النص المفهرس

صفحات 741-760

٧٤٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان يسمح لهن بالمشاركة في الغزو لمداواة الجرحى وإعداد الطعام ونحو ذلك:
عنِ الرّبّعِ بِنتِ معوّذٍ رَتْها قالتْ: كنّا نغزو معَ النّبِّ ◌َّ فنسقي القومَ، ونخدمهمْ،
ونردُّ الجرحى والقتلى إلى المدينةِ(١).
وفي لفظ: ((كنّا معَ النّبِّ ◌َّ نسقي ونداوي الجرحى، ونردُّ القتلى إلى المدينةِ)).
وعنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَّهُ قالَ: كَانَ رسولُ الله ◌َِّ يغزو بأمِّ سليم ونسوةٍ منَ الأنصارِ
معهُ إذا غزا، فيسقينَ الماءَ، ويداوينَ الجرحى(٢).
وعنه أيضاً رَّ ◌َّهُ قالَ: لقدْ رأيتُ عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ وأمَّ سليمٍ -يعني يوم أحد-
وإنّهما لمشمّرتانِ تنقلان القربَ على متونهما، تفرغانهِ في أفواهِ القومِ، ثمَّ ترجعانِ فتملآنها، ثمَّ
تجيئانِ فتفرغانِهِ في أفواهِ القومِ(٣).
وعنْ أمِّ عطيّةَ الأنصاريّةِ قالتْ: غزوتُ معَ رسولِ اللهَِّسبعَ غزواتٍ، أخلفهمْ في
رحالهمْ، فأصنعُ لهُمُ الطّعامَ، وأداوي الجرحى، وأقومُ على المرضى(٤).
قال النووي: ((فيهِ خروج النّساء في الغزوة، والانتفاع بهنَّ في السّقي، والمداواة ونحوهما،
وهذهِ المداواة لمحارمهنَّ وأزواجهنَّ، وما كانَ منها لغيرهمْ لا يكون فيهِ مسّ بشرة إلّا في
موضع الحاجة))(٥).
وقال ابن حجر رَحِمَةُاللَّهُ: ((أما حكمُ المسألةِ فتجوزُ مداواة الأجانب عندَ الضرورة، وتقدّرُ
بقدرها فيما يتعلّق بالنظر والجسِّ باليد، وغير ذلك))(٦).
وعن محمود بن لبيد قال: لما أصيبَ أكحلُ سعد يوم الخندق فثقل حوّلوه عند امرأة يقال
لها: رفيدة، و کانت تداوي الجرحى.
(١) رواه البخاري [٢٦٧٠].
(٢) رواه مسلم [١٨١٠].
(٣) رواه البخاري [٣٨١١] ومسلم [٤٠٦٤].
(٤) رواه مسلم [٣٣٨٠].
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ١٨٨].
(٦) فتح الباري [١٠/ ١٣٦].

٧٤١
الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة
فكان النبيِ وَّه إذا مرَّ به يقول: ((كيفَ أمسيتَ؟))، وإذا أصبح: ((كيفَ أصبحتَ؟»،
فیخبره(١).
تنبيه:
بعض دعاة تحرير المرأة يستدل بمثل هذه الأحاديث على جواز عمل المرأة مطلقاً، وهذا
استدلال باطل؛ فأين عمل المرأة في مداواة الجرحى ونقل القتلى من عملها سكرتيرة في مكتب؟
هل العمل في محيط الدماء والجثث حيث لا يوجد أدنى مجال لثوران الشهوة أو حدوث
الفتنة، هل يستوي وعمل شابة جميلة متغنّجة مع الرجال، حيث تخالطهن وتحادثهن؟!
وكان ينهى عن قتل النساء في الحرب:
عنْ عبد الله بنِ عمرَ رَّعَنْهَا قالَ: وجدتِ امرأةٌ مقتولةً في بعضِ مغازي رسولِ الله ◌َّ،
فنهى رسولُ اللهِ وَّه عنْ قتلِ النّساءِ والصّبيانِ(٢).
((وأجمعَ العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النّساء والصّبيان إذا لمْ يقاتلوا))(٣).
وكان رسول الله وَ له حريصاً على تربية نسائه ليكنَّ المثل الأعلى لغيرهنَّ:
وهو القائل: ((إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راع عّا استرعاهُ، أحفظَ ذلكَ أمْ ضيّعَ؟ حتّى يسألَ
الرّجلُ على أهلِ بيتِهِ))(٤).
فالرجل مسئولٌ عن تعليم زوجته، وإرشادها، وتوجيهها الوجهةَ الصحيحةَ، وما
شاعت المنكراتُ عند كثير من الزوجات في حياتهنَّ، إلا بسبب تفريطِ الرجالِ في تعليمهنِ
أمورَ دینھنَّ.
(١) رواه البخاري في الأدب المفرد [١١٢٩]، وصححه الحافظ ابن حجر في الإصابة [١١١٧٥]، والألباني في
صحيح الأدب المفرد [٨٦٣].
(٢) رواه البخاري [٣٠١٥] ومسلم [١٧٤٤].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ٤٨].
(٤) رواه النسائي في السنن الكبرى [٩١٧٤] عن أنس رَّ عَنْهُ، وروى البخاري [٨٩٣]، ومسلم [١٨٢٩] نحوه
عن عبد الله بن عمر رَضِ لَّهُ عَنْهُمَا.

