ، فإن قُتل فعبد الله بن رَواحة ، فإن قُتل
فليرتَضِ المسلمون بينهم رجلً فيجعلوه عليهم. وعقد لهم رسول الله، وَله، لواءً
أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثه وأوصاهم رسول الله، وَّله، أن يأتوا مقتل الحارث
ابن عُمير وأن يدعوا مَن هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلاّ استعانوا عليهم بالله
وقاتلوهم ، وخرَج مشيّعًا لهم حتى بلغ ثنيّة الوَداع فوقف وودّعهم ، فلمّا سارُوا من
معسكرهم نادى المسلمون : دَفَع الله عنكم وردّكم صالحين غانمين! فقال ابن
رَوَاحة عند ذلك .
(١) مغازى الواقدى ص ٧٥٢
(٢) مغازى الواقدی ص ٧٥٥

١٢٠
لكتّنى أسألُ الرّحمنَ مَغْفِرَةً ،
وضَربَةً ذاتَ فَوْع تَقْذِفُ الزَّبَدًا (١)
قال : فلمّا فصلوا من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم
شُرَحبيل بن عَمرو فجمع أكثرَ من مائة ألف وقدم الطّلائع أمامَه ، وقد نزل
المسلمون مُعانَ من أرض الشام وبلغ النّاسَ أَنّ هِرَقلَ قد نزلَ مآبَ من أرض البلقاء
فى مائة ألف من بَهراء ووائل وبكر ولَم وجذام . فأقاموا ليلتين لينظروا فى أمرهم
وقالوا: نكتب إلى رسول الله، وَّل، فنخبره الخبر، فشجّعهم عبد الله بن رواحة
على المُضىّ ، فمضوا إلى مُؤتَّةً ووافاهم المشركون فجاءَ منهم ما لا قِبَل لأحد به من
العدد والسلاح والكُراع والدّيباج والحرير والذهب ، فالتقى المسلمون والمشركون
فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم فأخذ اللواءَ زيد بن حارثة فقاتل ، وقاتل المسلمون
معه على صفوفهم ، حتّى قُتل طعنًا بالرّماح رحمه الله، ثمّ أخذ الّواءَ جعفر بن أبى
طالب فنزل عن فرس له شَقراء فعرقبها فكانت أولَ فرسٍ عُرقبت فى الإسلام وقاتل
حتى قُتِل ، رضى الله عنه ، ضربه رجل من الرّوم فقطعه بنصفين ، فؤُجد فى أحد
نصفيه بضعة وثلاثون جُرحًا ووُجد فيما قيل من بَدَن جعفر اثنتان وسبعون ضربةً
بسيف وطعنةً برمح ، ثمّ أخذ الّواءَ عبدُ الله بن رواحة فقاتل حتّى قُتِل رحمه الله ،
فاصطلح النّاس على خالد بن الوليد فأخذ اللّواء وانكشف النّاس فكانت الهزيمة ،
فتبعهم المشركون فقُتِل مَن قُتل من المسلمين ورُفعت الأرض لرسول الله، وَه،
حتى نَظر إلى مُعتَرَك القوم . فلمّا أخذ خالد بن الوليد اللّواء قالَ رسول الله ،
صَلىالله
.
وستِلاً.
الآنَ حَمِىَ الوَطِيسُ ! فلمّا سمع أهلُ المدينة بجيش مُؤتَّةً قادمين تلقّوهم بالجُرْف ،
فجعل النّاس يَحثُون فى وجوههم الترابَ ويقولون: يا فُّار ! أَفَررتم فى سبيل الله ؟
فيقول رسول الله، وَله: ليسوا بقُرّار ولكنّهم كُرّار إن شاء الله !
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضى الكوفة ، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمّد
ابن عبد الرحمن بن أبى ليلَى عن سالم بن أبى الجَعد عن أبى اليَسَر عن أبى عامر
قال: بعثنى رسول الله، وَّل، إلى الشأم، فلمّا رجعتُ مررت على أصحابى
وهم يُقاتلون المشركين بمُؤْتَة ، قلت والله لا أبرح اليومَ حتى أنظر إلى ما يصير إليه
(١) انظر ابن هشام ج ٤ ص ٣٧٤ ، والواقدى ج ٢ ص ٧٥٧