النص المفهرس

صفحات 101-120

٥٢
قال : وجدتُ فى كتاب أبى بكر بن عبد الرحمن بن المِشْوَر بن مخرمة ، أخبرنا
محمّد بن جُبير بن مُطعم قال : وأخبرنا هشام بن محمّد الكلبىّ قال : أخبرنى أبى
عن أبى صالح عن ابن عبّاس قالا : كان قصىّ بن كلاب أوّل ولد كعب بن لؤىّ ،
أصاب مُلْكًا أطاع له به قومه ، فكان شريف أهل مكّة لا يُنَازَعُ فيها ، فابتنى دار
النّذْوَة وجعل بابها إلى البيت ، ففيها كان يكون أمر قريش كلّه وما أرادوا من نِكاح
أو حرب أو مشورة فيما ينوبهم ، حتى إن كانت الجارية تبلغ أن تُدَرّع (١) فما يُشَقّ
دِرْعُهَا إلاّ فِيهَا، ثمّ يُنطلَق بها إلى أهلها ، ولا يعقدون لواء حرب لهم ولا من قوم
غيرهم إلّ فى دار التّدوة ، يعقده لهم قصىّ، ولا يُعذَر لهم غلام إلاّ فى دار
النّذْوة، ولا تخرج عِيرٌ من قُريْش فيرحلون إلاّ منها ، ولا يقدمون إلّ نزلوا فيها
تشريفًا له وتَيَمّنًا برأيه ومعرفةً بفضله، ويتبعون أمره كالدّين المتَّبَع لا يُعمل بغيره فى
حياته وبعد موته ، وكانت إليه الحجابة والسّقاية والرفادة واللّواء والنّدوة وَحُكْمُ
مكّة كلّه، وكان يَعْشر من دخل مكّة سِوى أهلها (٢).
قال : وإنّما سُمّيت دار التّدوة لأنّ قريشًا كانوا يَنْتَدون فيها ، أى يجتمعون
للخير والشرّ ، والنَّدِىّ: مَجْمع القوم إذا اجتمعوا ، وقطع قصىّ مكّة رِباعًا بين
قومه، فأنزل كلّ قوم من قريش منازلهم التى أصبحوا فيها اليوم ، وضاق البلد
وكان كثير الشجر العِضاه والسّلَم ، فهابت قريش قطع ذلك فى الحرم ، فأمرهم
قصىّ بقطعه ، وقال: إنما تقطعونه لمنازلكم ولخططِكم ، بَهْلَةُ (٣) الله على من أراد
فسادًا ! وقطع هو بيده وأعوانه فقطعت حينئذ قريش وسمّته مُجَمِّعًا لِمَا جَمّعَ من
أمرها ، وتيمنت به وبأمره ، وشرّفته قريش وملّكته، وأدخل قصىّ بطون قريش
كلّها الأبطح ، فَسُمّوا قريش البطاح .
وأقام بنو مَعيص بن عامر بن لؤى ، وبنو تيم الأدرم بن غالب بن فهر ، وبنو
(١) ادرعت الجارية : لبست الدرع
(٢) الخبر لدى ابن هشام : السيرة النبوية ج ١ ص ١٢٥ وانظره لدى النويرى فى نهاية الأرب ج
١٦ ص ٢٩
(٣) لدى ابن الأثير فى النهاية (بهل) فى حديث أبى بكر (( من ولى أمر الناس ... فعليه بهلة
الله)) أى لعنة الله .

٥٣
محارب بن فهر، وبنو الحارث بن فهر ، بظهر مكّة ، فهؤلاء الظواهر لأنهم لم
يهبطوا مع قصىّ إلى الأبطح ، إلاّ أنّ رَهْطَ أبى عبيدة بن الجرّاح، وهم من بنى
الحارث بن فهر ، نزلوا الأبطح فهم مع المُطَيِّبين أهل البطاح ؛ وقد قال الشاعر فى
ذلك وهو ذَكوان مولى عمر بن الخطّاب للضخّاك بن قيس الفِهْرى حين ضربه :-
قرَيشُ البطَاحِ لا قرَيشُ الظَّاهِرِ
فلو شَهِدَتْنِى مِنْ قُرَيْشِ عِصَابَةٌ
وقال حذافة بن غانم العدوى لأبى لهب بن عبد المطّلب :
به جَمّعَ الله القَبائِلَ من فِهْرِ
أبو كم قُصیّ كان يُدْعَى مُجَمِّعًا
فدعى قصىّ مجمِّعًا بجمعه قريشًا، وبقصىّ سمّيت قريش قريشًا ، وكان
يُقال لهم قبل ذلك بنو النّضر .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة
عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أنّ عبد الملك بن مروان سأل محمّد بن
جُبير : متى سُمّيت قريش قريشًا ؟ قال : حين اجتمعت إلى الحرم من تفرّقها ،
فذلك التجمّع التقرّش ، فقال عبد الملك : ما سمعتُ هذا، ولكِن سَمعتُ أَنّ قصيًّا
كان يُقال له القرشىّ ، ولم تسم قريش قبله (١) .
قال : وأخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبرة
عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن
ابن عوف قال : لمّ نزل قصىّ الحرم وغلب عليه فعل أفْعالاً جميلة فقيل له القرشىّ ،
فهو أوّل مَن سُمّى به (٢) .
قال : وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَة
عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى جهم قال : النّضر بن كِنانة كان يسمى
القرشىّ(٣) .
قال : وأخبرنا محمّد بن عمر عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن عتبة
(١) أورده الطبرى فى تاريخه ج ٢ ص ٢٦٥ نقلا عن ابن سعد .
(٢) أورده الطبرى فى تاريخه ج ٢ ص ٢٦٥ نقلا عن ابن سعد .
(٣) نفس المصدر ، وعن ابن سعد .

٥٤
الأخنسىّ قال : كانت الحُمْسَ قريش وكنانة وخُزاعة ومَن ولدته قريش من سائر
العرب . وقال محمد بن عمر بغير هذا الإسناد ، أو حليفٌ لقريش .
قال محمد بن عمر: والتحمّس أشياء أحدثوها فى دينهم تحمّسوا فيها ، أى
شدّدوا على أنفسهم فيها ، فكانوا لا يخرجون من الحرم إذا حجّوا ، فقصروا عن
بلوغ الحقّ ، والذى شرع الله ، تبارك وتعالى ، لإبراهيم وهو موقف عرفَة ، وهو من
الحِلّ، وكانوا لا يَشْلَئُون (١) السمن ولا ينسجون مظالّ الشعر، وكانوا أهل القباب
الحمر من الأدم ، وشرعوا لمن قدم من الحاج أن يطوف بالبيت وعليه ثيابه ما لم
يذهبوا إلى عَرَفَة ، فإذا رجعوا من عرفَة لم يطوفوا طَواف الإفاضة بالبيت إلّ عُراة
أو فى ثوبَى أَخْمَسى ، وإن طاف فى ثوبيه لم يحلّ له أن يلبسهما .
قال محمد بن عمر : وقصىّ أحدث وقود النّار بالمزدلفة حين وقف بها حتى
يراها مَن دَفَعَ من عرفة ، فلم تزل توقد تلك النّار تلك الليلة ، يعنى ليلة جَمْع فى
الجاهليّة (٢).
قال محمّد بن عمر : فأخبرنى كثير بن عبد الله المزنى عن نافع عن ابن عمر
قال: كانت تلك النّار توقد على عهد رسول الله، وَليل، وأبى بكر وعمر
وعثمان . قال محمّد بن عمر : وهى توقد إلى اليوم (٣).
وفرض قصىّ على قريش السقاية والرفادة ، فقال : يا معشر قريش إنّكم جيران
الله، وأهل بيته ، وأهل الحرم ، وإن الحاجّ ضِيفان الله ، وزوّار بيته ، وهم أحقّ
الضيف بالكرامة ، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيّام الحجّ ، حتى يصدروا عنْكم ،
ففعلوا فكانوا يُخرجون ذلك كلّ عامٍ من أموالهم خرجًا يترافدون ذلك فيدفعونه
إليه فيصنع الطّعام للناس أيام مِنَّى وبمكّة ، ويصنع حياضًا للماء من أدم فيسقى فيها
بمكّة ومنّى وعرفة ، فجرى ذلك من أمره فى الجاهليّة على قومه حتى قام الإسلام ،
ثمّ جرَوا فى الإسلام على ذلك إلى اليوم (٤) .
(١) سَلَأَ السَّمْنَ: طَبَخَّهُ وعالجه .
(٢) أورده الطبرى ج ٢ ص ٢٦٥ عن ابن سعد .
(٣) نفس المصدر ، وعن ابن سعد .
(٤) الخبر لدى ابن هشام فى السيرة ج ١ ص ١٣٠