٧٤٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فكان ◌َّه يربي زوجاته على العبادة والتقرّب إلى الله بالنوافل.
• وإذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظهن للقيام والعبادة.
• ويربيهن ◌َّل على الإخلاص لله في العبادة.
• وكان يعلم زوجته الاستعاذةَ من الشرور.
• ويعلمهن الأذكار النافعة كأذكار الصباح والمساء.
• وكان يرشدهن للأفضل والأيسر في العبادة.
• وكان يأمر أهله بالاقتصاد في العبادة وعدم التشديد على النفس.
• وكان يعظ زوجاته ويحثهن على الصدقة والإنفاق في الخير.
• وكان يربيهن على حسن القول، وينهاهن عن الفحش في الكلام حتى مع غير
المسلمین.
• وكان ◌َّ﴾ لا يسكت عن منكر يراه عند أهل بيته، بل يسارع إلى إزالته.
وقد سبق تفصيل ذلك في الفصل الأول من الباب الثاني: ((تعامل النبي ◌ِّ مع زوجاته))،
فلیراجع.
فإذا تأدبن بهذه الآداب الكريمة كنّ القدوة والمثل الصالح لغيرهن من نساء المؤمنين؛
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّاللَّهَ كَانَ
لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٤].

٧٤٣
الباب الخامس: تعامل النبي صَلَ للَّهُ عليْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة
شقائقنا النّساءُ مكرّماتٍ
وقدْ كلّفنَ دينَ الله حقّاً
لهنَّ كما لنا أيضاً حقوقٌ
لقدْ جئنَ الرّسولَ مبايعاتٍ
وقدّرهنَّ تقديراً كثيراً
وقدْ وصّى الرّجالَ بهنَّ رفقاً
رياحينُ البيوتِ صفتْ ورقّتْ
لقدْ خصَّ النّبيُّ لهنَّ يوماً
وخصَّ لهنَّ تذكيراً ووعظاً
وحثَّ على شهودِ الخيرِ حتّى
يراعي حالهنَّ، فذاتَ يومٍ
يخفُّ صلاتهُ لبكاءِ طفلٍ
تفقّدَ مرأةً سوداءَ كانتْ
ويخبرُ أنّها بالأمسِ ماتتْ
وجاءَ لقبرها يدعو، وصلّى
بهنَّ المصطفى بٌّ حليمٌ
ويقضي حاجةَ الضّعفا سريعاً
ويكرمهنَّ إحساناً ولطفاً
إذا زللٌ بدا منهنَّ يوماً
ويوصي بالّتي تابتْ، ويثني
صواحبَ أهلِهِ بمزيدِ فضلٍ
ويحفظُ عهدَ أصحابٍ كرامِ
وكنَّ لنا أخيَّ مكمّلاتِ
فكنَّ كما الرّجالِ مكلّفاتٍ
وألزمتِ النّسا بالواجباتِ
فصرنَ كما الرّجالِ مبايعاتٍ
فكنَّ لدى النّبيِّ مكرّماتٍ
بإِحسانِ الكرامِ معاملاتِ
وصارتْ بالزّجاجِ مشبّهاتٍ
بتعليمِ، ووعظِ الطّالباتِ
فناولنَ الحلى متصدّقاتٍ
ينلنِ نصيبهنَّ منَ الهباتِ
يصلّي قدْ نوى طولَ الصّلاةِ
مراعاةَ النّساءِ المشفقاتِ
بمسجدهِ تقمُّ منَ القذاةِ
وخيرُ البرِّما بعدَ المماتِ
عليها، ما أعزَّ البشرياتِ
يعاملهنَّ دوماً بالأناةِ
ويخدمهنَّ حتّى الخادماتِ
بربّكَ تلكَ إحدى المكرماتِ
ترفّقَ في النّصيحةِ والعظاتِ
على تلكَ الكرامِ التّائباتِ
يخصُّ، مرحّباً بالزّائراتِ
فيرعى أهلهمْ بعدَ الوفاةِ

