النص المفهرس

صفحات 1-20

كار الطَّيَّفَات الكبيرة
طِلُ بن سعد بن منيع الهرِىّ
ت ٢٣٠ هـ
الجزء الثانى
فى مغازى رسُول ◌ُ لّطَُّدوكم وسراياه
تحقيق
الدكتور على محمَّد عمرْ
الناشر مكتبة الحاجى بالقاهرة

الجزء الثانى
فى ذكر مغازى رسول الله. وَله، وسراياه، وفى مرض النبى ووفاته ودفنه
والمراثى ، وذكر من كان يفتى بالمدينة ، وجمع القرآن من أصحاب رسول الله على
عهده وبعده ، وذكر من كان يفتى بالمدينة بعد أصحاب الرسول من المهاجرين
والأنصار .

كتاب الطَّفَاتِ الكتي

الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
رقم الإيداع ٢٠٠٠/١٨٣١٨
الترقيم الدولي : 4 - 87 - 5046 - 977 .I.S.B.N
الشَّرِكَةُ الدَّوْلِيَّةُ لِلطِبَاعَةِ
المنطقة الصناعية الثانية - قطعة ١٣٩ - شارع ٣٩ - مدينة ٦ أكتوبر
: ٣٣٨٢٤٠ - ٣٣٨٢٤١ - ٠١١/٣٣٨٢٤٢
e-mail: pic@6oct.ie-eg.com

بسم الله الرحمن الرحيمّ
ذكر عدد مغازى رسول الله ، مَ ﴾ ، وسراياه
وأسمائها وتواريخها وجمل ما كان فى كلّ غزاة وسريّة منها .
أخبرنا محمّد بن عمر بن وَاقِد الأَسْلَمِىّ ، أخبرنا عمر بن عثمان بن عبد
الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزُومِىّ ، وموسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث
التيمىّ ، ومحمّد بن عبد الله بن مسلم ابن أخى الزُّهْرِىّ . وموسى بن يعقوب بن
عبد الله بن وهب بن ربيعة بن الأسود ، وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن
المسور بن مَخرمة الزهرىّ ، ويحيى بن عبد الله بن أبى قتادة الأنصارى . وربيعة بن
عثمان بن عبد الله بن الهدير التيمى ، وإِبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة
الأشهَلى، وعبد الحميد بن جعفر الحكمى ، وعبد الرحمن بن أبى الزّناد ، ومحمّد
ابن صالح التمار .
قال محمّد بن سعد : وأخبرنى رُوَيم بن يزيد المُقْرِىء قال : أخبرنا هارون بن
أبى عيسى عن محمّد بن إسحاق ، وأخبرنى حسين بن محمّد عن أبى معشر ،
وأخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس المدنى عن إسماعيل بن إبراهيم بن عُقبة
عن عمّه موسى بن عُقبة ، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض قالوا : كان عدد
مغازى رسول الله، وَليل، التى غزا بنفسه سبعًا وعشرين غزوة ، وكانت سراياه
التى بعث بها سبعًا وأربعين سريّة ، وكان ما قاتل فيه من المغازى تسع غزوات : بدر
القتال وأُحُد والمُرَيْسع والخندق وقُريظة وخيبر وفتح مكّة وحُنين والطّائف ، فهذا
ما اجتمع لنا عليه .
وفى بعض روايتهم : أنه قاتل فى بنى النضير لكنّ الله جعلها له نَفلًا خاصّة ،
وقاتل فى غزوة وادى القرى مُنصَرَفَه من خيبر وقُتل بعض أصحابه ، وقاتل فى
الغابة .

٦
قالوا: وقدم رسول الله ، وَّ، المدينة، حين هاجر من مكة ، يوم الاثنين لاثنتى
عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول ، وهو المجتمع عليه ، وقد روى بعضهم : أنّه قدم
لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل، فكان أول لواء عقده رسول الله، وَّل، لحمزة بن
عبد المطلب بن هاشم فى شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مُهاجر رسول الله ،
وَّه، لواء أبيض، فكان الذى حمله أبو مرثد كَتّاز بن الحُصين الغَنَوى حليف حمزة
ابن عبد المطّلب، وبعثه رسول الله، وَليل، فى ثلاثين رجلاً من المهاجرين.
قال بعضهم : كانوا شَطْرَينٍ من المهاجرين والأنصار ، والمجتمع عليه أنهم كانوا
جميعًا من المهاجرين، ولم يبعث رسول الله، وَله، أحدًا من الأنصار مَبعثًا حتى
غزا بهم بدرًا، وذلك أنهم شرطوا له أنهم يمنعونه فى دارهم، وهذا الثبت عندنا .
وخرج حمزة يعترض لغير قريش قد جاءت من الشأم تريد مكّة ، وفيها
أبو جهل بن هشام ، فى ثلاثمائة رجل ، فبلغوا سِيفَ البحر ، يعنى ساحله ، من
ناحية العِيص ، فالتقوا حتى اصطفّوا للقتال فمشى مَجْدِىّ بن عَمرو الجُهَنى ، وكان
حليفًا للفريقين جميعًا، إلى هؤلاء مَرّة وإلى هؤلاء مرّة حتى حَجَزَ بينهم ولم
يقتلوا، فتوجّه أبو جهل فى أصحابه وعِيره إلى مكّة وانصرف حمزة بن عبد المطّلب
فى أصحابه إلى المدينة .
سَريّة عُبيدة بن الحارث (١)
ثمّ سريّة عبيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف إلى بطن رابغ فى شوّال
على رأس ثمانية أشهر من مُهاجر رسول الله، وبَّله، عقد له لواء أبيض كان الّذى
حمله مِشْطَح بن أثاثة بن المطّلب بن عبد مناف، بعثه رسول الله، وَّر، فى ستّين
رجلاً من المهاجرين ليس فيهم أنصارىّ . فلقى أبا سفيان بن حرب ، وهو فى
مائتين من أصحابه ، وهو على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ على عشرة أميال من
الجُحفَة، وأنت تريد قُديدًا عن يسار الطريق . وإنما نكبوا عن الطريق ليرعوا
(١) تاريخ الطبرى ج ٢ ص ٤٠٤، ومغازى الواقدى ص ١٠، ونهاية الأرب ج ١٧ ص ٢

