النص المفهرس

صفحات 141-160

٩٢
لا يُبُعدِ الدهرُ به فَيَبْعَدَا
أنت الذى جعلته لى عَضُدَا
أنت الذى سَميّتهُ مُحَمّدًا (١)
قال : أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطىّ ، أخبرنا خالد بن عبد الله عن داود
ابن أبى هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كِنْدِير بن سعيد عن أبيه قال: كنت
أطوف بالبيت فإذا رجلٌ يقول :
ربّ (٢) رُدَّ إلَىَّ رَاكبى محمّدًا رُدّهْ إليَّ واصْطَنِعْ عِنْدى يَدَا
قال قلت : مَن هذا ؟ قالوا : عبد المطلب بن هاشم بعث بابن ابن له فى طلب
إبلٍ له ولم يبعث به فى حاجة إلاّ نَجح ، فما لبثنا أن جاء فضمَّه إليه وقال : لا أبعثُ
بك فى حاجة .
قال : أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ العَنبرى ، أخبرنا ابن عَون عن ابن القِبْطية قال :
كان النبيّ، مَّه ، مسترضَعًا فى بنى سعد بن بكر .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى ، أخبرنا همّام بن يحيى عن إسحاق بن
عبد الله أنّ أمّ النبيّ، وَلَّه، لما دفعته إلى السعدية التى أرضعته قالت لها : احفظى
ابنى ، وأخبرتها بما رأت ، فمرّ بها اليهود ، فقالت : ألا تحدّثونى عن ابنى هذا فإنى
حملته كذا ووضعته كذا ورأيتُ كذا كما وَصَفت أُمّه ، قال: فقال بعضهم
لبعض : اقتلوه ، فقالوا: أيتيم هو ؟ فقالت : لا ، هذا أبوه وأنا أمّه، فقالوا : لو كان
يتيمًا لقَتَلناه (٣)! قال: فذهبت به حليمة وقالت : كدتُ أخرّب أمانتى ، قال
إسحاق : وكان له أخْ رضيع ، قال : فجعل يقول له : أترى أنّه يكون بَعْثٌ ؟ فقال
النبيّ، وَلّهِ: أَمَا والّذى نَفْسى بِيدِهِ لآخُذَنّ بِيَدِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلأَغْرِ فَتَكَ : فقال:
فلمّا آمَنَ بعد موت النبيّ، وَله، جعل يجلس فيبكى ويقول: إنّما أرجو أن يأخذ
النبىّ، مَلَه ، بيدى يوم القيامة فأنجو .
(١) انظره لدى النويرى ج ١٦ ص ٨٥، والصالحى ج ١ ص ٤٧٦
(٢) ربّ: الكلمة زائدة على الوزن، فالبيت به خزم . والخزم فى الشعر: زيادة تكون فى أول
البيت لا يعتد بها فى التقطيع . هذا وقد وردت الرواية لدى البلاذرى ج ١ ص ٨٢ بنفس الإسناد لدى
ابن سعد دون تصديرها بكلمة ((رب)) هكذا «رُدّ علىَّ راكبِى محمدًا)).
(٣) أورده النويرى ج ١٦ ص ٨٦ نقلا عن ابن سعد .

٩٣
قال : أَخبرنا محمّد بن عمر ، أخبرنا زكريّاء بن يحيى بن يزيد السعدىّ عن
أبيه قال: قال رسول الله، وَّهِ: أَنَا أَعْرَبُّكُمْ أَنَا مِنْ قَرَيْشٍ وَلِسَانى لِسَان بَنى
سَعْدٍ بن بَكْر .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا أسامة بن زيد اللّيثى عن شيخ من بنى
سعد قال: قَدِمَت حليمة بنت عبد الله على رسول الله، ومَّ، مكة، وقد تزوّج
خديجة، فَتَشَكّت جَدْبَ البلاد وهَلاك الماشية، فكلّم رسول الله، مَّل ، خديجة
فيها فأعطتها أربعين شاة وبعيرًا مُوَقَّعًا للظعينة وانصرفت إلى أهلها .
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمير الهَمْدَانِىّ ، أخبرنا يحتى بن سعيد الأنصارى عن
محمّد بن المنكدر قال: استأذنت امرأة على النبى، ومَّ ، قد كانت أرضعته ،
فلمّا دخلت عليه قال : أَمّى أَمى! وَعَمَد إلى رِدائه فبَسَطَه لها فقعَدَت عليه .
قال : أخبرنا إبراهيم بن شمّاس السّمرقندى قال : أخبرنا الفضل بن موسى
السِّينانيّ عن عيسى بن فَوقد عن عمر بن سعد قال : جاءت ظِئِر النبى إلى النبى ،
وَهِ ، فَبَسَط لها رداءَه وأدخل يده فى ثيابها ووضعها على صدرها، قال: وقضى
حاجتها ، قال : فجاءت إلى أبى بكر فبسط لها رداءَه وقال لها : دعينى أضع يدى
خارجًا من الثياب ، قال : ففعل وقضى لها حاجتها ، ثمّ جاءت إلى عمر ففعل مثل
ذلك .
قال : أخبرنا محمد بن عمر عن مَعْمَر عن الزهرى وعن عبد الله بن جعفر
وابن أبى سَبْرَة وغيرهم قالوا: قَدِم وفدُ هَوَازن على رسول الله: (وَه،
بالجِعِرّانَة (١) بعدما قسم الغنائم وفى الوفد عمّ النبى، وَثّر، من الرّضاعة
أبو ثَزوان ، فقال يومئذ: يا رسول الله ، إنّما فى هذه الحظائر مَن كان يكفلك من
عمّاتك وخالاتك وحواضِنك ، وقد حضنّاك فى حجورنا وأرضعناك بتُدتنا ، ولقد
رأيتك مُرْضَعًا فما رأيتُ مُرْضَعًا خيرًا منك، ورأيتك فَطيمًا فما رأيتُ فَطيمًا خيرًا
منك ، ثمّ رأيتك شابًّا فما رأيتُ شابًا خيرًا منك، وقد تكاملتْ فيك خلالُ الخير،
(١) الجِعِرَّانة: بكسر أوله إجماعا، وأصحاب الحديث يكسرون عينه ويشددون راءه، وأهل
الأدب يخطئونهم ويسكنون العين ويخففون الراء - والجعرانة بين مكة والطائف .