٥٥
فلمّا كبر قصىّ ورقّ ، وكان عبد الدار بِكره وأكبر ولده ، وكان ضعيفًا وكان
إخوته قد شَرفوا عليه ، فقال له قصىّ : أما والله يابنىّ لألحقّك بالقوم وإنْ كانُوا قد
شرفوا عليك ، لا يدخل أحد منهم الكعبة حتى تكون أنت الذى تفتحها له ،
ولا تعقد قريش لواءً لحربهم إلاّ كنت أنت الذى تعقده بيدك ، ولا يشرب رجل
بمكّة إلاّ من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعامًا بمكّة إلّ من طعامك ،
ولا تقطع قريش أمرًا من أمورها إلّ فى دارك ، فأعطاه دار الّدوة وحجابة البيت
واللواء والسقاية والرفادة وخصّة بذلك ليُلحقه بسائر إخوته ، وتوفى قصىّ فدفن
بالحَجُون ، فقالت تَخْمُر بنت قصىّ ترثى أباها :
فنعى قصيًّا ذا الندَى وَالسّودَدِ
طَرَّقَ النّعِىُّ بُعيدَ نَوْمِ الْهُجَّدِ
فانهلّ دمعى كالجُمانِ المفرَدِ
فنعى المُهَذَّبَ مِن لُؤْىّ كلّهَا
أَرَقَ السليمِ لِوَجْدِهِ الْتُفَقِّدِ
فَأرِقْتُ من حُزْنٍ وهَمّ داخلٍ
*
ذكر عبد مناف بن قصي
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال : لمّ هلك قصى
ابن كلاب ، قام عبد مناف بن قُصىّ على أمر قصىّ بعده ، وأَمْرُ قريش إليه ،
واختطّ بمكّة رباعًا بعد الذى كان قصىّ قطع لقومه ، وعلى عبد مناف اقتصر
رسول الله، وَّ، حين أنزل الله تبارك وتعالى، عليه: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اُلْأَقْرَبِينَ﴾ (١) [ سورة الشعراء: ٢١٤ ].
قال : أخبرنا هشام بن محمد قال : فحدثنى أبى عن أبى صالح عن ابن عبّاس
قال: لما أنزل الله تعالى على النبى، وَل، ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرَبِينَ﴾ [سورة
الشعراء: ٢١٤ ] خرج حتى علا المروة ثمّ قال: يَالَ فِهْرٍ ! فجاءته قريش فقال
أبو لهب بن عبد المطّلب : هذه فهر عندك فقل، فقال : يَالَ غَالِبٍ ! فرجع بنو
محارب وبنو الحارث ابنا فهر ، فقال : يَالَ لُؤْىّ بنِ غَالِبٍ ! فرجع بنو تيم الأدرم
(١) أورده النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٣٢ عن ابن سعد .

٥٦
ابن غالب ، فقال : يَالَ كَعْبٍ بنِ لُؤىّ! فرجع بنو عامر بن لؤىّ ، فقال: يَالَ مُرّة
ابنِ كَعْبٍ ! فرجع بنو عدىّ بن كعب وبنو سهم وبنو جمَح ابنا عمروبن هُصَيْص
ابن كعب بن لؤى ، فقال: يَالَ كِلاب بنِ مُرّةَ ! فرجع بنو مخزوم بن يقظة بن مرة
وبنو تيم بن مرّة ، فقال : يَالَ قُصىّ ! فرجع بنو زهرة بن كلاب ، فقال : يَالَ عَبْدِ
مَّنَافٍ ! فرجع بنو عبد الدار بن قصىّ وبنو أسد بن عبد العُزَّى بنٍ قصىّ ، وبنو عبد
ابن قصىّ فقال أبو لهب : هذه بنو عبد مناف عندك فقُلْ ، فقال رسول الله ،
وَّة ، إنّ الله قَدْ أمرَنى أنْ أَنْذرَ عَشِيرَتِى الأَقْرَبِينَ وَأَنْتُمُ الأَقْرَبُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وإنّى
لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ حَظًّا ولا مِنَ الآخِرَةِ نَصِيبًا إلاّ أنْ تَقُولُوا لا إِلَهَ إلاّ اللّه فَأَشْهَدَ
بِها لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ وَتَدينَ لَكُمْ بها العَرَبُ وَتَذِلّ لَكُمْ بها العجَمُ ، فَقَالَ أبو لهب :
تَبَّا لكَ! فلهذا دعوتَنا! فأنزل الله: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ ﴾ [سورة المسد : ١]
يقول : خسرت يدا أبى لهب .
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال : ولَدَ عبد مناف
ابن قصى ستّة نفر ، وست نسوة : المطّلب بن عبد مناف ، وكان أكبرهم وهو
الذى عقد الحلف لقريش من النجاشىّ فى مَتْجَرها إلى أرضِه ، وهاشم بن عبد
منَاف واسمه عمرو ، وهو الذى عقد الحلف لقريش من هِرَقل لأن تَخْتَلِف إلى
الشأم آمنة ، وعبد شمس بن عبد مَناف، وتُمَاضِر بنْت عبْد مناف، وَحَيَّةً (١) ،
وقِلابَةَ ، وَبَرَّةَ، وهالة بنات عبد مناف، وأمّهم عاتِكة الكبرى بنت مُرّة بن هلال
ابن فالح بن ثعلبة بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن
خَصَفَة بن قيس بن عيلان بن مُضَر ، وَنَوْفَلَ بن عَبْدَ منَاف ، وهو الذى عقد الحلف
لقريْش من كسرى إلى العراق ، وأبا عمرو بن عبد مناف، وأبا عبيد دَرَجَ ، وأمهم
واقدة بنْت أبى عُدَىّ ، وهو عامر بن عبد نُهم بن زيد بن مازن بن صعصعة ،
وَرَيْطَةَ بنت عبد مناف ولدت بنى هلال بن مُعَيْط من بنى كنانة بن خُزيمة وأمّها
الثقفية (٢) .
(١) كذا فى م. وهو يوافق مافى نسب قريش ص ١٤، وسيرة ابن هشام جـ ١ ص ١٠٧ . وفى
ل (( حنة)) .
(٢) أورده النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٣٢ عن ابن سعد .