٧
ركابهم. فكان بينهم الرمى ولم يسلّوا السيوف ولم يصطفّوا للقتال ، وإنما كانت
بينهم المناوشة ، إلا أنّ سعد بن أبى وقّاص قد رُمى يومئذ بسهم ، فكان أوّلَ سهم
رُمىَ به فى الإسلام ، ثم انصرف الفريقان على حاميتهم .
وفى رواية ابن إسحاق : أنّه كان على القوم ◌ِكْرِمة بن أبي جهل .
*
سرية سعد بن أبى وقّاص (١)
ثمّ سريّة سعد بن أبى وقّاص إلى الخزّار فى ذى القعدة على رأس تسعة أشهر
من مُهَاجَر رسول الله، وَّر، عقد له لواء أبيض حمله المِقْدَاد بن عَمرو البَهرانى،
وبعثه فى عشرين رجلاً من المهاجرين يعترض لعير قريشٍ تمرّ به ، وعهد إليه أن
لا يجاوز الخزّار، والخّار حين تروح من الجُحفة إلى مكّة أثار (٢) عن يسار المحجة
قريب من خُمّ ، قال سعد : فخرجنا على أقدامنا فكنّا نكمن النّهار ونسير الليل
حتى صبّحناها صُبْح خمس ، فتَجد العِيرَ قد مرّت بالأمس فانصرفنا إلى المدينة .
*
غزوة الأبْواء (٣)
ثمّ غزوة رسول الله، وَلّ، الأبواء فى صفر على رأس اثنى عشر شهرًا من
مُهاجَره ، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطّلب . وكان لواء أبيض ، واستخلف على
المدينة سعدَ بن عُبادة ، وخرج فى المهاجرين . ليس فيهم أنصارىّ ، حتى بلغ
الأبواء يعترض لعير قريش فلم يلقَ كيدًا ، وهى غزوة وَدّانَ ، وكلاهما قد ورد ،
وبينهما ستّة أميال وهى أول غزوة غزاها بنفسه .
وفى هذه الغزوة وادع مَخْشِىّ بن عَمْرو الضَّمْرِىّ ، وكان سيدهم فى زمانه ،
على أن لا يغزو بنى ضمرة ولا يغزوه ، ولا يُكثِروا عليه جمعًا ، ولا يعينوا عدوًّا ،
وكتب بينه وبينهم كتابًا .
(١) تاريخ الطبرى ج ٢ ص ٤٠٣، ومغازى الواقدى ص ١١، ونهاية الأرب ج ١٧ ص ٣،
وسبل الهدى ج ٦ ص ٢٥
(٣) تاريخ الطبرى ج ٢ ص ٤٠٧، ومغازى الواقدى ص ١١
(٢) أَبْآر : جمع بِثر .

٨
وضمرة من بنى كنانة. ثمّ انصرف رسول الله، وَّيّة، إلى المدينة ، وكانت
غيبته خمسَ عشرة ليلة .
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس ، أخبرنا كثير بن عبد الله المُزَنى عن
أبيه عن جَدّه قال: غَزونا مع رسول الله، وَلَ، أوّلَ غزوة غزاها الأبواء.
غزوة بُواطَ (١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَله، بُواطَ فى شهر ربيع الأوّل على رأس ثلاثة عشر
شهرًا من مهاجَره ، وحمل لواءه سعد بن أبى وقّاص . وكان لواء أبيض ،
واستخلف على المدينة سعد بن معاذ ، وخرج فى مائتين من أصحابه يعترض لعِير
قريش فيها أُميّة بن خلف الجُمَحى ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير ،
فبلغ بُواطَ ، وهى جبال من جبال جُهينة من ناحية رَضْوى ، وهى قريب من ذى
خُشُب مّا يلى طريق الشأم ، وبين بُواط والمدينة نحو من أربعة بُرُد ، فلم يلقَ رسول
الله، وَّ، كيدًا فرجع إلى المدينة.
غزوة طَلَبٍ كُرْز بن جَابر الفِهْرى (٢)
ثمّ غزوة رسول الله، مَثّه، لطلب كُرز بن جابر الفِهرى فى شهر ربيع الأوّل
على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مُهاجَره ، وحمل لواءه علىّ بن أبى طالب ، وكان
لواء أبيض ، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة ، وكان كُرز بن جابر قد أغار
على سَرْح المدينة فاستاقه ، وكان يرعى بالجَمّاء والسّرْح ما رعوا من نَعَمِهم ،
والجمّاء جبل ناحيةَ العَقيق إلى الجُرُف ، بينه وبين المدينة ثلاثة أميال ، فطلبه رسول
الله، وَجه، حتى بلغ واديًا يقال له سَفَوان من ناحية بدر، وفاته كُرز بن جابر فلم
يلحقه ، فرجع رسول الله، وَلّر، إلى المدينة.
(١) تاريخ الطبرى ج ٢ ص ٤٠٧، ومغازى الواقدى ص ١٢
(٢) تاريخ الطبرى ج ٢ ص ٤٠٧، ومغازى الواقدى ص ١٢

