النص المفهرس
صفحات 761-780
٧٦١ الباب الخامس: تعامل النبي صَلَ للَّهُ عليْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة تعامل النبي والجلاء مع الصغار كان النّبِيُّ وَّهِ شديدَ الاهتمام بالأطفال، يحثَّ على رحمتهم، والشفقةِ عليهم، وهو القائل ◌َّ: ((ليسَ منّا منْ لمْ يرحمْ صغيرنا))(١). و کان گّ﴾ يرحم الطفلَ ویشفقُ علیه ولو كان ولد زنا: فلما جاءته الغامدية التي زنت ردها حتى تلد، فلما وضعت وجاءت قالَ وَّ: ((إذاً لا نرجمها وندعُ ولدها صغيراً ليسَ لهُ منْ يرضعهُ)). فقامَ رجلٌ منْ الأنصارِ فقالَ: إليَّ رضاعهُ يا نبيَّ الله(٢). وكان من هديه مع الصغار: تبريكهم، وتحنيكهم، والدّعاء لهم. فكان ◌َّ يؤتى بالصبيان، فيبرّك عليهم، ويحنّكهم، ويدعو لهم، وكان الصحابة رضوان عليهم إذا ولدَ لهم مولودٌ؛ أتوا به رسولَ الله ◌َّ التماساً للبركة. عنْ أسماءَ رَّعَنْهَا أَنّها حملتْ بعبدِ الله بنِ الزّبيِرِ قالتْ: فخرجتُ وأنا متمٌّ(٣) فأتيتُ المدينةَ، فنزلتُ بقباءٍ، فولدتهُ بقباءٍ. ثُمَّ أتيتُ بِهِ النّبِيَّ ◌َِّ، فوضعتهُ في حجرهِ، ثمَّ دعا بتمرةٍ، فمضغها، ثمَّ تفلَ في فیهِ، فكانَ أوّلَ شيءٍ دخلَ جوفهُ ريقُ رسولِ الله ◌ِّهِ، ثمَّ حنّكَهُ بتمرةٍ، ثمَّ دعا لهُ وبرّكَ عليهِ، وكانَ أوّلَ مولودٍ ولدَ في الإسلامِ(٤). (١) رواه الترمذي [١٩٢٠] عن عبد الله بن عمرو رَّلَ عَنْهُ)، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥٤٤٤]. (٢) رواه مسلم [١٦٩٥]. (٣) أيْ: مقاربةٌ للولادةِ. (٤) رواه البخاري [٣٦١٩]. ٧٦٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أنس بن مالك رَّ ◌َنهُ قال: ذهبتُ بعبدِ الله بنِ أبي طلحةَ الأنصاريِّ إلى رسولِ الله وَله حينَ ولدَ، ورسولُ اللهِوَلَه في عباءةٍ يهنأُ بعيراً لهُ(١). فقالَ: «هلْ معكَ تمرٌ؟)). فقلتُ: نعمْ، فناولتهُ تمراتٍ، فألقاهنَّ في فيهِ، فلاكهنَّ ثمَّ فغرَ فا الصّبيِّ(٢) فمجّهُ في فیهِ، فجعلَ الصّبيُّ يتلمّظهُ(٣). فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((حبُّ الأنصارِ التّمَرَ))، وسمّهُ عبدَ الله (٤). ((حبّ الأنصار التّمر)) رويَ بضمِّ الحاء وكسرها فالكسر بمعنى المحبوب، أيْ: محبوب الأنصار التّمر، وأمّا على ضمّ الحاء فتقديره: انظروا حبِّ الأنصار التّمر(٥). وكان يسمّيهم، ويختار لهم الأسماء الحسنة: عن سهل بن سعد رَ عَنْهُ قالَ: أتيَ بالمنذرِ بنِ أبي أسيدٍ إلى النّبِيِّ نَِّ حِينَ ولدَ، فوضعهُ علی فخذهِ، وأبو أسیدٍ جالسٌ. فلها النّبِيُّ ◌َّ بِشيءٍ بينَ يديهِ(٦)، فأمرَ أبو أسيدٍ بابنِهِ، فاحتملَ منْ فخذِ النّبِيِّ وَّ . فاستفاقَ النّبِيُّ ◌َِّ، فقالَ: ((أينَ الصّبيُّ؟))(٧). فقالَ أبو أسيدٍ: قلبناهُ يا رسولَ الله(٨). قالَ: (ما اسمهُ)). (١) أيْ: يطليه بالقطرانِ. (٢) أي: فتحه. (٣) أيْ: يحرّك لسانه ليتّع ما في فيهِ منْ آثار التّمر، وأكثر ما يفعل ذلكَ في شيء يستطيبهُ. (٤) رواه مسلم [٢١١٤]. (٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ١٢٣]. (٦) أي: انشغل. (٧) أي: انقضى ما كانَ مشتغلاً بهِ، فأفاقَ منْ ذلكَ، فلمْ يرَ الصّبيّ فسألَ عنهُ. (٨) أيْ: صرفناهُ إلى منزله. ٧٦٣ الباب الخامس: تعامل النبي صَلَ للَّهُ عليْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة قال: فلانٌ. قالَ: ((ولكنْ أسمهِ المنذرَ))، فسّاهُ يومئذٍ المنذرَ(١). قال النووي: ((وسبب تسمية النّبيّمَ﴾ هذا المولود ((المنذر)) لأنَّ ابن عمّ أبيهِ المنذر بن عمرو كانَ قدْ استشهدَ ببئرِ معونة، وكانَ أميرهمْ، فتفاءلَ بِهِ؛ ليكونَ خلفاً منهُ)) (٢). وعن أبي موسى رََّّهُ قال: ولدَلي غلامٌ، فأتيتُ بِهِ النّبِيَّ وَجَّ، فسمّاهُ إبراهيمَ، وحنّكهُ بتمرةٍ، ودعا له بالبر كة، ودفعه إليّ(٣). وفيهِ: التّسمية بأسماءِ الأنبياء عَلَيَّهِمْ السَّلَامُ، وأنَّ قوله وَِّ ((أحبّ الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرّحمن)) ليسَ بمانعِ منَ التّسمية بغير هما، ولذا سمّى ابن أبي أسيدِ بالمنذر (2). و کان یجلسهم على حجره، وفخذه، ويحتمل ما قد يصدر منهم: عنْ عائشةَ زوج النّبِيِّ وَ أَنَّ رسولَ اللهِ ◌ِّكَانَ يؤتى بالصّبيانِ، فِيبِرّكُ علیھمْ، ويحنّكهمْ، فأتيَ بصبيٍّ فبالَ عليهِ، فدعا بماءٍ فأتبعهُ بولهُ ولمْ يغسلهُ(٥). وعنْ أمِّ قيسٍ بنتِ محصنٍ رَهُ أنّها أتتْ بابنٍ لها صغيرٍ لمْ يأكلُ الطّعامَ إلى رسولِ الله فأجلسهُ رسولُ الله ◌َّ في حجرهِ، فبالَ على ثوبِهِ، فدعا بماءٍ، فنضحهُ، ولمْ يغسلهُ(٦). ففي هذا الحديث: الرّفقُ بالأطفالِ، والصّبرُ على ما يحدثُ منهمْ، وعدمُ مؤاخذتهمْ؛ لعدم تکلیفهم(٧). (١) رواه البخاري [٦١٩١] ومسلم [٢١٤٩]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤ /١٢٨]. (٣) رواه البخاري [٥٤٦٧]، ومسلم [٢١٤٥]. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ١٢٦]. (٥) رواه البخاري [٥٤٦٨]، ومسلم [٢٨٦]. (٦) رواه البخاري [٢٢٣]، ومسلم [٢٨٧]. (٧) فتح الباري [١٠/ ٤٣٤]. ٧٦٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان مَّله يداعبهم ويلاطفهم: عنْ أمِّ خالدٍ بنتِ خالِدٍ رَتْهَا قالتْ: أتيَ رسولُ اللهِ وَّه بثيابِ فيها خميصةٌ سوداءُ، فقالَ: ((منْ ترونَ نكسوها هذهِ الخميصةَ؟»، فأسكتَ القومُ. قالَ: ائتوني بأمّ خالدٍ، فأُتيَ بِي النّبِيُّ وَّهِ، فألبسنيها بيدهِ. فجعلَ ينظرُ إلى علمِ الخميصةِ ويشيرُ بيدهِ إليَّ ويقولُ: ((يا أمَّ خالٍ هذا سنا، ويا أمَّ خالدٍ هذا سنا». ؟ (١). والسّنا بلسانِ الحبشيّةِ الحسنُ(١ وكانت أم خالد مع أهلها في هجرة الحبشة، فلذلك داعبها النبي وقدّ بلسان أهل الحبشة. ((أبلي وأخلقي)) تطلق العرب ذلكَ وتريد الدّعاء بطولِ البقاء للمخاطبِ بذلكَ، أيْ أنّها تطول حیاتہا حتّی یبلى الثّوب ويخلق. قالَ الخليل: أبلٍ وأخلقْ معناهُ: عشْ وخرّقْ ثيابك، وارقعها(٢). قالَ البخاري: ((لم تعشْ امرأة مثل ما عاشتْ هذهٍ)(٣). ومن مداعبته وملاطفته للصغار: عن أنس بن مالك رَضْلُ عنه قال: كان رسول الله ◌ُ له يلاعب زينب بنت أم سلمة، ويقول: ((یا زوینبُ، یا زوینبُ)) مراراً (٤). قال ابن القيم: ((وقدْ دخلتْ عليهِ ◌َّ وهوَ يغتسل فنضحَ في وجهها، فلمْ يزلْ ماء الشّباب في وجهها حتّى كبرتْ))(٥). (١) رواه البخاري [٥٨٤٥]. (٢) فتح الباري [٢٨٠/١٠]. (٣) فتح الباري [٦/ ١٨٤]. (٤) رواه الضياء في المختارة [١٧٣٣]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢١٤١]. (٥) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود [١/ ١٢٢]، الاستيعاب [١٨٥٥/٤] لابن عبد البر. ٧٦٥ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح عامة وقد وقف بین یدیہ ذات مرّةٍ محمودُ بن الریبع، وهو ابن خمس سنين، فمجّ ێ﴾ في وجهه مجًّ من ماء من دلو یمازحه بها. عنْ محمودِ بنِ الرّبيعِ قالَ: ((عقلتُ مِنْ النّبِّ ◌َّ مُجَّةً مجّها في