النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ شمّاس وابن عمّ له فكاتباها على تسع أواقٍ ذهبٍ فسألت رسول الله، وَّـ، فى كتابتها وأدّاها عنها وتزوّجها (١). وكانت جارية حلوة، ويقال : جعل صَداقَها عتقَ كلّ أَسير من بنى المصطَلق ، ويقال : جعل صداقها عتقَ أربعين من قومها ، وكان السّبى منهم مَن مَنّ عليه رسول الله، وَلّه، بغير فداء، ومنهم مَن افتُدِى فافتُديَت المرأة والذّريّة بستّ فرائض ، وقدموا المدينة ببعض السبى فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم فلم تبق امرأة من بنى المصطلق إلاّ رجعت إلى قومها ، وهو الثبت عندنا . وتنازع سنان بن وبَر الجُهَنى حليف بنى سالم من الأنصار وجَهجاه بن سعيد الغفارى على الماء فضرب جهجاه سنانًا بيده فنادى سنان: يا لَلأنصار! ونادى جهجاه : يا لَقُرَيش يا لَكنانة ! فأقبلت قريش سراعًا وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح ، فتكلّم فى ذلك ناشٌ من المهاجرين والأنصار حتى ترك سنان حقّه وعَفًا عنه واصطلحوا ، فقال عبد الله بن أبيّ: ﴿لَيْنِ رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ ﴾ [ سورة المنافقون: ٨] : ثمّ أقبل على مَن حضر من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم : وسمع ذلك زيد بن أرقم فأبلغ النبيّ، وَّل ، قولَه فأمر بالرحيل وخرج من ساعته وتبعه النّاس ، فقدَم عبد الله بن عبد الله بن أَبيّ النّاس حتى وقفَ لأبيه على الطريق، فلما رآه أناخَ به وقال : لا أفارقك حتى تزعم أنّك الذّليل ومحمّد العزيز، فمرّ به رسول الله، وَ﴾، فقال: دَعه فَلَعمرى لتُحسننّ صُحبته ما دام بين أظهرنا! وفى هذه الغزاة سقط عِقدُ لعائشة فاحتبسوا على طلبه ، فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن الحضير : ما هى بأوّلٍ بَركتكم يا آل أبى بكر . وفى هذه الغَزاة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها . قال : وأَنَزَل الله ، تبارك وتعالى ، بَرَاءتها . وغابَ رسول الله، وَّر، فى غَزَاته هذه ثمانية وعشرين يومًا وقدم المدينة لهلال شهر رمضان . (١) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٦٤ نقلا عن ابن سعد . ٦٢ غزوة رسول الله، وَّةٍ، الخَتَّدَق وهى غَزاة الأحزاب (١) ثمّ غزوة رسول الله، وَّر، الخندق، وهى غزوة الأحزاب فى ذى القعدة سنة خمسٍ من مُهاجَره . ٠ قالوا: لمّ أعْلَى رسول الله، وَّهِ، بنى النَّضِير ساروا إلى خَيْبَر، فخرَجَ نَّفَرٌ من أشرافهم ووجوههم إلى مكّة فألّبوا قريشًا ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله ، وَلّره ، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعدًا، ثمّ خرجوا من عندهم فأتوا غَطَفانَ وسُليمًا فَفَارَقوهم على مِثل ذلك ، وتجهّزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومَن تَبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف ، وعَقَدوا اللّواء فى دار النّدوة وحمله عثمان بن طلحة بن أبى طلحة ، وقادوا معهم ثلاثمائة فَرَس ، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير ، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أميّة وَوَافتهم بنو سُليم بمرّ الظهران ، وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أَميّة ، وهو أبو أبى الأعوَر السّلَمى الذى كان مع معاوية بصفّين ، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خُوَيلد الأسدى ، وخرجت فَزارة فأوعبت ، وهم ألف بعير يقودهم عيينة بن حصن ، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مَسعود بن رُخيلة، وخرجت بنو مُرّة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف، وخرَج معهم غيرهم (٢). وقد روى الزهرى أن الحارث بن عوف رَجَع ببنى مُرّة فلم يشهد الخندق منهم أحدٌ ، وكذلك رَوَت بنو مُرة ، والأوّل أثبت أنّهم قد شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف ، وهَجَاه حسّان بن ثابت فكان جميع القوم الذين وافوا الخندقَ ممّن ذُكر من القبائل عشرة آلاف ، وهم الأحزاب ، وكانوا ثلاثة عساكر وعنامج الأمر إلى أبى سفيان بن حرب: فلمّا بلغ رسولَ الله، وَله، فصولُهم (٣) من مكّة نَذَبَ النّاسَ (١) مغازى الواقدى ص ٤٤٠، والنويرى ج ١٧ ص ١٦٦ (٢) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٦٦ نقلا عن ابن سعد . (٣) فصولهم : خروجهم . ٠ ٦٣ وأخبرهم خبر عدوّهم وشاوَرَهم فى أمرهم، فأشار عليه سلمان الفارسى بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين وعَسْكَر بهم رسول الله، وَِّ، إلى سَفح سَلْع (١) وجعل سَلعًا خلف ظهره ، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف ، واستخلَف على المدينة عبدَ الله بن أمّ مكتوم ثمّ خَنْذَقَ على المدينة ، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرونَ قدومَ عدوّهم عليهم وعمل رسول الله، وَّ، معهم بيده لينشّط المسلمين، ووكّل بكلّ جانب منه قومًا فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذُباب (٢) ، وكانت الأنصار يحفرون من ذُباب إلى جبل بنى عُبيد ، وكان سائر المدينة مشبّكًا بالبنيان فهى كالحصن، وخَنْدَقَت بنو عبد الأشْهَل عليها مما يلى راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد ، وخَتْدَقَت بنو دينار من عند جُرْبًا إلى موضع دار ابن أبى الجنوب اليومَ ، وفَرغوا من حفره فى ستّة أيام ورفع المسلمون النساء والصبيان فى الآطام . وخرج رسول الله، وَله، يوم الاثنين لثمانى