٧٤٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فيقبلها، ويجزي بالهباتِ
ومنْ أهدتْ إلیه ولوْ قليلاً
فيأكلُ منْ طعامِ الدّاعياتِ
وتدعوهُ العجوزُ إلى طعامٍ
يغيّرُ ما يسوءُ منَ الأسامي
وسمّاها جميلةَ ذاكَ خيرٌ
كعاصيةٍ، أتنسبُ للعصاةِ؟
ويدعو للجميلِ منَ الصّفاتِ

٧٤٥
الباب الخامس: تعامل النبي صَلَ للَّهُ عليْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة
تعامل النبي وعَلّ مع كبار السن
فقد مضتْ سنّةُ الله تعالى في الإنسان أن جعله يمرُّ بمراحلَ متعدّدة في رحلته الدنيوية،
فيبدأ وليداً ضعيفاً، ثمَّ شابّاً قويّاً، وأخيراً شيخاً ضعيفاً.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ
ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءٌ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الروم: ٥٤].
ولقد حرص الإسلامُ على العناية بمرحلة الشيخوخة، وجعلها محطة تكريم وعناية
خاصّةٍ؛ وذلك لأن صاحبها يتّصفُ بالضعف، ويحتاج إلى من يخدمه، ويقوم بشئونه.
ولذلك فهي مرحلة حرجة.
وقد كان النبي ◌ِّ يقول: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ العجزِ، والكسلِ، والجبنِ، والهرمِ))(١).
وكان يقول أيضا: ((اللهمَّ إنّ أعوذُ بكَ أنْ أردًّ إلى أرذلِ العمرِ))(٢).
وأرذلُ العمرِ هو أخسّه وأنقصه؛ لأن الإنسان تنقصُ فيه قواهُ الظاهرة والباطنة، حتى
قواه العقلية تنقصُ، فينسى الإنسان ما كان يعلمه (٣).
قال النووي: ((أمّا استعاذته بَّه مِنَ الهرم، فالمراد بهِ الاستعاذة منَ الرّدِّ إلى أرذلِ العمر؛ كما
جاءَ في الرّواية الّتي بعدها، وسبب ذلكَ ما فيهِ منَ الخرف، واختلال العقل والحواسِّ والضّبط
والفهم، وتشويه بعض المناظر، والعجز عنْ كثير منَ الطّاعات، والتّساهل في بعضها))(٤).
(١) رواه البخاري [٢٨٢٣]، ومسلم [٢٧٠٦] عن أنس بن مالك رَّ عَنْهُ.
(٢) رواه البخاري [٢٨٢٢] عن سعد بن أبي وقاص رَّعَنْهُ.
(٣) تفسير السعدي [٤٤٤/١] بتصرف.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٧/ ٢٩].