وجهي وأنا ابنُ خمسِ سنينَ منْ دلوٍ))(١). فكان من بركة ذلك أنه لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية النّبيّ إلا تلك المجة، فعدَّ بها من الصحابة. قال ابن حجر: ((المجُّ هوَ إرسال الماء منَ الفم، وقيلَ: لا يسمّى مجاً إلّا إنْ كانَ على بعد. وفعلهُ النّبِيُّ ◌ََّ مِعَ محمود إمّا مداعبةً منهُ، أوْ ليبارك عليهِ بها كما كانَ ذلكَ منْ شأنه معَ أولاد الصّحابة. وفي هذا الحديث منَ الفوائد: جوازُ إحضار الصّبيان مجالس الحديث، وزيارة الإمام أصحابه في دورهمْ، ومداعبته صبيانهمْ))(٢). ومن ذلك أيضاً ملاعبته لطفل فطيمٍ: قال أنسُ بنُ مالك رَّعَنْهُ: كَانَ النّبيُّ ◌َّه أحسنَ النّاسِ خلقاً، وكانَ لي أخٌ يقالُ لهُ: أبو عميرٍ، وكان فطيماً، وكانَ إذا جاءَ قالَ: ((يا أبا عمير ما فعلَ النّغيرُ))(٣). النّغیر: طائر کان یلعب به. من فوائد الحدیث: فيه: جوازُ تكنية منْ لمْ يولد لهُ. وفيهِ: تكنية الطّفل، وأَنّهُ ليسَ كذباً. وفيهِ: جوازُ المزاج فيما ليسَ إثماً. (١) رواه البخاري [٧٧]. (٢) فتح الباري [١/ ١٧٣] باختصار. (٣) رواه البخاري [٦٢٠٣] ومسلم [٢١٥٠]. ٧٦٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيهِ: جوازُ تصغير بعض المسمّيات. وفيهِ: جوازُ لعب الصّبيّ بالعصفورِ، وتمكين الوليّ إيّاهُ منْ ذلكَ. وفيهِ: جوازُ السّجع بالكلامِ الحسن بلا كلفة. وفیهِ: ملاطفة الصّبیان وتأنيسهمْ. وفيهِ: بيانُ ما كانَ النّبِيّ ◌ََّ عليهِ منْ حسن الخلق، وكرمِ الشّمائلِ، والتّواضع. وفيهِ: زيارةُ الأهل؛ لأنَّ أمّ سليمٍ والدة أبي عمير هيَ منْ محارمه وََّ(١). وكذلك كان يداعبُ أنس بن مالك: عنْ أنسِ بن مالكٍ رَهُ قالَ: ربّما قالَ ليَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((يا ذا الأذنينِ)) يعني يما زحهُ(٢). هذا القولَ منْ جملةِ مداعباتِهِ وَلّهِ ولطيفِ أخلاقِهِ(٣). ومن ملاعبته لهم أنه كان يسابق بينهم: فكان النّبِيُّ ◌َّ يصفُّ عبدَ الله، وعبيدَ الله، وكثيّراً، منْ بني العبّاسِ ثمَّ يقولُ: ((منْ سبقَ إليّ، فلهُ كذا و كذا)). قالَ: فيستبقونَ إليهِ، فيقعونَ على ظهرهِ وصدرهِ، فيقبّلهمْ، ويلزمهمْ(٤). وكان إذا مر بهم سلّم عليهم: عن أنس بن مالك قالَ: أتى رسولُ الله ◌ٍَّ على غلمانٍ [يلعبونَ] فسلّمَ عليهم (٥). وعنْ أنسٍ قالَ: أتى عليَّ رسولُ الله ◌َّه وأنا ألعبُ معَ الغلمانِ، فسلّمَ علينا (٦). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ١٢٩]. (٢) رواه أبو داود [٥٠٠٢] والترمذي [١٩٩٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٠٩]. (٣) تحفة الأحوذي [١٠٨/٦]. (٤) رواه أحمد [١٨٣٩] وقال في مجمع الزوائد [٢٨٥/٩]: إسناده حسن، وضعفه الألباني في الضعيفة [٦٥٤٧]. (٥) رواه البخاري [٦٢٤٧]، ومسلم [٢١٦٨]، وأبو داود [٥٢٠٢] والزيادة له. (٦) رواه مسلم [٢٤٨٢]. ٧٦٧ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع شرائح عامة لقد كان ◌َله بهذه الأسلوبِ يدخلُ السرورَ والفرح إلى نفوس هؤلاء الناشئة، ويعطيهم الدفعة المعنوية ليتعودوا محادثة الكبار والرّد والأخذ والعطاء معهم، وهذا من حكمته وَال. و کان یمسحُ على رؤوس الصغار: كان رسول الله وَّ يداعبُ الأطفال، فيمسح رؤوسهم، فيشعرون بالعطف والحنان. فعن أنس رَوَلَُّ عَّهُ قال: كانَ رسول الله ◌َّه يزور الأنصار، [فإذا جاءَ إلى دورِ الأنصارِ جاءَ صبيانُ الأنصارِ يدورونَ حولهُ] فيسلّم على