٩
غزوة ذى العُشَيرة (١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَّ، ذا العُشيرة فى جمادى الآخرة على رأس ستّة
عشر شهرًا من مُهاجَره ، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطّلب ، وكان لواء أبيض ،
واستخلَف على المدينة أبا سَلَمَة بن عبد الأسَد المخزومى .
وخرج فى خمسين ومائة ، ويقال فى مائتين من المهاجرين ممّن انتدب ، ولم
يُكره أحدًا على الخروج ، وخرجوا على ثلاثين بعيرًا يعتقبونها ، خرج يعترض لغير
قريش حين أبدأت إلى الشأم ، وكان قد جاءه الخبر بفصولها من مكّة فيها أموال
قريش ، فبلغ ذا العُشيرة ، وهى لبنى مُدْلِج بناحية يَنبع ، وبين يَنبع والمدينة تسعة
بُود، فوجد العير التى خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيّام ، وهى العير التى خرج لها
أيضًا يريدها حين رجعت من الشأم فساحلت على البحر ، وبلغ قريشًا خبرها
فخرجوا يمنعونها ، فلقوا رسول الله، وَلَه، بيدر فَوَاقَعهم وقَتَل منهم من قَتل،
وبذى العُشيرة كتّى رسول الله، وَّله، علىّ بن أبى طالب أبا تراب. وذلك أنّه
رآه نائمًا متمرّغًا فى البَوْغاء فقال : اجلسْ ، أبا تُراب ! فجلس . وفى هذه الغزوة
وادع بنى مُدْلِج وحلفاءهم من بنى ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلقَ كيدًا .
**
**
سريّة عبد الله بن جَحْش الأسَدى (٢)
ثمّ سريّة عبد الله بن جحش الأسدى إلى نخلة ، فى رجب على رأس سبعة
عشر شهرًا من مُهاجَر رسول الله، وَلّره، بعثه فى اثنى عشر رجلًا من المهاجرين،
كلّ اثنين يعتقبان بعيرًا إلى بطن نخلة، وهو بستان ابن عامر الذى قُرْبَ مكّة ،
وأمره أن يرصد بها عيرَ قريش ، فوردت عليه ، فهابهم أهل العير وأنكروا أمرهم ،
فَحَلَق عُكّاشة بن مِحصَن الأسدىّ رأسه ، حلقه عامر بن ربيعة ليطمئن القوم ،
فأمِنوا وقالوا : هم عُمّار لا بأس عليكم منهم ، فسرّحوا ركابهم وصنعوا طعامًا
وشكّوا فى ذلك اليوم أهو من الشهر الحرام أم لا ؟ ثمّ تشجّعوا عليهم فقاتلوهم ،
(١) مغازى الواقدى ص ١٢، وتاريخ الطبرى ج ٢ ص ٤٠٨، والنويرى ج ١٧ ص ٥
(٢) مغازى الواقدى ص ١٣، وتاريخ الطبرى ج ٢ ص ٤١٠، والنويرى ج ١٧ ص ٦

١٠
فخرج واقد بن عبد الله التميمى يَقدُم المسلمين ، فرمى عَمرو بن الحضرمى فقتله ،
وشدّ المسلمون عليهم فاستأسر عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان
وأعجزهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة ، واستاقوا العِير ، وكان فيها خمر وأدَم
وزَبيب جاءوا به من الطائف، فقدموا بذلك كلّه على رسول الله، وَلَه، فوقّفه
وحبس الأسيرين ، وكان الذى أَسَر الحَكَم بن كيسان المِقِدادُ بن عمرو ، فدعاه
رسول الله، ومَله، إلى الإسلام فأسلم وقُتل بيئر مَعُونَة شهيدًا.
وكان سعد بن أبى وقّاص زميل عتبة بن غزوان على بَعير لعُتبة فى هذه السريّة،
فضلّ البَعير بَحرانَ ، وهى ناحية معدن بنى سليم ، فأقاما عليه يومين يبغيانه ،
ومضى أصحابهم إلى نخلة فلم يشهدها سعد وعتبة ، وقدما المدينة بعدهم بأيّام ،
ويقال : إنّ عبد الله بن جحش لمّ رجع من نخلة خمّس ما غنم وقسم بين أصحابه
سائر الغنائم ، فكان أوّل خُمْس خُمّس فى الإسلام .
ويقال: إن رسول الله، ◌َّهِ، وقّف غنائم نخلة حتّى رجع من بدر،
فقسمها مع غنائم بدر وأعطى كلّ قوم حقّهم ، وفى هذه السريّة سُمّى عبد الله بن
جحش أمير المؤمنين .
* * *
غزوة بدر (١)
ثمّ غزوة رسول الله، وَّه، بدر القتال، ويقال: بدر الكبرى: قالوا: لمّ تحيٌّ
رسول الله، وَالله، انصراف العير من الشأم التى كان خرج لها يريدها حتّى بلغ ذا
العُشيرة ، بعث طَلحة بن عبيد الله التيمى وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل يتحسّسان
خَبر العير، فبلغا النَّخْبَار (٢) من أرض الحَوْرَاءِ(٣)، فنزلا على كَشَد الجُهَنى، فأجارَهما
(١) مغازى الواقدى ص ١٩، وابن هشام ج ٢ ص ٦٠٦، وتاريخ الطبرى ج ٢ ص ٤٢١،
والنويرى ج ١٧ ص ١٠
(٢) النخبار: فى ل ((التجبار)) والمثبت من م والواقدى. وفسره بقوله ((والنخبار بالنون والخاء
من وراء ذى المروة على الساحل .
(٣) الحوراء : وراء ذى المروة بينها وبينها ليلتان على الساحل ، وبين ذى المروة والمدينة ثمانية برد
أو أكثر قليلا .