٩٤
ونحن مع ذلك أصلك وعشيرتك ، فامنُنْ علينا مَنَّ اللَّه عليك ! فقال رسول الله ،
حَلِّ: قَدِ اسْتَأْتَيْتُ بَكُمْ حَتِى ظَنْتُ أَنْكُمْ لا تَقْدَمُونَ، وقد قسم النبىّ، وَه،
السَّبْى وجَرَت فيه السُّهْمَان ، وقدم عليه أربعة عشر رجلاً من هَوَازن مُسلمين
وجاءُوا بإسلام مَن وراءهم من قومهم، وكان رأسَ القوم والمتكلّمَ أبو صُرَد زُهَير بن
صُرد فقال : يا رسول الله إنّا أصلٌ وَعَشِيرةٌ، قد أصابنا من البَلاء ما لا يَخْفَى
عليك يا رسول الله ، إنّما فى هذه الحظائر عَمّاتُك وخَالاَتُك وحَوَاضِئُك اللّتى هنّ
يَكْفُلْنَكَ ، ولو أنّا ملحنا للحارث بن أبى شَمِر أو للتُّعمان بن المنذر ثمّ نزلا منّا بمثل
الذى نزلتَ به رَجَونا عَطْفهما وعائدتهما وأنت خير المكفولين ، ويقال إنّه قال
يومئذ أبو صُرَّد: إنّما فى هذه الحظائر أخواتُك وعَمّاتُك وخالاتُك وبناتُ عمّك
وبناتُ خالاتك وأبعدهنّ قريب منك ، بأبى أنتَ وأمّى ! إنّهنّ حضنّك فى
حُجورهنّ وأرضعنَك بتُديّهنّ وتوركنك على أوراكهنّ ، وأنت خير المكفولين ،
فقال رسول الله، وَله: إنّ أَحْسَنَ الحَديثِ أَصْدَقُهُ وَعِنْدى مَنَ تَرَوْنَ مِنَ الْمُسْلمينَ
أَفَابْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبّ إلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ ؟ فقالوا : يا رسول الله خيّرتنا بين
أَخْسَابنا وأموالنا، وما كنّا لنعدل بالأحساب شيئًا ، فَرُدّ علينا أبناءنا ونساءنا ، فقال
النبى، وَلَّ: أمّا ما لى ولبَنى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ وَأَسْأَلُ لَكُمُ النّاسَ فَإِذا صَلَيْتُ
بالنّاسِ الظُّهْرَ فَقُولوا نَشْتَشْفِعُ بِرَسُول الله إلى المُسْلِمِينَ وَبِالْمُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ الله،
فَإِنِّى سَأَقُولُ لَكُمْ مَا كَانَ لِى وَلِيَنِى عَبْدِ المَّطِلبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَسَأَطْلُبُ لَكُمْ إِلى
النّاسِ: فلمّا صلّى رسول الله، وَّةِ، الظُّهر، قاموا فَتَكَلّموا بالذى قال لهم
رسول الله، وَلّ، فَرَدّ عليهم رسول الله، وَلَه، ما كان لهُ ولبنى عبد المطّلب،
وَرَدّ المهاجرون وَرَدّ الأنصار ، وسأل لهم قبائل العرب فاتفقوا على قول واحد
بتسليمهم ورضاهم ودَفْع ما كان فى أيديهم من السّبى إلاّ قومًا تمسّكوا بما فى
أيديهم فأعطاهم إبلا عوضًا من ذلك .
ذکر وفاة آمنة أم رسول الله ،
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمی ، أخبرنا محمد بن عبد الله عن
الزهرىّ قال : وحدّثنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال : وحدّثنا

٩٥
عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
قال : وحدّثنا هاشم بن عاصم الأسلمىّ عن أبيه عن ابن عبّاس ، دخل حديث
بعضهم فى حديث بعض، قالوا: كان رسول الله، وَّله، مع أمّه آمنة بنت
وهب، فلمّا بلغ ستّ سنين خرجت به إلى أخواله بنى عدىّ بن النّار بالمدينة
تزورهم به ، ومعه أمّ أيمن تحضنه وهم على بعيرين ، فنزلت به فى دار النابغة (١) ؟
فأقامت به عندهم شهرًا، فكان رسول الله، وَ لير، يذكر أمورًا كانت فى مقامه
ذلك ، لما نظر إلى أُم بنى عدىّ بن النّجار عرفه وقال: كُنْتُ ألاِبُ أنيسَةَ جَارِيَة
مِنَ الأَنْصَارِ عَلى هذا الأطُم وَكُنْتُ مَعَ غِلْمَان مِنْ أخوالى نُطَيْرُ طَائِرًا كَانَ يقَع
عَلَيْهِ ، ونظر إلى الدار فقالَ : هَهُنَا نَزَلَتْ بِى أمّى وَفِى هَذِه الدّارِ قُبِرَ أَبِى عَبْدُ الله
ابنُ عَبْدِ المطّلبٍ وأحْسَنْتُ العَوْمَ فى ◌ِثْرِ بَنِى عَدِىّ بنِ النجّارِ، وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْيَّهُود
يَخْتَلِفُونَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَقَالَتْ أمّ أَيْمَنَ فَسَمِعْتُ أَحَدَهُمْ يَقُولُ: هُوَ نَبِىّ هَذهِ الأُمّةِ
وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، فَوَعَيْتُ ذَلِكَ كُلّهُ مِنْ كلامِهِ: ثمّ رجعت به أمّه إلى مكّة ،
فَلَمّا كانوا بالأَبْوَاء (٢) تُؤُفّيَت آمنة بنت وهب ، فقبرها هناك، فرجعت به أمّ أيمن
على البعيرين اللذين قدموا عليهما مكّة ، وكانت تحضنه مع أمّه ثمّ بعد أن ماتت ،
فلمّا مرّ رسول الله، وَلّ، فى عمرة الحديبية بالأبواء قال: إنّ اللَّه قَدْ أَذِنَ لمُحُمَّدٍ
فى زِيَارَةِ قَبْرِ أمّه، فأتاه رسول الله، وَلَه، فأصلحه وبكى عنده، وبكى
المسلمون لبكاء رسول الله، وَلّه، فقيل له فقال: أدْرَ كَتْنِى رَحْمَتُهَا فَبَكَيْتُ (٣).
قال : أخبرنا مالك بن إسماعيل النَّهْدِىّ أبو غسّان ، أخبرنا شريك بن عبد الله
عن سماك بن حرب عن القاسم قال: استأذن النبيّ، وَله، فى زيارة قبر أمّه فأُذن
له فسأل المغفرة لها فَأَبِى عليه (٤).
(١) النابغة: كذا فى ل، م. وفى شرح المواهب الزرقانى ج ١ ص ١٦٣ ((التابعة بفوقية
فموحدة فمهملة: رجل من بنى عدى بن النجار)) ولدى السمهودى (( النابغة )) بنون . وكذلك لدى
الصالحى وابن هشام ج ١ ص ١٥٨
(٢) الأبواء: قرية من أعمال الفُرْع بالمدينة ، بينها وبين الجحفة مما يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلا .
(٣) نقله النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٨٧ ، وأورده الصالحى فى سبل الهدى ج ٢ ص
١٦٣ نقلا عن ابن سعد .
(٤) أخرجه مسلم: كتاب الجنائز: باب استئذان النبى وَ ل ربه عز وجل فى زيارة قبر أمه . ج ١
ص ٣٨٩