ليالٍ مضين من ذى القعدة ، وكان يحمل لواءه لواء المهاجرين زَيدُ بن حارثة، وكانَ يحمل لواء الأنصار سَعدُ ابن عُبَادة ، ودسّ أبو سُفيان بن حرب حُييّ بن أخْطَب إلى بنى قريظة يسألهم أن ينقضوا العهدَ الذى بينهم وبين رسول الله، وَّل ، ويكونوا معهم عليه ، فامتنعوا من ذلك ثمّ أجابوا إليه ، وبلغ ذلك النبىّ، وَلّ، فقال: حَسبُنا الله ونعمَ الوكيلُ ! قال: وَجَم الّفاقُ وفشل النّاس وعظُم البلاءُ واشتدّ الخوفُ وخِيفَ على الذّرارىّ والنساء، وكانوا كما قال الله، تبارك وتعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ﴾ [ سورة الأحزاب: ١٠]. ورسول الله، وَلَّر، والمسلمون وِجَاه العدوّ لا يزولون غير أنّهم يعتقبون خندقهم ويحرسونه . وكان رسول الله، وَ لَه، يبعث سَلمة بن أَسْلَم فى مائتى رجل وزيد بن حارثة فى ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويُظهرون التكبير، وذلك أنّه كان يخاف (١) سلع : جبل بسوق المدينة . (٢) ذباب : جبل بالمدينة . ٦٤ على الذراريّ من بنى قُرَيظة ، وكان عباد بن بشر على حرس قُبّة رسول الله ، وَله، مع غيره من الأنصار يحرسونه كلّ ليلة: فكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب فى أصحابه يومًا ويغدو خالد بن الوليد يومًا ويغدو عمرو بن العاص يومًا ويغدو هُبَيرة بن أبى وَهب يومًا ويغدو ضِرار بن الخطّاب الفهرى يومًا ، فلا يزالون يُجيلون خَيلَهم ويتفرّقون مرّةً ويجتمعون أخرى ويناوشونَ أصحاب رسول الله، وَّ، ويقدّمون رُماتَهم فيرمون: فرَمَى حبّان بن العَرِقَة سعدَ ابن معاذ بسهم فأصاب أكْحَلَه فقال : خُذْها وأنا ابن العَرِقَة ! فقال رسول الله ، وَّة: عرّقَ الله وجهكَ فى النّار! ويقال: الذى رماه أبو أسامة الجُشَمى. ثمّ أجمع رؤساؤهم أن يغدوا يومًا فغدوا جميعًا ومعهم رؤساء سائر الأحزاب وطلبوا مضيقًا من الخندق يُقحمون منه خيلَهم إلى النبىّ، وَّ، وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا : إنّ هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها : فقيل لهم : إنّ معه رجلًا فارسيًّا أشار عليه بذلك. قالوا: فمنْ هناك إذًا! فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فَعَبَر ◌ِكْرِمة بن أبى جَهل ونَوْفَل بن عبد الله وضرار بن الخطّاب وهُبيرة بن أبى وهب وعمرو بن عبد ؤُدّ ، فجعل عَمرو بن عبد وُدّ يدعو إلى البراز ويقول : وَلَقَدْ بَحِحْتُ مِنَ النّدا لجمعهم (١) : هلْ منْ مُبَارِزْ؟ وهو ابن تسعين سنة ، فقال علىّ بن أبى طالب : أنا أبارزُه يا رسول الله . فأعطاه رسول الله، وَلَّ، سيفَه وعَمَّمه وقال: اللّهمّ أعنهُ عليه: ثم بَرَزَ له ودنا أحدهما من صاحبه وثارت بينهما غَبَرَةٌ وضرَبَه علىّ فَقَتَلَه وكبّر ، فعلمنا أنّه قد قَتَله وولّى أصحابه هاربين وظفرت بهم خيولهم . وحمل الزُّبير بن العوّام على نَوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقّه باثنين ، ثمّ اتّعدوا أن يغدوا من الغد فباتوا يعبثون أصحابهم وفرّقوا كتائبهم ونحوا إلى رسول الله، وَلّر، كتيبة غليظةً فيها خالد بن الوليد فقاتلوهم يومَهم ذلك إلى هُوِىّ من اللّيل ما يقدرون أن يزولوا من موضعهم (١) م ((لجمعكم)). والمثبت رواية ل ومثلها لدى النويرى ج ١٧ ص ١٧٣ وهو ينقل عن ابن سعد . ٦٥ ولا صَلَّى رسول الله، وَثَ، ولا أصحابه ظُهرًا ولا عَصرًا ولا مَغْربًا ولا عِشاءً حتى كشَفَهم الله فرجعوا متفرّقين إلى منازلهم وعَشكرِهم وانصرف المسلمون إلى قُبَّة رسول الله، وَه . وأقام أسيد بن الحُضَير على الخندق فى مائتين من المسلمين وكَوّ خالد بن الوليد فى خَيل من المشركين يطلبون غرّةً من المسلمين ، فَنَاوشوهم ساعة ومع المشركين وَحْشِىّ ، فَرَق الطُّفِيلَ بن النُّعمان من بَنِى سَلمَة بمزْرَاقِهِ فَقَتله وانكشفوا وصار رسول الله، وَّل، إلى قُبْتَه فأمر بلالاً فأذّنَ وأقام الظّهر فصلّى، ثمّ أقام بعد كلّ صلاةٍ إقامةً إقامةً وصلَّى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات وقال : شَغَلونا عن الصّلاة الوسطى ، يعنى العصر ، مَلأَّ الله أجوافَهم وقُبورهم نارًا! ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعًا حتى انصرفوا إلاّ أنهم لا يدعون يبعثون الطّلائع بالليل يطمعون فى الغارة. وحُصِرَ رسول الله، وَله، وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كلّ امرىء منهم الكَوْبُ، فأراد رسول الله ، وَّرَ، أن يصالح غَطَفانَ على أن يعطيهم ثُلُثَ الثمرة ويخذّلوا بين النّاس وينصرفوا عنه ، فأبت ذلك الأنصار فترك ما كان أراد من ذلك . وكان نُعيم بن مسعود الأشْجَعى قد أسلَم فحسُن إسلامه فمشى بين قُريش وقُرَيْظة وغَطَفان وأبلَغ هؤلاء عن هؤلاء كلامًا وهؤلاء عن هؤلاء كلامًا يُرى كلّ حزبٍ منهم أنّه ينصح له، فَقَبِلوا قوله وخَذّله عن رسول الله، وَّه، واستوحش كلّ حزبٍ من صاحبه ، وطلبت قُريظة من قريش الرهنَ حتى يخرجوا فيقاتلوا معهم ، فأَبَت ذلك قريش واتّهموهم واعتلّت قُريظة عليهم بالسّبت وقالوا : لا نُقاتل فيه لأنّ قومًا منّا عدوا فى السبت فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنَازِيرَ . فقال أبو سفيان بن حرب : ألا أرانى أستعين بإخوة القِرَدَةِ والخنازير . وبعث الله الرّيحَ ليلةً السبت ففعلت بالمشركين وتركت لا تُقِرّ لهم بناءً ولا قِدْرًا . وبعث رسول الله، مَله، حُذيفة بن اليَمَان إليهم ليأتيه بخبرهم ، وقام رسول الله، وَله، يصلّى تلك الليلة، فقال أبو سفيان بن حرب: يا معشر قريش