النص المفهرس
صفحات 221-240
١٧٢ القوم فاقبل منهم ، فقال رسول الله، وَّهِ: أَرَائِتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِىّ كَلِمَةً إِنْ أَنْتُمْ تَكَلّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا العَرَبَ وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا العَجَمُ ؟ فقال أبو جهل : إنّ هذه لكلمة مُربحة ، نعم وأبيك لنقولتّها وعشر أمثالها ، قال : قُولُوا لا إِلَهَ إلّ الله ، فاشمأزّوا ونفَرُوا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون : اصبروا على آلهتكم ، إن هذا لشىء يراد ، ويقال: المتكلّم بهذا عقبة بن أبى مُعَيْط ، وقالوا : لا نعود إليه أبدًا، وما خير من أن يُغْتَالَ محمّد ، فلمّا كان مساء تلك الليلة فُقِدَ رسول الله، وَلّر، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتيانًا من بنى هاشم وبنى المطّلب ثمّ قال: ليأخذْ كلّ واحدٍ منكم حديدة صارمة ثمّ ليتبعنى إذا دخلتُ المسجد ، فلينظر كلّ فتىّ منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحَنَظَلِيّة ، يعنى أبا جهل ، فإنّه لم يغب عن شرّ إن كان محمّد قد قُتل ، فقال الفتيان : نفعل ، فجاء زيد بن حارثة فوجدَ أبا طالب على تلك الحال ، فقال: يا زيد أحسست ابن أخى ؟ قال : نعم كنتُ معه آنفًا ، فقال أبو طالب : لا أدخل بيتى أبدًا حتى أراهُ ، فخرَج زَيدٌ سريعًا حتى أتى رسول الله ، وَله ، وهو فى بيت عند الصَّفَا ومعه أصحابه يتحدّثون، فَأَخْبَرَهُ الخبر ، فجاء رسول الله، وَ ل، إلى أبى طالب، فقال: يابن أخى أين كنت؟ أكنتَ فى خيرٍ؟ قال: نَعَمْ ، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله، وَلَه، فلمّا أصبح أبو طالب غَدا على النبيّ، وَلّر، فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش، ومعه الفتيان الهاشميون والمطّلبيون ، فقال: يا معشر قريش هل تدرون ما هَممتُ به ؟ قالوا : لا ، فأخبرهم الخبر ، وقال للفتيان: اكشفوا عمّا فى أيديكم، فَكَشَفُوا، فإذا كلّ رجل منهم معه حديدة صارمة ، فقال : والله لو قتلتموه ما بَقَّيْتُ منكم أحدًا حتى نتفانى نحن وأنتم ، فانكسر القوم وكان أشدّهم انكسارًا أبو جهل *) . ذكر هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله، وَله ، إلى أرض الحبشة فى المرّة الأولى أخبرنا محمّد بن عمر ، أخبرنا هشام بن سعد عن الزهرىّ قال : لمّا كثر المسلمون وظَهَر الإِيمان وتُحُدّث به ثارَ ناسٌ كثيرٌ من المشركين من كُفّار قريش بمن ١٧٣ آمن من قبائلهم فعذَّبوهم وسَجَنوهم وأرادوا فِتنتهم عن دينهم ، فقال لهم رسول الله، وَلَّ: تَفَرَّقُوا فى الأرْضِ ، فقالوا أين نذهب يا رسول الله ؟ قال: هَهُنا، وأشار إلى الحبشة ، وكانت أحبّ الأرض إليه أن يهاجر قِبَلَهَا، فهاجَر ناسٌ ذَوو عددٍ من المسلمين منهم مَن هاجر معه بأهله ، ومنهم مَن هاجَر بنفسه ، حتى قَدِموا أرض الحبشة . أخبرنا محمّد بن عمر ، أخبرنا يونس بن محمّد الظَّفَرى عن أبيه عن رجل من قومه فيها قال : وأخبرنا عُبيد الله بن العباس الهذلى عن الحارث بن الفُضَيل قالا : فخرجوا متسلّلين سِرًّا وكانوا أحدَ عشرَ رجلاً وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشُّعَيْبة (١) منهم الراكب والماشى ووفّق الله تعالى للمُسلمين ساعةً جاءوا سفينَتين للتّجّار حملوهم فيها إلى أرض الحبشة بنصف دينار ، وكان مخرجهم فى رجب من السنة الخامسة من حين نُبِّىء رسول الله، وَلّه، وخرجت قريش فى آثارهم حتى جاءوا البحرَ حيث رَكِبوا فلم يُدْرِ كوا منهم أحدًا ، قالوا : وقَدِمنا أرض الحبشة فجاوَرْنَا بها خير جار ، أمِنًا على ديننا وعَبَدْنَا الله لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئًا نكرهه (٢) . أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى يونس بن محمّد عن أبيه . قال: وحدّثنى عبد الحميد بن جعفر عن محمّد بن يحيى بن حَبّان قالا : (٣) تسميةُ القوم الرجال والنّساء: عُثمان بن عفّان معه امرأته رُقيّة بنت رسول الله، وَلّهِ، وأبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة معه امرأته سَهْلة بنت سُهَيل بن عمرو ، والزُّبير بن العَوّام بن خُوَيلد ابن أسد، ومُضْعَب بن عُمَير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعبد الرحمن ابن عَوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة ، وأبو سَلَمَة بن عبد الأسد ابن هلال بن عبد الله بن مخزوم معه امرأته أم سَلَمة بنت أبى أميّة بن المغيرة ، (١) شُعَيْبَة : تصغير شعبة ، مكان على ساحل البحر بطريق اليمن ، وكان مرفأ السفن لمكة قبل جُدّة . (٢) الطبرى ج ٢ ص ٣٢٩ نقلا عن ابن سعد، والصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٤٨٦ (٣) ل ((قال)) وصوابه من م ومثله لدى الطبرى ج ٢ ص ٣٣٠ وهو ينقل عن ابن سعد. ١٧٤ وعثمان بن مظعون الجُمحى ، وعامر بن ربيعة العَنْزى حليف بنى عدىّ بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبى حَثْمَة ، وأبو سَبْرة بن أبى رُهْم بن عبد العُزّى العامرىّ ، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس ، وسُهيل بن بيضاء من بنى الحارث بن فِهر ، وعبد الله بن مسعود حليف بنى زُهرة (١). # : ذكر سبب رجوع أصحاب النبى ، وَ لَه ، من أرض الحبشة أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى يونس بن محمّد بن فُضالة الظَّفَرى عن أبيه قال : وحدّثنى كثير بن زيد عن المطّلب بن عبد الله بن خَنْطب قالا : رأى رسول الله، وَلَّ، من قومه كَفًّا عنه، فجلس خاليًا فتمنّى فقال: لَيْتَهُ لا يَنْزِلُ عَلَىّ شَىْءٌ يُنَفِّرُهُمْ عَنِىّ! وقارَب رسولُ الله، وَهِ، قومَه ودَنا منهم ودَنَوا منه، فجلسَ يومًا مجلسًا فى نادٍ من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم: ﴿ وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى﴾ [ سورة النجم: ١] حتى إذا بَلَغَ: ﴿أَفَرََّيُّمُ الَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ اَلْأَخْرَى﴾ [ سورة النجم: ١٩، ٢٠]: ألقى الشّيْطانُ كلمتين على لسانه: تلك الغَرَانيقُ العُلاَ ، وإن شفاعتهن لَثُرَجَى، فتكلّم رسول الله، وَلَّ، بهما (٢)، ثمّ مضى فقرأ السورة كلّها وسَجَدَ وسَجَدَ القومُ جميعًا ورفع الوليد بن المغيرة تُرابًا إلى جبهته فسَجَد عليه ، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود ، ويقال : إنّ أبا أُحَيحَة سعيد بن العاص أخذَ ترابًا فسجد عليه رفَعه إلى جبهته ، وكان شيخًا : م (١) ابن هشام: السيرة ج ١ ص ٣٢٢، والطبرى ج ٢ ص ٣٢٩ - ٣٣٠، والصالحى ج ٢ ص ٤٨٥ (٢) قال صاحب الجامع لأحكام القرآن ج ١٢ ص ٨١ : إن هذا الحديث الذى فيه الغرانيق العلا وقع فى كتب التفسير ونحوها ولم يدخله البخارى ولا مسلم ولا ذكره فى علمه مصنف مشهور . إلخ. وذكر القاضى عياض أن رسول الله وَ لّر معصوم من الإخبار عن شىء بخلاف ماهو عليه لا قصدا أو سهوا ولا غلطا ... إلخ. ونحن نقطع أن هذا لا يجوز على رسول الله اَل، وهو المعصوم الصادق فى التبليغ . ١٧٥ كبيرًا، فبعض النّاس يقول إنّما الذى رَفَع التراب الوليد ، وبعضهم يقول أبو أُحَيحة، وبعضهم يقول كلاهما جميعًا فعل ذلك، فرضوا بما تكلّم به رسول الله، ومَلتر ، وقالوا : قد عرفنا أنّ اللَّه يُحِى ويُميت ويَخلُق ويَرْزُق ، ولكنّ آلهتنا هذه تَشفع لنا عنده، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله، وَله ، من قولهم حتّى جلَس فى البيت ، فلمّا أمسى أتاه جريل ، عليه السلام ، فَعَرض عليه السورة ، فقال جبريل : ما جئتك (١) بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله ، وَه: قُلْتُ عَلى اللهِ مَا لَمْ يَقُلْ، فَأَوْحَى الله إليه: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَا لَّأَتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا ﴾: إلى قوله: ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيْرًا﴾ [ سورة الإسراء: ٧٣ - ٧٥ ] (٢). أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : فَشَتْ تِلْكَ السَّجدة فى النّاس حتى بلغت أرض الحبشة ، فبلَغ أصحابَ رسول الله، وََّ، أنّ أهل مكّة قد سجدوا وأسلموا حتى إنّ الوليد بن المغيرة وأبا أَحَيْحَة قد سَجَدا خلف النبيّ ، وَّر، فقال القوم: فمن بقى بمكّة إذا أسلم هؤلاء؟ وقالوا: عشائرنا أحبّ إلينا، فخرَجوا راجعين حتى إذا كانوا دون مكّة بساعة من نهار لقوا رَكْبًا من كنانة فسألوهم عن قُريش وعن حالهم ، فقال الركْب : ذكّر محمّد آلهتهم بخير فتابعه الملأ، ثمّ ارتَدَّ عنها فعاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشرّ ، فتركناهم على ذلك، فَأْتمر القوم فى الرجوع إلى أرض الحبشة ثمّ قالوا : قد بلغْنا ندخل فننظر ما فيه قريش ويُحدِثُ عَهْدًا مَن أراد بأهله ثمّ يرجع (٣) . أخبرنا محمّد بن عمر قال : فحدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ عن (١) فى سائر طبعات ابن سعد ((جئتك)) بهاتين الكلمتين. وهو خطأ فاحش ولعله متعمد من جانب المستشرقين رغم دقتهم فى تحرير النص وتصويبه . وكان ينبغى عدم مجاراة الطبعة الأوربية فى كل من طبعتى إحسان وعطا نظرًا لخطورة الأمر . هذا والتصويب من مخطوطة م ، والنويرى وهو ينقل عن ابن سعد . (٢) أورده النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٣٣ نقلا عن ابن سعد . (٣) النويرى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٣٤ ١٧٦ أبى بكر بن عبد الرحمن قال : دخلوا مكّة ولم يدخل أحد منهم إلاّ بجوار ، إلاّ ابن مسعود فإنّه مكثَ يسيرًا ثمّ رجع إلى أرض الحبشة (١). قال محمّد بن عمر : فكانوا خرجوا فى رجب سنة خمس فأقاموا شعبانَ وشهرَ رمضان وكانت السَّجدةُ فى شهر رمضان وقدموا فى شوّال سنة خمس (٢) . ذكر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال : حدّثنى سيف بن سليمان عن ابن أبى نَجيح قال : وحدّثنى ◌ُتبة بن جَبيرة الأشهلى عن يعقوب بن عمر بن قتادة قال: سمعت شيخًا من بنى مخزوم يحدّث أنّه سمع أَم سَلَمة قال: وحدّثنا عبد الله بن محمّد الجُمَحى عن أبيه عن عبد الرحمن بن سابط قالوا : لمّ قدم أصحاب النبيّ، وَله، مكّة من الهجرة الأولى اشتدّ عليهم قومهم وسَطَت بهم عَشَائرهم ولَقوا منهم أذىً شديدًا، فَأَذنَ لهم رسول الله، وَّر، فى الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية ، فكانت خرجتهم الآخرة أعظمهما مشقّة ولقوا من قريش تعنيفًا شديدًا ونَالوهم بالأذى ، واشتدّ عليهم ما بَلَغهم عن النّجاشىّ من مُحُسْنِ جِواره لهم، فقال عثمان بن عفّان: يا رسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى النجاشىّ ولستَ معنا؟ فقال رسول الله، بَلِّ: أنتم مُهاجرون إلى الله وَإِلَىّ، لَكُمْ هَاتَانِ الهِجْرَتَانِ جَمِيعًا ، قال عثمان: فَحَسْبُنَا يا رسول الله (٣). وكان عدّة مَن خَرج فى هذه الهجرة من الرّجال ثلاثة وثمانون رجلاً ، ومن النساء إحدى عشرةَ امرأةً قرشيّة ، وسبع غرائب (٤) ، فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشيّ بأحسن جوار، فلمّا سَمعوا بمهاجَر رسول الله، بَله، إلى (١) المصدر السابق ص ٢٣٥ (٢) نفس المصدر والصفحة . (٣) الصالحى : سبل الهدى ج ٢ ص ٥١٧ نقلا عن ابن سعد . (٤) النويرى : نهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٤١ نقلا عن ابن سعد . ١٧٧ المدينة رَجَع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً ، ومن النساء ثمانى نسوة ، فمات منهم رجلان بمكّة، وحبس بمكّة سبعةُ نفر، وشهد بدرًا منهم أربعة وعشرون رجلاً ، فلمّا كان شهر ربيع الأوّل سنة سبع من هجرة رسول الله، وَله، إلى المدينة كتَب رسول الله، وَلّه، إلى النجاشىّ كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعثَ به مع عمرو ابن أُمية الضَّمْرى ، فلمّا قُرِىءَ عليه الكتاب أسلَم وقال: لو قدرت أن آتيَه لأتيته ، وكتب إليه رسول الله وَ ل أن يزوّجه أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب ، وكانت فيمن هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجها عُبيد الله بن جَخْش فتنصَّر هناك ومات ، فزوَّجه النَّجاشىّ إيّاها وأصدَق عنه أربعمائة دينار. وكان الذى ولى تزويجها خالد ابن سعيد بن العاص، وكتب إليه رسول الله، وَّر، أن يبعث إليه مَن بَقى عنده من أصحابه ويحملهم ، ففعلَ وحَملَهم فى سفينتين مع عَمرو بن أميّة الضمرى ، فأرْسَوْا بهم إلى ساحل بَوْلا وهو الجار (١) ، ثمّ تكاروا الظّهر حتى قدموا المدينة فيجدون رسول الله، وَجله، بخيبر، فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر ، فكلَّمَ رسول الله وَّلَه، المسلمين أنْ يُدْخِلُوهم فى سُهْمَانهم ، ففعلوا . ذكر حصر قريش رسول الله، جدّله ، وَستهم وبنى هاشم فى الشِّغْب أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله عن أبى سلمة الحضرمى عن ابن عبّاس . وحدّثنى معاذ بن محمّد الأنصارى عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وحدّثنا محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : وحدّثنا عبد الله ابن عثمان بن أبى سليمان بن جبير بن مُطعم عن أبيه ، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض قالوا : لمّا بلغ قريشًا فعلُ النجاشى لجعفر وأصحابه وإكرامه إياهم كبر (١) الجار : مدينة على ساحل بحر اليمن ، وهى فرضة المدينة . [ ١٦ - الطبقات الكبير جـ ١ ] ١٧٨ ذلك عليهم وغضبوا على رسول الله، وَله، وأصحابه، وأجمعوا على قتل رسول الله وَّ، وكتبوا كتابًا على بنى هاشم ألّ يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يخالطوهم ، وكان الذى كتب الصحيفة منصور بن عِكْرِمَة العَبْدَرى ، فشَلّت يده ، وعلّقوا الصحيفة فى جوف الكعبة ، وقال بعضهم : بل كانت عند أمّ الجُلاس بنت مُخَرِّبَة الحنظليّة خالة أبى جهل ، وحَصَروا بنى هاشم فى شِغْب أبى طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين تنبّى رسول الله، وَلّ ، وانحاز بنو المطّلب بن عبد مناف إلى أبى طالب فى شعبه مع بنى هاشم، وخرج أبو لهب إلى قريش فظَاهَرهم على بنى هاشم وبنى المطّلب ، وقطعوا عنهم الميرة والمادة ، فكانوا لا يخرجون إلاّ من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشِّعب ، فمن قريش مَن سَرَّه ذلك ومنهم مَن ساءه وقال : انظروا ما أصاب منصور بن ◌ِكْرِمة ، فأقاموا فى الشعب ثلاث سنين، ثمّ أَطْلَع الله رسوله على أمرٍ صحيفتهم وأن الأرَضَةَ قد أكلت ما كان فيها من جَوْر وظُلم وبقى ما كان فيها من ذِكر الله عزّ وجلّ (١). أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن زياد بن فيّاض عن عِكرمة قال: كتبت قريش بينهم وبين رسول الله، وَ له، كتاباً وخَتَموا عليه ثلاثة خواتيم ، فأرسل الله ، عزّ وجلّ ، على الصحيفة دابة فأكلت كلّ شيء إلاّ اسم الله عزّ وجلّ . أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمّد بن علىّ ويعِكْرِمة قالا : أُكل كلّ شيء كان فى الصحيفة إلاّ باسمك اللّهم . أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر قال : حدّثنى شيخٌ من قريش من أهل مكّة ، وكانت الصحيفة عند جَدّه ، قال : أُكل كلّ شيء كان فى الصحيفة من قطيعة غير باسمك اللّهم . رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر الأوّل ، قال : فذكر ذلك رسول الله، وَّهِ، لأبى طالب، فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وخرجوا إلى المسجد ، (١) النویری : نهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٥٨ ١٧٩ فقال أبو طالب لكفّار قريش : إن ابن أخى قد أخبرَنى ولم يكذبنى قطّ أنّ الله قد سلّط على صحيفتكم الأرَضة فلَحَست كلّ ما كان فيها من جَوْر أو ظُلم أو قطيعة رَحِم وبقى فيها كلّ ما ذُكر به الله ، فإن كان ابن أخى صادقاً نزعتم عن سُوء رأيكم ، وان كان كاذباً دفعتُه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا : قد أنصفتنا ، فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها فإذا هى كما قال رسول الله، وَ لّ، فشُقط فى أيديهم ونُكسوا على رءوسهم ، فقال أبو طالب: علامَ نُحبس ونُحصر وقد بانَ الأمر؟ ثمّ دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة فقال: اللّهم انصرنا ممّن ظَلَمنا وقَطَع أرحامنا ، واستحلّ ما يحرم عليه منّا ، ثمّ انصرفوا إلى الشّعب، وَلاَوَمَ رجالٌ من قريش على ما صنعوا ببنى هاشم ، فيهم : مُطعم بن عَدىّ ، وعدى بن قيس ، وزمعة بن الأسود ، وأبو البَخْتَرى بن هاشم ، وزُهير بن أبى أُميّة ، ولبسوا السلاح ثمّ خرجوا إلى بنى هاشم وبنى المطّلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا ، فلمّا رأت قريش ذلك سُقط فى أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم ، وكان خروجهم من الشّعب فى السنة العاشرة (١) . أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمّد بن على قال: مكث رسول الله، وَلّر، وأهله فى الشّعب سنتين، وقال الحكم : مكثوا سنين (٢) . ذكر سبب خروج رسول الله، وَيّ، إلى الطائف أخبرنا محمّد بن عمر عن محمّد بن صالح بن دينار وعبد الرحمن بن عبد العزيز والمنذر بن عبد الله عن بعض أصحابه عن حكيم بن حزام قال : وحدّثنا محمّد بن عبد الله عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير قالوا : لما توفى أبو طالب وخديجة بنت خُوَيلد ، وكان بينهما شهر وخمسة أيّام ، اجتمعت على رسول الله، وَّل، مُصيبتان فَلَزم بيته وأقلّ الخروج ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تَطمع به ، فبلغَ ذلك أبا لَهب فجاءه فقال : يا محمّد امض لما أردتَ وما كنتَ (١) النويرى : نهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٥٩ (٢) نفس المصدر . ١٨٠ صانعاً إذ كان أبو طالب حيّاً فاصنعه ، لا واللّت لا يوصل إليك حتى أموت ! وسَبّ ابنُ الغيطلة النبيّ، وَّه، فأقبل عليه أبو لهب فنالَ منه، فولّى وهو يصيح: يا معشر قريش صَبأ أبو ◌ُتبة ! فأقبلت قريش حتى وقَفوا على أبى لهب ، فقال: ما فارقتُ دينَ عبد المطّلب ولكنى أمنع ابن أخى أن يُضام حتى يمضى لما يريد ، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم: فمكث رسول الله، ومَّ، كذلك أيّاماً يذهب ويأتى لا يعترض له أحدٌ من قريش، وهابوا أبا لهب ، إلى أن جاء عُقبة ابن أبى مُعيط وأبو جهل بن هشام إلى أبى لهب فقالا له : أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك ؟ فقال له أبو لهب : يا محمّد أين مدخل عبد المطّلب ؟ قال : مَعَ قَوْمِهِ ، فخرج أبو لهب إليهما فقال : قد سألته فقال مع قومه ، فقالا : يزعم أنّه فى النّار، فقال: يا محمّد أيدخل عبد المطّلب النّار؟ فقال رسول الله، وَّهُ: نَعَمْ، وَمِنْ مَاتَ عَلى مِثْلِ مَا مَاتَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمُطْلِبٍ دَخَلَ النارَ ، فقال أبو لهب : والله لا برحتُ لك عدوّاً أبداً، وأنت تزعم أن عبد المطّلب فى النّار! فاشتدّ عليه هو وسائر قريش (١) . أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبى الحُوَيرث عن محمّد بن جبير بن مُطعم قال : لما توفى أبو طالب تناولت قريش من رسول الله ، وَليل، واجترءوا عليه فخرجَ إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة ، وذلك فى ليال بقين من شوال سنة عشر من حين نُجِىء رسول الله، وََّ، قال محمّد بن عمر بغير هذا الإسناد ، فأقام بالطائف عشرة أيّام لا يَدَع أحداً من أشرافهم إلاّ جاءه وكلّمه ، فلم يجيبوه وخافوا على أحداثهم فقالوا : يا محمّد اخرج من بلدنا والحقْ بُجابك من الأرض ، وَأَغْرَوْا به سُفهاءهم ، فجعلوا يَرمونه بالحجارة حتى إن رجلئْ رسول الله ، وَّه، لتَدميان وزَيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شُج فى رأسه شجاج، فانصرف رسول الله وَّة، من الطائف راجعاً إلى مكة وهو محزون لم يَستجب له رجل واحد ولا امرأة (٢). فلمّا نزل نخلة قام يصّى من الليل فصُرف إليه نَفَرٌّ من الجنّ ، سبعة من أهل (١) النويرى : نهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٧٩ نقلا عن ابن سعد . (٢) أورده النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٨٠ نقلا عن ابن سعد . ١٨١ نَصيبين ، فاستمعوا عليه وهو يقرأ سورة الجنّ ولم يشعر بهم رسول الله، وَه ، حتى نزلت عليه: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ ﴾ [ سورة الأحقاف : ٢٩]: فهم هؤلاء الذين كانوا صُرفوا إليه بنخلة ، وأقام بنخلة أيّاماً ، فقال له زَيد بن حارثة : كيف تدخل عليهم ، يعنى قريشاً ، وهم أخرجوك؟ فقال : يَا زَيْدُ إِنّ الله جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجاً وَمَخْرَجاً وَإِنّ الله نَاصِرُ دِينِهِ وَمُظْهِرُ نَبِّهِ ، ثمّ انتهى إلى حِراء، فأرسل رجلاً من خُزاعة إلى مُطعم بن عدىّ : أَدْخُلُ فى جِوَارِكَ ؟ فقال : نعم ، ودعا بَنيه وقومه فقال : تلبسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإنى قد أجَرْتُ محمّداً، فدخل رسول الله، وَّر، ومعه زَيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام ، فقام مُطعم بن عَدىّ على رَاحِلته فنادَى : يا معشر قريش إنى قد أجْرَتُ محمّداً فلا يَهِجْه أحدٌ منكم، فانتهى رسول الله، ومَّ، إلى الركن فاستلمه وصلّى ركعتين وانصرف إلى بيته ، ومُطعم بن عدىّ وولده مُطِيفون به (١) . ذكر المعراج وفرض الصلوات أخبرنا محمد بن عمر عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى سبرة وغيره من رجاله قالوا: كان رسول الله، وَلّر، يسأل ربّه أن يريه الجنّة والنّار، فلمّا كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً ، ورسول الله مَلّ، نائم فى بيته ظهراً، أتاه جبريل وميكائيل فقالا: انطلق إلى ما سألت الله ، فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم ، فأتى بالمعراج فإذا هو أحسن شىء منظراً ، فعرجا به إلى السَّمُوات سماءً سماءً ، فلقى فيها الأنبياء ، وانتهى إلى سدرة المنتهى، وأرى الجنة والنّار، قال رسول الله، وَله: وَلَّا انْتَهَيْتُ إلى السّمَاءِ السَابِعَةِ لَمْ أَسْمَعْ إلّ صَرِيفَ الأَقْلامِ: وَفُرِضَت عليه الصلوات الخمس، ونزل جبريل، عليه السلام ، فصلّى برسول الله، وَلَّ، الصلوات فى مواقيتها. (١) النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٨٢ ١٨٢ ذکر ليلة أُسری برسول الله ، صَلىالله وسِے إلى بيت المقدس أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمى قال : حدّثنى أسامة بن زيد الليثى عن عمرو ابن شُعَيب عن أبيه عن جدّه قال : وحدّثنى موسى بن يعقوب الزمعىّ عن أبيه عن جدّه عن أمّ سلمة ، قال موسى : وحدّثنى أبو الأسود عن عُروة عن عائشة، قال محمّد بن عمر : وحدّثنى إسحاق بن حازم عن وهب بن كيسان عن أبى مرة مولى عقيل عن أمّ هانىء ابنة أبى طالب ، وحدّثنى عبد الله بن جعفر عن زكريّاء ابن عمرو عن ابن أبي مليكة عن ابن عبّاسٍ ، وغيرهم أيضاً قد حدّثنی ، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: أسرى برسول الله، وَلّر ، ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة ، من شعب أبى طالب إلى بيت المقدس ، قال رسول الله، وَله: حُمِلْتُ عَلَى دَابّةٍ بَيْضَاءَ بَيْنَ الحِمَارِ وَيَيْنَ الْبَعْلَةِ فِى فَخِذَيْهَا جَنَاحَانٍ تَحْفِزُ (١) بِهِمَا رِجْلَيْهَا، فَلَمّا دَنَوْتُ لِأَرْكَبَهَا شَمَسَتْ فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلى مَعْرَفَتِهَا ثمّ قَالَ: أَلا تَسْتَحْيِينَ يَا بُرَاقُ مِمّا تَصْنَعِينَ ؟ وَاللهِ مَا رَكِبَ عَلَيْكِ عَبْدٌ للِهِ قَبْلَ مُحَمّدٍ أَكْرَمُ عَلى اللهِ مِنْهُ! فَاسْتَحْيَتْ حَتَّى ارْفَضّتْ عَرَقاً ثُمّ قَرَّتْ حَتّى رَكِبْتُهَا فَعَمِلَتْ بِأَذُنَيْهَا وَقُبِضَتِ الأَرْضُ حَتّى كَانَ مُنْتَهَى وَقْعِ حَافِرِهَا طَرِفُهَا وَكَانَتْ طَوِيلَة الظّهْرِ طَوِيلَةَ الأَذُنَيْ، وَخَرَجَ مَعِى جِبْرِيلُ لا يَفُوتُنِى وَلا أَفُوتُهُ حَتّى انْتَهَى بى إلى بَيْتِ المَقَّدسِ ، فَانْتَهَى البُرَاقُ إلى مَوْقِفِهِ الّذِى كَانَ يَقِفُ فَرَبَطَهُ فِيهِ، وكان مربط الأنبياء قبل رسول الله، وَله، قال: وَرَأيْتُ الأَنْبِيَاءَ مُجُمِعُوا لى فَرَأيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فَظَنَنْتُ أَنّهُ لا بُدّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ إِمَامٌ فَقَدّمَنى جِبْرِيلُ حَتّى صَلّيْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَسَأَلْتُهُمْ فَقَالُوا: بُعِثْنَا بِالتّوْحِيدِ (٢) . وقال بعضهم: فُقد النبيّ، وَّه، تلك الليلة فتفرّقت بنو عبد المطّلب يطلبونه ويلتمسونه ، وخرج العبّاس بن عبد المطّلب حتى بلغ ذا طوّى (٣) فجعل يصرخ: يا محمّد يا محمّد! فأجابه رسول الله، وَلَ : لَبَيْكَ! قال: يابن أخى عَنَّيْت (١) تحفز : تدفع . (٢) أورده صاحب الكنز برقم ٣١٨٥٢ نقلا عن ابن سعد، وانظر ابن هشام: السيرة ج ١ ص ٣٩٧ (٣) وادٍ بمكة . ١٨٣ قومك منذ الليلة فأين كنت ؟ قال : أَتَيْتُ مِنْ بَيْتِ المَقَدِسِ ، قال : فى ليلتك ! قال: نَعَمْ ، قال : هل أصابك إلّ خير؟ قال: مَا أَصَابَى إلّ خيرٌ . وقالت أمّ هانىء ابنة أبى طالب : ما أُسرى به إلاّ من بيتنا ، نام عندنا تلك الليلة صلّى العشاء ثمّ نام، فلمّا كان قبل الفجر أنبهناه للصبح ، فقام فلما صلّى الصبح قال: يَا أمّ هَانِىءٍ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمُ العِشَاءِ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الوَادِى ، ثُمّ قَدْ جِئْتُ بَيْتَ المَقَدِسِ فَصَلّيْتُ فِيهِ ، ثُمّ صَلّيْتُ الغَدَاةَ مَعَكُمْ ، ثمّ قام ليخرج فقلتُ : لا تحدّث هذا النّاسَ فيكذبوك ويؤذوك، فقال: وَاللهِ لأحَدّثَنَّهُمْ ، فأخبرهم ، فتعجّبوا وقالوا: لم نسمع بمثل هذا قطّ! وقال رسول الله، وَلّل، لجبريل: يَا جِئْرِيلُ إنّ قَوْمى لا يُصَدّقُونَنِى، قَالَ: يُصَدّقِكَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الصّدّيقُ، وَاقْتُبِنَ نَاسٌ كَثِيرٌ كانوا قَدْ صَلّوا وَأَسْلَمُوا وَقُمْتُ فى الحِجْرِ فَخْلَ إلىّ بَيْتُ المَقَدِسِ فَطَفِقْتُ أَخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنا أَنْظُرُ إليْهِ، فَقَال بعْضُهُم: كَمْ لِلْمَسْجِدِ مِنْ بَابٍ ؟ وَلِمْ أَكُنْ عَدَدْتُ أَبْوَابَهُ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَعُدّهاَ بَاباً بَاباً وَأَعلمُهُمْ وَأَخْبَرْتُهُمْ عَنْ عِيَرَاتٍ لَهُمْ فى الطّرِيقِ وَعَلامَاتٍ فِيهَا فَوَجَدُوا ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرْتُهُمْ، وَأنزل الله ، عزّ وجلّ، عليه: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِى أَرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ ﴾ [ سورة الإسراء: ٦٠ ]: قال: كانت رؤيا عين رآها بعينه (١). أخبرنا محُجين بن المثنّى ، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة عن عبد الله بن الفضيل عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله، وبَّلهُ: لَقَدْ رَأَيْتُنى فى الحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْألُنِى عَنْ مَسْرَاىَ فَسَأَلُونِى عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ المَقَّدِسِ لَمْ أَثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كَرْباً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطّ فَرَفَعَهُ الله إلىّ أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِى عَنْ شَىْءٍ إِلَّ أَنْبَتُهُمْ (٢) بِهِ ، وَقَدْ رَأْيُنِى فِى جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلّى فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ (٣) جَعْدٌ كَأَنّهُ مِنْ رِجَالٍ شَئُوءَةَ، وإذَا عِيسَى بن مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلّى أَقْرَبُ النّاسِ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودِ التّقَفى، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلّى أَشْبَهُ النّاسِ (١) ابن هشام: السيرة ج ١ ص ٤٠٢ (٢) م: ((أتيتهم)) والمثبت رواية ل، ومثلها لدى الذهبى فى السيرة النبوية. (٣) أى خفيف اللحم ممشوق مستدق (النهاية) . ١٨٤ بِهِ صَاحِبُكُمْ، يعنى نفسه، فَحَانَتِ الصّلاةُ فَأَمْتُهُمْ، فَلَمّا فَرَغْتُ مِنَ الصّلاة قَالَ لى قائِلٌ: يَا مُحَمّدُ هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النّارِ فَسَلّمْ عَلَيْهِ ، فَالتَّقَتّ إلَيْهِ فَبَدَأنى بالسّلامِ (١). ذكر دعاء رسول الله، ◌َالڑ ، : قبائل العرب فى المواسم أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى أيّوب بن النعمان عن أبيه عن عبد الله بن كعب بن مالك قال : وحدّثنا محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ قال : وحدّثنى محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رُومان ، وغير هؤلاء أيضاً قد حدّثنى، قالوا: " أقام رسول الله، وَليه ، بمكّة ثلاث سنين من أوّل نبوّته مستخفياً ، ثمّ أعلن فى الرابعة فدعا النّاس إلى الإسلام عشر سنين ، يُوافى المواسم كلّ عام يتّبع الحاجّ فى منازلهم فى المواسم بعكاظ ومَجَنّة وذى المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يُبَلّغَ رسالات ربّه ولهم الجنّة ، فلا يجد أحداً ينصره ولا يجيبه ، حتى إنّه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: يَا أَيّهَا النّاس قُولُوا لا إلَهَ إلّ الله تُفْلِحُوا وَتْلِكُوا بِهَا العَرَبَ وَتَذِلّ لَكُمُ العَجَمُ وَإذا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكاً فى الجَنَّةِ ، وأبو لهب وراءه يقول : لا تُطيعوه فإنّه صابِىء كاذب ، فيردّون على رسول الله ، وَلّ، أقبح الردّ، ويؤذونه ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلمُ بك حيث لم يتّبعوك، ويكلّمونه ويجادلونه ويكلّمهم ويَدْعوهم إلى الله ويقول: اللّهم لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا، فكان من سُمّى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله، وَه ، وَدَعَاهم وعَرَض نفسه عليهم : بنو عامر بن صَعْصَعة، ومُحارب بن خَصَفَة ، وفَزَارة، وغَسّان ، ومُرّة ، وحَنيفة، وسُلَيم ، وعَبْس ، وبنو نضر ، وبنو البكاء ، وكِنْدة ، وكَلْب، والحارث بن كعب، وعُذْرة ، والحَضَارمة ، فلم يستجب منهم أحد ") .. (١) أورده الذهبى بنصه فى السيرة النبوية ص ٢٤٦ ( * - *) قارن بالنويرى ج ١٦ ص ٣٠٢ - ٣٠٣ وهو ينقل عن ابن سعد. ١٨٥ ذكر دعاء رسول الله، وَخَّ، الأوس والخَزْرَج أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنی نافع بن كثير عن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمّد عن أبيه عن عائشة قال : وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبى منصور عن إبراهيم بن يحيى بن زَيد بن ثابت عن أمّ سعد بنت سعد بن ربيع قال : وحدّثنا داود بن عبد الرحمن العَطّار عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن أبى الزُبير عن جابر قال : وحدّثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسْلَم عن أبيه عن عمر بن الخطّاب قال : وحدّثنى أسامة بن زيد بن أسْلَم عن نافع أبى محمّد قال : سمعتُ أبا هريرة قال : وحدّثنى عُبيد بن يحتَى عن معاذ بن رِفاعة بن رافع عن أبيه عن جَدّه قال : وحدّثنی محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبید ، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض ، قالوا: أقام رسول الله وَلَّه، بمكّة ما أقام يدعو القبائل إلى الله ويعرض نفسه عليهم كلّ سنة بِمَجَنَّة وعُكاظ ومِنِّى أن يؤووه حتى يبلّغ رسالة ربّه ولهم الجنَّة ، فليست قبيلة من العرب تستجيب له ويُؤْذَى ويُشْتَم حتى أراد الله إظهار دينه ونَصْر نبيه وإنجاز ما وعَدَه ، فسَاقَه إلى هذا الحىّ من الأنصار لما أراد الله به من الكرامة . فانتهى إلى نَفَرٍ منهم وهم يحلقون رءوسهم ، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن ، فاستجابوا لله ولرسوله فأسرعوا وآمنوا وصدَّقوا وآووا ونَصروا ووَاسَوْا، وكانوا والله أطول الناس ألْسِنَةً، وأحدّهم (١) سيوفاً ، فاختلف علينا فى أوّل من أسلم من الأنصار وأجاب فذكروا الرجل بعينه ، وذكروا الرجلَيْ، وذكروا أنه لم يكن أحد أوّل من الستّة ، وذكروا أن أوّل مَن أسلَمْ ثمانية نفر ، وكتَبْنَا كلّ ذلك، وذكروا أنّ أوّل مَن أَسْلَم من الأنصار أسعد بن زرارة وذَكْوان بن عبد قيس ، خرجا إلى مكّة يتنافران إلى عتبة بن ربيعة فقال لهما : قد شغلنا هذا المُصَلِّى عن كلّ شيء ، يزعم أنّه رسول الله ، قال : وكان أسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التّيهان يتكلّمان بالتوحيد بيثرب ، فقال ذكوان بن عبد قيس لأسعد بن زرارة حين سمع كلام عتبة : دُونك هذا دينك ، فقاما إلى رسول الله ، وَلِّ، فعرض عليهما الإسلام فأسلما ثمّ رجعا إلى المدينة، (١) وأحدهم: م ((وأحد)). ١٨٦ فلقى أسعد أبا الهَيْثَم بن التيهان فأخبره بإسلامه وذكر له قول رسول إلله، وَ لآه وما دعا إليه ، فقال أبو الهيثم : فأنا أشهد معك أنّه رسول الله ، وأسلم . ويقال: إن رافع بن مالك الزُّرَقىّ ومُمعاذ بن عَفراء (١) خرجا إلى مكّة معتمرين فذُكر لهما أمر رسول الله، وَ لَهَ، فأتياه، فعَرَضَ عليهما الإسلام فأسْلَما، فكانا أوّل مَن أسلم ، وقدما المدينة ، فأوّل مسجد قرىء فيه القرآن بالمدينة مسجد بنى زريق . ويقال: إنّ رسول الله، وَلَه، خرج من مكّة فمرّ على نفر من أهل يثرب نُزولٍ بمنّى ثمانية نفر ، منهم: من بنى النّجّار معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة ، ومن بنى زُريق رافع بن مالك وذَكوان بن عبد قيس ، ومن بنى سالم عُيادة بن الصَّامت وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثَعلبة ، ومن بنى عبد الأشهل أبو الهيثم بن التيّهان حليف لهم من بلىّ ، ومن بنى عمرو بن عوف عويم بن ساعدة ، فَعَرَض عليهم رسول الله، وَلّه، الإسلام فأسْلَموا، وقال لهم رسول الله، وَّ: تَمْتَعُونَ لِى ظَهْرِى حَتّى أَبْلِغَ رِسَالَةَ رَبِى ؟ فقالوا : يا رسول الله نحن مجتهدون لله ولرسوله ، نحن ، فاعلمْ ، أعداءٌ متباغضون ، وإنما كانت وقعة بُعاث، عام الأوّل ، يومٌ من أيّامنا اقتتلنا فيه فإِن تَقْدَمْ ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع ، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعلّ الله يُصْلح ذات بيننا ، وموعدك الموسم العامَ المُقْبِلَ . ويقال: خرج رسول الله، وَ له، فى الموسم الذِى لقى فيه السّة النّفر من الأنصار ، فوقف عليهم فقال : أَحُلَفَاءَ يَهُودٍ ؟ قالوا : نعم ، فدعاهم إلى الله وعَرَض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فأسلموا ، وهم : من بنى النجّار أسعد بن زُرارة وعَوف بن الحارث ، ابن عَفراء ، ومن بنى زُريق رافع بن مالك ، ومن بَنِى سَلمة قُطبة بن عامر بن حَديدَة ، ومن بنى حرام بن كعب عُقبة بن عامر بن نابیء، ومن بنى ◌ُبيد بن عدىّ بن سلمة جابر بن عبد الله بن رِئاب، لم يكن قبلهم أحد : قال محمّد بن عمر : هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم وهو المجتَمَعُ عليه . (١) هو معاذ بن الحارث، وعفراء أمه، وعُرِف بها. انظر الإصابة ج ٦ ص ١٤٠ ١٨٧ أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى زكريّاء بن زيد عن أبيه قال: هؤلاء السّة فيهم أبو الهيثم بن التيهان ، ثمّ رجع الحديث إلى الأوّل ، قالوا : ثمّ قدموا إلى المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام فأسلم من أسلم ، ولم يبقَ دار من دور الأنصار إلّ فيها ذِكْرٌ، عن رسول الله، وَّه كثيراً. ذكر العقبة الأولى الاثنى عشر ليس فيهم عندنا اختلاف ، أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال : وحدّثنا يونس بن محمّد الظّفَریّ عن أبيه قال : وحدّثنی عبد الحميد بن جعفر عن أبيه وعن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عبد الرحمن بن عُسَيلَة الصُّنابحى عن عُبادة بن الصامت قالوا: لما كان العام المقبل من العام الذى لقى فيه رسول الله، وَ لَه ، النفر الستّة لقيه اثنا عشر رجلاً بعد ذلك بعام ، وهى العَقَبة الأولى ، من بنى النّجّار أسعد ابن زُرارة ، وعَوْف ومُعاذ وهما ابنا الحارث ، وهما ابنا عَفْراء ، ومن بنى زُريق ذكوان بن عبد قيس ورافع بن مالك ، ومن بنى عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة أبو عبد الرحمن ، ومن بنى عامر بن عوف عبّاس بن عُبادة ابن نَضْلة ، ومن بنى سلمة عُقْبة بن عامر بن نائىء ، ومن بنى سواد قُطْبة بن عامر ابن حَديدة ، فهؤلاء عشرة من الخزرج ، ومن الأوس رجلان أبو الهيثم بن التيهان من بلىّ حليفٌ فى بنى عبد الأشهل ، ومن بنى عمرو بن عوف عُويم بن ساعدة ، فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء ، على أن لا نُشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزنى ولا نقتل أولادنا ولا نأتيَ بئهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه فى معروف ، قال : فَإِنْ وَفُّمْ فَلَكُمُ الجَنَّةُ وَمَنْ غَشِىَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً كَانَ أَمْرُهُ إلى اللهِ إِنْ شَاءَ عَذّبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، ولم يُفرض يومئذ القتال ، ثمّ انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام ، وكان أسعد بن زرارة يُجَمّعُ بالمدينة بمن أسلم ، وكتبت الأوس والخزرج إلى رسول الله، وَله: ابعث إلينا مقرئاً يُقرئنا القرآن ، فبعث إليهم مُصعب بن عُمير العَبْدَرىّ فنزل على أسعد بن زرارة فكان يقرئهم القرآن ، فروى ١٨٨ بعضهم أن مُصعباً كان يُجَمّع بهم ثمّ خرج مع السبعين حتى وافوا الموسم مع رسول الله ، وَلٍ (١). ذكر العقبة الآخرة وهم السبعون الذين بايعوا رسول الله، وَله أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمىّ قال : حدّثنى محمّد بن يحيى بن سهل عن أبيه عن جدّه عن أبى بُؤْدَة بن نِيَار قال: وحدّثنى أسامةَ بن زَيد الليثى عن عُبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصَّامت عن عبادة بن الصامت قال : وحدّثنى عبد الله بن يزيد عن أبى التّدّاح بن عاصم عن عبد الرحمن بن عُويم بن سَاعدة عن أبيه قال : وحدّثنى عُبيد بن يحتَى عن معاذ بن رِفاعة قال : وحدّثنى ابن أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن أبى سفيان قال : وحدّثنى ابن أبى سَبْرة عن الحارث بن الفضل عن سفيان بن أبى العوجاء قال : وحدّثنى محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن زُومان ، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض قالوا ، لما حضر الحجّ مشى أصحاب رسول الله، وَّر، الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحج وموافاة رسول الله، ومَّيه، والإسلام يومئذ فاشٍ بالمدينة، فخرجوا وهم سبعون يزيدون رجلاً أو رجلين فى خَمَر (٢) الأوس والخزرج وهم خمسمائة ، حتى قدموا على رسول الله، وَلّر، مكّة ، فسلّموا على رسول الله، وَّ، ثمّ وعدهم مِنَّى وسط أيّام التشريق ليلة النَّفْر الأوّل إذا هدأت الرِّجْل أن يوافوه فى الشّعب الأيمن إذا انحدروا من مِنَّى بأسفل العَقَبة حيث المسجد اليوم ، وأمرهم أن لا ينتهوا نائماً ولا ينتظروا غائباً ، قال : فخرج القوم بعد هَدْأَة يَتَسَلّلُون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله، وَّر ، إلى ذلك الموضع معه العبّاس بن عبد المطّلب ليس معه أحد غيره (٣). (١) النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٣١٢ (٢) الخَمَر : جماعة الناس وكثرتهم . (٣) النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٣١٣ نقلا عن ابن سعد. ١٨٩ فكان أوّل من طلع على رسول الله، وَّله، رافع بن مالك الزّرَقى، ثمّ توافى السبعون ومعهم امرأتان ، قال أسعد بن زرارة : فكان أول مَن تكلّم العبّاس بن عبد المطّلب فقال: يا مَعشر الخزرج إنّكم قد دَعوتم محمّداً إلى مادعوتموه إليه ، ومحمّد من أعزّ النّاس فى عشيرته ، يمنعه واللهِ مِنّا مَن كان على قوله ، ومَن لم يكن منّا على قوله يمنعه للحَسَب والشَّرف ، وقد أتَى محمّد النّاسَ كلّهم غيركم ، فإن كُنتم أهل قوّة وجلد وبصَرٍ بالحرب واستقلال بعدَاوة العرب قاطبة ، ترميكم عن قَوس واحدة ، فارتُوا رأيكم وائتمروا بينكم ولا تفترقوا إلّ عن ملٍ منكم واجتماع ، فإنّ أحسن الحديث أصدقه (١) . (٥) فقال البَرَاء بن مَعرور : قد سمعنا ما قلتَ وإنا والله لو كان فى أنفسنا غير ما تنطق به لقُلناه ولكنّا نريدُ الوفاء والصدق وبذل مُهَج أنفسنا دون رسول الله ، وَلٍّ، قال: وتلا رسول الله، وَله، عليهم القرآن ثمّ دَعَاهم إلى الله ورغّبهم فى الإسلام وذكر الذى اجتمعوا له ، فأجابه البراء بن مَعرور بالإيمان والتصديق ثم قال: يا رسول الله بايعنا فنحن أهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر ، ويقال إن أبا الهيثم بن التيهان كان أوّل من تكلّم وأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله، وَلَه ، وصدّقه ، وقالوا: نقبله على مصيبة الأموال وقَتل الأشراف ، ولَغطوا ، فقال العبّاس ابن عبد المطّلب وهو آخذ بيد رسول الله، وَّةٍ: أخفوا جَرْسَكم فإن علينا عيوناً ، وقدّموا ذوى أسنانكم ، فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم ، فإنّا نخاف قومكم عليكم ، ثمّ إذا بايعتم فتفرّقوا إلى مَحالّم . فتكلّم البَرَاء بن مَعرور فأجابَ العبّاس ابن عبد المطّلب ، ثمّ قال: ابسط يدك يا رسول الله ، فكان أوّل مَن ضَرَب على يد رسول الله، وَّيِّ، البراء بن مَعرور، ويقال أوّل من ضرب على يده أبو الهيثم ابن التيّهان ، ويقال أسعد بن زرارة ، ثمّ ضرب السبعون كلّهم على يده وبايعوه ، فقال رسول الله، وَله: إنّ موسى أخَذَ مِنْ بنَى إِسْرَائِيلَ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً فَلا يَجِدَنّ مِنْكُمْ أَحَدٌ فِى نَفْسِهِ أَنْ يُؤْخَذَ غَيْرُهُ فَإَِّا يَخْتَارُ لى جِبْرِيلُ ، فلمّا تخيّرِهم قال للنقباء: أَنْتُمْ كُفَلاءُ عَلَى غَيْرِكُمْ كَكَفَالَةِ الحَوَارِتِينَ لِعِيسَى بِنِ مَرْيَمَ وَأَنَا كَفِيل عَلى (١) النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٣١٤ نقلا عن ابن سعد . (*) من هذه العلامة إلى مثلها فى ص ١٩٠ أورده النويرى ج ١٦ ص ٣١٥ - ٣١٧ نقلا عن ابن سعد . ١٩٠ قَوْمى ، قالوا : نعم ، فلمّا بايع القوم وكملوا صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سُمِعَ : يا أهل الأخاشب ، هل لكم فى محمّد والصُّباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله، وَلِّ: انْفَضّوا إلى رِحَالِكُمْ، فقال العبّاس بن عُبادة بن نَضْلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحقّ لئن أحببتَ لنميلنّ على أهل مِنَّى بأسيافنا، وما أحدٌ عليه سيف تلك الليلة غيرُه، فقال رسول الله، وَ له: إنّا لَمْ تُؤْمَرْ بذلِك فَانْفَضّوا إلى رِحَالِكُمْ: فتفرَّقوا إلى رِحالهم، فلمّا أصبح القوم غَدَت عليهم جِلّة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شِعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج إنّه بلغنا أنّكم لَقيتم صاحبنا البارحة وَوَاعَد تموه أن تبايعوه على حربنا ، وائمُ الله ما حىّ من العرب أبغض إلينا أن تنشبَ بيننا وبينه الحرب منكم ، قال : فانبعثَ مَن كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا ، وجعل ابن أَتَىّ يقول : هذا باطل وما كان هذا وما كان قومى ليفتاتوا علىّ بمثل هذا ، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومى حتى يؤامرونى ، فلمّا رجعت قريش من عندهم رَحَل البرَاء بن معرور فتقدم إلى بطن يأجَجَ وتلاحق أصحابه من المسلمين ، وجعلت قريش تطلبهم فى كلّ وجه ولا تعدّوا طرق المدينة، وحرّبوا عليهم ، فأدركوا سَعد ابن عُبَادة ، فجعلوا يده إلى عنقه بنشْعَةٍ (١) وجعلوا يضربونه ويجرّون شَعره، وكان ذا مجمّة ، حتى أدخلوه مكّة ، فجاءه مُطعم بن عدىّ والحارث بن أَميّة بن عبد شمس فخلّصاه من بين أيديهم ، وأثمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادة أن يكُرّوا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم ، فرَحَل القوم جميعاً إلى المدينة (٥) . ذكر مقام رسول الله، وَالخير ، بمكّة من حين تنبأ إلى الهجرة أخبرنا أنسَ بن عياض ويزيد بن هارون وعبد الله بن ثُمير قالوا : أخبرنا يحتى ابن سعيد عن سعيد بن المسيّب أن رسول الله، ومَّر، نزل عليه القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين سنة وأقام بمكّة عشر سنين . (١) النّسعة بالكسر : سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره . ١٩١ أخبرنا أنس بن عياض عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن أنس بن مالك أن رسول الله، وَلّ ، أقام بمكّة عشر سنين . أخبرنا عُبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا : أخبرنا سفيان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة قال : حدّثثنى عائشة، رضى الله عنها ، وابن عباس أن رسول الله، وَلَّ، مكث بمكّة عشر سنين يُنْزَلُ عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين. أخبرنا موسى بن داود ، أخبرنا ابن لَهيعة عن يزيد بن أبى حبيب أن النبيّ ، وَلِّ، أقام بمكّة عشراً، وخرج منها فى صَفَر، وقَدِمَ المدينة فى شهر ربيع الأوّل . أخبرنا يحيى بن عبَّاد وعفَّان بن مُسلم قالا: أخبرنا حمّاد بن سَلَمة ، أخبرنا عمار بن أبى عمّار مولى بنى هاشمٍ عن ابن عبّاس قال: أقام رسول الله، وَله ، بمكّة خمس عشرة سنة ، سبع سنين يرى الضوء والنور ويسمع الصوت ، وثمانى سنين يُوحَى إليه . زاد عفّان فى حديثه : وأقام بالمدينة عشر سنين . أخبرنا عبد الله بن ثُمير ، أخبرنا العلاء بن صالح عن المِنْهال بن عمرو عن سعيد ابن جُبير أن رجلاً أتى ابن عبّاس فقال: أُنزل على رسول الله، وَلَّهِ، عشرًا بمكّة وعشرًا بالمدينة ، فقال: من يقول ذاك؟ لقد أنزل عليه بمكّة عشرًا وخمسًا، يعنى سنين أو أكثر (١) . أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدى عن أبى رجاء قال : سمعت الحسن وقرأ : ﴿ وَقُرْءَنَا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مَكْثٍ وَنَزََّْهُ نَنْزِيلًا ﴾ [ سورة الإسراء: ١٠٦ ] : قال : كان الله ينزل بها (٢) القرآن بعضه قبل بعض لِمَا علم أنّه سيكون فى النّاس ويحدّث ، لقد بلغنا أنّه كان بين أوّله وآخره ثمانى عشرة سنة ، أنزل عليه ثمانى سنين بمكّة قبل أن يهاجر إلى المدينة وعشر سنين بالمدينة . أخبرنا رَوْح بن عبادة ، أخبرنا هشام بن حَسّان عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: أقام رسول الله، وََّ، بمكّة بعد أن بُعث ثلاثَ عشرةَ سنة يوحى إليه ثمّ أَمر (٣) بالهجرة . (١) م ((وأكثر)). (٢) كذا فى ل. وفى م ((هذا)). (٣) أُمر: م (( أمرنا)).