١١
وأنزلهما وكتَم عليهما حتى مرّت العِير، ثم خرجا وخرج معهما كشد خفيرًا حتى
أوردهما ذا المَرْوة، وساحَلت العير وأسرعت، فساروا باللّيل والنّهار فَرَقًا من الطّلب،
فَقدم طلحة وسعيد المدينة ليُخبِرا رسول الله، بَلّ، خبر العير، فوجداه قد خرج ،
وكان قد ندب المسلمين للخروج معه وقال : هذه عير قريش فيها أموالهم لعلّ الله أن
يُغنّمَكموها : فأسرع من أسرع إلى ذلك وأبطأ عنه بَشَرٌ كثيرٌ .
وكان مَن تَخَلَّف لم يُلَمْ لأنّهم لم يخرجوا على قتال إنما خرجوا للعير ، فخرج
رسول الله ، وَالر، من المدينة يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان
على رأس تسعة عشر شهرًا من مُهاجَره ، وذلك بعدما وجّه طلحةً بن ◌ُبيد الله
وسعيد بن زيد بعشر ليال، وخَرج مَن خرج معه من المهاجرين ، وخرجت معه
الأنصار فى هذه الغزاة ، ولم يكن غزا بأحد منهم قبل ذلك ، وضرب رسول الله ،
وَ له، عسكره ببئر أبى عِنبَة، وهى على ميل من المدينة، فعرض أصحابه وَرَدَّ مَن
استصغر ، وخرَج فى ثلاثمائة رجل وخمسة نفر ، كان المهاجرون منهم أربعة
وسبعين رجلاً، وسائرهم من الأنصار ، وثمانية تخلّفوا لعلّة ، ضرب لهم رسول
الله ، وَّه، بسهامهم وأجورهم ثلاثة من المهاجرين: عثمان بن عفّان خلّفه
رسول الله، وَله، على امرأته رُقَيّة بنت رسول الله، وَله، وكانت مريضة فأقامَ
عليها حتى ماتت ، وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زَيد بعثهما يتحسّسان خبر
العير، وخمسة من الأنصار : أبو لبابة بن عبد المنذر خلّفه على المدينة ، وعاصم بن
عَدى العَجلانى خلّفه على أهل العالية ، والحارث بن حاطب العَمرى ردّه من
الرّوْحاء إلى بنى عمرو بن عوف لشىء بلغه عنهم ، والحارث بن الصّمّة كُسر
بالرّوْحاء ، وخوّات بن جُبير كُسر أيضًا ، فهؤلاء ثمانية لا اختلاف فيهم عندنا ،
وكلّهم مستوجب . وكانت الإبل سبعين بعيرًا يَتَعاقَب النَّفر البعير ، وكانت الخيل
فَرَسَيْن : فرس للمقداد بن عمرو ، وفرس لَثد بن أبى مَرْثد الغَنَوى (١) .
وقدّم رسول الله، وَلَه، أمامَه عَيْنَين له إلى المشركين يأتيانه بخبر عدوّه
وهما : بَسْبَس بن عمرو، وعدىّ بن أبى الزَّغباء ، وهما من جهينة حليفان
للأنصار، فانتهيا إلى ماء بدر فعلما الخبر ورجعا إلى رسول الله، وَ لٍ (٢).
(١) أورده النويرى ج ١٧ ص ١٥ - ١٦ نقلا عن ابن سعد .
(٢) النويرى ج ١٧ ص ١٧

١٢
وكان بلغ المشركين بالشأم أن رسول الله، وَلَه، يرصد انصرافهم فبعثوا
ضَمْضَم بن عمرو حين فصلوا من الشأم إلى قريش بمكة يخبرونهم بما بلغهم عن
رسول الله، وَلَه، ويأمرونهم أن يخرجوا فيمنعوا غيرهم.
فخرج المشركون من أهل مكّة سِرَاعًا ، ومعهم القيان والدّفوف ، وأقبل
أبو سفيان بن حرب بالعير، وقد خافوا خوفًا شديدًا حين دَنوا من المدينة ، واستبطئوا
ضَعْضَمًا والتّفير حتى وَرَد بدرًا، وهو خائف من الرّصد ، فقال لمجدىّ بن عمرو :
هل أحسستَ أحدًا من عيون محمّد ؟ فإنّه ، والله ، ما بمكّة من قرشىّ ولا قرشيّة
له نشّ (١) فصاعدًا إلاّ قد بعث به معنا. فقال مَجدىّ: والله ما رأيتُ أحدًا أنكِره
إلاّ راكبين أتيا إلى هذا المكان ، وأشار له إلى مُناخ عدىّ وبَشْبَس ، فجاء أبو سفيان
فأخذ أبعارًا من بعيريهما فَقَتَّه ، فإذا فيه نوّى فقال : علائف يَثْرِب هذه عيون
محمّد ، فضرَب وجوه العير فساحل بها (٢) وترك بدرًا يسارًا وانطلق سريعًا .
وأقبلت قريش من مكّة ، فأرسل إليهم أبو سفيان بن حرب قيسَ بن امرىء
القيس يخبرهم أنّه قد أحرز العير ويأمرهم بالرّجوع ، فأَبت قريش أن ترجع وردّوا
القيان من الجحفة، ولحق الرّسول أبا سفيان بالهَدة ، وهى على سبعة أميال من
عُسفان إذا رُحتَ من مكّة عن يسار الطريق ، وسكّانها بنو ضمرة وناس من
خُزَاعة ، فأخبره بمضىّ قريش فقال : واقوماه ! هذا عَمَلُ عمرو بن هشام : يعنى
أبا جهل بن هشام، وقال : والله لا نبرح حتى نَرِدَ بدرًا .
وكانت بدر موسمًا من مواسم الجاهلية يجتمع بها العرب ، بها سوق ، وبين
بدر والمدينة ثمانية بُرُد وميلان، وكان الطريق الذى سلكه رسول الله، وَ لَه، إلى
بدر على الرّوْحاء وبين الرّوحاء والمدينة أربعة أيام، ثمّ بريد بالمُنْصَرَف (٣) ، ثمّ بريد
بذات أجدال (٤) ، ثمّ بريد بالمَعَلاة ، وهى خَيف السلم ، ثمّ بريد بالأثيل ثمّ ميلان
إلى بدر . وكانت قريش قد أرسلت فرات بن حَيّان العِجلى، وكان مقيمًا بمكّة
حين فَصَلت قريش من مكة ، إلى أبى سفيان يخبره بمسيرها وفصولها ، فخالَف
(١) النش : عشرون درهما ، وهو نصف أوقية .
(٣) المنصرف : موضع بين مكة والمدينة .
(٢) ساحل بها : أخذ بها جهة الساحل .
(٤) ذات أجدال بالجيم - بمضيق الصفراء .

١٣
أبا سفيان فى الطريق فوافى المشركين بالجُحفة ، فمضى معهم فجرح يوم بدر
جِرَاحات وهرب على قَدميه ، ورجعت بنو زُهرة من الجحفة ، أشار عليهم بذلك
الأخْنَس بن شَريق الثقفى ، وكان حليفًا لهم ، وكان فيهم مطاعًا، وكان اسمه أُبىّ
فلمّا رجع ببنى زُهرة قيل : خَنَس بهم ، فشُمّى الأُخْنَس .
وكان بنو زُهرة يومئذ مائة رجل ، وقال بعضهم: بل كانوا ثلاثمائة رجل .
وكانت بنو عدىّ بن كعب مع النّفير ، فلمّا بلغوا ثنيّة لِفْت (١) عَدَلوا فى
السَّحَرِ (٢) إلى الساحل منصرفين إلى مكّة ، فصادفهم أبو سفيان بن حرب فقال :
يا بنى عدىّ ، كيف رَجعتم لا فى العير ولا فى النفير ؟ فقالوا: أنت أرسلتَ إلى
قريش أن ترجع . ويقال : بل لقيهم بمرّ الظَّهران ، فلم يشهد بدرًا من المشركين
أحد من بنى زُهرة ولا من بنى عَدىّ. ومضى رسول الله، وَلّ، حتى إذا كان
دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش، فأخبر به رسول الله، وَلّ، أصحابه
واستشارهم، فقال المِقْداد بن عمرو البَهرانى : والذى بعثك بالحقّ ، لو سِرتَ بنا
إلى بِرْك الغُمَاد (٣) لَسرنا معك حتى ننتهى إليه. ثمّ قال رسول الله، وَّ:
أشيروا علىّ، وإنما يريد الأنصار . فقام سعد بن معاذ فقال : أنا أجيب عن
الأنصار، كأنّك يا رسول الله تريدنا ؟ قال : أجلْ . قال : فامضٍ يا نبيّ الله لما
أردتَ ، فوالذي بعثك بالحقّ لو استعرَضتَ هذا البحر فخُضتَه لخضناه معك ما بقى
منّا رجل واحد. فقال رسول الله، وَّل: سِيروا على بركة الله، فإنّ الله قد
وَعَدنى إحدى الطائفتين، فوالله لكأنّى أنظر إلى مَصارع القوم . وعَقَدَ رسول الله ،
وَ ل، يومئذ الألوية، وكان لواء رسول الله، وَله، يومئذ الأعظم لواءُ المهاجرين
مع مُصْعَب بن عُمَير ، ولواءُ الخَزْرَج مع الحباب بن المُذِر ، ولواء الأوس مع سَعد
ابن مُعاذ ، وجعل رسول الله، وَّه، شِعار المهاجرين: يا بنى عبد الرحمن ،
وشعار الخزرج: يا بنى عبد الله، وشعار الأوس : يا بنى عبيد الله ، ويقال : بَل
كان شعار المسلمين جميعًا يومئذ : يا منصور أَمِتْ . وكان مع المشركين ثلاثة
(١) لفت : موضع بين مكة والمدينة .
(٢) السَّحَرُ : آخر الليل قبيل الفجر .
(٣) لدى ياقوت برك الغماد: بكسر الغين المعجمة ، وقال ابن دريد: بالضم ، وهو موضع وراء
مكة بخمس ليال ممايلى البحر .

١٤
ألوية : لواء مع أبى عزيز بن عُمير ، ولواء مع النَّضر بن الحارث ، ولواء مع طلحة بن
أبي طلحة، وكلّهم من بنى عبد الدار، ونزل رسول الله، ومَّ، أدنى بدر عشاء
ليلة جمعة لسبع عشرة مصّت من شهر رمضان ، فبعث عليًّا والزُّبير وسعد بن أبى
وقّاص وبَسبَس بن عمرو يتحسّسون خبر المشركين على الماء ، فوجدوا رَوَايا قريش
فيها ◌ُقّاؤهم، فأخذوهم. وبلغ قريشًا خبر رسول الله، وَلَه، وأنّه قد أخذ
سُقّاءِهم، فماج العسكر وأتى بالسُّقّاء إلى رسول الله، وَلَّه ، فقال: أين قريش؟
فقالوا : خلف هذا الكثيب الذى ترى . قال : كم هم ؟ قالوا : كثير . قال : كم
عددهم ؟ قالوا: لا ندرى . قال : كم يَنحرون؟ قالوا: يومًا عشرًا ويومًا تسعًا .
فقال، وَلّر: القوم ما بين الألف والتسعمائة . فكانوا تسعمائة وخمسين إنسانًا ،
وكانت خيلهم مائة فرس . وقال الحُباب بن المنذر: يا رسول الله ، إنّ هذا المكان
الذى أنت به ليس بمنزل ، انطلق بنا إلى أدنى ماء إلى القوم فإنّى عالم بها وبقُلُبِها ،
بها قليبٌ قد عرفتُ عُذوبة مائه لا ينزح ، ثمّ نبنى عليه حوضًا فنشرب ونقاتل
ونُعوّر (١) ما سواه من القُلُب (٢). فنزل جبريل على رسول الله، وَّل، فقال:
الرَأَىُ ما أشارَ به الحُبَّاب. فنهضَ رسول الله، وَلَّ، ففعل ذلك، فكان الوادى
دَهْسًا (٣) ، فبعثَ الله، تبارك وتعالى ، السماء فلتّدت الوادى ولم يمنع المسلمين
من المسير ، وأصابَ المشركين من المطر ما لم يقدروا أن يرتحلوا معه ، وإنما بينهم
قَوْز من الرمل ، وأصاب المسلمين تلك اللّيلة التُّعَاس، وبُنى لرسول الله، وَّ ،
عَريش من جَريد فدخله النبىّ وأبو بكر الصِّذّيق ، وقام سعد بن مُعاذ على باب
العريش متوشّحًا بالسيف ، فلمّا أصبح صفَّ أصحابه قبل أن تنزل قريش ، وطلعت
قريش ورسول الله، وَله، يصفّف أصحابه ويعدّلهم كأنما يقوم بهم القدحَ، ومعه
يومئذ قدح يشير به إلى هذا: تقدّم ، وإلى هذا: تأخّر ، حتى استووا ، وجاءت
ريح لم يَروا مثلها شِدّةً ، ثمّ ذهبت فجاءت ريح أخرى ، ثمّ ذهبت فجاءت ريح
أخرى ، فكانت الأولى جبريل ، عليه السلام ، فى ألف من الملائكة مع رسول
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (عور) ومنه حديث على (( أمره أن يُعَوِّرَآبار بدر)) أى يدفنها
(٢) القلب : جمع قليب ، وهو البئر .
ويطمها .
(٣) الدهس : كل مكان لين لم يبلغ أن يكون رملا .