صبيانهمْ، ويمسح على رءوسهمْ، ويدعو لهمْ(١). وعنْ عبدِ الله بنِ هشامٍ وكَانَ قَدْ أدركَ النّبِيَّ ◌َّه وذهبتْ بِهِ أمّهُ زينبُ بنتُ حميدٍ إِلى رسولِ اللهِ وَّ، فقالتْ: يا رسولَ الله بایعهُ. فقالَ: ((هوَ صغيرٌ))، فمسحَ رأسهُ، ودعا لهُ(٢). كما كان يمسح خد الطفل: عنْ جابِرِ بنِ سمرةَ رَّهُ قالَ: صلّيتُ معَ رسولِ اللهِوَّهَ صلاةَ الأولى(٣)، ثمَّ خرجَ إلى أهلِهِ، وخرجتُ معهُ، فاستقبلهُ ولدانٌ، فجعلَ يمسحُ خدّيْ أحدهمْ واحداً واحداً. قالَ: وأمّا أنا فمسحَ خدّي. قالَ: فوجدتُ ليدهِ برداً أوْ ريحاً كأنّما أخرجها منْ جونةِ عطّارٍ (٤).(٥) قال النووي: ((وفي مسحه وَّ الصّبيان بيان حسن خلقه، ورحمته للأطفالِ، وملاطفتھمْ))(٦). (١) رواه النسائي في الكبرى [٨٣٤٩]، والطحاوي في شرح مشكل الآثار [١٥٧٧]، والزيادة له، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٤٦٠]. (٢) رواه البخاري [٢٥٠٢]. (٣) يعني الظّهر. (٤) الّتي يعدّ فيها الطّبُ ويحرز. النهاية [٣١٨/١]. (٥) رواه مسلم [٢٣٢٩]. (٦) شرح النووي على صحيح مسلم [٨٥/١٥]. ٧٦٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان النبي ◌َّه يقبّلُ الأطفال: عنْ عائشةَ رَتْها قالتْ: قدمَ ناسٌٌ منَ الأعرابِ على رسولِ اللهِوَّه فقالوا: «أتقبّلونَ صبیانکمْ)). فقالوا: نعمْ. فقالوا: لكنّا والله ما نقبّلُ. فقالَ رسولُ الله ◌َّةِ: ((وأملكُ إنْ كانَ الله نزعَ منكمُ الرّحمةَ))(١). إعطاؤه ◌َّ الهدايا للأطفال: لما كان للهديّةِ أثرٌ طيّبٌ في النفس البشريّة عامّةً، وفي نفس الأطفال أكثر تأثيراً، وأكبر وقعاً، فقد کان النّبُّ ګ يعطي الأطفالَ منها ويتحفهم بها. عنْ أبي هريرةَ رَّهُ أَنَّ رسولَ اللهَِّ كانَ يؤتى بأوّلِ الثّمرِ، فيقولُ: اللهمَّ باركْ لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدّنا، وفي صاعنا، بركةً معَ بركةٍ، ثمَّ يعطيهِ أصغرَ منْ يحضرهُ منَ الولدانِ(٢). قال النووي: «فيهِ: بيانُ ما كانَ عليهِ مَِّ مِنْ مكارم الأخلاق، وكمال الشّفقة والرّحمة، وملاطفة الكبار والصّغار، وخصَّ بهذا الصّغير؛ لكونِهِ أرغب فيهِ، وأكثر تطلّعاً إليهِ، وحرصاً علیهِ))(٣). وقد سبق حديثُ أم خالد لما أتِيَ رسولُ الله ◌َ﴿ بثيابٍ فقالَ: منْ ترونَ نكسوها هذهِ الخميصةَ فأسكتَ القومُ، قالَ: ائتوني بأمِّ خالٍ، فأتيَ بِي النّبِيُّ ◌َِّ، فَألبسنيها بيدهِ(٤). وكان النبيُّ ◌َّ حريصاً على تعليم الصغار وتربيتهم: عنْ عبد الله بنِ عبّاسِ رَةَ قالَ: كنتُ خلفَ رسولِ اللهِ وَلّه يوماً، فقالَ: ((يا غلامُ، إنّي (١) رواه البخاري [٥٩٩٨]، ومسلم [٢٣١٧]. (٢) رواه مسلم [١٣٧٣]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٩/ ١٤٦]. (٤) رواه البخاري [٥٨٤٨] عن أم خالد بنت خالد رَضَ لَّهُ عَنْهَا. ٧٦٩ الباب الخامس: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع شرائح عامة أعلّمَكَ كلماتٍ: احفظِ اللهَ يحفظكَ، احفظِ اللهَ تجدهُ تجاهكَ، [تعرّفْ إليهِ في الرّخاء يعرفكَ في الشّدّةِ] إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعنْ بالله. واعلمْ أنَّ الأمّةَ لوْ اجتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لمْ ينفعوكَ إلّا بشيءٍ قَدْ كتبهُ الله لكَ، ولوْ اجتمعوا على أنْ يضرّوكَ بشيءٍ لمْ يضرّوكَ إلّا بشيءٍ قَدْ كتبهُ الله عليكَ. رفعتْ الأقلامُ، وجفّتْ الصّحفُ [واعلمْ أنَّ في الصّبِرِ على ما