٩٦
قال : أخبرنا قبيصة بن عُقبة أبو عامر السّوائى ، أخبرنا سُفيان بن سعيد الثورىّ
عن عَلْقمة بن مَرتد عن ابن بريدة عن أبيه قال: لما فَتح رسول الله، وَلَّهِ، مكّة
أتى جِذْمَ قبرٍ فجلس إليه وجلس الناس حوله ، فجعل كهيئة المخاطب، ثمّ قام وهو
بيكى ، فاستقبله عمر . وكان من أجرإ الناس عليه ، فقال : بأبى أنت وأمىّ
يا رسول الله ! ما الذى أبكاك؟ فقال: هَذا قَبْرُ أُميّ سَألْتُ رَبِىّ الزّيَارَةَ فَأَذِنَ لى
وَسَأَلْتُهُ الاسْتِغْفَارَ فَلَمْ يَأْذَنْ لِى فَذَكَوْتُهَا فَرَقَقْتُ فَبَكَيْتُ : فلم يُرَ يومًا كان أكثر
باكيًا من يومئذ. قال ابن سعد: وهذا غلط وليس قبرها بمكّة وقبرها بالأثْوَاءِ.
وَاخالم ،
ذكر ضمّ عبد المطلب رسول الله ،
إليه بعد وفاة أمه وذكر وفاة عبد المطلب
ووصية أبى طالب برسول الله، وَله .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال : حدّثنى محمّد بن عبد
الله عن الزهرى قال : وحدّثنا عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن حمزة بن عبد
الله قال : وحدثنا هاشم بن عاصم الأسْلَمى عن المنذر بن جَهْم قال : وحدثنا معمر
عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال : وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبى
الحُوَيْرث قال : وحدثنا ابن أبى سَبْرة عن سليمان بن سحيم عن نافع بن جُبير ،
دخلٍ حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: كان رسول الله، وَّر ، يكون
مع أمّه آمنة بنت وهب ، فلمّا توفيت قبضه إليه جده عبد المطّلب وضمّه وَرَقّ عليه
رِقّة لم يَرقّها على وَلَده ، وكان يقرِّبه منه ويُدنيه ، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نَام،
وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك: دعوا ابنى إنّه ليُؤنِسُ
مُلكًا (١) .
وقال قوم من بنى مُدْلِج (٢) لعبد المطّلب: احتفظ به فإنّا لم نَرَ قَدَمًا أشبه
(١) نقله النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٨٨
(٢) بنو مدلج : قبيلة من كنانة ، وهم القافة العارفون بالآثار والعلامات ، وانظر السيرة الحلبية ج
١ ص ١٠٩

بالقَدم التى فى المقام منه ، فقال عبد المطّلب لأبى طالب : اسمع ما يقول هؤ.
فكان أبو طالب يحتفظ به ، وقال عبد المطلب لأم أيمن ، وكانت تحضُن رسـ
الله، ◌َّ: يا بَركة لا تغفلى عن ابنى فإنى وجدتهٍ مع غِلمان قريبًا من السّدرة،
وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى هذا نبى هذه الأمّة (١) .
وكان عبد المطلب لا يأكل طعامًا إلاّ قال: علىّ بابنى، فيؤتَى به إليه ، فلمّا
حضَرَت عبد المطلّب الوفاةُ أوصَى أبا طالب بحفظ رسول الله، ومَّ،
وحياطته (٢)، ولمّا نزل بعبد المطّلب الوفاة قال لبناته: ابكيننى وأنا أسمع، فَكَته
كلّ واحدةٍ منهنّ بشعر ، فلمّا سمع قول أميمة ، وقد أمسك لسانه ، جعل يحرك
رأسه أى قد صدقتٍ وقد كنتُ كذلك ، وهو قولها (٣):
عَلَى طَيِّبِ الخِيمِ وَالْمُغْتَصَّرْ
أَعَثْنَىّ بجودا بِدَمْعِ دِرَرْ
جَمِيلِ المُحَيّا عَظَيِمِ الخَطَرْ
عَلى ماجِدِ الجَدّ وارى الزّنادِ
وذى المَجَدِ والعزّ والمُفْتَخَرْ
عَلَى شَيْئَةِ الحَمدِ ذى المكرُمَاتِ
كثيرٍ المكَارِمِ جَمّ الفَخَرْ
وذى الحلم والفضل فى النائبات
مُبِينٍ يَلُوحُ كَضَوءِ القَمَرْ
له فضلُ مَجْدٍ عَلى قَوْمِه
بِصَرْفِ اللّيَالِى وَرَيْبِ القَدَرْ
أَتَنْهُ المَنَايَا فَلَمْ تُشْوِهِ
قال : ومات عبد المطّلب فدُفن بالحَجون ، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة ،
ويقال: ابن مائة وعشر سنين (٤). وسُئل رسول الله، وَلّ: أتذكر موت عبد
المطّلب؟ قال : نَعَمْ أَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانِى سِنِينَ ، قالت أمّ أيمن : رأيت رسول الله ،
وَ لّر ، يومئذ يبكى خلف سرير عبد المطّلب.
قال : أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب عن أبيه قال : مات عبد المطّلب بن
هاشم قبل الفِجار وهو ابن عشرين ومائة سنة .
(١) أورده الصالحی ج ٢ ص ١٧٥
(٢) النويرى ج ١٦ ص ٨٨
(٣) ابن هشام ج ١ ص ١٧١، وعزاه إلى برّة، وانظره كذلك لدى البلاذرى فى أنساب
الأشراف ج ١ ص ٨٦ وعزاه إلى أميمة .
(٤) نقله النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٨٨
٠
[ ١١ - الطبقات الكبير جـ ١ ]

٩٨
ذكر أبى طالب وضَمه رسول الله، وَلَهِ ،
إليه وخروجه معه إلى الشام فى المرة الأولى
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال : أخبرنا مَعْمَر عن ابن أبى
تَجِيح عن مجاهد قال : وحدّثنا معاذ بن محمّد الأنصارى عن عطاء عن ابن عبّاس
قال : وحدّثنا محمّد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبى
حَبيبة ، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض ، قالوا : لما تُؤُفى عبد المطّلب قَبَضَ
أبو طالب رسول الله، وَله، إليه فكان يكون معه ، وكان أبو طالب لا مال له ،
وكان يحبّه حبًّا شديدًا لا يحبّه ولدَه، وكان لا ينام إلاّ إلى جنبه ، ويخرج فيخرج
معا ، وصَبّ به أبو طالب صبابة لم يَصَبّ مثلها بشىء قط ، وكان يخصّه
بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبى طالب جميعًا أو فُرادى لم يشبعوا ، وإذا أكل
معهم رسول الله، وَّ، شبعوا، فكان إذا أراد أن يُغَذّيَهُمْ قال: كما أنتم حتى
يحضُر ابنى، فيأتى رسول الله، وَّهـ فيأكل معهم فكانوا يُفضلون من طعامهم.
وإنْ لم يكن معهم لم يشبعوا ، فيقول أبو طالب : إنّك لمبارك ! وكان الصبيان
يصبحون رُمْصًا شُعثًا ويصبح رسول الله، وَله، دَهِينًا كَحِيلًا (١).
قال : أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ العنبرىّ ، أخبرنا ابن عون عن ابن القِبْطِية قال :
كان أبو طالب توضع له وِسادة بالبَطْحاء مثنيةً يتكىء عليها، فجاء النبى، وَّ ،
فبسطها ثمّ استلقى عليها ، قال : فجاء أبو طالب فأراد أن يتكىءَ عليها فسألَ عنها
فقالوا : أخذها ابن أخيك ، فقال : وحِلِّ البطحاء إن ابن أخى هذا ليُحسِن بنعيم .
قال : أخبرنا عثمان بن عمر بن فارس البصرىّ ، أخبرنا ابن عون عن عمرو بن
سعيد قال: كان أبو طالب تُلقى له وسادة يقعدُ عليها، فجاء النبى، وَّ، وهو
غلام ، فَقَعَد عليها ، فقال أبو طالب : وإلّهِ ربيعة إن ابن أخى ليُحسِن بنعيم .
(١) النويرى ج ١٦ ص ٨٩ - ٩٠ . ولدى ابن الأثير فى النهاية (رمص ) فى حديث ابن عباس
((كان الصبيان يُصْبِحون غُمْصًا رُمْصًا، ويصبح رسول الله وَّهِ صَقِيلًا دَهِينًا)) أى فى صغره . يقال
غَمِصَت العين ورَمِصَت ، من الغَمَص والرَّمَص ، وهو البياض الذى تقطعه العين ويجتمع فى زوايا
الأجفان ، والرمص : الرطب منه ، والغَمص : اليابس .

