النص المفهرس
صفحات 781-800
٧٨١ الباب السادس: تعامل النبي صَلَّلَّ ◌َلَيْهِوَسَلََّ مع غير البشر تعامل النبي وَ اللَّ مع الدوابَ خلق الله الإنسانَ و کرّمه، وسخّر له الحيواناتِ؛ لتخدمه في قضاء حوائجه؛ فیستفید من لحومها وألبانها، ويرتدي الملابسَ من صوفها وجلودها، ويتّخذ من بعضها زينة وطيباً. قال تعالى: ﴿ وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأُ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِبِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (١) وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلََّّ بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ [النحل: ٥-٨]. وقد أرسل الله نبيه محمدا مله رحمة للعالمين، ورحمته لیست مخصوصةً بالإنس فقط، بل هي للإنس والجنِّ، والحيواناتِ، وجميع المخلوقات. ولقد كان عند النبي ◌َّ مجموعة من الدواب، من الخيل والبغال وغيرها، وكان يسمّيها: قال ابن القيم رَحَةُاللَّهُ: «فمنَ الخيلِ: السّكبُ. قيلَ: وهوَ أوّلُ فرسٍ ملكهُ، وكانَ أغرّ(١) محجّلاً(٢) طلقَ اليمين كميتاً(٣). والمرتجزُ: وكانَ أشهبَ، وهوَ الّذي شهدَ فيهِ خزيمةُ بنُ ثابتٍ. واللّحيفُ واللّزازُ والظّرِبُ وسبحةٌ والوردُ. فهذهِ سبعةٌ متّفقٌ عليها، جمعها الإمامُ أبو عبدِ الله محمّدُ بنُ إسحاقَ بنِ جماعةِ الشّافعيّ في بيتٍ فقالَ: (١) أي: في وجهه غرّة أيْ بياض. (٢) وهو الذي في قوائمه بياض. (٣) وهوَ الّذي لونهُ بين السّواد والحمرة. ٧٨٢ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لزازُ مرتجزٌ وردٌ لها أسرارُ والخيلُ سکبٌ حیفٌ سبحةٌ ظرب وكانَ لهُ منَ البغالِ: دلدلُ، وكانتْ شهباءَ (١) أهداها لهُ المقوقسُ. وبغلةٌ أخرى يقالُ لها: فضّةٌ. أهداها لهُ فروةُ الجذاميّ. وبغلةٌ شهباءُ أهداها لهُ صاحبُ أيلةَ. ومنَ الحميرِ: عفيرٌ، وكانَ أشهبَ، أهداهُ لهُ المقوقسُ ملكُ القبطِ. وحمارٌ آخرُ: أهداهُ لهُ فروةُ الجذاميُّ. وذكرَ أنّ سعدَ بنَ عبادةَ أعطى النّبيّ وَّ حماراً فركبهُ. ومنَ الإبلِ: القصواءُ، قيلَ: وهيَ الّتي هاجرَ عليها. والعضباءُ والجدعاءُ: ولمْ يكنْ بهما عضبٌ ولا جدعٌ، وإنّما سمّيتا بذلكَ، وقيلَ: كانَ بأذنها عضبٌ؛ فسمّيتْ بهِ. وهلْ العضباءُ والجدعاءُ واحدةٌ أَوْ اثنتانِ؟ فيهِ خلافٌ. والعضباءُ: هيَ الّتي كانتْ لا تسبقُ، ثمّ جاءَ أعرابيّ على قعودٍ(٢) له فسبقها، فاشتدَّ ذلكَ على المسلمينَ، وقالوا: سبقتِ العضباءُ. فقالَ رسولُ اللهِوَّ: ((إنَّ حقّاً على الله أنْ لا يرفعَ شيئاً منْ الدّنيا إلّ وضعهُ))(٣). وغنمَ ◌َِّ يومَ بدرٍ جملاً مهريّا لأبي جهلِ في أنفهِ برةٌ منْ فضّةٍ، فأهداهُ يومَ الحديبيةِ ليغيظَ بهِ المشركينَ (٤). وكانتْ لهُ مائةُ شاةٍ، وكانَ لا يريدُ أنْ تزيدَ، كلّما ولّدَ لهُ الرّاعي بهمةً ذبحَ مكانها شاةً. (١) الشهبة: لون بياض، يصدعه سواد في خلاله. لسان العرب [٥٠٨/١]. (٢) القعود منَ الإبل: ما أمكن أنْ يركب. النهاية [٤/ ٨٧] (٣) رواه البخاري [٦٠٢٠]، وقد سبق. (٤) رواه أبو داود [١٧٤٩]، وابن ماجة [٣١٠٠]، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود [١٥٣٥]. الباب السادس: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَيْهِوَسَلًَّ مع غير البشر ٧٨٣ وكانتْ لهُ سبعُ أعنزِ منائحَ ترعاهنّ أمّ أيمنَ(١). عنْ لقيطِ بنِ صبرةَ رَّعَنْهُ قالَ: قدمنا على رسولِ الله ◌َّه فلمْ نصادفهُ في منزلهِ، وصادفنا عائشةَ أمَّ المؤمنينَ. قالَ: فأمرتْ لنا بخزيرةٍ، فصنعتْ لنا، وأتينا بقناعٍ(٢). ثمَّ جاءَ رسولُ اللهِوَّه فقالَ: «هلْ أصبتمْ شيئاً أوْ أمرَ لكمْ بشيءٍ؟». قالَ: قلنا: نعمْ يا رسولَ الله. قالَ: فبينا نحنُ معَ رسولِ اللهِوَّه جلوسٌ، إذْ دفعَ الرّاعي غنمهُ إلى المراحِ، ومعهُ سخلةٌ تعرُ. فقالَ: ((ما ولّدتَ يا فلانُ؟». قالَ: بهمةً. قالَ: ((فاذبحْ لنا مكانها شاةً)). ثمَّ قالَ: ((لا تحسبنَّ أنّا مِنْ أجلكَ ذبحناها، لنا غنمٌ مائةٌ لا نريدُ أنْ تزيدَ، فإذا ولّدَ الرّاعي بهمةً؛ ذبحنا مكانها شاةً) (٣). و کان يحبُّ الخيل ویکرمها ويوصي بها: عنْ معقلٍ بنِ يسارِ قالَ: لمْ يكنْ شيءٌ أحبَّ إلى رسولِ الله ◌ََّ مِنَ الخيلِ. ثمَّ قالَ: ((اللهمَّ غفراً، لا بلِ النّساءُ))(٤). (١) زاد المعاد [١٢٨/١]. (٢) الخزيرة من الأطعمة: ما اتخذ من دقيق ولحم، يقطع اللحم صغاراً، ويصب عليه الماء، فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. والقناعُ الطّبقُ فيهِ تمرٌ. (٣) رواه أبو داود [١٤٢]، وصحّحه الألباني، وقد سبق. (٤) رواه أحمد [١٩٨٠١]، وقال شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب [٨٠٢]. ٧٨٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أنس بن مالكٍ رَتهُ أنه قال: رئيَ رسول الله ◌َّه وهوَ یمسحُ وجهَ فرسِهِ بردائِهِ، فسئلَ عنْ ذلكَ. فقالَ: ((إنّي عوتبتُ اللّيلةَ في الخيلِ))(١). قال الباجي: ((مسحهُ وَّل وجهَ فرسهِ بردائِهِ على سبيلِ الإكرامِ لهُ، والمبالغةِ في مراعاتِهِ، والإحسانِ إلیهِ. وإنّما سئلَ عنْ ذلكَ لَّا لمْ يعهدْ منهُ مثلُ هذا، فقالَ وَلَ: ((إنّ عوتبت اللّيلةَ في الخيلِ))، وهذا يقتضي أنّهُ إنّما عوتبَ في المبالغةِ في مراعاتها والتّعاهدِ لها والإحسانِ لما خصّها الله بهِ منْ أنْ جعلها سبباً للخيرِ منَ الأجرِ والمغنمِ عوناً عليهِ)(٢). وعنْ جريرِ بنِ عبدِ الله قالَ: رأيتُ رسولَ الله ◌َّ يلوي ناصيةَ فرسٍ بإصبعِهِ وهوَ يقولُ: ((الخيلُ معقودٌ بنواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ: الأجرُ والغنيمةُ)) (٣). ((الخيل معقود)) معناهُ ملويٌّ مضفور فيها، والمراد بالنّاصيةِ هنا الشّعر المسترسل على الجبهة. قالَ الخطّابُّ وغيره: قالوا: وكنّى بالنّاصيةِ عنْ جميع ذات الفرس. وفي هذهِ الأحاديث: استحباب رباطِ الخيل، واقتنائها للغزوٍ وقتال أعداء الله، وأنَّ فضلها وخيرها والجهاد باقٍ إلى يوم القيامة (٤). وكان يكره الشّكال من الخيل: عنْ أبي هريرةَ رَّعَّهُ قالَ: كَانَ رسولُ اللهِوَّه يكرهُ الشّكالَ منَ الخيلِ (٥). والشّكالُ: أنْ يكونَ الفرسُ في رجلِهِ الیمنی بياضٌ وفي يدهِ اليسرى، أوْ في يده اليمنى ورجلهِ الیسری. (١) رواه مالك في الموطأ [١٠١٩] بلاغاً، وصححه الألباني في الصحيحة برقم [٣١٨٧] بشواهده. (٢) المنتقى شرح الموطإ [٢١٦/٣]. (٣) رواه مسلم [١٨٧٢]. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٦/١٣]. (٥) رواه مسلم [١٨٧٥]. ٧٨٥ الباب السادس: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِ وَسَلَّمَ مع غير البشر وقالَ أبو عبيد وجمهور أهلِ اللّغة: هوَ أنْ يكون منهُ ثلاث قوائم محجّلة وواحدة مطلقة، تشبيهاً بالشّكالِ الّذي تشكّل بهِ الخيل، فإنّهُ يكون في ثلاث قوائم غالباً. وقيل غير ذلك. قيلَ: يحتمل أنْ يكون قدْ جرّبَ ذلكَ الجنس، فلمْ يكنْ فيهِ نجابةٌ(١). وكان ◌َاله يرفق بالهرّة، فيطعمها ويسقيها: عنْ عائشةَ رَتها قالتْ: كَانَ رسولُ الله ◌َّ يضعُ لها الإناءَ فتشربُ - يعني الهرة-، ثمَّ یتوضّأُ بفضلها(٢). وفي رواية قالت عائشة: إنَّ رسولَ الله ◌َّه قالَ: ((إنّها ليستْ بنجسٍ، إنّما هيَ منَ الطّافينَ عليكمْ))، وقدْ رأيتُ رسولَ اللهِ وَِّ يتوضّأُ بفضلها(٣). وعنْ كبشةَ بنتِ كعبِ بنِ مالكِ وكانتْ عندَ ابنِ أبي قتادةَ أَنَّ أبا قتادةَ دخلَ عليها قالتْ: فسکبتُ لهُ وضوءاً. قالتْ: فجاءتْ هرّةٌ تشربُ، فأصغى (٤) لها الإناءَ حتّى شربتْ. قالتْ كبشةُ: فرآني أنظرُ إليهِ. فقالَ: أتعجبينَ يا بنتَ أخي. فقلتُ: نعمْ. قالَ: إِنَّ رسولَ اللهِوَّه قالَ: ((إنّها ليستْ بنجسٍ؛ إنّما هيَ منْ الطّوّافينَ علیکمْ، والطّافاتِ))(٥). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٩/١٣]. (٢) رواه الطبراني في الأوسط [٧٩٤٩]، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع [٤٩٥٨]. (٣) رواه أبو داود [٧٦]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٦٩]. (٤) أي: أمال. (٥) رواه أبو داود [٧٥]، والترمذي [٩٢]، والنسائي [٨٦]، وابن ماجة [٣٦٧]، وصححه الألباني في الإرواء [١٧٣]. ٧٨٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ البغويُّ: ((يحتملُ أنّهُ شبّهها بالمماليكِ منْ خدمِ البيتِ الّذِينَ يطوفونَ على أهلِهِ للخدمةِ كقولهِ تعالى: ﴿طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. ويحتملُ أنّهُ شبّهها بمنْ يطوفونَ للحاجةِ، يريدُ أنَّ الأجرَ في مواساتها کالأجرِ في مواساةِ منْ يطوفُ للحاجةٍ))(١). و کان ینھی عن تحمیل الحیوان فوق طاقته وإجاعته وإیذائه: عنْ عبدِ الله بنِ جعفرٍ قالَ: أردفني رسولُ اللهِوَ﴾ خلفهُ ذاتَ يومٍ ... فدخلَ حائطاً لرجلٍ منَ الأنصارِ، فإذا جملٌ، فلّا رأى النّبِيَّ ◌َِّ حِنَّ وذرفتْ عيناهُ. فَأَتَاهُ النّبِيُّ ◌ََّ، فمسحَ ذفراهُ(٢)، فسكتَ. فقالَ: ((منْ ربُّ هذا الجملِ؟ لمنْ هذا الجملُ؟)). فجاءَ فَتَّى منَ الأنصارِ، فقالَ: لي يا رسولَ الله. فقالَ: ((أفلا تتّقي اللهَفي هذهِ البهيمةِ الّتي ملّككَ الله إيّاها! فإنّهُ شكا إليَّ أنّكَ تجيعهُ وتدئبهُ(٣) (٤). وعنْ سهلِ ابنِ الحنظليّةِ رَنهُ قالَ: مَّ رسولُ الله ◌َلَه بعيرِ قَدْ لحَقَ ظهرهُ ببطنِهِ، فقالَ: ((اتّقوا اللهَ في هذهِ البهائمِ المعجمةِ، فاركبوها صالحةً، وكلوها صالحةً))(٥). ((قدْ لحقَ ظهره ببطنِهِ)): أيْ: منَ الجوع. ((المعجمة)): أي: الّتي لا تقدر على النّطق. قالَ العلقميّ: والمعنى خافوا الله في هذهِ البهائم الّتي لا تتكلّم فتسأل ما بها منَ الجوع، والعطش، والتّعبِ، والمشقّة. (١) شرح السنة [٢/ ٧٠] باختصار. (٢) الذّفرى منَ البعير مؤخّر رأسه، وهوَ الموضع الّذي يعرف منْ قفاهُ. (٣) أيْ: تكرههُ وتتعبهُ. (٤) رواه أبو داود [٢٥٤٩]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٢٢٩٧]. (٥) رواه أبو داود [٢٥٤٨]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٣]. ٧٨٧ الباب السادس: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِ وَسَلَّمَ مع غير البشر ((وكلوها صالحة)): أيْ: حال كونها صالحةً للأكلِ أيْ: سمينة(١). وعن معاذٍ بن أنس رَّعَنهُ عنْ رسولِ الله ◌َّه أنّهُ مرَّ على قومِ وهمْ وقوفٌ على دوابَّ هُمْ، ورواحلَ. فقالَ لهُمْ رسولُ الله ◌َّ: «اركبوها سالمةً، ودعوها سالمً، ولا تتّخذوها كراسيّ لأحادیثکمْ في الطّرقِ والأسواقِ، فربَّ مركوبةٍ خيرٌ منْ راكبها، هيَ أكثرُ ذكراً لله تعالى منهُ))(٢). وعنْ أبي هريرةَ رَّهُ عَنِ النّبِيِّ ◌ََّ قالَ: ((إيّاكُمْ أنْ تتّخذوا ظهورَ دوابّكمْ منابرَ؛ فإنَّ اللهَ إنّما سخّرها لكمْ؛ لتبلّغكمْ إلى بلدٍ لمْ تكونوا بالغيهِ إلّا بشقِّ الأنفسِ، وجعلَ لكمُ الأرضَ، فعليها فاقضوا حاجتكمْ))(٣). وأمر بالرفق به: عنْ شريحِ بنِ هانئٍ قال: ركبتْ عائشةُ بعيراً، فكانتْ فيهِ صعوبةٌ، فجعلتْ تردّدهُ، فقالَ لها رسولُ الله ◌َّ: ((عليكِ بالرّفِقِ)) (٤). وعنْ أبي هريرةَ رَّ ◌َّعَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ََّ: ((إذا سافرتمْ في الخصبِ فأعطوا الإبلَ حظّها منَ الأرضِ، وإذا سافرتمْ في السّنةِ فأسرعوا عليها السّيرَ، وإذا عرّستمْ باللّيلِ فاجتنبوا الطّريقَ؛ فإنّها مأوى الهوامٌ باللّيل)) (٥). ((الخصب)) هوَ كثرة العشب والمرعى، وهوَ ضدّ الجدب، والمراد بالسّنةِ هنا القحط. ومعنى الحديث: الحثّ على الرّفق بالدّوابِّ، ومراعاة مصلحتها، فإنْ سافروا في الخصب قّلوا السّير، وتركوها ترعى في بعض النّهار، وفي أثناء السّير، فتأخذ حظّها منْ الأرض بما ترعاهُ منها. (١) عون المعبود [١٥٨/٧]. (٢) رواه أحمد [١٥٢١٩]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٩٠٨]. (٣) رواه أبو داود [٢٥٦٧]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٢]. (٤) رواه مسلم [٢٥٩٤]. (٥) رواه مسلم [١٩٢٦]. ٧٨٨ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنْ سافروا في القحط عجّلوا السّير؛ ليصلوا المقصد وفيها بقيّة منْ قوّتها، ولا يقلّلوا السّير، فيلحقها الضّرر؛ لأنّها لا تجد ما ترعى فتضعف، ويذهب نقيها، وربّما كلّتْ، ووقفتْ. والتّعريس: النّزول في أواخر اللّيل للنّومِ والرّاحة. وقوله: ((وإذا عرّستمْ باللّيلِ فاجتنبوا الطّريقَ؛ فإنّها مأوى الهوامٌّ باللّيل))، فهذا أدبٌّ منْ آداب السّير والنّزول، أرشدَ إليهِوَّ؛ لأنَّ الحشرات ودوابّ الأرض منْ ذوات السّموم والسّباع تمشي في اللّيل على الطّريق لسهولتها، ولأنّها تلتقط منها ما يسقط منْ مأكول ونحوه، وما تجد فيها منْ رمّة ونحوها، فإذا عرّسَ الإنسان في الطّريق ربّما مرَّ بهِ منها ما يؤذيه، فينبغي أنْ يتباعد عنِ الطّريق(١). وأخبر أن الإنسان قد يدخل