٥٧
ذكر هاشم بن عبد مناف
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه عن أبى صالح عن
ابن عباس قال : كان اسم هاشم عَمرًا ؛ وكان صاحب إيلاف قريش ، وإيلاف
قريش دأبُ قريش ، وكان أوّلَ من سَنّ الرّحلتين لقريش ، ترحل إحداهما فى
الشّتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشىّ فيُكرمه ويحبوه ، ورِحلة فى الصيف إلى
الشأم إلى غزّة وربّما بلغ أنقرة فيدخل على قيْصر فيُكرمه ويَحْبُوه ، فأصابت قريْشًا
سنوات ذَهَبْنَ بالأمْوالِ ، فخَرَج هَاشمٌ إلى الشأم فأمر بخبز كثير فَخُبِزَ له ، فحمله
فى الغرائر على الإبل حتى وافَى مكّة فهشم ذلك الخبز ، يعنى كسره وثَرَدَه ، ونحر
تلك الإبل، ثمّ أمر الطهاة فطبخوا ، ثمّ كفأ القدور على الجفان ، فأشبع أهل مكّة ،
فكان ذلك أوّل الحيا بعد السَّنَة التى أصابتهم فسمى بذلك هاشمًا ؛ وقال عبد الله
ابن الزِّبَعْرَى فى ذلك :
وَرِجالُ مكّة مُشْينتونَ عِجافُ (١)
عَمْرُو العُلاَ هَشَمَ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ
قال : وأخبرنا هشام بن محمد قال : فحدّثنى معروف بن الخَرّبوذ المكّى قال:
حدّثنى رجل من آل عدىّ بن الخيار بن عدى بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه قال :
وقال وهب بن عبد قُصىّ فى ذلك :
وَأَعْيا أن يقوم بهِ ابن بِيضٍ
تَحَمَّلَ هاشِمٌ ما ضاقَ عَنْهُ
مِنَ ارْضِ الشّأمِ بالبُرّ النّفيضِ
أَتَاهُمُ بالغَرَائِرِ مُتْأَقَاتٍ
وشابَ الخُزَ باللحم الغريضِ
فَأَوْسَع أهلَ مَكَةً من هَشيم
من الشِّيزاءِ حائرها يفيضُ
فَظَلّ القَوْمُ بينَ مُكَلَّلات
قال : فحسده أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ ، وكان ذا مال ،
فتكلّف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه ، فشمت به ناس من قريش ، فغضب
ونال منْ هاشم ، ودعاه إلى المنافرة ، فكره هاشم ذلك لسنّه وقدره ، فلم تدعه
(١) قارن بالبلاذرى: أنساب الأشراف ج ١ ص ٥٨ والطبرى ج ٢ ص ٢٥٢ وفيه ((عَمرو
الذى هشم ... )). والخبر لدى النويرى ج ١٦ ص ٣٣ عن ابن سعد .

٥٨
قريش وأحفظوه ، قال : فإنى أنافرك على خمسين ناقة سود الحَدَق تنحرها ببطن
مكّة والجلاء عن مكّة عشر سنين ، فرضى أميّة بذلك ، وجعلا بينهما الكاهن
الخزاعى ، فنفّر هاشمًا عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها . وأطعمها مَن حضره ،
وخرج أميّة إلى الشأم فأقام بها عشر سنين ، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين
هاشم وأميّة (١) .
قال : وأخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال : حدّثنى علىّ بن يزيد بن عبد الله
ابن وهب بن زَمْعة عن أبيه : أنّ هاشمًا وعبد شمس والمطّلب ونوفل بنى عبد
مناف أجمعوا أن يأخذوا ما بأيدى بنى عبد الدار بن قصىّ مّا كان قصىّ جعل إلى
عبد الدار من الحجابة واللّواء والزّفادة والسقاية والنّدوة ، ورأوا أنهم أحقّ به منهم
لشرفهم عليهم وفضلهم فى قومهم ، وكان الذى قام بأمرهم هاشم بن عبد مناف ،
فأبت بنو عبد الدار أن تسلّم ذلك إليهم ، وقام بأمرهم عامر بن هاشم بن عبد
مناف بن عبد الدار ، فصار مع بنى عبد مناف بن قصيّ بنو أسد بن عبد العزّى بن
قصىّ وبنو زهرة بن كلاب وبنُو تيم بن مرة وبنو الحارث بن فهر ، وصار مع بنى
عبد الدار بنو مخزوم وسهم وجُمَحَ وبنو عدى بن كعب ، وخرجت من ذلك بنو
عامر بن لؤى ومحارب بن فهر فلم يكونوا مع واحد من الفريقين ، فعقد كل قوم
على أمرهم حلفًا مؤكدًا إلاّ يَتخاذلوا ولا يسلمَ بعضهم بعضًا مَابَلَّ بَحْرٌ صُوفَةٌ (٢) .
فأخرجت بنو عبد مناف ومن صار معهم جفنة مملوءة طيبًا فوضعوها حول
الكعبة ثمّ غَمَس القومُ أيديَهم فيها وتَعاهدوا وتَعاقدوا وتَحَالَفوا ومَسحوا الكعبة
بأيديهم توكيدًا على أنفسهم ، فشُمّوا المطيّين (٣) .
وأخرجت بنو عبد الدار ومن كان معهم جفنة من دم فغمسوا أيديهم فيها
وتَعاقدوا وتَحالفوا ألاّ يَتخاذلوا ما بَلّ بَحْرٌ صُوفَة، فسمّوا الأحلاف وَلَعَقَة الدّم ،
وَتَهَيُّوا للقتال وعُبئت كلّ قبيلة لقبيلة ، فبينما الناس على ذلك إذ تداعوا إلى
(١) أورده الطبرى ج ٢ ص ٢٥٣ نقلا عن ابن سعد .
(٢) أورده النويرى ج ١٦ ص ٣٤ - ٣٥ نقلا عن ابن سعد . ومابل بحرصوفة : أى مادام فى
البحر مايَئُلّ الصُّوفَة ( الصالحى ج ٤ ص ٢٦ ).
(٣) أورده النويرى : المصدر السابق . وعن ابن سعد .

٥٩
الصلح عَلَى أن (١) يعطوا بنى عبد مناف بن قصيّ السقاية والرّفادة . وتكون
الحجابة واللواء ودار الندوة إلى بنى عبد الدار كما كانت ، ففعلوا وتحاجز الناس ،
فلم تزل دار الندوة فى يدى بنى عبد الدار حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن
عبد مناف بن عبد الدّار بن قصىّ من معاوية بن أبى سفيان ، فجعلها معاوية دار
الإمارة ، فهى فى أيدى الخلفاء إلى اليوم (٢).
قال : أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال : فحدّثنى يزيد بن عبد الملك بن
المغيرة النوفلى عن أبيه قال : فاصطلحوا يومئذ أن وُلّى هاشم بن عبْد مَناف بن
قصىّ السقاية والرفادة ، وكان رجلاً مُوسِرًا، وكان إذا حضر الحجّ قام فى قريش
فقال : يامعشر قريش إنّكم جيران الله ، وأهل بيته ، وإنّه يأتيكم فى هذا الموسم
زوّار الله يعظّمون حرمة بيته فهم ضيف الله وأحقّ الضيف بالكرامة ضيفُه ، وقد
خصّكم الله بذلك وأكرمكم به ، وحفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره ،
فأكرموا ضيفه وزَوْرَه ، يأتون شُعثًا غُبرًا من كل بلد على ضوامر كأنهن القِدَاح ،
قد أَزْحَفُوا (٣) وتفلوا وقملوا وأَرْمَلوا فاقروهم واسقوهم ، فكانت قريش ترافد على
ذلك ، حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشىء اليسير على قدرهم ، وكان هاشم
ابن عبد مناف بن قُصىّ يُخرج فى كلّ عام مالاً كثيرًا (٤).
وكان قوم من قريش أهْل يسارة يترافدون ، وكان كلّ إنسان يرسل بمائة مثقال
هِرَقْلِيّة ، وكان هاشم يأمر بحياض من أدم فتُجعل فى موضع زمزم ، ثمّ يستقى فيها
الماء من البثار التى بمكّة فيشربه الحاج ، وكان يطعمهم أوّل ما يطعم قبل التروية بيوم
بمكّة وبمنّى وجمع وعرفة ، وكان يثرد لهم الخبز واللحم ، والخبز والسمن ،
والسويق والتمر ، ويجعل لهم الماء فيسقون بمنّى ، والماء يومئذ قليل فى حياض
(١) ل، م ((إلى أن)) والمثبت لدى ابن هشام ج ١ ص ١٣٢، والنويرى ج ١٦ ص ٣٥ وهو
ينقل عن ابن سعد .
(٢) أورده النويرى ج ١٦ ص ٣٥ نقلا عن ابن سعد ،
(٣) أَرْحَفَ الرجلُ: إذا أَعيت دابتُه ( النهاية ) والخبر لدى الصالحى فى السيرة ج ١ ص ٣١٨
وفيه ((أَرْحَضُوا)) بمعنى ((عرقوا))
(٤) الصالحى : سبل الهدى ج ١ ص ٣١٨