٩٩
قال : أخبرنا خالد بن خداش ، أخبرنا مُعتمر بن سليمان قال : سمعتُ أبى
يحدث عن أبى مِجْلَر: أن عبد المطلب أو أبا طالب ، شكّ خالد ، قال : لما مات
عبد الله عَطَفَ على محمّد وََّ، قال: فكان لا يسافر سَفَرًا إلاّ كان معه فيه ،
وإنّه توجّه نحو الشأم فنزل منزله فأتاه فيه راهب فقال : إنّ فيكم رجلاً صالحاً ،
فقال : إنّ فينا من يَقْرى الضّيف ويفكّ الأسير ويفعل المعروف ، أونحوًا من هذا ،
ثمّ قال : إنّ فيكم رجلاً صالحاً ، ثمّ قال: أين أبو هذا الغلام ؟ قال : فقال لهأَنَذَا
وليّه ، أو قيل هذا وليّه ، قال : احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشأم ، إنّ
اليهود محُشُدٌ . وإنى أخشاهم عليه . قال : ما أنت تقول ذاك ولكنّ الله يقوله ،
فردّه . قال : اللّهمّ إنى أستودعك محمّدًا ثمّ إنّه مات .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر . حدّثنى محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر
وإبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة عن داود بن الحصين قالوا: لمّ بَلَغَ رسول الله ،
نَّ ، اثنتى عشرةَ سنة. خرّج به أبو طالب إلى الشأم فى العير التى خرَج فيها
للتجارة ونزلوا بالراهب بحيرًا. فقال لأبى طالب فى النَّبِيِّ، وَّه، ما قال، وأمَره
أن يحتفظ به، فردَّه أبو طالب معه إلى مكّة، وشَبَّ رسول الله، وَله . مع أبى
طالب يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومَعايبها . لِما يريد به من
كرامته ، وهو على دين قومه ، حتى بلَغَ أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة ،
وأحسنهم خُلقًا. وأكرمهم مخالطة . وأحسنهم جِوارًا. وأعظمهم حِلمًا وأمانة .
وأصدقهم حديثًا وأبعدهم من الفحش والأذى(١). وما رئى مُلاحيًا ولا مُماريًا
أحدًا . حتى سمّاه قومه الأمين . لما جمع الله له من الأمور الصالحة فيه . فلقد كان
الغالب عليه بمكّة الأمين ، وكان أبو طالب يحفظه ويحوطه ويعضده وينصره إلى
أن مات .
قال : أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب عن أبيه قال : كان اسم أبى طالب
عبد مناف . وكان له من الوَلَّد طالب بن أبى طالب ، وكان أكبر وَلَده . وكان
المشركون أخرَجوه وسائر بنى هاشم إلى بَدر كرهًا . فخرَج طالب وهو يقول :
(١) انظر ابن هشام ج ١ ص ١٨٣

١٠٠
فى مِقْنَبٍ من هذه المقَانِبْ
لاَ هُمَّ (١) إِمّا يَغْزُوَنّ طالِبْ
وليكن المسلوبَ غيرَ السالِبْ
فليكن المغلوب غير الغالبْ
قال : فلمّا انهزموا لم يوجد فى الأسرى ولا فى القَتْلَى ولا رَجَعَ إلى مكّة
ولا يدرى ما حاله وليس له عَقِب . وعَقِيل بن أبى طالب ويكنى أبا يزيد . وكان
بينه وبين طالب فى السنّ عشر سنين . وكان عالماً بنسب قُريش . وجعفر بن أبى
طالب . وكان بينه وبين عَقيل فى السِّن عشر سنين . وهو قديم فى الإسلام من
مُهاجرة الحبشة . وقُتل يوم مُؤْتَة شهيدًا. وهو ذو الجناحين يطير بهما فى الجنة
حيث شاء. وعلىّ بن أبى طالب، وكان بينه وبين جَعفر فى السّن عشر سنينَ وأمّ
هانىء بنت أبى طالب واسمها هند، وجُمانة بنت أبى طالب ، ورَيْطَةُ بنت أبى
طالب ، قال : وقال بعضهم: وأسماءُ بنت أبى طالب ، وأمّهم جميعًا فاطمة بنت
أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَىّ، وطُلَيْق بن أبى طالب ، وأمه عَلّة ، وأخوه
لأمه الحويرث بن أبى ذُباب بن عبد الله بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن
تيم بن مُرّة .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد قال : حدّثنى مَعْمَر بن راشِد عن الزهرى
عن سعيد بن المسيّب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ،
وَخّر ، فوجد عنده عبد الله بن أبى أميّة وأبا جَهْل بن هشام، فقال رسول الله ،
وَرِ: يَاعَمّ قُلْ: لا إلَهَ إلاّ اللّه كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ: فقال له أبو جهل
وعبد الله بن أبى أَميّة : يا أبا طالب أترغبُ عن مِلَّة عبد المطّلب؟ قال : ولم يَزل
رسول الله، وَّله، يعرضها عليه ويقول: يَا عَمّ قُلْ: لا إلَهَ إلّ الله. أَشْهَدُ لَكَ
بِهَا عِنْدَ الله: ويقولان: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلّب؟ حتى قال آخر
كلمة تكلّمَ بها: أنا على ملّة عبد المطلّب، ثمّ مات، فقال رسول الله، وَلخير :
لِأَسْتَغْفِرَنّ لَكَ مَا لَمْ أَنْهَ: فاستغفر له رسول الله، وَلِّ، بعد موته حتى نَزَلَت هذه
الآية: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُؤْلِ
(١) فى ل، م ((اللهم)). فإما أن تقدر (أل) على أنها ((خزم)) أو أن تكون القراءة ((لاَهُمَّ))
والمثبت رواية ابن هشام ج ٢ ص ٦١٩، وانظر الطبرى ج ٢ ص ٤٣٩