إنّكم لستم بدار مُقامٍ ، لقد هلك الخُفّ والحافر وأجدب الجناب وأخلفتنا بنو قريظة ولقد [ ٥ - الطبقات الكبير جـ ٢ ] ٦٦ لقينا من الرّيح ما ترون فارتحلوا فإنّى مرتحل : وقام فَجلس على بعيره وهو معقول ، ثم ضربه فَوَثَب على ثلاثِ قوائم فما أطلق ◌ِقاله إلاّ بعدما قام . وجعل النّاس يرحلون وأبو سفيان قائم حتى خفّ العسكر ، فأقام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد فى مائتى فارس ساقَّةً للعسكر ورِدْءًا لهم مخافةَ الطلب ، فرجَع حُذَيفة إلى رسول الله، وَّر، فأخبره بذلك كلّه وأصبح رسول الله ، وَ له، وليس بحضرته أحدٌ من العساكر قد انقشعوا إلى بلادهم فأذن النبىّ، وَالر، للمسلمين فى الانصراف إلى منازلهم فخرجوا مبادرين مسرورين بذلك، وكان فيمن قُتِل أيضًا فى أيام الخندق أنَس بن أوس بن عتيك من بنى عبد الأشهل قتله خالد بن الوليد ، وعبد الله بن سَهل الأشهَلىّ وثعلبة بن غَنَمَة (١) بن عدىّ بن نابىء قتله هُبيرة بن أبى وهب ، وكَغب بن زيد من بنی دینار قتله ضرار بن الخطّاب، وقُتل أيضًا من المشركين عثمان بن مُنبّه بن عُبيد بن السبّاق من بنى عبد الدّار بن قُصِىّ ، وحاصرهم المشركون خمس عشرة ليلة وانصرف رسول الله ، وَلّر ، يوم الأربعاء لسبع ليالٍ بقين من ذى القعدة سنة خمس . أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال : أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال : خرَج المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق فى غداة باردة فجعل رسول الله ، صَلىالله ، يقول : وستَهم اللَّهُمَّ إنّ الخيرَ خيرُ الآخرةْ فاغفرْ للأنصار والمهاجرة فأجابوه : نحن الذين بايعوا محمّدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا (٢) أخبرنا عقّان بن مسلّم ، أخبرنا حَمّاد بن سَلمَة قال : أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك : أنّ أصحاب النبيّ، وَّر، كانوا يقولون وهم يحفرون الخندق. (١) ل، م ((عنمة)) والصواب من المشتبه للذهبى والواقدى ص ٤٩٦، الذى ينقل عنه ابن سعد . (٢) أورده الواقدى فى المغازى ج ٢ ص ٤٥٣ ٦٧ نحن الذين بايعوا محمّدًا على الجهاد ما بقينا أَبَدًا والنبىّ، وَيَّة ، يقول : اللَّهُمَّ إنّ الخيرَ خيرُ الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وأتى رسول الله، وَله، بخبزٍ شعيرٍ عليه إهالةٌ سَنِخة (١) فأكلوا منها وقال النبىّ، ومَ له: إنما الخير خير الآخرة. أخبرنا عبد الله بن مَسلمَة بن قَعنَب ، أخبرنا عبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال: جاءنا رسول الله، وَليل ، ونحن نحفر الخندق وننقل الترابَ على أكتافنا فقال رسول الله، وَّ: لا عيشَ إلّ عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة . أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء ، أخبرنا شُعبة عن أبى إسحاق الهَمدانى عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله، وَلَه، يوم الأحزاب ينقل معنا التراب وقد وارى الترابُ بَيَاضَ بطنه ويقول : وَلا تَصَدّقْنَا ولا صَلَّيْنَا لاهُمّ (٢) لولا أنتَ مَا اهْتَدَيْنا، وَثَّتِ الأَقْدَامَ ، إِنْ لاقَيْنَا فأنزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ، إذا أرادوا فتنَةً أَبَيْنَا (٣) إنّ الأولى لَقَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ، أبينا يرفع بها صوته ، أخبرنا أبو الوليد الطّيالسيّ ، أخبرنا أبو عَوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جُبير قال : كان يوم الخندق بالمدينة ، قال : فجاء أبو سفيان بن حرب ومَن معه من قريش ومَن تبعه من كنانة ، وعُيينة بن حصن ومَن تبعه من غَطَفَان ، وطُليحة ومَن (١) لدى ابن الأثير (أهل) وفيه ((أنه كان يُدْعَى إلى خُبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب)) كل شئ من الأدهان مما يؤتدم به إهالة . وقيل هو ما أذيب من الألية والشحم . والسنخة : المتغيرة الريح . (٢) م ((اللهم)) والمثبت من ل، ومثله لدى النويرى ج ١٧ ص ١٦٩ نقلا عن ابن سعد، وكذلك الديار بكرى ج ١ ص ٥٤١ (٣) الخبر مع الآبيات لدى النويرى ج ١٧ ص ١٦٩ نقلا عن ابن سعد . ٦٨ تبعه من بنى أسد ، وأبو الأعور ومَن تبعه من بنى سُليم وقُريظة كان بينهم وبين رسول الله ، وَلّ، عهدٌ فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله تعالى فيهم : ﴿ وَأَنَزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ ﴾ [ سورة الأحزاب: ٢٦] فأتى جبريل ، عليه السّلام، ومعه الريح فقال حين رأى جبريلَ: أَلا أبشروا، ثلاثًا ، فأرسلَ الله عليهم الرّيح فَهَتَكت القبابَ وكَفَأَت القُدُور ودفنَت الرحال وقَطَّعت الأوتاد فانطلقوا لا يَلوِى أحد على أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ جَآءَتَّكُمْ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَا ﴾ [ سورة الأحزاب: ٩]. فرجع رسول الله ، صَلى الله وسلم . : قال أبو بشر: وبلغنى أن رسول الله، وَلغيره، لمّ رجع إلى منزله غسل جانب رأسه الأيمن وبقى الأيسر ، قال: فقال له، يعنى جبريل، وَالر: ألا أراك تغسل رأسك فوالله ما نزلنا بعدُ، انهضْ: فأمر رسول الله، وَلَه ، أصحابه أن ينهضوا إلى بنى قُريظة . أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارى حدّثنى هشام بن حسّان ، أخبرنا محمّد ابن سيرين ، أخبرنا تُبيدة ، أخبرنا علىّ بن أبى طالب ، رضى الله عنه ، أنّ النبىّ ، وَالر ، قال يوم الخندق: مَلأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما حَبَسونا عن الصّلاة الوُسطى حتى غابت الشمس . أخبرنا عَمرو بن عاصم الكلابى ، أخبرنا هَمّام بن يحتَى عن قتادة عن أبى حسّان عن ◌ُبيدة عن علىّ بن أبى طالب ، رضى الله عنه ، أنّهم لم يصلّوا يوم الأحزاب العصر حتى غربت الشمس ، أو قال : آبت الشمس ، فقال النبىّ ، وَلّ: اللهمّ املأ بيوتهم نارًا كما حَبَسونا عن الصّلاة الوسطى حتى غابت الشمس، أو قال : آبت الشمس ، قال : فعرفنا أنّ صلاة الوسطى هى العصر . أخبرنا عارم بن الفضل ، أخبرنا حمّاد بن زَيد عن عاصم عن زِرّ بن حُبَيش عن علىّ قال: قال رسول الله، وَله، يوم الخندق: ما لهم ملأ الله قبورهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى ، وهى العصر . أخبرنا محمّد بن معاوية النيسابورى ، أخبرنا ابن لَهِيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن محمّد بن عبد الله بن عوف عن أبى مجمعة وقد أدرك النبيّ، وَِّ، أنّ النبيّ، ٦٩ وَِّ، عام الأحزاب صلّى المغرب فلمّا فرغ قال: هل عَلِمَ أحدٌ منكم أنّ صلّيتُ العصر ؟ قالوا : يا رسول الله ، صلّى الله عليك، ما صّيناها، فأمرَ المؤذّن فأقام الصلاة فصلَّى العصر ثمّ أعاد المغرب. أخبرنا الحسن بن موسى ، أخبرنا زُهير ، أخبرنا أبو إسحاق عن المهلّب بن أبى صُفرة قال: قال رسول الله، وَلَّل، حين حفر الخندق وخاف أن يُبَيّتَه أبو سفيان فقال : إنْ بُيَّم فإنّ دعواكم حمّ لا يُنْصَرون . حدّثنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا شريك عن أبى إسحاق عن المهلّب بن أبى صُفرة قال: حدّثنى رجلٌ من أصحاب رسول الله، وَّر، قال: قال النبىّ، وَّر، ليلة الخندق: وإنّى لا أرى القوم إلاّ مُبيتيكم الليلة. كان شعاركم حمّ لا يُنْصَرون . أخبرنا عارم بن الفضل ، أخبرنا حمّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال : قال سعيد بن المسيّب: حاصَر النبيَّ، وَلّر، المشركون فى الخندق أربعًا وعشرين ليلة . أخبرنا محمّد بن حُميد العَبدى عن معمر عن الزُّهرىّ عن أبى المسيّب قال : لمّا كان يوم الأحزاب حُصر النبيّ، وَلَه، وأصحابه بضع عشرة ليلةً حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكَرْب وحتى قال النبيّ، وَِّ: اللَّهُمَّ إنّى أَنشُدُك عهدَك ووعدَك، اللَّهُمَّ إنّك إن تشأ لا تُعبَد: فبينا هم على ذلك أرسل النبيُ، وَّ، إلى عُيينة بن حصن بن بدر : أرأيتَ إنْ جعلتُ لكم ثُلُثَ ثَمَرِ الأنصار أَتَرجعُ بمن معك من غَطَفان وتخذّل بين الأحزاب؟ فأرسَلَ إليه عُيينة : إن جعلتَ لى الشّطرَ فعلت . فأرسَلَ النبيّ، وَلّه، إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذٍ فأخبرهما بذلك فقالا: إن كنتَ أُمْتَ بشىء فامضٍ لأمرِ الله . قال : لو كنتُ أَمْتُ بشىء ما أستأمرُ بكما ولكنّ هذا رأىٌ أعرِضُه عليكما : قالا: فإنّا نرى أن لا نعطيهم إلّ السيف . قال محمّد بن حُميد ، قال مَعمر عن ابن أبى تَجيح : فبينا هم على ذلك إذ جاء نُعيم بن مسعود الأشجعى ، وكان يأمنه الفريقان جميعًا ، فخذّل بين النّاس فانطلقَ الأحزاب منهزمين من غير قتال فذلك قوله: ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالَ﴾ [ سورة الأحزاب: ٢٥]. ٧٠ أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنّفى البصرى ، أخبرنا كثير بن زيد قال : سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : سمعتُ جابر بن عبد الله قال : دَعا رسول الله، وَلجر، فى مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستُجيب له يومَ الأربعاء بين الصّلاتين الظهر والعصر فعرفنا البِشْر فى وجهه ، قال جابر : فلم ينزل بى أمر مهمّ غائظ إلاّ توحّيتُ تلك الساعة من ذلك اليوم فدعوتُ الله فأعرفُ الإجابةَ . أخبرنا عتّاب بن زياد ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبى خالد أنّه سمع عبد الله بن أبى أُوْفَى يقول: دعا رسول الله، وَّةٍ ، يوم الأحزاب على المشركين فقال: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتاب سَريعَ الحِسابِ اهزم الأحزابَ! اللَّهُمَّ اهزمهم وزَلِزِلُهُم ! * * ** غزوة رسول الله، وَلِّ، إلى بنى قريظة (١) ثُمّ غزوة رسول الله، وَلَّر، بنى قريظة فى ذى القعدة سنة خمس من مُهَاجَره. قالوا: لمّ انصرَفَ المشركون عن الخندق ورجع رسول الله، ومَّ ، فدخل بيت عائشة أتاه جبريل فوقفَ عند موضع الجنائز فقال : عَذِيرَك من مُحارِب! فخرَج إليه رسول الله، وَلَ، فَزِعًا فقال: إنّ الله يأمرك أن تسير إلى بنى قريظة فإنّى عامدٌ إليهم فمزلزلٌ بهم محُصونهم. فدعا رسول الله، الَّ ، عَلِيًّا، رضى الله عنه، فَدَفَع إليه لواءه وبعث بلالًا فنادى فى النّاس : إِنّ رسول الله، وَلّهِ، يأمركم ألاَّ تُصلوا العصر إلاّ فى بنى قريظة (٢). واستخلف رسول الله، وَالله، على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم ثمّ سار إليهم فى المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستّة وثلاثون فرسًا ، وذلك يومَ الأربعاء لسبعِ (١) مغازى الواقدى ج ٢ ص ٤٩٦، والنويرى ج ١٧ ص ١٨٦ (٢) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٨٦ ٧١ بقين من ذى القعدة ، فحاصَرهم خمسةَ عشرَ يومًا أشدّ الحصار ورموا بالنبل فانجحروا فلم يطلع منهم أحد ، فلمّا اشتدّ عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله ، وَ لَه: أَرْسِلْ إلينا أبا لُبابة بن عبد المُذِر. فأرسَلَه إليهم فشاوَروه فى أمرهم فأشار إليهم بيده أنّه الذّبح ثمّ ندم