١٥
الله، وَلَه، والثانية ميكائيل، عليه السلام، فى ألف من الملائكة عن مَيْمنة رسول
الله، وَخّ، والثالثة إسرافيل فى ألف من الملائكة عن مَيْسرة رسول الله، وَه ،
وكان سيماء الملائكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضرٌ وصُفر ومحمر من نور،
والصوف فى نواصى خيلهم. فقال رسول الله، وَلَه، لأصحابه: إنّ الملائكة قد
سَوّمت فسَوّموا ، فأعلموا بالصوف فى مغافرهم وقلانسهم ، وكانت الملائكة يوم
بدر على خيل بُلْق .
قال : فلمّا اطمأنّ القوم بعثَ المشركون عُمير بن وَهب الجُمَحى ، وكان
صاحب قداح ، فقالوا اخْزُرْ لنا محمّدًا وأصحابه ، فصوَّب فى الوادى وصَعَّد ثم
رجَع فقال : لا مَدَد لهم ولا كَمين ، القومُ ثلاثمائة إن زَادوا زادوا قليلاً ، ومعهم
سبعونَ بَعيرًا وفرسان ، يا معشر قريش ، البلايا تحمل المنَايَا، نَواضحُ يثربَ تحمل
الموتَ التَّاقعَ ، قوم ليست لهم مَنَعَةٌ ولا ملجأ إلّ سيوفهم ، أما ترونهم خُرْسًا
لا يتكلمون ، يتلمّظون تلمّظ الأفاعى؟ والله ما أرى أن نقتل منهم رجلًا حتى يُقتَل
منّا رجل ، فإذا أصابوا منكم عددهم فما خير فى العيش بعد ذلك ، فَرَوْا رأيكم .
فتكلّم حكيم بن حِزام ومشى فى الناس ، وأتى شَيبةً وعُتبةَ وكانا ذوَى تقيّة فى
قومهما فأشاروا على النّاس بالانصراف ، وقال عتبة: لا تَرَدّوا نصيحتى ولا تُسَفّهوا
رأيى، فحَسَدَه أبو جهل حين سمع كلامه . فأفسد الرأى وحرّش بين النّاس ، وأمر
عامر بن الحَضْرَمى أن يُنشد أخاه عمرًا، وكان قُتل بنخلة ، فكشَف عامر وَحَثا
على اسْته الترابَ وصاحَ : واعمراه ! يخزى بذلك عُتبة لأنّه حليفه من بين قريش .
وجاء عُمير بن وهب فَنَاوشَ المسلمين فثبت المسلمون على صَفّهم ولم يزولوا ،
وشدّ عليهم عامر بن الحضرمى ونشبت الحرب ، فكان أوّلَ مَن خرج من المسلمين
مِهْجَع مَولى عمر بن الخطّاب ، فَقَتله عامر بن الحَضْرمى .
وكان أوّلَ قتيل قُتل من الأنصار حارثةُ بن سُراقَة ، ويقال : قتله حِبّان بن
العَرِقة ، ويقال : عُمير بن الحُمام . قَتَله خالد بن الأعلم العُقيلى . ثمّ خرجٍ شَيبة
وُتبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ، فدعوا إلى البراز فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار
بنو عَفراء مُعاذ ومُعوّذ وعوف بنو الحارث . فَكَرِهِ رسول الله، وَّهِ، أن يكون أوّلَ
قتال لقى فيه المسلمون المشركين فى الأنصار ، وأحَبّ أن تكون الشَّوكة ببنى عمّه
(١) أورده الصالحى فى سبل الهدى ج ٤ ص ٥١
٠

١٦
وقومه، فأمرهم فرَجعوا إلى مَصَافّهم وقال لهم خيرًا ، ثمّ نادى المشركون :
يا محمد أَخرج إلينا الأكْفَاءَ من قَومنا. فقال رسول الله. ◌َّ: يا بنى هاشم!
قوموا قاتِلوا بحقّكم الذى بعث الله به نبيّكم إذ جاءوا بباطلهم ليُطفئوا نور الله .
فقام حمزة بن عبد المطلب وعلىّ بن أبى طالب وعُبيدة بن الحارث بن المطّلب بن
عبد مَناف فمشوا إليه ، فقال عُتبة : تكلّموا نعرفكم ، وكان عليهم البَيْض ، فقال
حمزة : أنا حمزة بن عبد المطّلب أسد الله وأسد رسوله. فقال عتبة: كُفْءٌ
كريم، وأنا أسد الحلفاء ، مَن هذان معك؟ قال: علىّ بن أبى طالب وعُبيدة بن
الحارث ، قال : كُفآن كريمان . ثم قال لابنه : قُمْ يا وليد ، فقام إليه علىّ بن أبى
طالب ، فاختلفا ضربتين ، فقتله علىّ . ثم قام ◌ُتبة وقام إليه حمزة، فاختلفا
ضربتين ، فقتله حمزة ، ثمّ قام شيبة وقام إليه عبيدة بن الحارث، وهو يومئذ أسنّ
أصحاب رسول الله، وَّلّ، فضرب شَيبة رِجل عُبيدة بذُباب السيف ، يعنى
طَرَفه، فأصاب عَضَلة ساقه فقطعها ، فَكَرّ حمزة وعلىّ على شَيبة فقتلاه وفيهم
نزلت: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ ﴾ [سورة الحج: ١٩]. ونزلت فيهم
سورة الأنفال أو عامّتها ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَى﴾ [ سورة الدخان: ١٦]، يعنى
يوم بدر، ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ [ سورة الحج: ٥٥] ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ
الذُّبُرَ ﴾ [سورة القمر: ٤٥]، قال: فرأى رسول الله، وَله، فى أثرهم مصلتًا
للسيف يتلو هذه الآية وأجاز (١) على جَريحهم وطلب مُدبرهم
واستُشهد يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلًا : ستّة من المهاجرين ، وثمانية من
الأنصار فيهم تُبيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبد مناف ، وتُمير بن أبى وقّاص وعاقل
ابن أبى البكير ، ومِهجع مولى عمر بن الخطاب ، وصفوان بن بيضاء، وسعد بن
خيثمة ، ومبشّر بن عبد المنذر، وحارثة بن سراقة، وعوف ومُعوّذ أبنا عَفراء، وعُمير بن
الحمام ، ورافع بن مُعلّى ، ويزيد بن الحارث بن فُسحُم .
وقُتل من المشركين ، يومئذ، سبعون رجلاً، وأسر منهم سبعون رجلًا وكان
فيمن قُتل منهم شَيبة وعُتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس ، والوليد بن عُتبة ، والعاص
ابن سعيد بن العاص ، وأبو جهل بن هشام، وأبو البخترى ، وحَنْظَلة بن أبى سفيان
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (جوز) ومنه حديث أبى ذرّ رضى الله عنه (( قَبْل أن تُجِزُوا عَلَىّ))
أى تقتلونى وتُتْفِذُوا فِيَّ أمركم. وفى القاموس (ج وز) وأَجَرْتُ على الجريح: أَجْهَرْتُ .