١٠١
قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ (١) [سورة التوبة: ١١٣ ].
قال : أخبرنا محمّد بن عمر ، وحدثنى محمّد بن عبد الله ابن أخى الزُّهرى
عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذرىّ قال : قال أبو طالب : يابن أخى
والله لولا رَهْبةَ أن تقول قريش دَهَرَنى الجَزَع (٢) فيكون سُبَّة عليك وعلى بَنى أبيك
لَفَعَلْتُ الذى تقول، وأقررتُ عينك بها ، لما أرى من شُكرك وَوَجْدَك بى
ونصيحتك لى .
ثمّ إن أبا طالب دعا بَنى عبد المطلّب فقال : لن تزالوا بخيرٍ ما سمعتم من
محمّد ومااتبعتم أمره فاتبعوه وأعينوه تَرْشُدوا، فقال رسول الله، وَلِّ: أَتَأْمُرُهُمْ
بِهَا وَتَدَعُهَا لِنَفْسِكَ ؟ فقال أبو طالب : أما أنك لوسألتنى الكلمة وأنا صحيح
لَتَابَعَتُك على الذى تقول، ولكنى أكره أن أَجَزَّعَ عند الموت فترى قريش أنى
أخذتُها جَزَعًا ورددتُها فى صحّتى (٣).
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا ابن مجريْج وسفيان بن عيينة عن
عَمرو بن دينار عن أبى سعيد أو عن ابن عمر قال: نزلت: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ
أَحْيَبْتَ﴾ [ سورة القصص: ٥٦ ]: فى أبى طالب (٤).
قال : أخبرنا محمّد بن عمر ، حدّثنى الثورى عن حبيب بن أبى ثابت عن ابن
عبّاس فى قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْثَوْنَ عَنْهُ﴾ [ سورة الأنعام: ٢٦] : قال :
نزلت فى أبى طالب ينهى عن أذى رسول الله، وَّ، أن يُؤذى وينأى أن يدخل
فى الإسلام .
قال : وأخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن
أبى رافع عن أبيه عن بجدّه عن علىّ قال: أخبرت رسول الله، وَّ، بموت أبى
طالب فَبَكَى ثمّ قال: اذْهَبْ فَاغْسِلْهُ وَكَفّنْهُ وَوَارِهِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ وَرَحِمهُ ! قال :
(١) انظر عيون الأثرج ١ ص ١٣١، والسيرة النبوية للذهبى ص ٢٣٠
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية ( خرع) ومنه حديث أبى طالب (( لولا أن قريشا تقول أدركه
الخَرَُ لقلتها)) ويروى بالجيم والزاى ، وهو الخوف . قال ثعلب : إنما هو بالخاء والراء .
(٣) أورده ابن سيد الناس فى عيون الأثرج ١ ص ١٣٢، والذهبى فى السيرة ص ٢٣٢
(٤) تاريخ الإسلام للذهبى : السيرة النبوية ص ٢٣٣

١٠٢
ففعلت ما قال ، وجعل رسول الله، وَّله، يستغفر له أيّامًا، ولا يخرج من بيته
حتى نزل عليه جبريل ، عليه السلام ، بهذه الآية: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالَّذِينَ
ءَمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى ﴾ [ سورة التوبة: ١١٣ ]: قال
علىّ: وأمرنى رسول الله، وَّ، فاغتسلتُ (١)
قال : أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو قال : لمّ مات أبو طالب قال له رسول
الله، وَّ: رَحِمَكَ اللّه وغَفَرَ لَكَ لا أَزَالُ أَسْتَغْفِرُ لَكَ حَتى يَنْهَانى الله ، قال:
فأخذَ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مُشرِكون ، فأنزل الله تعالى :
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ
قُرْبَى ﴾.
قال : أخبرنا الفضل بن دُكَين أبو نُعَيْم ، أخبرنا سفيان عن أبى إسحاق عن
ناجية بن كعب عن علىّ قال: أتيت النبيّ، وَلَه، فقلت: إنّ عمّك الشيخ
الضالّ قد مات، يعنى أباه ، قال: اذْهَبْ فَوَارِهِ وَلا تُحْدِثَنّ شَيْئًا حَتى تَأْتِيَنى، فأتيته
فقلت له ، فأمرنى فاغتسلت ، ثمّ دعا لى بدعوات ما يسرّنى ما عُرّض بهنّ من
شيء (٢) .
أخبرنا عقّان بن مُسلم وهشام بن عبد الملك أبو الوليد الطّالسيّ قالا : أخبرنا
أبو عوَانة ، أخبرنا عبد الملك بن عُمَير عن عبد الله بن الحارث بن نَوفل عن العبّاس
ابن عبد المطلّب قال: قلت : يا رسول الله هل نفعتَ أبا طالب بشىءٍ؟ فإنّه قد
كان يحوطك ويغضب لك ، قال : نَعَمْ وَهُوَ فى ضَخْضَاحِ مِنَ النّارِ وَلولا ذَلِكَ
لَكَانَ فِى الدَّرْكِ الأسْفَل مِنَ النّارِ (٣).
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرى عن أبيه عن صالح بن كيسان عن
ابن شهاب أنّ علىّ بن الحسين أخبره أن أبا طالب توفى فى عهد رسول الله ،
وَلَه، فلم يَرِثْه جعفر ولا علىّ وورثه طالب وعَقيل، وذلك بأنّه لا يرث المسلمُ
الكافرَ ولا يرث الكافرُ المسلمَ .
(١) ابن سيد الناس: عيون الأثرج ١ ص ١٣٢
(٢) الذهبى : السيرة النبوية ص ٢٣٤
(٣) الذهبى : نفس المصدر ص ٢٣٣

١٠٣
قال : أخبرنا خالد بن مَخْلَد البَجَلى قال : حدّثنى سليمان بن بلال قال :
حدّثنى هشام بن عُروة عن أبيه قال : ما زالوا كافّين عنه حتى مات أبو طالب ،
يعنى قريشًا، عن النبىّ الَّر.
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حمّاد بن سَلَمة عن ثابت عن إسحاق بن
عبد الله بن الحارث قال : قال العباس : يا رسول الله أترجو لأبى طالب ؟ قال :
كُلّ الخَيْرِ أَرْجُو منْ ربىّ .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر الأسْلَمى قال : توفى أبو طالب للنصف من شوّال
فى السنة العاشرة من حين نُجىء رسول الله، وَلّ ، وهو يومئذ ابن بضع وثمانين
سنة ، وتوفيت خديجة بعده بشهر وخمسة أيّام ، وهى يومئذ بنت خمس وستّين
سنة، فاجتمعتْ على رسول الله، وَلَه، مُصيبتان: موت خديجة بنت خويلد ،
وموت أبى طالب عمهِ .
ذكر رِغْيَّة رسول الله، وَخير ، الغنم بمكة
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمير الهَمْدَانِىّ عن هشام بن عروة عن وهب بن
كَيْسَان عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله، وَله: مَا مِنْ نَبىّ إلاّ قَدْ رَعَى
الغَنَمَ : قالوا : وأنتَ يا رسول الله ؟ قال : وَأَنَا .
قال : أخبرنا سويد بن سعيد وأحمد بن محمّد الأزرقى المكّى قالا : حدّثنا
عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص القُرَشىّ عن جدّه سعيد عن
أبى هريرة قال: قال رسول الله، وَلَهَ: مَا بَعَثَ الله، عزّ وجلّ، نِيًّا إلّ رَاعِىَ
غَنَم (١): قال له أصحابه : وأنت يا رسول الله ؟ قال: نَعَمْ، وَأَنَا رَعَيْتُهَا لِأَهْلِ
مَكّةً بالقَرَارِيطِ (٢) .
قال : أخبرنا محمّد بن عبيد الطنافسى ومحمّد بن عبد الله الأسدىّ قالا :
(١) ل، ((الغنم)) والمثبت من م والنويرى وهو ينقل عن ابن سعد.
(٢) قارن بالنويرى ج ١٦ ص ٩٣ وهو ينقل عن ابن سعد .