النار بسبب تعذيبه للحيوان: عنْ عبدِ الله بن عمرَ رَنْهَا أَنَّ رسولَ الله ◌ََّ قالَ: «عذّبتِ امرأةٌ في هرّةٍ سجنتها حتّى ماتتْ، فدخلتْ فيها النّارَ، لا هيَ أطعمتها وسقتها إذْ حبستها، ولا هيَ تركتها تأكلُ منْ خشاشِ الأرضِ))(٢). ((خشاش الأرض)) هيَ هوامُ الأرض وحشراتها. قال النووي: ((في الحديث دليلٌ لتحريمِ قتل الهرّة، وتحريم حبسها بغيرِ طعام أوْ شراب))(٣). وبيّن أن الرفق به سببٌ لدخول الجنة ومغفرة الله: عنْ أبي هريرةَ رَعَهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((بينا رجلٌ يمشي، فاشتدَّ علیهِ العطشُ، فنزلَ بئراً، فشربَ منها، ثمَّ خرجَ فإذا هوَ بكلبٍ يلهثُ يأكلُ الثّرى منَ العطشِ (٤)، فقالَ: (١) شرح النووي على صحيح مسلم [٦٩/١٣]. (٢) رواه البخاري [٣٤٨٢]، ومسلم [٢٢٤٢]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ٢٤٠]. (٤) أيْ: يكدم بفمهِ الأرض النّديّة. والثّرى الترّاب النّدي. ٧٨٩ الباب السادس: تعامل النبي صَلّلُّ عليْهِ وَسَلَّمً مع غير البشر لقدْ بلغَ هذا مثلُ الّذي بلغَ بي، فملأَ خفّهُ ثُمَّ أمسكهُ بفيهِ ثمَّ رقيَ(١)، فسقى الكلبَ حتّى أرواهُ. فشكرَ الله لهُ فغفرَ لهُ)). قالوا: يا رسولَ الله، وإنَّ لنا في البهائمِ أجراً؟». قالَ: ((في كلِّ كبد رطبةٍ أجرٌ))(٢). أي: في الإحسان إلى كلّ حيوان حيٍّ بسقيهِ ونحوه أجرٌ، وسمّيَ الحيّ ذا كبد رطبة، لأنَّ الميّت یجفّ جسمه و کبده. قالَ الدّاوديُّ: المعنى في كلّ كبد حيٍّ أجر. وهوَ عامّ في جميع الحيوان. قالَ النّوويّ: ((إنَّ عمومه مخصوص بالحيوانِ المحترم وهوَ ما لمْ يؤمر بقتلهِ، فيحصل الثّواب بسقيهِ، ويلتحق بهِ إطعامه وغير ذلكَ منْ وجوه الإحسان إليهِ سواء كانَ مملوكاً أوْ مباحاً، وسواء كانَ مملوكاً لهُ أوْ لغيرهِ)(٣). وعنْ أبي هريرةَ رَهُ قَالَ: قَالَ النّبِيُّ ◌َ: ((بينما كلبٌ يطيفُ بركيّةٍ(٤) كادَ يقتلهُ العطشُ إِذْ رأتهُ بغيٌّ منْ بغايا بني إسرائيلَ فنزعتْ موقها (٥)، فسقتهُ، فغفرَ لها به))(٦). وأخبر أن في إطعام البهائم أجراً: عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ: «ما من مسلم يغرسُ غرساً أو يزرعُ زرعاً، فيأكلُ منهُ طيرٌ أَوْ إنسانٌ أَوْ بهيمةٌ، إلّا كانَ لهُ بِهِ صدقةٌ)(٧). (١) وإنّما احتاجَ إلى ذلكَ لأَنّهُ كانَ يعالج بيديهِ؛ ليصعد منَ البئر، وهوَ يشعر بأنَّ الصّعود منها كانَ عسراً. فتح الباري [٤١/٥]. (٢) رواه البخاري [٢٣٦٣]، ومسلم [٢٢٤٤]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ٢٤١]. (٤) أي: يدور حول بئر. (٥) أي: خفها. (٦) رواه البخاري [٣٤٦٧]، ومسلم [٢٢٤٥]. (٧) رواه البخاري [٢٣٢٠]، ومسلم [١٥٥٣]. ٧٩٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان ينهى عن التفريق بين الطيور الصغيرة وأمهاتها: وعن ابن مسعود قالَ: كنّا معَ رسولِ الله وَّه في سفرٍ، فانطلقَ لحاجتِهِ، فرأينا حمّرةً معها فرخانٍ، فأخذنا فرخیها. فجاءتْ الحمّرةُ فجعلتْ تفرشُ. فجاءَ النّبِيُّ ◌َِّ، فقالَ: ((منْ فجعَ هذهِ بولدها؟ ردّوا ولدها إليها)). ورأى قريةَ نملٍ قدْ حرّقناها، فقالَ: ((منْ حرّقَ هذهِ؟». قلنا: نحنُ. قالَ: ((إنّهُ لا ينبغي أنْ يعذّبَ بالنّارِ إلّا رَبُّ النّارِ))(١). ((حَمّرة)) طائر صغير كالعصفورِ. ((فجعلتْ تفرش)) أيْ: ترفرفتْ بجناحيها، وتقرّبتْ منَ الأرض. قالَ الخطّابيُّ: في الحديث دلالة على أنَّ تحريق بيوت الزّنابير مكروهٌ، وأمّا النّملُ فالعذر فيهِ أقلُّ؛ وذلكَ أنَّ ضرره قدْ یزول منْ غیر إحراق. قالَ: والنّملُ على ضربينِ أحدهما مؤذٍ ضرّار فدفع عاديته جائزٌ، والضّربُ الآخر الّذي لا ضرر فيهِ، وهوَ الطّوال الأرجل لا يجوز قتله(٢). ونهى عن رمي شيء من البهائم بالسهام وغيرها: عنْ هشامِ بنِ زيدٍ قالَ: دخلتُ معَ أنسٍ على الحكمِ بنِ أيّوبَ، فرأى غلماناً أوْ فتياناً نصبوا دجاجةً یرمونها. فقالَ أنسُ: ((نهى النّبِيُّنَّهِ أَنْ تصبرَ البهائمُ))(٣). (١) رواه أبو داود [٢٦٧٥] وصححه الألباني في الصحيحة [٤٨٧]. (٢) عون المعبود [٢٤٠/٧]. (٣) رواه البخاري [٥٥١٣] ومسلم [١٩٥٦]. ٧٩١ الباب السادس: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلََّ مع غير البشر ((أنْ تصبر)) أيْ: تحبس؛ لترمى حتّى تموت. وعنْ عبد الله بنِ عمَرَ رَعَنْهَ أنّهُ دخِلَ على يحيى بنِ سعيدٍ وغلامٌ منْ بني يحيى رابطٌ دجاجةً يرميها. فمشى إليها ابنُ عمرَ حتّى حلّها، ثمَّ أقبلَ بها وبالغلامِ معهُ فقالَ: ازجروا غلامكمْ عنْ أَنْ يصبرَ هذا الطّيرَ للقتلِ؛ فإنّ سمعتُ النّبِيَّ ◌ََّ نهى أنْ تصبرَ بهيمةٌ أَوْ غيرها للقتلِ(١). وفي رواية عنْ سعيدِ بنِ جبيرِ قالَ: مَرَّ ابنُ عمَرَ بفتيانٍ منْ قريشٍ قَدْ نصبوا طيراً وهمْ يرمونهُ، وقدْ جعلوا لصاحبِ الطّيرِ كلَّ خاطئةٍ منْ نبلهمْ، فلما رأوا ابنَ عمرَ تفرّقوا. فقالَ ابنُ عمَرَ: منْ فعلَ هذا؟ لعن الله منْ فعلَ هذا. إِنَّ رسولَ الله وَّ لِعنَ مِنْ اتَّخِذَ شيئاً فِيهِ الرّوحُ غرضاً (٢). وفي رواية: ((لعنَ الله منْ مثّلَ بالحيوانِ))(٣). وعنْ عبد الله بن عباسٍ رَ أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((لا تتّخذوا شيئاً فيهِ الرّوحُ غرضاً)» (٤). قال النووي: ((أيْ: لا تتّخذوا الحيوان الحيَّ غرضاً ترمونَ إليهِ، كالغرضِ منَ الجلود وغيرها، وهذا النّهي للتّحريمِ، ولهذا قالَ وَّه في رواية ابن عمر الّتي بعد هذهِ: ((لعن الله منْ فعلَ هذا))، ولأنّهُ تعذيب للحيوانِ، وإتلاف لنفسِهِ، وتضييع لماليّتِهِ، وتفويت لذكاتِهِ إِنْ كانَ مذكَّى، ولمنفعتِهِ إنْ لمْ يكنْ مذكَّى))(٥). ونهى عن وسم الحيوان في وجهه أو ضربه في وجهه: عنْ جابِرِ بن عبد الله رَّعَنْهَا أَنَّ النّبِيَّ ◌َّهِ مرَّ عليهِ حمارٌ قَدْ وسمَ في وجههِ فقالَ: «لعنَ الله الّذي وسمهُ))(٦). (١) رواه البخاري [٥٥١٤]. (٢) رواه البخاري [٥٥١٥]، ومسلم [١٩٥٨]. (٣) رواه النسائي [٤٤٤٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥١١٣]. (٤) رواه مسلم [١٩٥٧]. (٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠٨/١٣]. (٦) رواه مسلم [٢١١٧]. ٧٩٢ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي رواية: فقالَ: ((أما بلغكمْ أنّي قدْ لعنتُ منْ وسمَ البهيمةَ في وجهها، أوْ ضربها في وجهها؟))(١). قال النووي: ((أمّا الضّرب في الوجه فمنهيٌّ عنهُ في كلِّ الحيوان المحترم منَ الآدميِّ، والحمير، والخيلِ، والإبل، والبغالِ، والغنمِ، وغيرها، لكنّهُ في الآدميِّ أشدُّ، لأنّهُ مجمع المحاسن، معَ أنّهُ لطيف لأنّهُ يظهر فيهِ أثر الضّرب، وربّما شانهُ، وربّما آذى بعض الحواسِّ. وأمّا الوسم في الوجه فمنهيٌّ عنهُ بالإجماعِ للحديثِ، ولما ذكرناهُ. فأمّا الآدميّ فوسمه حرام؛ لكرامتهِ، ولأنّهُ لا حاجة إليهِ، فلا يجوز تعذيبه. وأمّا غيرُ الآدميِّ فقالَ جماعة منْ أصحابنا: يكره، وقالَ البغويُّ منْ أصحابنا: لا يجوز. فأشارَ إلى تحريمه، وهوَ الأظهر؛ لأنَّ النّبيّ ◌َِّ لِعنَ فاعله، واللّعن يقتضي التّحريم. وأمّا وسمُ غير الوجه منْ غیر الآدميِّ فجائز بلا خلاف عندنا. لكنْ يستحبّ في نعم الزّكاة والجزية، ولا يستحبّ في غيرها، ولا ينهى عنهُ. قالَ أهل اللّغة: الوسم أثر كيّة (٢). كما نهى عن التمثيل بالبهائم: عنْ عبدِ الله بنِ جعفرٍ رَّعَنْهُ قالَ: مَرَّ رسولُ الله ◌َّه على أناسٍ وهمْ يرمونَ كبشاً بالنّبْلِ، فكرهَ ذلكَ، وقالَ: ((لا تمثلوا بالبهائمِ))(٣). ((لا تمثّلُوا)) يقالُ: مثلتُ بالحيوانِ أمثلُ بهِ مثلاً، إذا قطعتَ أطرافهُ وشوّهتَ بهِ، ومثلتُ بالقتيل، إذا جدعت أنفهُ، أوْ أذنه، أوْ مذاكيره، أوْ شيئاً منْ أطرافه. والاسمُ: المثلة. فأمّا مثّلَ، بالتّشديدِ، فهوَ للمبالغة(٤). (١) رواه أبو داود [٢٥٦٤]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٢٣١٠]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤ / ٩٧]. (٣) رواه النسائي [٤٤٤٠]، وصححه الألباني. (٤) النهاية [٢٩٤/٤]. ٧٩٣ الباب السادس: تعامل النبي صَلَّلُّ عليْهِ وَسَلَّمً مع غير البشر وكان ◌َّ ينهى عن خصاء البهائم إلا لمصلحة: عنِ ابنِ عمرَ رََّةَ قالَ: ((نهى رسولُ اللهِوَّه عنْ إخصاءِ الخيلِ والبهائمِ))(١). والخصاء: شقُّ الخصيتينِ واستصالهما(٢). قالَ القرطبيُّ: «الخصاء في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلّا لمنفعةٍ حاصلة في ذلكَ، كتطييبِ اللّحم أوْ قطع ضرر عنهُ))(٣). وقالَ النّوويّ: ((يحرم خصاء الحيوان