٦٠
الأدم ، إلى أن يَصدُروا من منَّى (ثم) (١) تنقطع الضيافة ويتفرّق الناس
(٢) .
لبلادهم .
قال: وأخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى القاسم بن العبّاس اللّهَبى
عن أبيه عن عبد الله بن نوفل بن الحارث قال : كان هاشم رجلاً شريفًا ، وهو
الذى أخذ الحلف لقريش من قيصر لأن تختلف آمنةً ، وأمّا مَن على الطريق فألَّفهم
على أن تحمل قريش بضائعهم ولا كراء على أهْل الطريق ، فكتب له قيصرُ كتابًا ،
وكتب إلى النّجاشىّ أن يُدخل قريشًا أرضه ، وكانوا تجارًا، فخرج هاشم فى عِير
لقريش فيها تجارات ، وكان طريقهم على المدينة فنزلوا بسوق النَّبَط فصادفوا سوقًا
تقوم بها فى السنة يَخْشِدون لها ، فباعوا واشتروا ونظروا إلى امرأة على موضع
مشرف من السوق فرأى امرأة تأمر بما يُشترى ويُباع لها ، فرأى امرأة حازمة جَلْدة
مع جمال ، فسأل هاشم عنها: أَيم هى أم ذات زوج ؟ فقيل له : أتم كانت تحت
أَحيحة بن الجُلاحِ فولدت له عَمْرًا ومعبدًا ثمّ فارقها ، وكانت لا تنكح الرّجال
لشرفها فى قومها حتى يشرطوا لها أنّ أمرها بيدها فإذا كرهت رجلاً فارقته ، وهی
سَلْمى بنت عمرو بن زيد بن لَبِيد بن خِدَاش بن عامر بن غَنْم بن عدىّ بن النجّار ،
فخطبها هاشم فعرفت شرفه ونسبه فزوّجته نفسها ودخل بها ، وصنع طعامًا ودعا
مَن هناك من أصحاب العِير الذين كانوا معه، وكانوا أربعين رجلاً من قريش فيهم
رجال من بنى عبد مناف ومخزوم وسهم ، ودَعا من الخزرج رجالاً ، وأقام
بأصحابه أيّامًا، وعلقت سَلْمَى بعبد المطّلب فولدته وفى رأسه شيبة فسمّى شَيبة ،
وخرج هاشم فى أصحابه إلى الشأم حتى بلغ غزّة فاشتكى ، فأقاموا عليه حتى مات
فدفنوه بغزّة ورجعوا بتركته إلى ولده ، ويُقال إنّ الذى رجع بتركته إلى ولده
أبورُهم بن عبد العزّى العامرى ، عامر بن لؤىّ ، وهو يومئذ غلام ابن عشرين
سنة (٣) .
(١) من م والنويرى وهو ينقل عن ابن سعد .
(٢) أورده النويرى ج ١٦ ص ٣٥ - ٣٦ نقلا عن ابن سعد .
(٣) أورده النويرى ج ١٦ ص ٣٦ نقلا عن ابن سعد .

٦١
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال : أوصى هاشم
ابن عبد مناف إلى أخيه المطّلب بن عبد مناف ، فبنو هاشم وبنو المطّلب يدٌ واحدةٌ
إلى اليوم ، وبنو عبد شمس وبنو نوفل ابنا عبد مَناف يَدٌ إلى اليوم .
قال : وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال : وَوَلَد هاشم بن عبد مَناف أربعة
نفر وخمس نسوة : شَيْبَةَ الحَمْدِ وهو عبد المطّلب ، وكان سيّد قريش حتى هلك ،
ورُقيّة بنت هاشم ، ماتت وهى جارية لم تَبْرُز ، وأمّها سَلْمى بنت عمرو بن زيد بن
لبيد بن خِداش بن عامر بن غَثْم بن عدى بن النجار ، وأخواهما لأمّها عمرو ومعبد
ابنا أُحَيْحَة بن الجُلاح بن الحريش بن جَحْجَبًا بن كُلفة بن عوف بن عمرو بن
عوف بن الأوس ، وأَبًا صيفىّ بن هاشم ، واسمه عمرو وهو أكبرهم ، وصيفيًّا ،
وأمّهما هند بنت عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف
ابن الخزرج ، وأخوهما لأمّهما مخرمة بن المطّلب بن عبد مناف بن قصيّ ، وأسد
ابن هاشم ، وأمّه قَيْلة وكانت تلقب الجزور بنت عامر بن مالك بن جَذيمة ، وهو
المصطلق من خزاعة ، ونضلة بن هاشم ، والشّفاء ، ورُقيّة ، وأمّهم أميمة بنت عدى
ابن عبد الله بن دينار بن مالك بن سَلَامان بن سعد من قضاعة ، وأخواهما لأمّها
نُفيل بن عبد العزّى العدوى ، وعمرو بن ربيعة بن الحارث بن مُبيّب بن جَذيمة بن
مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤىّ ، والضّعِيفَة بنت هاشم ، وخالدةَ بنت هاشم ،
وأمّها أم عبد الله وهى واقدة بنت أبى عدى ، ويُقال ◌ُدَى ، وهو عامر بن عبد نُهْم
ابن زيد بن مازن بن صعصعة ، وَحَيَّة بنت هاشم ، وأمها عُدَّى بنت حُبَيِّب بن
الحارث بن مالك بن محُطَيْط بن ◌ُشم بن قَسى وهو ثقيف (١) .
قال : وكان هاشم يكنّى أبًا يزيد ، وقال بعضهم : بل كان يكنّى بابنه أسد بن
هاشم ، ولما تُوفى هاشم رثاه ولده بأشعارٍ كثيرة ، فكان مما قيل فيما أخبرنا محمد
ابن عمر عن رجاله ، قالت خالدة بنت هاشم ترثى أباها ، وهو شعر فيه ضعف :
ذى المكرُماتِ وَذِى الفَعالِ الفاضِلِ
بِكَرَ النّعِيُّ بخيْرِ مَنْ وَطِىءَ الحَصَی
بالسيّد الغَمْرِ السَّمَيْدَع ذى النّهَى ماضى العَزيمة غَير نِكسٍ وَاغِلٍ
(١) نقله النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٣٨