تكرهُ خيراً كثيراً وأنَّ النّصرَ معَ الصّبِرِ وأنَّ الفرجَ معَ الكربِ وأنَّ معَ العسرِ يسراً])»(١). وكان ◌َّله يعلّمهم القرآن والإيمان والتوحيد: عنْ جندبِ بنِ عبدِ الله ◌َّهُ قالَ: كنّا معَ النّبِّ نَّه ونحنُ فتيانٌ حزاورةٌ(٢)، فتعلّمنا الإيمانَ قبلَ أنْ نتعلّمَ القرآنَ، ثمَّ تعلّمنا القرآنَ، فازددنا بهِ إِيماناً)(٣). تربيته ◌َّ الأولادَ على حسن السلوكِ: فلم تكن معاملته للصبيان تقفُ عند حدِّ الملاعبة والملاطفة والتقبيل، بل تجاوزت ذلك إلي التربية النافعة، والتوجيه السدید. عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَّ ◌َنُ قالَ: قال لي رسولُ اللهِوَّ: «يا بنيَّ إذا دخلتَ على أهلكَ فسلّمْ؛ يكنْ بركةً عليكَ، وعلى أهلِ بيتكَ))(٤). أيْ: يكونُ السّلامُ سببَ زيادةٍ بركةٍ، وكثرةٍ خيرٍ، ورحمةٍ(٥). تعليمُ الطفل آداب الأكل: عن عمر بن أبى سلمة قال: كنتُ غلاماً في حجرِ رسولِ الله وَّهِ، وكانتْ يدي تطيشُ (١) رواه الترمذي [٢٥١٦]، وأحمد [٢٨٠٠]، والزيادتان له، وصحّحه الألباني بزياداته في الصحيحة [٢٣٨٢]. (٢) وهوَ الّذي قاربَ البلوغَ. النهاية [٣٨٠/١]. (٣) رواه ابن ماجة [٦١]. وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [٦١]. (٤) رواه الترمذي [٢٦٩٨]، وقال: ((حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ))، وضعّفه الألباني في ضعيف الترمذي [٢٦٩٨]، وقال في صحيح الترغيب والترهيب [١٦٠٨]: ((حسن لغيره)). (٥) تحفة الأحوذي [٧/ ٣٩٧]. ٧٧٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصّحفةِ، فقالَ لي رسولُ الله ◌َّهِ: ((يا غلامُ، سمِّ اللهَ، وكلْ بيمينكَ، وكلْ مما يليكَ)) فما زالتْ تلكَ طعمتي بعدُ(١). وفي هذا الحديث أن النبي ◌َ ل﴾ كان لا يأنف من الأكل مع الصغير، لكنه كان إذا رأى منهم مخالفة للأدبِ نصحهم وأرشدهم. وإذا أخطأ أحدهم أرشده برفق ولين: فيتعامل ګ مع خطئه بأسلوب تربوي رشید، بما يتناسب وصغر سنّه. عن أبي رافعِ بنِ عمرٍ و الغفاريِّ قالَ: كنتُ غلاماً أرمي نخلَ الأنصارِ، فأخذوني، فذهبوا بي إلى النّبيِّ ◌َيّ. فقالَ: ((يا غلامُ، لمّ ترمي النّخلَ؟)). قلتُ: يا رسولَ الله الجوع. قالَ: ((فلا ترمِ النّخلَ، وكلْ ممّا يسقطُ في أسفلها)). ثُمَّ مسحَ رأسهُ فقالَ: ((أشبعكَ الله وأرواكَ)(٢). وكان ◌َّ يستخدمُ العباراتِ الرقيقة في محادثتهم لاستمالة قلوبهم: فینادي الطفل بأحسن أسمائه، أو بکنیته، أو بوصف حسنٍ فيه. فتارةً ينادي الصبيَّ فيقول: ((يا غلام، إني أعلمك كلمات)). و((يا غلام سم الله، وكلْ بیمینك)». وتارة يناديه بقوله: ((يا بنيَّ))؛ كما قال لأنس لَّا نزلت آية الحجاب: ((وراءكَ يا بنيَّ))(٣). (١) رواه البخاري [٥٣٧٦]، ومسلم [٢٠٢٢]. (٢) رواه الترمذي [١٢٨٨] وأحمد [١٩٨٣٠]، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، وحسّنه الحافظ ابن حجر في الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع [ص٣٨]، وقال الأرناؤط: محتمل للتحسين، وضعفه الألباني في الإرواء [٢٥١٨]. (٣) رواه أحمد [١١٩٥٨]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٩٥٧]. ٧٧١ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع شرائح عامة وقال عن أبناء جعفر ابن عمه أبي طالب: ((ادعوا لي بني أخي))(١). وتارةً يناديهم بالكنية، فيقول للطفل الصغير: ((يا أبا عميرٍ)) وقد سبق قريباً. فأين هذا من التعامل الغليظ القاسي الذي يلاقيه كثيرٌ من الأطفال الصغار اليوم؟ تعويد الأطفال تحمّل المسؤولية: وكان يعوّدهم تحمل المسئولية منذ صغرهم؛ لأنهم أبناء اليوم ورجال الغد. يقول أنسُّ: أتى عليَّ رسولُ الله ◌َّهِ، وأنا ألعبُ معَ الغلمانِ، فسلّمَ علينا، فبعثني إلى حاجةٍ، فأبطأتُ على أمّي، فلمّا جئتُ قالتْ: ما حبسكَ؟ قلتُ: بعثني رسولُ الله حاجةٍ. قالتْ: ما حاجتهُ؟ قلتُ: إنّها سرٍّ. قالتْ: لاَ تحدّثنَّ بسرِّ رسولِ الله أحداً. وبعد مدة يطلب منه أحد أصحابه أن يعرف السر، فيقول: والله لو حدّثتُ بهِ أحداً لحدّثتكَ (٢). وفي رواية: قال أنس: أسرّ إليَّ النّبِيُّ نَّهسرّاً، فيما أخبرتُ بهِ أحداً بعدهُ، ولقدْ سألتني أمُّ سلیمٍ، فما أخبرتها بهِ (٣). قال ابن حجر: «قالَ بعض العلماء: كأنَّ هذا السّرّ يختصُّ بنساءِ النّبِيّ ◌َِّ، وإلّا فلوْ كانَ منَ العلم ما وسعَ أنساً كتمانه)) (٤). (١) رواه أحمد [١٧٥٣]، وصححه الألباني في أحكام الجنائز [ص١٦٦]. (٢) رواه مسلم [٢٤٨٢]. (٣) رواه البخاري [٦٢٨٩]. (٤) فتح الباري [١١/ ٨٢]. ٧٧٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فوائد الحديث: فیه: حسنُ خلقِ النبيِّ ◌َِّ، وتواضعه الجمُّ، وأنه على شرفه، ومكانته بتواضع حتى يسلّمَ على الصبيان، وهم يلعبون في السوق. وفيهِ: أنه يسنُّ للإنسان أن يسلّمَ على من مرَّ به، ولو كان من الصبيان. وفيهِ: جوازُ إرسالِ الصبيِّ بالحاجة لكن بشرط أن يكون مأموناً. وفيهِ: أنه لا يجوز للإنسان أن يبدي سرَّ شخص حتى ولو لأمه وأبيه. وفيهِ: حسنُ تربية أم سليم لابنها حيث قالت: ((لا تخبرنَّ أحداً بسرِّ رسول الله،َّ)، وإنما قالت له ذلك مع أنه لم يخبرها، ولم يخبر غيرها؛ تأييداً له، وتثبيتاً(١). تقدير شخصيّة الطفل: وهذه من أهم الأمور التي يحتاج إليها الطفل دائماً، ويغفل عنها الآباء غالباً. فقد كان النبيُّ ◌َّ يشعرُ الناشئة بمكانتهم وتقدير ذاتهم، وأنهم في كثير من الأمور كغيرهم من الكبار، لهم حقوق مرعاة. عنْ سهلِ بنِ سعدِ السّاعديِّ أنَّ رسولَ اللهِّ أَتِيَ بشرابٍ فشربَ منهُ، وعنْ يمينِهِ غلام، وعنْ يسارهِ أشياخٌ. فقالَ للغلامِ: ((أتأذنُ لي أنْ أعطيَ هؤلاءِ؟)). فقالَ الغلامُ: لا والله، لا أوثرُ بنصيبي منكَ أحداً. قالَ: فتلّهُ رسولُ الله ◌َّ في يدهِ(٢). إن احترامَ شخصيّةِ الطفلِ يبعث فيه الاعتماد على النفس، والشعورَ بالراحة، وينمّي (١) شرح رياض الصالحين [٤١/٤ -٤٤] لابن عثیمین باختصار. (٢) رواه البخاري [٢٤٥١]، ومسلم [٢٠٣١]. وتلّه في يده: أي: وضعه في يده. ٧٧٣ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة مواهبه، في حين أن التعامل معه باستخفافٍ، والتقليل من مكانته، يؤدّي به إلى العقد النفسيّة، والاضطراب والدّونيّة. وكان يؤكّدُ على أهميّة الصّدق معهم، وعدم الكذب عليهم: عنْ عبدِ الله بنِ عامٍ رَنهُ أنّهُ قالَ: دعتني أمّي يوماً، ورسولُ الله ◌َِّ قاعدٌ في بيتنا. فقالتْ: ها تعالَ أعطيكَ. فقالَ لها رسولُ اللهِوَّله: ((وما أردتِ أنْ تعطيهِ؟)). قالتْ: أعطيهِ تمراً. فقالَ لها رسولُ الله ◌َّهِ: ((أما إنّكِ لَوْ لمْ تعطِهِ شيئاً، كتبتْ عليكِ كذبةٌ))(١). ((في الحديث أنَّ ما يتفوّه بِهِ النّاس للأطفالِ عند البكاء مثلاً بكلماتٍ هزلاً أَوْ كذباً بإعطاءٍ شيء أوْ بتخويفٍ منْ شيء حرامٌ داخل في الكذب))(٢). فالكذب على الطفل يفقده ثقته بأبويه، فينصرف عن الاستماع إليهما، ويعمد إلى تقليدهما في الكذب؛ لأنه يراقب