١٠٤
أخبرنا مِشْعَر عن سعد بن إبراهيم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال : مَرّوا على
النبيّ، وَّةِ، بثمر الأراك، فقال رسول الله، وََّ: عَلَيْكُمْ بِمَا اسْوَدّ مِنْهُ فَإِنّى
كُنْتُ أَجْتَنِيه إذْ أنا رَاعِى الغَنَم : قالوا : يا رسول الله ورعيتَها ؟ قال: نَعَمْ ، وَمَا مِنْ
نَبِىّ إلاّ قَدْ رَعَاهَا (١) .
قال : أخبرنا عمر بن عمر بن فارس قال : أخبرنا يونس بن يزيد عن الزهرىّ
عن جابر بن عبد الله قال: كنّا مع النبيّ، وَلِّ، نجنى الكَباث (٢) فقال: عَلَيْكُمْ
بالأسْوَد مِنْهُ فَإِنّهُ أَطْيِيُهُ فَإِنّى كُنْتُ أَجْنِيهِ إِذْ كُنْتُ أَرْعَى الغَنَمَ : قلنا : وكنتَ ترعى
الغنم يا رسول الله؟ قال : نَعَمْ، وَمَا مِنْ نَبىّ إلاّ قَدْ رَعَاهَا .
قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، أخبرنا زُهير ، أخبرنا أبو إسحاق
قال : كان بين أصحاب الغنم وبين أصحاب الإبل تنازع ، فاستطال عليهم
أصحاب الإبل، قال: فبلغنا، والله أعلم، أن النبيّ، وَله ، قال: بُعِثَ موسى،
عَلَيْهِ السّلامُ، وَهُوَ راعى غَنَمْ وَيُعِثَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السّلامُ ، وَهُوَ رَاعِى غَنَمِ وَيُعِثْتُ
وَأَنَا أَرْعَى غَنَمَ أَهْلى بَأْيَادٍ (٣).
ذكر حضور رسول الله، وَلَه ، حرب الفِجار
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى ، حدّثنى الضحاك بن عثمان
عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة قال : وأخبرنا موسى بن
محمّد بن إبراهيم التيمى عن أبيه قال : وحدّثنا عبد الله بن يزيد الهذلى عن
يعقوب بن عُتبة الأخنسى قال : وغير هؤلاء أيضا قد حدّثنى ببعض هذا الحديث
قالوا : كان سبب حرب الفجار أن النعمان بن المنذر بعث بلطيمة له إلى سوق
(١) أورده النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٩٣
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية (كبث ) فى حديث جابر ((كنا نَجْتُنى الكَبَاث)) هو التَّضيج من
ثمر الأراك .
(٣) أورده ابن سيد الناس فى عيون الأثر ج ١ ص ٤٥ من طريق ابن سعد .

١٠٥
عكاظ للتجارة وأجارها له الرحّال ◌ُروة بن عتبة بن جابر بن كلاب ، فنزلوا على
ماء يقال له أُوَارَة (١) ، فوثب البرّاض بن قيس أحد بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة ،
وكان خليعا ، على عروة فقتله وهرب إلى خيبر فاستخفى بها ، ولقى بِشْر بن أبى
خازم الأسدىّ الشاعر فأخبره الخبر وأمره أن يُعلم ذلك عبد الله بن جدعان ،
وهشام بن المغيرة ، وحرب بن أميّة ، ونوفل بن معاوية الدّيلى ، وبَلْعاء بن قيس ،
فوافى عكاظًا فأخبرهم فخرجوا موائلين منكشفين إلى الحرم ، وبلغ قيسًا الخبر آخر
ذلك اليوم ، فقال أبو براء : ما كنا من قريش إلّ فى خدعة ، فخرجوا فى آثارهم
فأدركوهم وقد دخلوا الحرم ، فناداهم رجل من بنى عامر يقال له الأدرم بن شعيب
بأعلى صوته : إن ميعاد ما بيننا وبينكم هذه الليالى من قابل ، وإنا لا نأتلى فى
جمع، وقال :
بأنْ تَجَىءَ إلى ضَرْبٍ رَعَابِيلٍ
لَقَدْ وَعَدْنَا قُرَيْشًا وَهْىَ كَارِهةٌ
قال : ولم تقم تلك السنة سوق عكاظ ، قال : فمكثت قريش وغيرها مِن
كنانة وأسد بن خزيمة ومن لحق بهم من الأحابيش ، وهم : الحارث بن عبد مناة
ابن كنانة وعضَل والقارة وديش والمصطلِق من خزاعة لحلفهم بالحارث بن عبد
مناة ، سنةً يتأهبون لهذه الحرب ، وتأهبت قيس عيلان ، ثمّ حضروا من قابل
ورؤساء قريش عبد الله بن جدعان ، وهشام بن المغيرة ، وحرب بن أميّة ،
وأبو أُحيحة سعيد بن العاص ، وعتبة بن ربيعة ، والعاص بن وائل ، ومعمر بن
حبيب الجمحى ، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ،
وخرجوا متساندين ، ويقال : بل أمرهم إلى عبد الله بن جدعان ، وكان فى قيس
أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ، وسُبيع بن ربيعة بن معاوية النصرى ، ودريد بن
الصّمّة ، ومسعود بن معتِّب الثقفى ، وأبو عروة بن مسعود ، وعوف بن أبى حارثة
المرى ، وعبّاس بن رِعْل السُّلَمى ، فهؤلاء الرؤساء والقادة .
ويقال : بل كان أمرهم جميعا إلى أبى براء ، وكانت الراية بيده وهو سوّى
(١) لدى ياقوت : أوارة : اسم ماء أو جبل لبنى تميم ، قيل بناحية البحرين ، وهو الموضع الذى
حرق فيه عمرو بن هند بنى تميم .
۔

١٠٦
صفوفهم ، فالتقوا فكانت الدبرة أوّل النهار لقيس على قريش وكنانة ومن ضوى
إليهم ، ثمّ صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس فقتلوهم قتلاً ذريعًا ،
حتى نادى عتبة بن ربيعة يومئذ ، وإنّه لشاب ما كملت له ثلاثون سنة ، إلى
الصلح ، فاصطلحوا على أن عَدّوا القتلى وَوَدَتْ قريش لقيس ما قتلت فضلاً عن
قتلاهم ، ووضعت الحرب أوزارها ، فانصرفت قريش وقيس .
قال رسول الله، وَّه، وذكر الفِجار فقال: قَدْ حَضَرْتُهُ مَعَ عُمُومَتَى وَرَمَيْتُ
فِيهِ بِأَسْهُمٍ وَمَا أُحِبّ أَنّى لَمْ أَكنْ فَعَلْتُ : فكان يوم حضر ابن عشرين سنة ، وكان
الفِجار بعد الفيل بعشرين سنة (١) .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : فحدّثنى الضّحاك بن عثمان عن عبد الله
ابن ◌ُروة عن حكيم بن حزام قال: رأيت رسول الله، وَّه، بالفجار وقد
حضره، قال محمّد بن عمر : وقالت العرب فى الفجار أشعارًا كثيرة .
ذکر حضور رسول الله ،
حِلْف الفُضُول
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى ، أخبرنا الضّحاك بن عثمان
عن عبد الله بن عروة بن الزبير عن أبيه قال : سمعتُ حكيم بن حزام يقول: كان
حلف الفضول مُنْصَرَفَ قريش من الفجار، ورسولُ الله، وَلّ ، يومئذ ابن
عشرين سنة (٢) .
قال : قال محمّد بن عمر : وأخبرنى غير الضّحاك قال : كان الفِجَار فى
شوّال وهذا الحلف فى ذى القعدة ، وكان أشرف حِلف كان قطّ ، وأوّل مَن دعا
إليه الزُبير بن عبد المطّلب ، فاجتمعت بنو هاشم وزُهرة وتَيْم فى دار عبد الله بن
جدعان ، فصَنَع لهم طعاماً فتَعَاقدوا وتَعَاهَدوا بالله ، القاتل لنكوننّ مع المظلوم حتى
(١) أورده الصالحى فى سبل الهدى ج ٢ ص ٢٠٥ نقلا عن ابن سعد .
(٢) ابن سيد الناس : عيون الأثرج ١ ص ٤٦