٦٢
فى المُطْبِقَاتِ وفى الزّمَانِ الماحِلِ
زينِ العَشِيرَةِ كُلّهَا وربيعِها
عمرو بن عبد مَنافٍ غَيرِ الباطلِ
بأخى المكارِمِ والفواضِلِ وَالعُلى
بالشَّأْمِ بَيْنَ صَفَائِحٍ وَجَنَادِلِ
إِنّ المُهَذَّبَ مِنْ لُؤىّ كُلّهَا
فائْكى عَليْهِ ما بقِيتِ بِعَوْلَةٍ
فَلَقَدْ رُزِئْتِ أَخا ندَى وفَوَاضِلٍ
ورئيسها فى كلّ أمْرٍ شامِلٍ
وَلَقَدْ رُزِئْتِ قَرِيعَ فِهْرٍ كلّها
وقالت الشفاء بنت هاشم ترثى أباها :
واسفحى الدمعَ للجواد الكريم
عَينِ جُودى بِعَبْرَةٍ وَسُجومٍ
عينِ واستْعبرى وَسحَى وَجُمِىّ
هاشم الخيرِ ذى الجلالةِ والمجْدِ
وَرَبِيعِ لِلْمُجْتَدينَ وَحِرْزٍ
لأبِيكِ المسَوَّدِ المَغْلومِ
وذى الباع والندى والصّميم
وَلِزَازِ لكَلّ أَمْرٍ عَظيمٍ
شامخُ البيتِ من سَرَاةِ الأديمِ
شِمّرِىِّ تَمَاهُ للعِزِّ صَفْرٌ
أرْبحىِّ مثْلِ القَناةِ وَسيِمٍ
شَيْظَمِىِّ مُهَذَّبِ ذِى فُضُولٍ
باسقِ المجدِ مَضْرَحِىٌّ حَلِيمٍ
غَالِبِىِّ سَمَيْدَعِ أَحْوَذِىِّ
ماجدِ الجَدِّ غيرِ نِكس ذميمٍ
صادقِ البَأسِ (١) فى الْمَوَاطِنِ شَهْمٍ
ذكر عبد المطلب بن هاشم
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال : كان المطلب بن عبد مناف بن
قُصىّ أكبر من هاشم ومن عبد شمس ، وهو الذى عقد الحلف لقريش من
النّجاشىّ فى متجرها ، وكان شريفًا فى قومه مطاعًا سيدًا، وكانت قريش تسمّيه
الفَيْضَ لسماحته ، فولى بعد هاشم السّقاية والرّفادة ؛ وقال فى ذلك :
بما قدْ فَعَلْنا ولم تُؤمَرٍ
أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنى هَاشِم
م إذْ تُرِكَ المجدُ لمْ يُؤثَرٍ
أَقَمْنَا لِنَسْقى حَجِيجَ الحَرًّا
كَأَنْهُمُ بَقَرْ تُحْشَر
نَسُوقُ الحَجِيجَ لأبْيَاتنَا
(١) ل ((صادق الناس)). والمثبت رواية م.

٦٣
قال : وقدم ثابت بن المنذر بن حرام ، وهو أبو حسان بن ثابت الشاعر ، مكّة
معتمرًا فلقى المطلّب وكان له خليلاً ، فقال له : لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت
جمالاً وهيبة وشرفًا، لقد نظرت إليه وهو يناضل (١) فتيانًا من أخواله فيدخل
مِزْماتَيه (٢) جميعًا فى مثل راحتى هذه ويقول كلما حَسَقَ (٣) : أنا ابن عَمْرٍو
العُلَى! فقال المُطّلب: لا أمسى حتى أخرج إليه فأقدم به ، فقال ثابت : ما أرى
سلمَى تدفعه إليك ولا أخواله، هم أَضَنّ به من ذلك وما عليك أن تَدَعَه فیکون فی
أخواله حتى يكون هو الذى يقدِم عليك إلى ما ههنا راغبًا فيك ، فقال المطّلب :
يا أبًا أوس ما كنتُ لأَدعه هناك ويترك مآثر قومه وَسِطَتَه ونسبه وشرفه فى قومه
ما قد علمت ، فخرج المطّلب فورد المدينة فنزل فى ناحية وجعل يسأل عنه حتى
وجده يرمى فى فتيانٍ من أخواله ، فلمّا رآه عرف شبه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمّه
إليْه وكساه محُلّة يمانيّة وأنشأ يقول :
أبناؤها حوله بالتّْل تَنْتَضِلُ
عَرَفْتُ شَيْبَةَ والتّجّارُ قَدْ حَفَلَتْ
ففاضَ منّى عليه وابلٌ سَبَلُ
عرفْتُ أَجْلاده منّا وشيمتَهُ
فأرسلت سلمى إلى المطّلب فدعته إلى التّزول عليها ، فقال : شأنى أخفّ من
ذلك ، ما أريد أن أحُلّ عقدة حتى أقبض ابن أخى وأُلحِقه ببلده وقومه ، فقالت :
لسْتُ بِمُوْسِلَتِه معك، وغَلَّظت عليه، فقال المطّلب: لا تفعلى فإنى غير منصرف
حتى أخرج به معى ، ابن أخى قد بلغ وهو غريب فى غير قومه ونحن أهلُ بيتٍ
شرفُ قومِنا ، والمقام ببلده خير له من المقام ههنا وهو ابنكِ حيث كان ، فلمّا رأت
أنّه غير مُقَصّر حتى يخرج به استنظرته ثلاثة أيّام ، وتحوّل إليهم فنزل عندهم فأقام
ثلاثًا ثمّ احتمله وانطلقا جميعًا (٤) ، فأنشأ المطّلب يقول كما أنشدنى هشام بن
محمد عن أبيه :
(١) يناضل فتيانا : يباريهم فى الرمى.
(٢) المرماتان : سهمان يرمى بهما الرامى فيحرز سبقه .
(٣) خسق السهم : أصاب الغرض .
(٤) الخبر بطوله لدى النويرى ج ١٦ ص ٤١ - ٤٢ نقلا عن ابن سعد .

٦٤
أَنّيَ مِنْهُمْ وابْنُهُمْ وَالخميسْ
أَبْلِغْ بنى النّجّارِ إِنْ جِئْتَهُم
هَؤُوا لِقائى وَأَحَبّوا حَسِيشْ (١)
رَأَيْتُهُمْ قَوْمًا إذا جِئْتُهُمْ
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر، قال : ودخل به المطّلب مكّة
ظُهْرًا، فقالت قريش : هذا عبد المطّلب ، فقال: ويحكم ! إنّما هو ابن أخى شيبة
ابن عمرو ، فلمّا رأوه قالوا: ابنه لعمرى ! فلم يزل عبد المطلّب مقيمًا بمكّة حتى
أدرك ، وخرج المطّلب بن عبد مناف تاجرًا إلى أرض اليمن فهلك برَدْمَانَ من أرض
اليمن ، فولى عبد المطلّب بن هاشم بعده الرفادة والسّقاية ، فلم يزل ذلك بيده
يطعم الحاجّ ويسقيهم فى حياض من أدَم بمكّة ، فلمّا سُقى زمزم ترك السقْى فى
الحياض بمكة وسقاهم من زمزم حين حفرها ، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة
فیسقيهم (٢) .
وكانت زمزم سُقْيا من الله ، أَتى فى المنام مَرّات فأُمر بحفرها ووُصف له
موضعها فقيل له : احفر طيبة ، قال : وما طيبة ؟ فلمّا كان الغد أتاه فقال : احفر
بَرّة (٣)، قال: وما بَرّة؟ فلمّا كان الغد أتاه وهو نائم فى مَضْجَعِهِ ذلك فقال :
احفر المَضْئُونَة ، قال : وما المضنونَة ؟ أبِنْ لى ما تقول ، قال : فلمّا كان الغد أتاه
فقال : احفر زمزم ، قال: وما زمزم؟ قال : لَا تُنْرَف (٤) ولا تُذَمّ ، تَشْقى الحَجِيجَ
الأَعْظَم ، وهى بين الفَرْث والدم عِند نُقْرَةِ الغُراب الأَعْصم ؛ قال : وكان غراب
أعصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم ؛ وهى شرب لك ولولدك من
بعدك (٥).
(١) رواية ل، م ((حسيسى)) وقافية الأبيات فى الطبرى هى (( يس)) دون مجرى للسين والقافية
مقيدة ، ولكننا نجد البيت فى جميع النسخ فيه لحرف الروى مجرى وهو الياء، أى ((حسيسى)) مع
وضوح الياء فى النهاية ، فالقافية مطلقة ، وبهذا نجد ضربا شاذا للبحر السريع . وهذا والمثبت هنا رواية
الطبرى ج ٢ ص ٢٤٩
(٢) الخبر لدى النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٤٢ - ٤٣
(٣) لدى ياقوت : برة : اسم الموضع الذى قتل فيه قابيل أخاه هابيل ، وهو من أسماء بئر زمزم.
(٤) كذا لدى ابن هشام فى السيرة ج ١ ص ١٤٣ ومثله لدى النويرى ج ١٦ ص ٤٣، وابن
الأثير فى النهاية (نزف)، وفسره بقوله: ((أى لا يفنى ماؤها على كثرة الاستقاء)). ورواية، م، ل.
(( لا تُنْزَح)).
(٥) ابن هشام : السيرة ج ١ ص ١٤٣