فاسترجع وقال: خُنتُ الله ورسولَه ! فانصرفَ فارتبط فى المسجد ولم يأتِ رسولَ الله، وَّهَ، حتى أنزلَ اللَّه توبته . ثمّ نزلوا على حكم رسول الله، وَله، فأمر بهم رسولُ الله، ◌َره، محمد ابن مسلمة فكُتفوا ونُّوا ناحيةً وأَخرج النساء والذرّيّة فكانوا ناحيةً ، واستعمل عليهم عبدَ الله بن سَلام وجَمَعَ أمتعَتَهُم وما وجد فى حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب فؤُجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وألف وخمسمائة ترس وحَجَفة (١) وخمرٌ وجرَارُ سَكَرٍ فأهرِيق ذلك كلّه ولم يُخَمَّس ، ووجدوا جمالًا نواضحَ وماشيةً كثيرة (٢). وكُلّمت الأوس رسول الله، وَلّر، أن يهبهم لهم. وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله، وَلّه، الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ فحكم فيهم أن يُقتَل كلّ من جَرَت عليه المواسى وتُسبّى النساء والذريّة وتُقسَم الأموال . فقال رسول الله ، وَّر: لقد حَكَمتَ بحكم الله من فوق سبعة أَرْقعة. وانصرف رسول الله، وَالر، يوم الخميس لسبع ليالٍ خَلَون من ذى الحجّة ثمّ أمر بهم فأدخلوا المدينة وحفر لهم أخدودًا فى السوق وجلَس رسول الله، وَلَّ، ومعه أصحابه وأخرجوا إليه رَسْلًا رَسْلًا (٣) فضُرِبت أعناقهم فكانوا ما بين ستّمائة إلى سبعمائة . واصطَفى رسول الله ، وَّل، ريحانة بنت عَمرو لنفسه وأمرَ بالغنائم فجمعت فأخرج الخمس من المتاع والسبى ، ثمّ أمر بالباقى فبيع فى مَن يزيد وقسمه بين المسلمين ، فكانت السّهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهمًا ، للفرس سهمان ولصاحبه سهم ، وصار الخمس إلى مَحميّة بن جَزْء الزّبَيدى فكان رسول الله، وَثَ، يُعتقُ منه ويهب منه ويُخدم منه مَن أراد ، وكذلك صنع بما صار إليه من الرّة . (١) الحجفة : الترس إذا كان من جلود ليس فيها خشب ولا عقب. (٢) الخبر لدى الواقدى فى المغازى ج ٢ ص ٥٠٩ (٣) رسلا رسلا : أى فرقا . ٧٢ أخبرنا كثير بن هشام ، أخبرنا جعفر بن بُرْقان ، أخبرنا يزيد ، يعنى ابن الأصمّ، قال: لمّ كشَفَ الله الأحزاب ورجع النبىّ، وَّه، إلى بيته فأخذ يغسل رأسه أتاه جبريل ، عليه السلام، فقال: عَفَا الله عنك! وضعتَ السّلاحَ ولم تَضَعه ملائكةُ الله، اثتنا عند حصن بنى قريظة: فنادى رسول الله، وَّه، فى النّاس أن اثتُوا حصنَ بنى قريظة. ثمّ اغتسل رَسول الله، وَّ. فأتاهم عند الحصن. أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان التّهدى ، أخبرنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر أنّ الأحزاب لمّ انصرفوا نادى فيهم، يعنى النبىّ، وَلّ: لا يصلين أحدٌ الظُّهر إلاّ فى بنى قريظة: فتخوّف ناسٌ فَوْتَ الصّلاةِ فصَلُّوا وقال آخرون: لا نُصلّى إلاّ حيث أمرنا رسول الله، وَله، وإن فاتَ الوقت ، قال: فما عنف رسول الله، وَل، واحدًا من الفريقين. أخبرنا شهاب بن عَبّاد العَبدى ، أخبرنا إبراهيم بن حُميد الرّؤاسىّ عن إسماعيل بن أبى خالد عن التّهىّ (١) وغيره أن النبيّ، فَ له، لَمّا أتى قُرِيظة ركب على حمار عُزي والنّاس يمشون . أخبرنا موسى بن إسماعيل ، أخبرنا جرير بن حازم عن حُميد عن أنس بن مالك قال : كأنّى أنظر إلى الغُبار ساطعًا فى زُقاق بنى غَنم موكب جبريل ، عليه السلام، حين سار رسول الله، وَّل، إلى بنى قريظة. أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا عبد العزيز بن أبى سَلمة أخبرنى عمّى الماجشُون قال: جاء جبريل، عليه السلام، إلى رسول الله، وَله، يوم الأحزاب على فرس عليه عمامةٌ سوداء قد أرخاها بين كتفيه ، على ثناياه الغُبارُ وتحته قطيفةٌ حمراء ، فقال : أَوَضَغْتَ السّلاحَ قبل أن نضَعه ؟ إنّ الله يأمرك أن تسير إلى بنى قُريظة . أخبرنا عارم بن الفضل ، أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد ابن المسيّب قال: حاصَر نبيّ الله، وَّه، بنى قريظة أربع عشرة ليلة . (١) البهى : لقب عبد الله بن يسار لبهائه . ٧٣ أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا سفيان وأخبرنا عمرو بن الهيثم عن شعبة جميعًا عن عبد الملك بن عُمير ، أخبرنا عطيّة القُرَظى قال : كنتُ فيمن أَخذ يوم قُريظة فكانوا يقتلون من أنبتَ ويتركون مَن لم يُنِت فكنتُ فيمن لم يُنْبِت . أَخبرنا عمرو بن عاصم ، أخبرنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال : كان بين النبيّ، وَله، وبين قريظة وَلْث (١) من عهد، فلمّا جاءت الأحزاب بما جاءوا به من الجنود - نقضوا العهد وظاهروا المشركين على رسول الله، وَله - بعثَ الله الجنود والريح فانطلقوا هاربين وبقى الآخرون فى حصنهم ، قال : فوضع رسول الله، وَّله، وأصحابه السلاح فجاء جبريل، وَّل، إلى النبيّ، وَهُ، فخرج إليه ، فنزل رسول الله، وَ له، وهو مُتساند إلى لبَان الفرس قال: يقول جبريل ما وضعنا السلاح بعدُ وإنّ الغُبارَ لَعَاصِبٌ على حاجبه ، انهَدْ إلى بنى قُريظة: قال: فقال رسول الله، وَله: إنّ فى أصحابى جهدًا فلو أنظرتَهم أيامًا: قال : يقول جبريل ، عليه السلام ، انهدْ إليهم، لأُدخلنّ فَرسى هذا عليهم فى حصونهم ثمّ لأضعضعّها : قال : فأدبر جبريل ، عليه السلام ، ومن معه من الملائكة حتى سَطَع الغُبار فى زُقاق بنى غَنم من الأنصار وخرج رسول الله، وَّه ، فاستقبله رجلٌ من أصحابه فقال : يا رسول الله اجلسْ فلنكفِك ! قال : وما ذاك ؟ قال : سمعتهم ينالون منك . قال : قد أَوذِىَ موسى بأكثر من هذا . قال : وانتهى إليهم فقال : يا إخوة القِرَدَة والخنازير ، إيّاى إيّاى ! قال : فقال بعضهم لبعض : هذا أبو القاسم ما عهدناه فحّاشًا . قال: وقد كان رُمى أكحلُ سعد بن معاذ فَرَقَأَ الجرح وأجلب ودعا الله أن لا يميتَه حتى يشفى صدره من بنى قريظة . قال : فأخذهم من الغَمّ فى حصنهم ما أخذهم فنزلوا على حُكم سعد بن معاذ من بين الخلق . قال : فحكم فيهم أن تُقتَل مُقَاتِلتُهم وتُسبَى ذَراريّهم . قال محُميد : قال بعضهم وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار . قال : فقالت الأنصار إخوتُنا كّا معهم : فقال : إنّى أحببتُ أن يستغنوا عنكم . قال: فلمّا فرغٌ منهم وحكمٍ فيهم بما حكم مرّت عليه عَنَزٌ وهو مُضْطجع ، فأصابت الجرح بظلفها ، فما رَقَأ حتى (١) الوَلْتُ : العهد بين القوم ، يقع من غير قصد ، ويكون غير مؤكّد . ٧٤ مات. وبعثَ صاحب دُومة الجَنَّدَل إلى رسول الله، وَله، ببغلة وجُبّة من سُنْدُس فجعل أصحاب رسول الله، وَ لّه، يعجبون من حُسن الجبّة ، فقال رسول الله ، وَلِ : لمناديل سعد بن معاذ فى الجنّة أحسنُ ، يعنى من هذا . سريّة محمّد بن مسلمة إلى القُرَطاء (١) ثمّ سريّة محمّد بن مسلمة إلى القُرَطاء ، خرج لِعَشرِ ليالٍ خلون من المحرّم على رأس تسعة وخمسين شهرًا من مُهَاجَر رسول الله، وبَّ، بعثه فى ثلاثين راكبًا إلى القُرَطاء ، وهم بطن من بنى بكر من كلاب وكانوا ينزلون البَكَرات بناحية ضَرِيّة ، وبين ضَريّة والمدينة سبع ليال، وأمره أن يَشُنّ عليهم الغارة ، فسارَ الليل وكمنَ النهار وأغارَ عليهم فقتل نَفَرًا منهم وهرب سائرهم واستَاقَ نَعمًا وشَاءً ولم يعرض للفُّعُن (٢)، وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله بَّه، ما جاء بهِ وفضّ على أصحابه ما بَقِى فعدّلوا الجزور بعشر من الغنم ، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرًا والغنم ثلاثة آلاف شاة ، وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرّم .. غزوة (١) رسول الله، وَلَه، بنى لحيان (٢) ثمّ غزوة رسول الله، وَرَ، بنى لحِيْان، وكانوا بناحية عُسفان (٣)، فى شهر ربيع الأوّل سنة ستٍّ من مُهاجَره. قالوا: وَجَدَ رسول الله، وَّل، على عاصم بن ثابت وأصحابه وَجْدًا شَديدًا، فأظهرَ أَنّه يريد الشأم وعسكر لِغِرّةٍ (٤) هِلالَ شهر (١) مغازى الواقدى ص ٥٣٤، والنويرى ج ١٧ ص ٢٠٠ (٢) الظَّعُن : النساء . (٣) من هنا تبدأ المخطوطة ت ( شستربتى رقم ٣٧٩٤ ) (٤) الواقدى ج ٢، ص ٥٣٥، وابن هشام ج ٣ ص ٢٧٢، والطبرى ج ٢ ص ٥٩٥ ، والنويرى ج ١٧ ص ٢٠٠ (٥) عسفان : على مرحلتين من مكة على طريق المدينة . (٦) كذا فى ل وابن هشام، وفى م، ت ((لِغُرَّةِ هلالٍ)) والغِرّة: غفلة على يقظة. والغُرَّة من كل شىء : أوله . ٧٥ ربيع الأول فى مائتى رجل ومعهم عشرون فرسًا ، واستخلَف على المدينة عبد الله ابن أَمّ مكتوم ثمّ أسرعَ السيرَ حتى انتهى إلى بطن ثُران وبينها وبين عُسفان خمسة أميال حيث كان مُصاب أصحابه ، فترحّم عليهم ودعا لهم فسمعت بهم بنو لحيان فهربوا فى رءوس الجبال فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومًا أو يومين فبعث السرايا فى كلّ ناحية فلم يقدروا على أحد ، ثمّ خرج حتى أتى عُسفان ، فبعث أبا بكر فى عشرة فَوارس لتسمع به قريش فيذعرَهم ، فأتوا الغَميم (١) ثمّ رجعوا ولم يلقوا أحدًا، ثمّ انصرف رسول الله، وَله، إلى المدينة وهو يقول: آثبون تائبون عابدون لربّنا حامدون ! وغابَ عن المدينة أربع عشرةَ ليلة . أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمّد بن إسحاق ، حدّثنى عاصم بن عمر وعبد الله بن أبى بكر: أنّ رسول الله، وَّجله، خرَج فى غزوة بنى لحيان وأظهرَ أنّه يريد الشأم ليصيب منهم غِرّة ، فخرج من المدينة فسَلَك على غُرابٍ (٢) ثُمّ على مَخيض (٣) ثمّ على البَتْراء ثمّ صفّق ذات اليسار، فخرج على يَيْن (٤) ثمّ (١) موضع قرب المدينة بين رابغ والجحفة. (٢) غراب : جبل بناحية المدينة . (٣) لدى الفيروزابادى فى المغانم المطابة ص ٣٧١ (( مخيض موضع قرب المدينة له ذكر فى غزوة بنى لحيان)). (٤) وردت بدون نقط وشكل فى نسخة (( م)). وضبطت فى نسخة ت ، ل ، ضبط قلم بفتح . الياء الأولى المثناة وسكون الثانية . ولدى ياقوت ج ٥ ص ٤٥٤ ( بَينْ ) بياءين مفتوحة ثم ساكنة ثم نون . وليس فى كلامهم ما فاؤه وعينه ياء غيره ، وجاء ذكر (بَيْنْ ) فى السيرة لابن هشام فى موضعين : الأول فى غزوة بدر .. ثم ذكر فى غزاته وَ له لبنى لحيان: أنه سلك على غراب - جبل ، ثم على مخيض ثم على البتراء ثم صفق ذات اليسار ، فخرج على ( بين ) . ولدى الفيروزابادى فى المغانم المطابة فى معالم طابة ص ٤٤٨: (( بين : أيضا فى قول نصر : واد قرب المدينة فى حديث إسلام سلمة بن حبيش ، قال : وقيل فيه التاء . وأقول : كذا فى كتاب نصر ، وأرى بالتاء ، صوابها بالياء ، مع ورودها فى نسخة كتاب نصر الخطية كما فى المعجم ، وبين : بالياءين من أشهر المواضع القريبة من المدينة . والغريب أن البكرى صحف هذا الاسم فأورده بالباء - الموحدة - قائلا : بين قرية من قرى المدينة تقرب من السيالة ، وكان عبد الرحمن بن المغيرة بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ينزلها ، وهو الذى يقال له غرير ، وأقول [القائل الفيروزابادى ] البكرى استقى هذا الكلام من كتاب نسب قريش لمصعب ، ونصه هناك : وكان ينزل فرش ملل ، ويكون بِيَينْ ، ويلى صدقة غُرَيْرِبِينْ ، وكان مألفًا يغشاه الناس فى باديته ، وهو يقصد يعقوب بن غرير)). = ٧٦ على صُخيرات الثّمام (١) ثمّ استقام به الطريق على السّيالة فَأَغَذّ السير سريعًا حتى نَزَل على غُران ، هكذا قال ابن إدريس ، وهى منازل بنى لحيان ، فوجدهم قد تمنّعوا فى رءوس الجبال، فلمّا أخطأه من عدوّه ما أراد قالوا: لو أنّا هبطنا عُسفان فترى أهلَ مكّة أنّا قد جئناها ، فخرج فى مائتى راكب من أصحابه حتى نزل عُسفان ثمّ بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كُراع الغَميم ثمّ كرّا وراح قافلًا: فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعتُ رسول الله، وَّه، يقول: تائبون آئبون ، إن شاء الله، حامدون لربّنا عابدون ! أعوذ بالله من وَعْثَاءِ السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر فى الأهل والمال . أخبرنا رَوْح بن عبادَة ، أخبرنا حسين المعلّم عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سعيد مولى المهدى عن أبى سعيد الخُدرى قال: بعث رسول الله، ومَّه، بعثًا إلى بنى لحيان من هذيل وقال : لينبعث من كلّ رجلين أحدُهما والأجر بينهما . أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنعانى ، حدّثنى إبراهيم بن عَقِيل بن مَعقِل عن أبيه عن وهب قال: أخبرنى جابر بن عبد الله أنّه سمع رسول الله، اَللّـ ، يقول أوّلَ ما غزا عُسفانَ ثمّ رجع : آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون ! ٠ غزوة رسول الله ، وَلّ، الغابة (٢) ثمّ غزوة رسول الله، وَلّ، الغابةَ وهى على بريد من المدينة طريق الشأم فى شهر ربيع الأول سنة ستٍّ من مُهَاجَره . = ولدى السمهودى فى وفاء الوفاج ٤ ص ١٣٣٥ (( يَينْ: بياءين مفتوحة ثم ساكنة ثم نون . وليس فى كلامهم مافاؤه وعينه ياء غيره ، وضبطه الصغانى بفتح الياءين . قال نصر : بين : وادٍ به عين من أعراض المدينة على بريد منها . أقول : وعلى ذلك فما ورد لدى البكرى ( بين ) بالباء الموحدة ومثله ماورد لدى الواقدى فى المغازى المطبوع ج ٢ ص ٥٣٦ يكون تحريفا ، فليحرر . (١) لدى الفيروزابادى فى المغانم المطابة ص ٢١٦ ((صخيرات الثمام: اسم منزل من منازل الرسول ◌َّ من المدينة إلى بدر، وهو بين السياله وفرش)). (٢) مغازى الواقدى ص ٥٣٧، والنويرى ج ١٧ ص ٢٠١ ، والصالحى ج ٥ ص ١٤٩ ٧٧ قالوا: كانت لِقاح رسول الله، وَّ، وهى عشرون لَقْحَة (١) ترعى بالغابة ، وكان أبو ذَرّ فيها ، فأغارَ عليهم عيينة بن حصن ليلةَ الأربعاء فى أربعين فارسًا فاستاقوها وقَتلوا ابن أبى ذَرّ، وجاء الصريخ فنادى : الفَزَعَ الفَزَعَ ! فُنُودى: يا خَيل الله اركبى، وكانَ أوّلَ ما نُودى بها، ورَكِب رسول الله، وَلَه، فخَرج غَدَاةَ الأربعاء فى الحديد مقنّعًا فوقف ، فكان أوّلَ مَن أقبل إليه المقداد بن عَمرو وعليه الدرع والمِغْفَر شاهرًا سيفَه، فَعَقَدَ له رسول الله، وَله، لواءً فى رُمحه وقال: امضِ حتى تلحقك الخيول، إنّا على أثَرِك. واستخلَف رسول الله، وَّل ، على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم وخلّف سعد بن عبادة فى ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة . قال المقداد : فخرجتُ فأدركتُ أُخريات العدوّ ، وقد قَتَل أبو قتادة مَسعَدَةَ فأعطاه رسول الله، وَله، فرسَه وسلاحه، وقتل عكاشة بن مِحصَن أثار بن عمرو ابن أثار ، وقَتَل المقداد بن عمرو حبيبَ بن عيينة بن حِصْن وقِرْفة بن مالك بن حُذيفة بن بدر ، وقُتل من المسلمين مُحرِز بن نَضلة قتله مَسعَدة ، وأدرك سَلمة بن الأنْوع القومَ وهو على رجليه فجعل يراميهم بالنبل ويقول : خُذْها وأنا ابن الأكوَعِ وَاليومُ يومُ الرُّضّعِ !(٢) حتى انتهى بهم إلى ذى قَرَد، وهى ناحية خَيبر مّا يلى المُستناخَ . قال سَلمة : فلحقَنا رسول الله، وَلّه، والنّاسُ والخيولُ عِشاءً فقلت: يا رسول الله إنّ القوم عِطاشٌ فلو بعثتَنى فى مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السّرح (٣) وأخذت بأعناق القوم: فقال النبيّ، وَله: مَلَكْتَ فأشْجح (٤)، ثمّ قال: إنهم الآن لِيُقْرَوْنَ فِى غَطَفَان . وذهب الصَّريخ إلى بنى عمرو بن عوف فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتى والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله ، وَلّ، بذى قَرَد فاستنقذوا عَشر لقائح وأفلت القوم بما بقى وهى عشرة، وصلّى (١) اللقحة : الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالولادة . (٢) أورده الواقدى ص ٥٤١ ، والرضع : جمع راضع ، وهو اللئيم. (٣) السرح : المال السائم المرسل فى المرعى . (٤) ملكت فأسجح ، أى قدرت عليهم فارفق وأحسن العفو . ٧٨ رسول الله ، وَّ، بذى قَرَد صلاة الخوف وأقام به يومًا وليلة يتحسّس الخبر، وقسم فى كلّ مائة من أصحابه جَزورًا ينحرونها ، وكانوا خمسمائة ، ويقال سبعمائة (١) . وبعث إليه سعد بن عُبادة بأحمالٍ تَمرٍ وبعشر جزائر فوافت رسول الله، وَلَّهِ، بذى قَرَد، والثبت عندنا أن رسول الله، وَلَ، أمر على هذه السريّة سعد بن زَيد الأَشْهَلىّ ، ولكنّ النّاس نسبوها إلى المقداد لقول حسّان بن ثابت : غدَاةَ فَوَارِسِ المِقْدادِ فعاتبه سعد بن زَيد فقال : اضطرّنى الرَّوىّ إلى المقداد (٢). ورجع رسول الله، وَّ، إلى المدينة يوم الاثنين وقد غاب خمس ليال. (*) أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا ◌ِكرمة بن عمّار العِجليّ ، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوَع عن أبيه قال: خرجتُ أنا ورَبَاح غلام النبىّ، وَه ، بظهر النبىّ، وَّ، وخرجت بفَرس لطلحة بن عبيد الله كنت أريد أن أندّيه مع الإبل، فلمّا أن كان