١٧
ابن حَرب ، والحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، وطُعيمة بن عدىّ ، وزَمعة
الأسود بن المطّلب ، ونوفل بن خُويلد، وهو ابن العَدَويّة . والنَّضْر بن الحارث قَتله
صبرًا بالأثيل ، وعُقبة بن أبي معيط قَتله صبرًا بالصّفراء ، والعاص بن هشام بن
المغيرة خال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وأمية بن خَلَف ، وعلىّ بن أُميّة بن
خلف ، ومُنَبِّه بن الحجاج ، ومعبد بن وهب . وكان فى الأسارى نوفل بن الحارث
ابن عبد المطلب ، وعَقيل بن أبى طالب ، وأبو العاص بن الربيع ، وعدىّ بن
الخيار، وأبو عزيز بن عمير ، والوليد بن الوليد بن المغيرة ، وعبد الله بن أَبىّ بن
خلف ، وأبو عَزّة عمرو بن عبد الله الجُمَحى الشاعر ، ووهب بن عُمير بن وهب
الجُمحى ، وأبو وداعة بن ضُبيرة السهمى ، وسهيل بن عمرو العامرى .
وكان فداء الأسارى كلّ رجل منهم أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى
ألف إلّ قومًا لا مال لهم، مَنّ عليهم رسول الله، بَّهِ، منهم أبو عَزّة الجُمَحى،
وغنم رسول الله، وَلّر، ما أصاب منهم، واستعمل على الغنائم عبد الله بن
كعب المازنى من الأنصار، وقسمها رسول الله بسَيّر شعب بالصفراء (١) ، وهى
من المدينة على ثلاث ليال قواصد. وتنقَّل رسول الله، وَّجَ، سيفا ذا الفقار،
وكان لمنبته بن الحجاج ، فكان صفيّه يومئذ. وسلّم رسول الله، وَّر، الغنيمة
كلّها للمسلمين الذين حضروا بدرًا وللثمانية النفر الذين تخلّفوا بإذنه ، فضرب لهم
بسهامهم وأجورهم ، وأخذ رسول الله، وَّه، سهمه مع المسلمين ، وفيه جمل
أبى جهل ، وكان مهريًا ، فكان يغزو عليه ويضرب فى لقاحه . وبعث رسول
الله، وَلَّه، زيد بن حارثة بشيرًا إلى المدينة يخبرهم بسلامة رسول الله، وَخَّر ،
والمسلمين وخبر بدر وما أظفر الله به رسولَه وغنّمه منهم ، وبعث إلى أهل العالية
عبد الله بن رواحة بمثل ذلك، والعالية قُباءُ وخَطمَة ووائل وواقف وبنو أميّة بن زيد
وقُريظة والنضير، فقدم زيد بن حارثة المدينةَ حين سُوّى على رُقيّة بنت رسول الله ،
وَّه، التراب بالبقيع. وكان أوّلَ الناس إلى أهل مكّة بمُصاب أهل بدر وبهزيمتهم
الحَيَسُمان بن حابس الخُراعى ، وكانت وقعة بدر صبيحةً يوم الجمعة لسبع عشرة
مضت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرًا من مُهَاجَر رسول الله، وَه .
(١) ولدى ياقوت ، سَيّر: بفتح أوله وثانيه ، وراء: كثيب بين المدينة وبدر ، يقال : هناك قسم
رسول الله صل# ، غنائم بدر .
[ ٢ - الطبقات الكبير جـ ٢ ]

١٨
أخبرنا وكيع عن سفيان وإسرائيل وأبيه - يعنى أيا وكيع - عن أبى إسحاق عن
البراء، وأخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء قال:
كانت عِدّة أصحاب رسول الله، وَلّر ، يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، وكانوا يرون
أنّهم على عدّة أصحاب طالوت يوم جالوت الذين جازوا النهر. قال: وما جاز معه
النهر يومئذ إلا مؤمن .
أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن ثابت بن عُمارة عن غُنيم بن قيس عن أبى موسى
قال: كان عِدّة أصحاب رسول الله، وَّله، يوم بدر على عدّة أصحاب طالوت
يوم جالوت .
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدى ، أخبرنا مِشْعَر عن أبى إسحاق عن البَراء
قال : كان عدّة أهلِ بدر عدّة أصحاب طالوت .
أخبرنا عقّان بن مسلم وأبو الوليد الطيالسى ووهب بن جرير بن حازم قالوا :
أخبرنا شُعبة عن أبى إسحاق عن البراء قال : كان المهاجرون يوم بدر نَّفًا على ستّين
وكانت الأنصار نتفًا على أربعين ومائتين .
أخبرنا الحسن بن موسى الأشْيَب ، أخبرنا زُهير عن أبى إسحاق عن البراء قال :
حدّثنى أصحاب محمد من شهد بدرًا أنهم كانوا عدّة أصحاب طالوت الذين جازوا
معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة : قال البراء : ولا والله ما جاز معه النهر إلاّ مؤمن .
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصارى ، أخبرنا هشام بن حسّان حدّثنى محمد
ابن سيرين ، حدّثنی عُبيدة قال : كان عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة
عشر، سبعون ومائتان من الأنصار ، وبقيتهم من سائر الناس .
أخبرنا نصر بن باب الخراسانى عن الحجّاج عن الحكم عن مِقسم عن ابن
عباس أنه قال: كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر ، كان المهاجرون منهم ستّةً
وسبعين ، وكانت هزيمة أهل بدر يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان .
أخبرنا خالد بن خداش ، أخبرنا عبد الله بن وهب حدّثنى محُتَىّ عن أبى عبد
الرّحمن عن عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله، وَله، يوم بدر بثلاثمائة
وخمسة عشر من المقاتلة، كما خرج طالوت، فدعا لهم رسول الله، وَلخير، حين
خرجوا فقال : اللهمّ إنّهم حُفاة فَاحملهم ، اللهمّ إنّهم عُراة فاكسُهُمْ ، اللهمّ إنهم