٦٥
قال : فغدا عبد المطّلب ◌ِمِعْوَله وَمِسْحَاتِهِ معه ابنه الحارث بن عبد المطّلب،
وليس له يومئذٍ ولد غيره ، فجعل عبد المُطّلب يحفر بالمغول ويغرف بالمسحاة فى
المُكْتَل فيحمله الحارث فيلقيه خارجًا ، فحفر ثلاثة أيام ثمّ بَدا لَه الطَّوِىّ (١) فكبّر
وقال : هذا طوىّ إسماعيل ، فعرفت قريش أنّه قد أدرك الماء فأتوه فقالوا: أَشْرِكْنا
فيه ، فقال ما أنا بفاعل ، هذا أَمْرٌ خُصِصْتُ به دونكم فاجعلوا بيْنَنا وبينَكم مَن
شِئْتُم أُحاكمكم إليه، قالوا : كاهنة بنى سعد هُذيم ، وكانت بمُعان من أشراف
الشأم ، فخرجوا إليها وخرج مع عبد المطّلب عشرون رجلاً من بنى عبد مَناف ،
وخرجت قريْش بعشرين رجلاً من قبائلها ، فلمّا كانوا بالفَقير من طريق الشأم
أو حَذْوه فَنِىَ ماءِ القَوم جميعًا فعطشوا فقالوا لعبد المطّلب : ما ترى ؟ فقال : هو
الموت ، فليحفر كلّ رجل منكم حفرة لنفسه فكلّما ماتَ رجلُ دفنه أصحابه حتى
يكون آخرهم رجلاً واحدًا فيموت ضِيعَةً أَيْسَرُ من أن تموتوا جميعًا ، فحفروا ثمّ
قعدوا ينتظرون الموت ، فقال عبد المطّلب: والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا لَعَجْزٌ، ألا
نضرب فى الأرض فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض هذه البلاد ! فارتحلوا ، وقام عبد
المطّلب إلى راحلته فركبها ، فلمّا انبعثت به انْفجر تحت خُفّها عينُ ماءٍ عَذْبٍ ،
فكبّر عبد المطّلب وكبّر أصحابه وشربوا جميعًا ، ثمّ دعا القبائل من قريش فقال :
هلمّوا إلى الماء الرّواء فقد سقانا الله ، فَشَربوا واستقوا وقالوا : قد قُضى لك علينا ،
الذى سقاك هذا الماء بهذه الفَلاة هو الذى سقاك زمزم ، فوالله لا نخاصمك فيها
أبدًا ! فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا بينه وبين زمزم (٢).
قال : أخبرنا خالد بن خِداش ، أخبرنا معتمر بن سليمان التيميّ قال : سمعتُ
أبى يحدّث عن أبى مِجلز: أن عبد المُطّلب أَتى فى المنام فقيل له: احتفِرْ، فقال :
أين ؟ فقيل له : مكان كذا وكذا ، فلم يحتفر ، فأتى فقيل له : احتفِرْ عند الفرث
عند النمل عند مجلس خزاعة ونحوه ، فاحتفر ، فوجد غزالا وسلاحًا وأظفارًا،
فقال قومه لما رأوا الغنيمة : كأنهم يريدون أن يغازوه (٣) ، قال: فعند ذلك نذر لئن
(٢) ابن هشام : السيرة ج ١ ص ١٤٣ - ١٤٥
(١) الطوى : البئر المطوية بالحجارة .
(٣) كذا فى ل بالغين المعجمة. ورواية م ((يعازوه)) وتحت العين علامة الإهمال للتأكيد .
وغازَّه: أسرع إليه ونَافَسَه . وعازَّه : غالَبَه.
[ ٩ - الطبقات الكبير جـ ١ ]

٦٦
وُلد له عشرة لينحرنّ أحدهم ، فلمّا ولد له عشرة وأراد ذبح عبد الله منعتْه بنو زُهرة
وقالوا : أقرع بينه وبين كذا وكذا من الإبل ، وإنّه أقرع فوقعت عليه سبع مرات
وعلى الإبل مرة ، قال: لا أدرى السبع عن أبى مجلز أم لا ؟ ثمّ صار من أمره أن
ترك ابنه ونحر الإبل .
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر ، قال : وكانت جُرْهُم حين
أُحَسّوا بالخروج من مكّة دفنوا غزالَين وسبعة أسياف قَلْعِيَّة وخمسة أدراع سوابغ
فاستخرجها عبد المطّلب، وكان يَتَأَلَّهُ ويعظّم الظّلم والفجور ، فضرب الغزالَين
صفائح فى وجه الكعبة ، وكانا من ذهب ، وعلّق الأسياف على البابَين يُريد أن
يُخْرز به خَزانة الكعبة ، وجعل المِفْتاح والقفل من ذهب (١) .
وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال : كان
الغزال لجُرْهم ، فلمّا حفر عبد المطّلب زمزم استخرج الغزال وسيوفًا قلعيّة فضرب
عليها بالقداح فخرجت للكعبة فجعل صفائح الذهب على باب الكعبة ، فغدا عليه
ثلاثة نفر من قريش فسرقوه .
قال : وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه وعَنْ عبد المجيد بن
أبى عَبْس وأبى المقوّم وغيرهم قالوا: وكان عبد المطّلب أحسن قريش وجهًا وأمدّه
جسمًا وأحلمه حلمًا وأجوده كفَّا وأبعد النّاس من كلّ مُوبقة تُفسد الرجال ، ولم
يره ملك قطّ إلاّ أكرمه وشفّعة، وكان سيّد قريش حتى هلك ، فأتاه نفرٌ من خزاعة
فقالوا : نحن قوم متجاورون فى الدار ، هَلُمّ فلْنحالفك ، فأجابهم إلى ذلك وأقبل
عبد المطّلب فى سبعة نفر من بنى عبد المطّلب والأرقم بن نضلة بن هاشم
والضحاك وعمرو اثْنَى أبى صَيْفىّ بن هاشم ، ولم يحضره أحد من بنى عبد شمس
ولا نوفل ، فدخلوا دار التّدوة فتحالفوا فيها على التّناصر والمواساة وكتبوا بينهم
كتابًا وعلّقوه فى الكعبة ؛ وقال عبدُ المطّلب فى ذلك :
یإمْساكِ ما بینی وبین بنی عَمْرِو
سَأُوصى زُبَيْرًا إِنْ تَوَافَتْ مَنيَتِى
ولا يُلْحِدَنْ فيه بظلم وَلا غَدْرِ
وَأن يحفظ الحلْفَ الذى سَنّ شيخُهُ
(١) ابن هشام ج ١ ص ١٤٦، وانظر النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٤٧ - ٤٨
.٦