بغلَس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، وَّ، فَقَتَل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه فى خيل فقلت : يا رَبَاح اقعدْ على هذا الفرس فألحقِه بطلحة، وأَخْبِرْ رسول الله، وَِّ، أنّه قد أَغير على سَرْحه . قال: وقمتُ على تلّ فجعلت وجهى من قِبَل المدينة ثمّ ناديت ثلاث مرّات: ياصباحاه ! ثمّ اتبعتُ القوم ومعى سيفى ونبلى فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثُرُ الشجرُ فإذا رجع إلىّ جلست له فى أصل شجرة ثمّ رميت ، فلا يُقبِل علىّ فارس إلاّ عقرتُ به ، فجعلت أرميهم وأقول : أنا ابنُ الأكوَعِ ، واليومُ يومُ الرُّضّعِ ! فألحقُ برَجُلٍ فأرميه وهو على رحلهِ فيقع سهمى فى الرجل حتى انتظمتُ (١) أورده النویری ج ١٧ ص ٢٠٣ (٢) وبيت حسان هو : ولسرّ أولادَ اللقيطة أننا سِلْمٌ غداة فوارس المقداد (*) من هذه العلامة إلى مثلها فى ص ٨١ أورده ابن عساكر بنصه كما فى المختصر ج ١٠ ص ٨٥ - ٨٨ ٧٩ كَتِفَهُ (١) فقلت : خذها ! وَأَنَا ابْنُ الأَكوَعِ واليومُ يومُ الرّضّعِ! فإذا كنت فى الشجرة أحدقتهم بالنبل ، وإذا تضايقت الثنايا علوتُ الجبل فرميتهم بالحجارة ، فما زال ذلك شأنى وشأنهم أتّبعهم وأرتجز حتى ما خلق الله شيئاً من ظَهر النبيّ. وَلَّ، إلاّ خلّفتُه وراء ظهرى واستنقذته من أيديهم ثمّ لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحاً وأكثر من ثلاثين بُرْدةً يستخفون منها ولا يُلقون من ذلك شيئًا إلا جعلتُ عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله ، وَه، حتى إذا امتدّ الضحى أتاهم عيينة بن بدْر الفَزَارى مَدَدًا لهم. وهم فى ثنيّة ضيّقة . ثمّ علوت الجبلَ فأنا فوقهم . قال ◌ُيينة : ما هذا الذى أرى ؟ قالوا : لقينا من هذا البَرْح (٢) ما فارقَنَا بِسَحَرٍ حتى الآن وأخذ كلّ شئ فى أيدينا وجعله وراء ظهره ، فقال ◌ُبينة: لولا أنّ هذا يرى أنّ وراءه طَلَبًا لقد ترككم ، ثمّ قال: لِيَقُمْ إليه نَفَرّ منكم ؛ فقام إلىّ نفر منهم أربعة فصعدوا فى الجبل ، فلمّا أسمعتهم الصّوتَ قلت لهم : أتعرفوننى؟ قالوا : ومن أنت ؟ قلت : أنا ابن الأكوع ، والذى كرم وجه محمد لا يطلبنى رجل منكم فيُدْرِ كنى ولا أطلبه فيفوتنى ! فقال رجلٌ منهم : إنّ ذا ظنّ . قال: فما برحتُ مَقعَدى ذلك حتى نظرتُ إلى فَوارس رسول الله، وَه ، يتخلّلون الشجر ، وإذا أوّلهم الأخرم الأسدى وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله، وَّ، وعلى أثَرِ أبى قتادة المِقِداد، فولّى المشركون مُدبرين وأنزِلُ من الجبل فأعرضُ للأخرم فآخذ عنان فرسه قلتُ : يا أخرمُ أنْذِرِ القومَ ! يعنى احذرْهم ، فإنى لا آمَنُ أن يقتطعوك فاتِّد حتّى يلحق رسول الله، وَلَه، وأصحابه. قال: يا سَلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ فلا تَحُلْ بينى وبين الشهادة ! فخلّيتُ عنانَ فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن ، فاختلفا طعنتين فَعَقَر الأخرم بعبد الرحمن ، فطعَنه عبد الرحمن فقتله ، (١) ل ((كَبِدَه)) والمثبت رواية م، ت. ومثلها لدى الصالحى ج ٥ ص ١٥١ وهو ينقل عن ابن سعد . وانظر لذلك أيضا الطبرى ج ٢ ص ٥٩٩، ومختصر ابن منظور ج ١٠ ص ٨٦ (٢) البرح : الشدة والأذى . ٨٠ فتحوّل عبد الرحمن على فَرس الأخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فَعَقَر بأبى قتادة وقتله أبو قتادة ، وتحوّل أبو قتادة على فرس الأخرم . ثمّ إنّى خرجتُ أعدو فى أثر القوم حتى ما أرى من غُبار أصحاب النبيّ ، وَّر، شيئًا ويعرضون إلى شِعب فيه ماء يقال له ذو قَرَد ، فأردوا أن يشربوا منه فأبصرونى أعدو وراءهم فَعَطفوا عنه وأسندوا فى الثنيّة ثنيّة ذى دبر وغربت الشمس فألحقُ رجلًا فأرميه فقلت : خُذها! وأنا ابن الأكوَعِ واليومُ يومُ الرّضّعِ! فقال: يا ثَكَلَ أمىّ ! أأكوَعى بُكرَّةَ (١) ؟ قال : قلتُ نعمْ يا عدوّ نفسه ! فكان الذى رَميتهُ بُكرَة فاتّبعته بسهم آخر فعلق فيه سهمان ويخلّفون فرسين فجئت بهما أَسُوقهما إلى رسول الله، وَّ، وهو على الماء الذى حلأتُهم عنه ذو قَرَد، فإذا نَبِىّ الله فى خمسمائة، وإذا بلال قد نَحَر جزورًا مّا خلّفتُ فهو يشوى لرسول الله، وَلَه، من كبدها وسنامها، فأتيتُ رسول الله، وَّجله، فقلت: يا رسول الله خَلْنى فأنتخب من أصحابك مائة فآخُذَ على الكُفّار بالعَشوة فلا يبقى منهم مُخبر إلّ قتلته : قال : أَكُنتَ فاعلًا ذلك يا سلمة ؟ قلت : نعم، والذى أكرَمك ! فضحك رسول الله، وَلَّ، حتى رأيتُ نواجذه فى ضوء النّار ثمّ قال: إنّهم الآن يُقْرَوْنَ بأرض بنى غَطفان ، فجاء رجل من غَطَفَان فقال: مرّوا على فلان الغَطَفانى فَتَحَرَ لهم جَزورًا، فلمّا أخذوا يكشطون جلدها رأوا غُبرةً فتركوها وخرَجوا هُرَابًا . فلمّا أصبحنا قال رسول الله، وَلَه: خير فُرساننا اليوم أبو قتادة وخير رَجّالتنا اليومَ سَلمة، فأعطانى رسول الله، وَّله، سهم الراجل والفارس ثمّ أردفنى وراءه على العَضْباء راجعين إلى المدينة ، فلمّا كان بيننا وبينها قريبًا من ضَحوة ، وفى القوم رجلٌ من الأنصار كان لا يُسبَق جعل يُنادى : هل من مسابق ؟ ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارًا وأنا وراء رسول الله، وََّ، مُؤْدفى فقلتُ له: ما تُكرمُ كريمًا ولا تهابُ شريفًا؟ قال: لا، إلا رسول الله، وَّ ، فقلت: يا رسول الله بأبى أنت وأمّى خَلّنى فلأسابق الرجلَ ! فقال : إن شئتَ : فقلت : أَذهَبُ إليك. فطفر عن راحلته وثنيتُ رجلى فطفرت عن الناقة ثمّ إنّى ربطت عليه (١) يعنى: أنت الأكوع الذى تبعنى بكرة اليوم.