سلوك الكبار، ويقتدي بهم. فيجبُ مراعاةُ الصّدق معه عند تسلیته، أو إضحاكه، أو سرد قصص وحكايات عليه، والكذب من أبشع الطباع، ولكنه من أسهلها اكتساباً، وأصعبها علاجاً. وينشأُ ناشئُ الفتيانِ فينا على ما كانَ عوّدهُ أبوهُ وختاماً نقول: إن التعامل مع الأطفال برفقٍ ولينٍ، مع احترامهم وتقديرهم، يجعلهم أسوياء، ويعوّدهم على الاعتمادِ على النفس، ويربّ فيهم حبَّ الآخرين، والتآلف مع غيرهم، والتآخي، ومعاملة غيرهم بالمودة والرأفة كما كانوا يعاملون، وكما تعوّدوا في صغرهم. (١) رواه أبو داود [٤٩٩١] وصححه الألباني. (٢) عون المعبود [٢٢٩/١٣]. ٧٧٤ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أطفالنا أحبابنا ثمراتنا بعيونهمْ قدْ أشرقتْ آمالنا يتطلّعونَ إلى لواءِ جهادنا رحمَ الصّغارَ نبيّنا، وأحبّهمْ ويبيتُ يرقيهمْ رقَاهُ معوّذاً يلقاهمُ يلقي السّلامَ عليهمُ يهدي إليهمْ ما تحبُّ قلوبهمْ ومحاسنَ الآدابِ ربّاهمْ بها بالصّدقِ في كلِّ الأمورِ كبيرها إذْ لا يزالُ لهمْ أبرَّ معلّم ويحمّلونَ فيقبلونَ معالياً ويعاملونَ بالاحترامِ أعزّةً سعدُ القلوبِ، وقرّةٌ لعيونٍ لرقيِّ دنيانا، ونصرِ الدّينِ كيْ يرفعوهُ عالياً بيمينٍ متعطّفاً بحنانهِ واللّينِ ويخصّهمْ بدعائهِ الميمونِ بشراً ويمسحُ رأسهمْ بيمينِ فترى السّعادةَ فوقَ كلِّ جبينٍ ومكارمَ الأخلاقِ بالتّلقينِ وصغيرها منْ غيرِ ما تلوينٍ فينشّئونَ على التّقى والدّينِ وهمُ لها أهلٌ كأسدِ عرينِ همْ بعدُ جيلُ النّصِرِ والتّمكينِ الباب السادس: تعاملُ النّبِيِّ وَلَّه مع غير البشر ٧٧٧ الباب السادس: تعامل النبي صَلَّلَّ ◌َلَيْهِوَسَلََّ مع غير البشر تعامل النبي ◌َّ مع الجن النبيُّ ◌َّه مبعوثٌ للثقلين الجنِّ والإنسِ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. قال الطحاوي رَحمَةُ اللَّهُ: ((وهوَ المبعوثُ إلى عامّةِ الجنِّ وكافّةِ الورى، بالحقِّ والهدى، وبالنّورِ والضّياءِ))(١). وقد استجاب کثیر من الجن لدعوته ێآه. قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبَان ◌َ يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنًا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١- ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ اُلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ ( قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِّكُمُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٣٠ [الأحقاف: ٢٩-٣١]. قراءة النبيِّ وَّهِ القرآن على الجنِّ: عنْ علقمةَ قال: أنا سألتُ ابنَ مسعودٍ، فقلتُ: هلْ شهدَ أحدٌ منكمْ معَ رسولِ الله وَّ ليلةَ الجنّ؟ قالَ: لا، ولكنّا كنّا معَ رسولِ الله ذاتَ ليلةٍ، ففقدناهُ، فالتمسناهُ في الأوديةِ والشّعابِ، فقلنا: استطيرَ، أوِ اغتيلَ. قالَ: فبتنا بشرِّ ليلةٍ باتَ بها قومٌ، فلّا أصبحنا إذا هوَ جاءٍ منْ قبلَ حراءٍ. (١)) العقيدة الطحاوية مع شرحها [١/ ١٢٥]. ٧٧٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: فقلنا: يا رسولَ الله فقدناكَ، فطلبناكَ، فلمْ نجدكَ، فبتنا بشرِّ ليلةٍ باتَ بها قومٌ. فقالَ: ((أتاني داعي الجنِّ، فذهبتُ معهُ، فقرأتُ عليهمُ القرآنَ)). قالَ: فانطلقَ بنا، فأرانا آثارهمْ، وآثارَ نيرانهمْ، وسألوهُ الزّادَ، فقالَ: ((لكمْ كلَّ عظم ذكرَ اسمُ الله عليهِ يقعُ في أيديكمْ أوفرَ ما يكونُ لحماً، وكلُّ بعرةٍ علفٌ لدوابّكمْ)). فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((فلا تستنجوا بهما؛ فإنّهما طعامُ إخوانكمْ))(١). وكان يثني على حسن استماعهم للقرآن: عنْ جابر بن عبد الله رَّهُ قالَ: خرجَ رسولُ الله ◌ََّ على أصحابهِ، فقراً عليهمْ سورةَ الرّحمنِ منْ أَوّلها إلى آخرها، فسكتوا، فقالَ: «لقدْ قرأتها على الجنِّ ليلةَ الجنِّ، فكانوا أحسنَ مردوداً منكمْ، كنتُ كلّما أتيتُ على قولِهِ: ﴿ فَأَتِّءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيءٍ منْ نعمكَ ربّنا نكذّبُ، فلكَ الحمدُ))(٢). وكان يهتمُّ بطعام مؤمني الجن: عنْ أبي هريرةَ رَعَنْهُ أَنّهُ كانَ يحملُ معَ النّبِيِّ ◌َ﴿ إِداوةً لوضوئِهِ وحاجتِهِ، فبينما هوَ یتبعهُ بها، فقالَ: ((منْ هذا؟». فقالَ: أنا أبو هريرةَ. فقالَ: ((بغني أحجاراً أستنفضْ بها، ولا تأتني بعظمٍ، ولا بروثةٍ)). فأتيتهُ بأحجارٍ أحملها في طرفِ ثوبي حتّى وضعتها إلى جنبهِ، ثمَّ انصرفتُ حتّى إذا فرغَ مشيتُ، فقلتُ: ما بالُ العظمِ، والرّوثِةِ؟ قالَ: ((هما منْ طعامِ الجنِّ، وإنّهُ أتاني وفدُ جنٌّ نصيبينَ، ونعمَ الجنُّ، فسألوني الزّادَ، فدعوتُ اللهَ لهمْ أنْ لا يمّوا بعظمٍ ولا بروثةٍ إلّ وجدوا عليها طعاماً)(٣). (١) رواه مسلم [٤٥٠]. (٢) رواه الترمذي [٣٢٩١]، وحسنه الألباني في الصحيحة [٢١٥٠] وضعفه غيره، وهو الصواب. (٣) رواه البخاري [٣٨٦٠]. ٧٧٩ الباب السادس: تعامل النبي صَلَّلُّ عليْهِ وَسَلَّمَ مع غير البشر وحذّر من إيذاء مؤمني الجن: عن أبي سعيد الخدريِّ رَنْهُ أَنَّ رسولَ الله ◌ََّ قال: ((إنَّ بالمدينةِ جنّاً قدْ أسلموا، فإذا رأيتمْ منهمْ شيئاً فآذنوهُ ثلاثةَ أَيّامٍ، فإنْ بدا لكمْ بعدَ ذلكَ فاقتلوهُ؛ فإنّما هوَ شيطانٌ)(١). قال النووي: ((قالَ العلماء: معناهُ: وإذا لمْ يذهب بالإنذارِ علمتمْ أنّهُ ليسَ منْ عوامر البيوت، ولا ممّنْ أسلمَ منْ الجنِّ، بلْ هوَ شيطان، فلا حرمة عليكمْ فاقتلوهُ، ولنْ يجعل الله لهُ سبيلاً للانتصارِ عليكمْ بثأرهِ، بخلافِ العوامر ومنْ أسلمَ))(٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وذلكَ أنَّ قتلَ الجنِّ بغيرِ حقِّ لا يجوزُ كما لا يجوزُ قتلُ الإنسِ بلا حقٍّ، والظّلمُ محرّمٌّ في كلِّ حالٍ، فلا يحلُّ لأحدٍ أنْ يظلمَ أحداً ولوْ كانَ كافراً، بلْ قالَ تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِ لُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىّ وَاتَّقُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: ٨]))(٣). وكان يستعيذ بالله من الشياطين: عنْ أبي الدّر داءِ رَنهُ قالَ: قامَ رسولُ الله ◌َّةِ، فسمعناهُ يقولُ: ((أعوذُ بالله منكَ))، ثمَّ قالَ: ((ألعنكَ بلعنة الله)) ثلاثاً، وبسطَ يدهُ كأنّهُ يتناولُ شيئاً. فلّا فرغَ منَ الصّلاةِ قلنا: يا رسولَ الله، قدْ سمعناكَ تقولُ في الصّلاةِ شيئاً لمْ نسمعكَ تقولهُ قبلَ ذلكَ، ورأيناكَ بسطتَ يدكَ. قالَ: ((إنَّ عدوَّ الله إبليسَ جاءَ بشهابٍ منْ نارٍ؛ ليجعلهُ في وجهي، فقلتُ: أعوذُ بالله منكَ ثلاثَ مرّاتٍ، ثمَّ قلتُ: ألعنكَ بلعنةِ الله التّامّةِ، فلمْ يستأخرُ ثلاثَ مرّاتٍ، ثمَّ أردتُ أخذهُ، والله لولا دعوةُ أخينا سليمانَ؛ لأصبحَ موثقاً يلعبُ بِهِ ولدانُ أهلِ المدينةِ))(٤). (١) رواه مسلم [٢٢٣٦]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ٢٣٦]. (٣) مجموع الفتاوى [١٩ /٤٤]. (٤) رواه مسلم [٥٤٢].