٦٧
أباك فكانوا دون قومِكَ من فِهْرِ
هم حفِظوا الإلّ القديم وحالَفوا
قال: فأوصى عبد المطّلب إلى ابنه الزّبير بن عبد المطّلب، وأوصى الزبير إلى
أبى طالب ، وأوصى أبو طالب إلى العبّاس بن عبد المطّلب.
قال : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب قال : حدّثنى محمدٌ بن عبد
الرحمن الأنصارى عن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمَة الزهرىّ عن أبيه
عن جدّه قال: كان عبد المطّلب إذا وَرَدَ اليمن نزل على عظيم من عُظماء حِمْيَر،
فنزل عليه مرّة من المَرَ فوجد عنده رجلاً من أهل اليمن قد أَمهل له فى العمر ، وقد
قرأ الكتب ، فقال له : ياعبد المطّلب! تأذن لى أن أفتّش مكانًا منك ؟ قال : ليس
كلّ مكان منى آذن لك فى تفتيشه ، قال: إنّما هو مَنْخِرَاكَ ، قال : فدونك ، قال :
فنظر إلى يار ، وهو الشعر فى منخريه ، فقال: أرى نُبوة وأرى مُلْكًا، وأرى
أحدهما فى بَنى زُهرة ، فرجع عبد المطّلب فتزوّج هالة بنت وهيب بن عبد مَناف
ابن زُهرة وزوّج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت
محمّدًا، وَّل، فجعل الله فى بنى عبد المطّلب النبوّة والخلافة، والله أعلم حيث
وضع ذلك .
قال : أخبرنا هشام بن محمد قال : حدّثنى أبى ، قال هشام : وأخبرنى رجل
من أهل المدينة عن جعفر بن عبد الرحمن بن المِشور بن مَخْرَمَة عن أبيه قالا : كان
أوّل مَن خَضَبَ بالوَسِمَة من قريش بمكة عبد المطلب (١) بن هاشم ، فكان إذا ورد
اليمَن نزل على عظيم من عُظماءِ حِمْيَر فقال له : ياعبد المطّلب! هل لك أن تغيّر
هذا البياض فتعود شابًّا؟ قال: ذاك إليك، قال: فأمر به فخُضِبَ بحنّاء ، ثمّ
عُلّى (٢) بالوَسِمة، فقال له عبد المطّلب: زَوّدنا من هذا، فزوّده فأكثر ، فدخل
مكّة ليلاً ثمّ خرج عليهم بالغداة كأنّ شعره حَلَك الغراب، فقالت له نَُيْلَة بنت
جناب بن كُليب أم العبّاس بن عبد المطّلب: يا شيبة الحمد ! لو دام هذا لك كان
حسنًا ، فقال عبد المطّلب :
(١) تحرفت فى طبعة إحسان إلى ((عبد الملك)).
(٢) فى أنساب الأشراف ((ثم علاه)).

٦٨
لو دام لى هذا السّوادُ حَمِدْتُهُ
تَمَتّعْتُ مِنْهُ وَالحَيَاةُ قَصيرَةٌ
وماذا الذى يُجدى على المَرْءِ خَفْضُه
فموتٌ جَهِيزٌ عاجلٌ لا شَوَى لَهُ
قال: فَخَضَبَ أهلُ مكّة بالسواد (١) .
فكان بَديلاً مِن شَباب قدِ انصَرَمْ
ولا بدّ من موتٍ ، نُتْلَةُ ، أَوْ هَرَم
ونعْمتُه ، يَوْمًّا إذا عَرْشُهُ انهَدَم
أحبّ إلىّ مِن مقالِهِمُ حَكَمْ
قال : وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال : أخبرنى رجل
من بنى كنانة يقال له ابن أبى صالح ورجل من أهل الرقّة مولى لبنى أسد وكان
عالمًا قالا : تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أميّة إلى النّجاشىّ الحبشىّ فأبى
أن ينفّر بينهما ، فجعلا بينهما نُفَيل بن عبد العُزّى بن رِياح بن عبد الله بن قُرط بن
رَزاح (٢) بن عدى بن كعب ، فقال لحرب : يا أبا عمرو أتنافر رجلاً هو أطول منك
قامة ، وأعظم منك هامة ، وأوسم منك وسامة ، وأقلّ منك لامة ، وأكثر منك
ولدًا، وأجزل منك صَفَدًا، وأطول منك مِذْوَدًا؟ فنفّره عليه ، فقال حرب : إن من
انتكاث الزّمان أن جعلناك حكمًا (٣).
قال : وأخبرنا هشام بن محمّد عن أبيه قال : كان عبد المطّلب نديمًا لحرب بن
أميّة حتى تنافرا إلى نُفَيل بن عبد العزّى جدّ عمر بن الخطّاب ، فلمّا نفّر نُفيل عبد
المطّلب تفرّقا ، فصار حرب نديمًا لعبد الله بن جُدْعان .
قال : أخبرنا هشام بن محمد عن أبى مسكين قال : كان لعبد المطّلب بن
هشام ماء بالطائف يقال له ذو الهَرِم وكان فى يدى ثقيف دهرًا ثمّ طلبه عبد
المطّلب منهم ، فأبوا عليه ، وكان صاحب أمر ثقيف جندب بن الحارث بن محُبيّب
ابن الحارث بن مالك بن خطيط بن جُشَم بن ثقيف ، فأبى عليه وخاصمه فيه ،
فدعاهما ذلك إلى المنافرة إلى الكاهن العذرىّ، وكان يقال له عُزّى سَلَمَة ، وكان
بالشأم ، فتنافرا على إبل سمّوها ، فخرج عبد المطّلب فى نفر من قريش ومعه ابنه
(١) قارن بالبلاذرى ج ١ ص ٦٦
(٢) بفتح الراء عن ابن ناصر الدين فى توضيح المشتبه ج ٤ ص ٩١
(٣) قارن بالطبري ج ٢ ص ٢٥٣ - ٢٥٤

٦٩
الحارث ، ولا ولد له يومئذ غيره ، وخرج جُنْدب فى نفر من ثقيف ، فَنَفَدَ ماء عبد
المطّلب وأصحابه ، فطلبوا إلى الثقفيّين أن يسقوهم ، فأبوا، ففجّر الله لهم عينًا من
تحت جِران بعير عبد المطّلب ، فحمد الله، عزّ وجلّ، وعلم أنّ ذلك منّة ، فشربوا
ريّهم وحملوا حاجتهم ، ونفد ماء الثقفيّين فبعثوا إلى عبد المطّلب يستسقونه
فسقاهم ، وأتوا الكاهن فنقّر عبد المطّلب عليهم ، فأخذ عبد المطّلب الإبل فنحرها،
وأخذ ذا الهَرم ورجع وقد فَضَّله عليه وفَضَّل قومه على قومه (١) .
ذكر نذر عبد المطّلب أن ينحر ابنه
قال : أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى ، أخبرنا محمد بن عبد الله عن
الزهرىّ عن قبيصة بن ذؤيب عن ابن عبّاس ؛ قال الواقدىّ : وحدّثنا أبو بكر بن
أبى سَبْرَة عن شيبة بن نِصاح عن الأعرج عن محمّد بن ربيعة بن الحارث وغيرهم ،
قالوا: لما رأى عبد المطّلب قلّة أعوانه فى حَفْر زَمْزَم ، وإنما كان يحفر وحده وابنه
الحارث هو بِكْرُه ، نَذَر لَئِن أكمَل الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح
أحدهم، فلمّا تكاملوا عشرة ، فهُم : الحارث والزّبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة
وأبو لهب والغَيْدَاق والمُقُوّم وضِرَار والعبّاس، جمعهم ثمّ أخبرهم بِنَذْره ودَعَاهُمْ إلى
الوفاء الله به ، فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا : أوفِ بنَذرك وافْعل ما شِئْتَ ،
فقال : ليكتُبْ كل رجل منكم اسمَه فى قِدْحِه ، ففعلوا، فدخل عبد المطّلب فى
جوف الكعبة وقال للسّادن (٢): اضرب بقداحهم ، فضرب ، فخرج قِدْح عبد الله
أوّلها ، وكان عبد المطّلب يحبّه، فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المُدْيَة ، فبكى
بناتُ عبد المطّلب ، وكنّ قيامًا، وقالت إحداهنّ لأبيها : أَعْذِر فيه بأن تضرب فى
إبلك السوائم التى فى الحرم ، فقال للسادن : اضرب عليه بالقداح وعلى عشرٍ من
الإبل ، وكانت الدية يومئذ عشرًا من الإبل ، فضرب ، فخرج القِدْح . على عبد
(١) البلاذرى : أنساب الأشراف ج ١ ص ٧٤
(٢) السادن : خادم بيت الأصنام