غير المأكول مطلقاً، وأمّا المأكول فيجوز في صغيره دون کبیرہ)»(٤). وممّا يدلُّ على جواز خصاء ما في خصائه منفعةٌ: عنْ عائشةَ وعنْ أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ وََّ كانَ إذا أرادَ أنْ يضحّيَ اشترى كبشینِ عظيمينِ، سمينينِ، أقرنينٍ، أملحينٍ، موجوءينٍ(٥)، فذبحَ أحدهما عنْ أمّتِهِ لمنْ شهدَ لله بالتّوحيدِ وشهدَ لهُ بالبلاغ، وذبحَ الآخرَ عنْ محمّدٍ وعنْ آلِ محمّدٍ وَّ(٦). وكان ينهى عن قتل ما لا ضرر فيه من الحيوانات: عنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَ قالَ: ((إِنَّ النّبِيَّ ◌ََّ نهى عنْ قتلِ أربعٍ منَ الدّوابِّ: النّملةُ، والنّحلةُ، والهدهدُ، والصّردُ(٧))(٨). أمّا النّمل فلا يقتل منه إلا ما آذى. (١) رواه أحمد [٤٧٥٥]، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم [٦٩٥٦]. (٢) غريب الحديث لابن الجوزي [٢/ ٤٥٣]. (٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم [١٢ / ١٢٧]. (٤) فتح الباري [٩/ ١١٩]. (٥) أيْ: خصّين. النهاية [٥/ ١٥٢]. (٦) رواه ابن ماجة [٣١٢٢] وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [٣١٢٢]. (٧) هوَ طائرٌ ضخمُ الرأسِ والمنقار، لهُ ريشٌ عظيمٌ نصفه أبيضُ ونصفهُ أسود. النهاية [٢١/٣]. (٨) رواه أبو داود [٥٢٦٧]، وصححه الألباني في الإرواء [٢٤٩٠]. ٧٩٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمّا النّحلةُ فلما فيها منَ المنفعة، وهوَ العسل والشّمع. وأمّا الهدهد والصّرد فلتحريمِ لحمها، يقال إنَّ الهدهد منتن الرّيح فصارَ في معنى الجلّالة، والصّرد تتشاءم بهِ العرب وتتطيّر بصوتِهِ وشخصه، فنهى عنْ قتلهِ؛ ليخلعَ عنْ قلوبهمْ ما ثبتَ فيها منَ اعتقادهمُ الشّؤْمَ(١). ويأمر بقتل ما فيه ضرر منها: عنْ عائشةَ رَّعَنْهَا قالتْ: قالَ رسولُ اللهِوَّةِ: ((خمسٌ مِنَ الدّوابِّ كلّها فواسقُ تقتلُ في الحلّ والحرمِ: الغرابُ، والحدأةُ، والكلبُ العقورُ، والعقربُ، والفأرةُ))(٢). وفي رواية لمسلم: ((الحيّة)) بدل ((العقرب))، وفي رواية له أيضاً تقييد الغراب بـ(الأبقع)). قال النووي: ((اتّفقَ جماهير العلماء على جواز قتلهنَّ في الحلّ والحرم والإحرام. وأصل الفسق في كلام العرب: الخروج، وسمّيَ الرّجل الفاسق ؛ لخروجهِ عنْ أمر الله تعالى وطاعته، فسمّيتْ هذهِ فواسق ؛ لخروجها بالإيذاءِ والإفساد عنْ طريق معظم الدّوابِّ. وأمّا ((الغراب الأبقع)) فهوَ الّذي في ظهره وبطنه بياض(٣). وَ(العقور)): الجارح))(٤). وعنْ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ رَهُ أَنَّ النّبِيَّ ◌َّ أَمَرَ بقتلِ الوزغ، وسّهُ فويسقاً(٥). (١) ينظر: مرقاة المفاتيح [٧/ ٢٦٨١]، الموسوعة الفقهية [٢٨٣/١٧] (٢) رواه البخاري [١٨٢٩]، ومسلم [١١٩٨]. (٣) جاء في الموسوعة الفقهية [٢١٨/٣٢]: ((اتفق الفقهاء على أن الغراب من الفواسق، لكن الحنفية خصوا ذلك بالغراب الذي يأكل الجِيف -أي النجاسات- مع غيرها، وليس منه غراب الزرع، وهو الذي يأكل الزرع. وذهب المالكية إلى عدّ الغراب من الفواسق مطلقاً، سواء كان أسود أو أبقع. وقال الشافعية: الغراب أنواع، منها: الأبقع، وهو فاسق محرم بلا خلاف، ومنها: الأسود الكبير، وهو حرام على الأصح، ومنها: غراب الزرع، وهو حلال على الأصح ... وذهب الحنابلة إلى أن ما يباح أكله من الغربان ليس من الفواسق، ونصوا على أنه لا يباح أكل العقعق والقاق وغراب البين والغراب الأبقع)). (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [٨/ ١١٣] باختصار. (٥) رواه البخاري [٣٣٠٦]، ومسلم [٢٢٣٨]. ٧٩٥ الباب السادس: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّ مع غير البشر وعنْ أبي هريرةَ رَنهُ أَنَّ رسولُ الله ◌َّه قال: ((منْ قتلَ وزغةً في أوّلِ ضربةٍ فلهُ كذا وكذا حسنةً، ومنْ قتلها في الضّربةِ الثّانيةِ فلهُ كذا وكذا حسنةً لدونِ الأولى، وإنْ قتلها في الضّربةِ الثّالثةِ فلهُ كذا وكذا حسنةً لدونِ الثّانيةِ))(١). وعنْ أمّ شريكٍ رَضْلَهَ أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ أَمرَ بقتلِ الوزغ، وقالَ: ((كانَ ينفخُ على قال النووي: ((اتّفقوا على أنَّ الوزغ منَ الحشرات المؤذيات، وأمرَ النّبيّ ◌َّ بقتلِهِ، وحثّ عليهِ، ورغّبَ فيهِ لكونِهِ منَ المؤذيات))(٣). ونهى عن قتل الحيوان على سبيل العبث: عنْ عبدِ الله بنِ عمرٍ وَ رَّهَ أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قالَ: «منْ قتلَ عصفوراً بغيرِ حقّهِ سألهُ الله عنهُ يومَ القيامةِ». قيلَ: وما حقّهُ؟ قالَ: ((أنْ تذبحهُ، فتأكلهُ)) (٤). وكان يحثُّ على الرحمة بالحيوانات: عنْ أبي أمامةَ رضيَ الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله وَّه قال: «منْ رحمَ ولوْ ذبيحةَ عصفور رحمهُ اللهُ يومَ القيامةِ)) (٥). وعنْ معاويةَ بنِ قرّةَ عنْ أبيهِ أنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ الله، إنّي لأذبحُ الشّاةَ وأنا أرحمها، أوْ قالَ: إنّي لأرحمُ الشّاةَ أنْ أذبحها. (١) رواه مسلم [٢٢٤٠]. (٢) رواه البخاري [٣٣٥٩]، ومسلم [٢٢٣٧]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ٢٣٦]. (٤) رواه النسائي [٤٤٤٥]، والحاكم [٧٥٧٤]، وصححه، ووافقه الذهبي، وضعفه الألباني. (٥) رواه الطبراني في الكبير [٧٩١٥]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [٦٢٦١]. ٧٩٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: ((والشّاةُ إِنْ رحمتها رحمكَ الله))(١). ونهى عن سبّها ولعنها، وخاصّة الديك: عنْ زيدِ بنِ خالِدٍ رَّ ◌َنُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((لا تسبّوا الدّيكَ؛ فإنّهُ يوقظُ للصّلاةِ»(٢). أيُ: قيام اللّيل بصياحهِ فيهِ، ومنْ أعانَ على طاعة يستحقُّ المدح لا الذّمَّ. قالَ المناويُّ: جرتْ العادة بأنّهُ يصرخ صرخات متتابعة إذا قربَ الفجر، وعند الزّوال فطرة فطرهُ الله عليها. قالَ الحليميُّ: يؤخذ منهُ أنَّ كلّ منْ استفيدَ منهُ الخير لا ينبغي أنْ يسبَّ، ولا أنْ يستهان بهِ، بلْ يكرم، ويحسن إليهِ(٣). وعنْ عمرانَ بنِ حصينٍ قالَ: بينما رسولُ اللهِوَّه في بعضِ أسفارهِ وامرأةٌ منَ الأنصارِ علی ناقةٍ، فضجرتْ، فلعنتها. فسمعَ ذلكَ رسولُ اللهِوَّه فقالَ: ((خذوا ما عليها، ودعوها؛ فإنّها ملعونةٌ)). قالَ عمرانُ: فكأنّ أراها الآنَ تمشي في النّاسِ ما يعرضُ لها أحدٌ(٤). وعنْ أبي برزةَ الأسلميِّ رَّهُ قالَ: بينما جاريةٌ على ناقةٍ عليها بعضُ متاعِ القومِ إِذْ بصرتْ بالنّبِّ وَِّ، وتضايقَ بهمُ الجبلُ، فقالتْ: حلْ(٥)، اللهمَّ العنها. قالَ: فَقالَ النّبِيُّ ◌َ: (( لا تصاحبنا ناقٌ عليها لعنةٌ) (٦). قال النووي: ((وإنّما قالَ هذا زجراً لها ولغيرها، وكانَ قَدْ سبقَ نهيها ونهي غيرها عنْ (١) رواه أحمد [١٥١٦٥]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٦]. (٢) رواه أبو داود [٥١٠١]، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٥٧٠١]. (٣) عون المعبود [١٤ /٥]. (٤) رواه مسلم [٢٥٩٥]. (٥) زجر للنّاقةِ إذا حثئتها على السّير. النهاية [١/ ٤٣٣]. (٦) رواه مسلم [٢٥٩٦]. ٧٩٧ الباب السادس: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِ وَسَلَّمَ مع غير البشر اللّعن، فعوقبتْ بإرسالِ النّاقة، والمراد النّهي عنْ مصاحبته لتلكَ النّاقة في الطّريق، وأمّا بيعها وذبحها وركوبها في غير مصاحبته بَّةٍ، وغير ذلكَ منَ التّصرّ فات التي كانتْ جائزة قبل هذا فهيَ باقية على الجواز؛ لأنَّ الشّرع إنّما وردَ بالنّهي عنْ المصاحبة، فبقيَ الباقي كما كانَ. والمراد هنا: خذوا ما عليها منَ المتاع ورحلها وآلتها))(١). وكان يأمر من يريد ذبح شاة أن يختار غير الحلوب: عنْ أبي هريرةَ رَّعَّهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَلَه أتى رجلاً منْ الأنصارِ، فأخذَ الشّفرةَ ليذبحَ لرسولِ اللهِ وَلِّ، فقالَ لهُ رسولُ الله ◌َ: ((إيّاكَ والحلوبَ))(٢). وكان يأمر بالإحسان والرفق بها أثناء الذبح: عنْ شدّادِ بنِ أوسِ رَهُ قالَ: ثنتانِ حفظتهما عنْ رسولِ الله ◌َّه قالَ: ((إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتمْ فأحسنوا القتلةَ، وإذا ذبحتمْ فأحسنوا الذّبحَ، وليحدَّ أحدكمْ شفرتهُ، وليرحْ ذبيحتهُ))(٣). قال النووي: ((ولیرحْ ذبيحته)»: بإحدادِ السّكّين، وتعجيل إمرارها وغير ذلكَ، ويستحبّ ألّا يحدّ السّكّين بحضرةِ الذّبيحة، وألّا يذبح واحدة بحضرةِ أخرى، ولا يجرّها إلى مذبحها. وقوله ◌َّ: ((فأحسنوا القتلة)) عامٌّ في كلّ قتيل منَ الذّبائح، والقتل قصاصاً، وفي حدٍّ، ونحو ذلكَ. وهذا الحديث منْ الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام)) (٤). وعنِ ابنِ عبّاسٍ رَ عَنْهَا أنَّ رجلاً أضجعَ شاةً يريدُ أنْ يذبحها وهوَ يحدُّ شفرتهُ، فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((أتريدُ أنْ تميتها موتاتٍ؟! هلّا حددتَ شفرتكَ قبلَ أنْ تضجعها))(٥). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٦/ ١٤٨]. (٢) رواه مسلم [٢٠٣٨]، وقد سبق مطوّلًا. (٣) رواه مسلم [١٩٥٥]. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٣ / ١٠٧]. (٥) رواه الحاكم [٧٥٦٣]، وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٤]. ٧٩٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان ينهى عن إنزاء الحمير على الخيل: عنْ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ رَّعَنْهُ قالَ: أهديتْ إلى رسولِ اللهِوَّل بغلةٌ، فركبها، فقالَ عليٍّ: لوْ حملنا (١) الحميَر على الخيلِ؛ لكانتْ لنا مثلُ هذهِ(٢). فقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((إنّما يفعلُ ذلكَ الّذينَ لا يعلمونَ)(٣). قيلَ : سببُ الكراهة استبدال الأدنی بالّذي هوَ خیر. وقالَ الخطّابِيُّ: يشبه أنْ يكون المعنى والله أعلم: أنَّ الحمر إذا حملتْ على الخيل قلَّ عددها وانقطعَ نماؤها وتعطّلتْ منافعها، والخيل يحتاج إليها للرّكوبِ، والرّكض، والطّلب، والجهاد، وإحراز الغنائم، ولحمها مأكولٌ، وغير ذلكَ منَ الفوائد، وليسَ للبغلِ شيء منْ هذهِ، فأحبَّ أنْ يكثر نسلها؛ ليكثر الانتفاع بها. أهـ (٤). الحيوانات تشهد بنبوته أحد اليه :2 وَسَيَـ عنْ أبي سعيد الخدريِّ رَوَ عَنهُ قالَ: عدا الذّئبُ على شاةٍ، فأخذها، فطلبهُ الرّاعي، فانتزعها منهُ، فأقعى الذّئبُ على ذنبهِ قالَ: ألا تتّقي اللهَ! تنزعُ منّي رزقاً ساقهُ الله إليَّ؟ فقالَ: يا عجبي ذئبٌ مقعٍ على ذنبهِ يكلّمني كلامَ الإنسِ! فقالَ الذّئبُ: ألا أخبركَ بأعجبَ منْ ذلكَ؟ محمّدٌ وَّه بِيثربَ يخبرُ النّاسَ بأنباءِ ما قدْ سبقَ. قالَ: فأقبلَ الرّاعي يسوقُ غنمهُ حتّى دخلَ المدينةَ، فزواها إلى زاويةٍ منْ زواياها، ثمَّ أتى رسولَ الله ◌َِّ فأخبرهُ. فأمرَ رسولُ الله ◌ٍَّ فنوديَ: الصّلاةُ جامعةٌ. (١) أيْ: أنزينا. (٢) الإشارةُ إلى بغلة رسول الله ◌َله (٣) رواه أبو داود [٢٥٦٥]، والنسائي [٣٥٨٠]. وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٢٣١١]. (٤) عون المعبود [١٦٧/٧]. ٧٩٩ الباب السادس: تعامل النبي صَلَّلَُّ عليْهِ وَسَلَّمَ مع غير البشر ثمَّ خرجَ، فقالَ للرّاعي: (أخبرهمْ)). فأخبرهمْ، فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((صدقَ، والّذي نفسي بيدهِ لا تقومُ السّاعةُ حتّى يكلّمَ السّباعُ الإنسَ، ويكلّمَ الرّجلَ عذبةُ سوطِهِ، وشراكُ نعلهِ، ويخبرهُ فخذهُ بما أحدثَ أهلهُ بعدهُ))(١). الأسد يساعد سفينة حبّاً لرسول الله وحله : عنْ سفينةَ مولى رسولِ الله وَّ قالَ: ركبتُ البحرَ في سفينةٍ، فانكسرتْ، فركبتُ لوحاً منها، فطرحني في أجمةٍ(٢) فيها أسدٌ، فلمْ يرعني إلاّ بهِ، فقلتُ: يا أبا الحارثِ، أنا مولى رسولِ الله ◌َّهِ، فطأطاً رأسهُ، وغمزَ بمنكبهِ شقّي، فما زالَ يغمزني، ويهديني إلى الطّريقِ حتّى وضعني على الطّريقِ، فلمّا وضعني همهمَ، فظننتُ أنّهُ يودّعني(٣). وفي رواية عنِ ابنِ المنكدرِ أنَّ سفينةَ مولى رسولِ الله وَّل أخطأَ الجيشَ بأرضِ الرّومِ، أَوْ أسرَ، فانطلقَ هارباً يلتمسُ الجيشَ، فإذا هوَ بالأسدِ. فقالَ: يا أبا الحارثِ أنا مولى رسولِ الله وََّ، كانَ منْ أمري كيت وكيتَ. فأقبلَ الأسدُ لهُ بصبصةٌ حتّى قامَ إلى جنبِهِ، كلّما سمعَ صوتاً أهوى إليهِ، ثمَّ أقبلَ يمشي إلى جنبهِ حتّى بلغَ الجيشَ، ثمَّ رجعَ الأسدُ(٤). (١) رواه أحمد [١١٣٨٣]، وصححه الألباني في الصحيحة [١٢٢]، وقد سبق. (٢) الأجمة: الشجر الكثير الملتفُّ. لسان العرب [١/ ٢٣]. (٣) رواه الحاكم [٤٢٣٥]، وصحّحه، ووافقه الذهبي. (٤) رواه عبد الرزاق في المصنف [٢٠٥٤٤]، وأبو نعيم في الحلية [٩/ ١٣٠]، وصححه الألباني في تحقيق المشكاة [٥٩٤٩].