١٠٧
يُؤدّى إليه حقّه ما بَلّ بحرٌ صُوفة ، وفى التآسى فى المعاش ، فسمّت قريش ذلك
الحلف حلف الفضول (١) .
قال : وأخبرنا محمّد بن عمر قال : فحدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزهرىّ
عن طلحة بن عبد الله بن عَوف عن عبد الرحمن بن أزهر عن جبير بن مطعم قال :
قال رسول الله وَّه: ما أَحِبّ أنّ لى بِحِلْفٍ حَضَرْتُهُ فى دَارِ ابنِ جُدْعَانَ حُمْرَ
النَّعَم وَأَنّى أَغْدِرُ به ، هاشِمٌ وَزُهْرَةُ وَتَيْمْ تَحَلَفُوا أنْ يَكُونُوا مَعَ المَظْلُومِ مَا بَلّ بِخْرٌ
صُوفَةٌ وَلَوْ دُعيتُ بهِ لأَجَبْتُ وهُوَ حِلْفُ الفُضُولِ . قال محمّد بن عمر : ولا نعلم
أحداً سبق بنى هاشم بهذا الحلف (٢) .
ذكر خروج رسول الله، وَله، إلى الشام فى المرة الثانية
قال : أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمىّ أخبرنا موسى بن شَيْئَة عن
عميرة بنت عُبيد الله بن كعب بن مالك عن أمّ سعد بنت سعد بن الرّبيع عن
نفيسة بنت مُنْيَة أخت يعلى بن مُنية قالت: لَّ بلَغ رسول الله وَهِ، حَمْساً
وعشرين سنة قال له أبو طالب : أنا رجل لا مال لى وقد اشتدّ الزمان علينا ، وهذه
عِير قومك وقد حَضَر خُروجها إلى الشأم وخديجة بنت خُوَيْلِد تبعث رجالاً من
قومك فى عِيَراتها ، فلو جئتها فعَرَضْتَ نفسكَ عليها لأسرعت إليك ، وبلَغ
خديجة ما كان من محاورة عمّه له ، فأرسلت إليه فى ذلك وقالت له أنا أعطيك
ضِعْف ما أُعطى رجلاً من قومك (٣) .
قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقىّ ، حدّثنى أبو المَلِيح عن عبد الله بن
(١) نقله النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٩٤ من رواية الواقدى، وعبارته هناك ((وتعاهدوا
بالله ليكونن مع المظلوم)) بدون كلمة ((القاتل)) ومثله لدى الصالحى فى سبل الهدى ج ٢ ص ٢٠٨
بدون كلمة (( القاتل )) أيضا . وانظره كذلك لدى الديار بكرى فى تاريخ الخميس ج ١ ص ٢٦١
(٢) ابن هشام: السيرة ج ١ ص ١٣٤، والصالحى : سبل الهدى ج ٢ ص ٢٠٩
(٣) نقله النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٩٥، وانظر لدى الصالحى فى سبل الهدى ج ٢
ص ٢١٤

١٠٨
محمّد بن عَقيل قال : قال أبو طالب : يابن أخى قد بلَغَنى أنّ خديجة استأجرت
فلاناً بِتَكْرَين ولسنا نَرضى لك بمثل ما أعطته ، فهل لك أن تُكلمها ؟ قال :
ما أحْبَبْتَ ! فخرَج إليها فقال : هَلْ لكِ يا خديجة أن تستأجرى محمّداً ؟ فقد بلغنا
أَنّك استأجرتِ فلاناً بِبَكْرَيْن ، ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكار ، قال : فقالت
خديجة : لو سألتَ ذاك لبعيد بغيض فعلنا ، فكيف وقد سألت لحبيبٍ قريب ؟
قال : أخبرنا محمّد بن عمر ، أخبرنا موسى بن شَيبة عن عميرة بنت عُبيد الله
ابن كعب بن مالك عن أمّ سعد بنت سعد بن الرّبيع عن نفِيسَة بنت مُنْيَة قالت :
قال أبو طالب : هذا رزق قد ساقَه الله إليك ، فخرَج مع غلامها ميْسَرَة وجَعَل
عُمُومَتُهُ يُوصُونَ به أَهْلَ العير حتى قَدِمَا بُصْرَى من الشأم ، فنزلا فى ظِلّ شجرة ،
فقال نَسْطور (١) الراهب: ما نزل تحتَ هذه الشجرة قطّ إلاّ نبيّ، ثمّ قال لَيْسَرَة:
أفى عينيه حُمْرَة ؟ قال: نعم لا تُفارقه ، قال: هو نبيّ وهو آخر الأنبياء ، ثمّ باع
سِلْعَتْه فَوَقَع بينه وبين رجل تَلاح . فقال له : احلفْ باللّت والعُزّى ، فقال رسول
الله، وَثّ: مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطّ وإنّى لأمُرَ فَأُعْرِضُ عَنْهُمَا، فقال الرجل : القول
قولك ، ثمّ قال لَيْسَرَة : هذا والله نبيّ تجده أحبارنا مَنْعوتاً فى كُتُبهم، وكان مَيْسَرَة
إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحرّ يرى مَلَكَين يُظِلاّن رسولَ الله، وَلِّ، من الشمس،
فَوَعَى ذلك كلّه مَيْسَرَة ، وكان الله قد ألقى عليه المحبّة من ميسرة ، فكان كأنّه
عَبْدٌ له ، وباعوا تجارتهم وَرَبِحوا ضِعْف ما كانوا يَربحون ، فلمّا رجعوا فكانوا بمرّ
الظّهْرَان قال مَيْسَرَة : يا محمّد انطلق إلى خديجة فأخبرها بما صَنَع الله لها على
وجهك، فإنها تعرف لك ذلك ، فتقدّم رسول الله، وَله، حتى دخل مكّة فى
ساعة الظّهيرة وخديجة فى عُلّية لها فرأت رسول اللّه، وَله، وهو على بَعيره
ومَلَكَان يظلاّن عليه ، فأرته نساءها فعجبن لذلك ، ودخل عليها رسول اللّه،
وَالر، فخبرها بما ربحوا فى وجههم ، فسرّت بذلك ، فلما دخل ميسرة عليها
أخبرته بما رأت ، فقال ميسرة : قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشأم ، وأخبرها بما
قال الراهب نسطور وبما قال الآخر الذى خالفه فى البيع : وقدِم رسول الله ،
(١) كذا فى ل، م، وضبطه الزرقانى ج ١ ص ١٩٨ بفتح النون وسكون السين وضم الطاء
وألف مقصورة .