١٩
جياع فأشبعهم . ففتح الله يوم بدر ، فانقلبوا حين انقلبوا ، وما فيهم رجل إلا قد
رجع بحِمل أو حِملَين واكتسوا وشبعوا .
أخبرنا الحَكَم بن موسى، أخبرنا ضَمرة عن ابن شَؤْذَب عن مطر قال :
شهد بدرًا من الموالى بضعة عشر رجلًا . فقال مَطر : لقد ضُربوا فيهم بضربة
صالحة .
أخبرنا عفّان بن مُسلم وسعيد بن سليمان قالا : أخبرنا خالد بن عبد الله ،
أخبرنى عمرو بن يحيى عن عامر بن عبد الله بن الزّبير عن أبيه عن عامر بن ربيعة ،
البدرى قال : كان يوم بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان .
أخبرنا الفضل بن ذُكين ، أخبرنا عُمر بن شَّة عن الزهرىّ قال : سألتُ أبا بكر
ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن ليلة بدر فقال : ليلة الجمعة لسبع عشرة
مضت من رمضان .
أخبرنا خالد بن خِداش ، أخبرنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن
أبيه قال : كانت بدر لسبع عشرة من رمضان يوم الجمعة .
قال محمد بن سعد : وهذا الثبت أنه يوم الجمعة ، وحديث يوم الاثنين شاذ .
أخبرنا قتيبة بن سعيد ، أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن مَعْمَر بن
أبى حبيبة عن ابن المسيّب أنه سأله عن الصّوم فى السّفر ، فحدّثه أنّ عمر بن
الخطّاب قال: غزونا مع رسول الله، ثمَّله، فى رمضان غزوتين: يوم بدر ، ويوم
الفتح ، فأفطرنا فيهما .
أخبرنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا موسى بن عُبيدة عن عبد الله بن عُبيدة :
أَنّ رسول الله، وََّ، غَزا غزوة بدر فى شهر رمضان فلم يَصُمْ يومًا حتى رجع
إلى أهله .
أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب :
سمعتُ موسى بن طلحة يقول : سُئل أبو أيوب عن يوم بدر فقال : إمّا لسبع عشرة
خَلَت ، أو لثلاث عشرة بقيت ، أو لإحدى عشرة بقيت ، أو لتسع عشرة خلت .
أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا حمّاد بن سلَمَة عن عاصم عن زِرّ عن
ابن مسعود قال : كنّا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير ، وكان أبو لبابة وعلىّ زميلى

٢٠
رسول الله، وَّ، فكان إذا كانت عُقبة النبىّ قالا: اركبْ حتى نمشى عنك:
فيقول: ما أنتما بأقوى على المشى منى وما أنا أغنى عن الأجرِ منكما .
أخبرنا ◌ُبيد الله بن موسى عن شَيبان عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة بن عبد
الله عن أبيه قال : لمّ أسرنا القومَ يوم بدر قلنا: كم كنتم ؟ قالوا: كنّا ألفًا .
أخبرنا عُبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن أبيه
قال : أخذنا رجلًا منهم ، يعنى من المشركين ، يوم بدر فسألناه عن عدّتهم فقال:
كتّا ألفًا .
أخبرنا هُشيم بن بشير ، أخبرنا مُجالد عن الشعبى قال : كان فداء أسارى بدر
أربعة آلاف إلى ما دون ذلك ، فمن لم يكن عنده شيء أَمر أن يُعَلّمَ غِلمان الأنصار
الكتابة .
أخبرنا الفضل بن دُ كين ، أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال : أَسَر رسول
الله، وَلّ، يوم بدر سبعين أسيرًا، وكان يفادى بهم على قدر أموالهم ، وكان
أهل مكّة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون ، فمن لم يكن له فداء دُفع إليه عشرة
غلمان من غلمان المدينة فعلّمهم ، فإذا حذقوا فهو فداؤه .
أخبرنا محمد بن الصّباح ، أخبرنا شريك عن قريش عن عامر قال : كان فداء
أهل بدر أربعين أوقيّة أربعين أوقيّة ، فمن لم يكن عنده علّم عشرة من المسلمين
الكتابة ، فكان زَيد بن ثابت ممنّ عُلِّم .
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصارى ، أخبرنا هشام بن حسّان ، أخبرنا محمد
ابن سيرين عن عبيدة: أنّ جبريل نزل على النبيّ، وَلِّ، فى أسارى بدر فقال:
إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم أخذتم منهم الفداء واستُشهد قابلٌ منكم سبعون :
قال: فنادى النبىّ، وَلّر، فى أصحابه فجاءوا أو مَن جاء منهم فقال: هذا
جبريل يخيّركم بين أن تقدّموهم فتقتلوهم وبين أن تُفادوهم واستُشهِد قابلٌ منكم
بعدّتهم فقالوا : بل نفاديهم فنتقوّى به عليهم ويدخل قابل منّا الجنّة سبعون ،
ففادَؤْهم .
أخبرنا الحسن بن موسى ، أخبرنا زهير ، أخبرنا سِماك بن حرب قال : سمعتُ
عِكْرِمة يقول: قيل لرسول الله، وَله، لمّا فرغ من أهل بدر: عليك بالعير ليس