٧٠
الله ، فجعل يزيد عشرًا عشرًا ، كلّ ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت
المائة ، فضرب بالقداح فخرج على الإبل ، فكتر عبد المطّلب والنّاس معه ، واحتمل
بنات عبد المطّلب أخاهنّ عبد الله ، وقدّم عبدُ المطلب الإبلَ فنحرها بين الصفا
والمروة (١) .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى سعيد بن مسلم عن يَعْلَى بن مسلم
عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: لما نحرها عبد المطّلب خلّى بينها وبين كلّ
مَن وردها من إنْسِيٍّ أو سَبُع أو طائر لا يذُبّ عنها أحدًا ولم يأكل منها هو ولا أحد
من ولده شيئًا (٢).
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عبد الرحمن بن الحارث عن عكرمة
عن ابن عبّاس قال: كانت الدية يومئذ عشرًا من الإبل، وعبد المطّلب أوّل مَن سَنّ
دية النّفس مائة من الإبل ، فجرت فى قريش والعرب مائة من الإبل ، وأقَرْهَا رسولُ
الله، وَّل، على ما كانت عليه (٣).
قال : أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبىّ قال : حدّثنى الوليد بن عبد
الله بن لجميع الزهرىّ عن ابنٍ لعبد الرحمن بن مَوْهَب بن رباح الأشعرى حليف
بنى زُهرة عن أبيه قال : حدّثنى مَخْرَمَة بن نَوفل الزهرىّ قال : سَمعتُ أمّى رُقَيِقة
بنت أبى صيفىّ بن هاشم بن عبد مناف تحدّث ، وكانت لِدَةَ عبد المطّلب،
قالت : تَايَعَتْ (٤) على قريش سنون ذهبن بالأموال وأشفين على الأنفس ، قالت :
فسمعتُ قائلاً يقول فى المنام : يامعشر قريش ! إنّ هذا النبىّ المبعوث منكم ، وهذا
إبّان خروجه ، وبه يأتيكم الحيَا والخِصْبُ، فانظروا رجلاً من أوسطكم نَسبًا طُوالاً
عُظامًا أبيض مقرون الحاجبين أهْدب الأشْفار جَعْدًا سَهْلَ الخَدّيْن رقيق العِزْنِين ،
(١) النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٥١ نقلا عن ابن سعد .
(٢) النويرى : نهاية الأرب ج ١٦ ص ٥٢ نقلا عن ابن سعد.
(٣) أورده النويرى ج ١٦ ص ٥٢ نقلا عن ابن سعد .
(٤) م ((تتابعت)) ومثله لدى البلاذرى فى أنساب الأشراف ج ١ ص ٨٢. والمثبت رواية (( ل))
وقد آثرتها اعتمادًا على ماورد لدى ابن الأثير فى النهاية ( تيع ) التَّابع : الوقوع فى الشر من غير فكر
ولا روية ، ولا يكون فى الخير .

٧١
فليخرج هو وجميع ولده ، وليخرج منكم من كلّ بطن رجل ، فتطهّروا وتطيّبوا ثمّ
استلِموا الرّكن ، ثمّ ارْقَوْا رأس أبى قُبيس ، ثمّ يتقدّم هذا الرجل فيستقى وتُؤمنّون
فإنّكم سَتُسقَون ، فأصبحت فَقَصَّت رؤياها عليهم ، فنظروا فوجدوا هذه الصّفة
صفة عبد المطّلب، فاجتمعوا إليه ، وخرج من كلّ بطن منهم رجل ، ففعلوا
ما أمرتهم به ، ثمّ عَلَوْا على أبى قُبِيْس ومعهم النبيّ، وَِّ، وهو غُلام، فتقدّم عبدُ
المطّلب وقال: لاهُمّ هؤلاء عَبيدك وبنو عبيدك، وإماؤك وبنات إمائك ، وقد نزل
بنا ما ترى ، وتتابعتْ علينا هذه السّنون فذهبت بالظّلف والحُفّ وأشْفتْ على
الأَنْفُس ، فأذهِبْ عنّا الجَدْب وائتنا بالحيا والخِصْب ! فما برحوا حتى سالت
الأودية، وبرسول الله، وَثّل، سُقوا؛ فقالت رُقَيقة بنت أبى صيْفَىّ بن هشام بن
عبد مناف :
وقَدْ فَقَدْنَا الحَيَا واجْلوّذَ المطرُ
بِشَيْبَةِ الحَمْدِ أسْقَى الله بَلْدَتَنَا
دَانٍ فعاشَتْ بهِ الأنعام والشّجَرُ
فَجَادَ بالماءِ جَوْنِىٌّ له سَبَلٌ
وخيرِ مَن بُشّرَتْ يومًا بِهِ مُضَرُ
مَنَّا منَ الله بالميمونِ طائره
ما فى الأنامِ لهُ عِدْلٌ ولا خَطَرُ (١)
مبارَكِ الأمْرِ يُشْتَسْقَى الغَمامُ بِهِ
قال : أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى ، أخبرنا عبد الله بن عثمان بن
أبى سليمان عن أبيه قال : وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن البَيْلَمانى عن أبيه
قال: وحدّثنا عبد الله بن عمرو بن زُهير الكَعبى عن أبى مالك الحِمْيَرى عن عَطَاء
ابن يَسَار قال: وحدّثنا محمد بن سعيد الثقفى عن يَعْلَى بن عَطاء عن وكيع بن
عُدُس عن عمّه أبى رَزِين العُقَيْلِىّ قال : وحدّثنا سعيد بن مسلم عن عبد الله بن
كثير عن مجاهد عن ابن عبّاس ، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض ، قالوا :
كان النجاشى قد وجّه أرياط أبا أصحم فى أربعة آلاف إلى اليمن فأداخها (٢)
وغلب عليها فأعطى الملوك واستذلّ الفقراء ، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة
الأَشْرَم أبو يَكْسُوم فدعا إلى طاعته فأجابوه ، فقتل أرياط وغلَب على اليمن ، فرأى
الناس يتجهّزون أيّام الموسم للحجّ إلى بيت الله الحرام ، فَسأل : أين يذهب الناس ؟
(١) الخبر مع الأبيات لدى البلاذرى فى أنساب الأشراف ج ١ ص ٨٢ - ٨٣
(٢) أداخها : أذلها .