١٠٩
وَلّة، بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح ، وأضعفت له ضعف ما سَمَّت
له (١) .
ذکر تزويج رسول الله ،
خديجة بنت خويلد
وسيلة
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى ، أخبرنا موسى بن شيبة عن
عُميرة بنت عبيد الله بن كعب بن مالك عن أم سعد بنت سعد بن الرّبيع عن
نفيسة بنت مُنية قالت: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قُصىّ
امرأة حازمة ، جَلْدَة ، شريفة ، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير ، وهى يومئذ
أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، وكلّ قومها كان حريصاً على
نكاحها لو قدر على ذلك ، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال ، فَأَرْسلَتْنى دَسيساً إلى
محمّد بعد أن رجع فى عيرها من الشأم ، فقلت : يا محمّد ما يمنعك أن تَزَوّج ؟
فقال : مَا بِيَدى مَا أَتَزَوجُ بهِ ، قلت : فإن كُفيت ذلك ودُعيت إلى الجمال والمال
والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ قال : فَمَنْ هِىَ؟ قلت: خديجة، قال: وَكَيْفَ لى
بِذَلِكَ ؟ قالت قلت : علىّ، قال : فَأَنَا أَفْعَلُ : فذَهبْتُ فأخبرتها ، فأرسلت إليه أن
ائت لساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمّها عمرو بن أسد ليزوّجها . فحضر ودخل
رسول اللّه، وََّ، فى عمومته ، فزوّجه أحدهم. فقال عمرو بن أسد : هذا
البُضْغُ لا يُقْرع أنْفه، وتزوّجها رسول الله، وَخَّر، وهو ابن خمس وعشرين سنة،
وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة ، ولدت قبل الفيل بخمس عشرة سنة (٢).
قال : أخبرنا محمّد بن عمر عن محمّد بن عبد الله بن مسلم عن أبيه عن
محمد بن جبير بن مُطعم . وعن ابن أبى الزناد عن هاشم بن عروة عن أبيه عن
عائشة وعن ابن أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عبّاس قالوا :
إن عمّها عمرو بن أسد زوّجها رسول الله، وَلَّ، وإن أباها مات قبل الفِجَار (٣).
(١) أورده النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٩٦
(٢) راجع النويرى ج ١٦ ص ٩٧ - ٩٨ ، وأورده الصالحى فى سبل الهدى ج ٢ ص ٢٢٣ عن
ابن سعد .
(٣) الخبر لدى الطبرى فى تاريخه ج ٢ ص ٢٨٢ عن الواقدى كماهنا .

١١٠
قال : أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبىّ قال : أخبرنى أبى عن أبى
صالح عن ابن عبّاس قال : زوّج عمرو بن أسد بن عبد العزّى بن قصى خديجة
بنت خويلد النبيّ ◌َالر، وهو يومئذ شيخ كبير لم يبق لأسد لصُلبه يومئذ غيره ،
ولم يلد عَمْرو بن أسد شيئاً (١).
قال : أخبرنا خالد بن خِداش بن عجلان ، أخبرنا معتمر بن سليمان قال :
سمعت أبى يذكر أن أبا مِجْلَز حدّث أنّ خديجة قالت لأختها : انطلقى إلى محمّد
فاذكرينى له ، أو كما قالت ، وأنّ أختها جاءت فأجابها بما شاء الله ، وأنهم تواطئوا
على أن يتزوّجها رسول الله، وَلَّ، وأنّ أبا خديجة سُقِىَ من الخمر حتى أخذت
فيه، ثمّ دعا محمّداً فزوّجه ، قال: وسنّت على الشّيخ محُلّة ، فلمّا صحا قال :
ما هذه الحلّة؟ قالوا : كساكها خَتَنُك محمّد، فغضب وأخذ السّلاح وأخذ بنو
هاشم السّلاح وقالوا : ما كانتْ لنا فيكم رغْبة ، ثمّ إنّهم اصطلحوا بعد ذلك .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بغير هذا الإسناد أنّ خديجة سقت أباها الخمر
حتى ثَمِلَ، ونَحَرَتَ بَقَرَة. وخلّقَته بخلوق، وألْبَسته محُلّة حِبَّرَة ، فلمّا صحا قال :
ما هذا العقير؟ وما هذا العبير؟ وما هذا الحبير؟ قالت : زوّجتنى محمّداً ، قال :
ما فعلتُ ! أنا أفعل هذا (٢) وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل ؟
قال : وقال محمّد بن عمر : فهذا كلّه عندنا غَلَط ووهل ، والثّبت عندنا
المحفوظ عن أهل العلم أنّ أباها خُوَيلد بن أسد مات قبل الفجار ، وأن عمّها عمرو
ابن أسد زوّجها رسول الله، وَلَ (٣).
ذكر أولاد رسول الله، وَل ، وتسميتهم
قال : أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبىّ عن أبيه عن أبى صالح عن
ابن عبّاس قال: كان أوّل من وُلد لرسول الله، وَلَه، بمكة قبل النبوّة القاسم.
(١) ابن الكلبى: جمهرة النسب ج ١ ص ٧٤
(٢) أنا أفعل هذا: كذا: م، ل. أما الطبرى ج ٢ ص ٢٨٢ (( أنّى أفعل هذا)).
(٣) انظره لدى الطبرى فى تاريخه ج ٢ ص ٢٨٢

١١١
وبه كان يكنى . ثمّ وُلِدَ له زينب، ثمّ رُقيّة ، ثمّ فاطمة، ثم أمُّ كلثوم ، ثمّ وُلد له
فى الإسلام عبد الله فشُميّ الطيّب ، والطاهر، وأمّهم جميعاً خديجة بنت خُوَيلد
ابن أسد بن عبد العُزّى بن قُصىّ، وأمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمّ بن هَرِم بن
رَوَاحة بن حُجْر بن عبد بن مَعيص بن عامر بن لؤدّ) . فكان أَوَى مَز مات من ولده
القاسم ، ثمّ مات عبد الله بمكة ، فقال العاص بن زكل السهمى : غد انقطع ولده
فهو أَبْتَر، فأنزل الله، تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ شَاءِ بَ هُوَ اُلْأَبْثَرُ﴾ (١) [ سورة
الكوثر : ٣ ] .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنى عمرو بن سلمة الهُذلى عن (٢) سعيد بن
محمّد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : مات القاسم وهو ابن سنتين .
قال : وقال محمد بن عمر: وكانت سلمى مولاة صفية بنت عبد المطلّب تقبّل
خديجة فى ولادها وكانت تعقّ عن كلّ غلام بشاتين ، وعن الجارية بشاة ، وكان بين
كلّ وَلَدَيْن لها سنة ، وكانت تسترضع لهم وتُعِدّ ذلك قبل ولادتها .
ذكر إبراهيم ابن رسول الله ، وَلٍ تسليماً ..
قال : أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى ، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر
عن أبيه قال: لما رجع رسول الله، وَلّه، من الحُدَيْبيَّة فى ذى القعدة سنة ستّ من
الهجرة بعثَ حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقِس القبطى صاحب الإسكندرية وكتب
معه إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام ، فلمّا قرأ الكتاب قال خيراً ، وأخذ الكِتاب ،
فكان مختوماً ، فجعله فى حُقّ من عاج ، وختم عليه ، ودفعه إلى جارية له ،
وكتب إلى النبيّ، وَّل، جواب كتابه، ولم يُسلم، وأهدى إلى النبيّ، وَل ،
مارية القبطية وأختها سيرين وحماره يعفور وبغلته دُلْدُل وكانت بيضاء ، ولم يكُ
فى العرب يومئذ غيرها (٣).
(١) ابن الكلبى: جمهرة النسب ج ١ ص ٣٠، وأورده ابن سيد الناس ج ٢ ص ٢٨٨ عن ابن
سعد .
(٢) عن سعيد بن محمد: تحرفت فى ل والطبعات اللاحقة إلى ((بن سعيد بن محمد)) وصوابه
من م ، والتقريب .
(٣) البلاذرى : أنساب الأشراف ج ١ ص ٤٤٨ - ٤٤٩