٧٤٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ولقد كان للرسول وَل﴿ معاملةٌ خاصّة مع كبارِ السّنِّ، فقد أولاهم كلَّ رعاية واهتمام،
ومع أنه ◌َّ كان حسن الخلقِ مع جميع الناس، إلا أنه كان أشدَّ عطفاً ورحمة ورفقاً على
الضعفاء، كالأطفال، والنساء، وكبار السّنِّ.
وقد عدَّ النبيُّ پڼ الرجل الکبیر من خير الناس إذا حسن عمله:
فعن أبي بكرةَ رَّعَّهُ أَنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ الله، أيُّ النّاسِ خيرٌ؟
قالَ: ((منْ طالَ عمرهُ، وحسنَ عملهُ)).
قالَ: فأيُّ النّاسِ شرٌّ؟
قالَ: ((منْ طالَ عمرهُ، وساءَ عملهُ))(١).
قالَ الطّيِيُّ رَحَةُ له: ((إنَّ الأوقاتِ والسّاعاتِ كرأسِ المالِ للّاجِرِ، فينبغي أنْ يتّجَرَ فيما
پربحُ فيهِ.
وكلّما كانَ رأسُ مالِهِ كثيراً كانَ الرّبحُ أكثرَ، فمنِ انتفعَ منْ عمرهِ بأنْ حسنَ عملهُ فقدْ فازَ
وأفلحَ، ومنْ أضاعَ رأسَ مالِهِ لمْ يربحْ، وخسرَ خسراناً مبيناً)(٢).
وقال وَّ: ((ليسَ أحدٌ أفضلَ عندَ الله منْ مؤمنٍ يعمّرُ في الإسلامِ؛ لتسبيحِهِ، وتکبیرِهِ،
وتهليلهِ))(٣).
وقال وَّ: ((خياركمْ أطولكمْ أعماراً، وأحسنكمْ عملاً) (٤).
وكان يحثُّ أمّته على توقيرهم واحترامهم:
عن أبي موسى الأشعريِّ رَّ ◌َنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّ منْ إجلالِ الله: إكرامَ ذي
الشّيبةِ المسلمِ، وحاملِ القرآنِ غيرِ الغالي فيهِ والجافي عنهُ، وإكرامَ ذي السّلطانِ المقسطِ))(٥).
(١) رواه الترمذي [٢٣٢٠] وصححه الألباني في صحيح الجامع [٣٢٩٧].
(٢) تحفة الأحوذي [٥١٢/٦].
(٣) رواه أحمد [١٤٠٤] عن طلحة بن عبيد الله، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥٣٧١].
(٤) رواه الحاكم [١٢٥٥] عن جابر بن عبد الله رَ عَنه)، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٣٢٦٣].
(٥) رواه أبو داود [٤٨٤٣] وحسنه الألباني في صحيح الجامع [٢١٩٩].

٧٤٧
الباب الخامس: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع شرائح عامة
((إنَّ منْ إجلال الله)) أيْ: تبجيله وتعظيمه.
(إكرام ذي الشّيبة المسلم)) أيْ: تعظيم الشّيخ الكبير في الإسلام بتوقيرهِ في المجالس،
والرّفق بهِ، والشّفقة عليهِ، ونحو ذلكَ.
وعدَّ ذلك منْ إجلال العبد لربّه، وتبجيله وتعظيمه له؛ وذلك لحرمة الكبير عند الله؛ ولما
له من السابقة في الإسلام؛ ولما له من الحق على غيره.
كما أن في ذلك إظهاراً لحقّه على المجتمع الذي يعيش فيه؛ لأن هذا حق أعطاه الشرع إياه.
((وحامل القرآن)) أيْ: وإكرام قارئهِ، وحافظه، ومفسّره.
((غير الغالي فيهِ)) يعني: غير المتجاوز الحدّ في العمل بهِ، وتتبّع ما خفيَ منهُ، واشتبهَ عليهِ
من معانیه.
((والجافي عنهُ)) أيْ: وغير المتباعد عنهُ، المعرض عنْ تلاوته وإحكام قراءته، وإتقان معانيه
والعمل بما فيه.
((وإكرام ذي السّلطان المقسط)) أي: العادل(١).
ثم إن النبي وَّ جمع في هذا الحديث بين المسنِّ، وحاملِ القرآنِ، والسلطان، وقدّم المسنَّ،
كأنه يقول: وّرْ المسنَّ كما توقّرُ السلطان والرئيس والحاكم، وعظّمِ المسنَّ كما تعظّمُ حامل
القرآن الحاذق.
وعن أنس رَّ لَهُ عَنْهُ قال:
جاءَ شيخٌ يريدُ النّبِيَّ ◌َّهِ، فأبطأَ القومُ عنهُ أنْ يوسّعوا لهُ، فقالَ النّبِيُّ ◌َ: ((ليسَ منّا مِنْ
لمْ يرحمْ صغيرنا، ويوقّرْ كبيرنا)»(٢).
وفي رواية: ((منْ لمْ يرحمْ صغيرنا، ويعرفْ حقَّ كبيرنا، فليسَ منّا)(٣).
(١) عون المعبود [١٣/ ١٣٢].
(٢) رواه الترمذي [١٩١٩] وصححه الألباني في الصحيحة [٢١٩٦].
(٣) رواه أبو داود [٤٩٤٣] عن عبدِ الله بن عمرو، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٦٥٤٠].

٧٤٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
((فليسَ منّا)) أيْ: ليسَ على طريقتنا، وهوَ كنايةٌ عنِ التّبرئة؛ حيث إنه وَ لّ تبرّأ من أن
يكونوا من حزبه؛ إذ ليس المسلم من لا يحترم الكبير، وليس من المجتمع المسلم من لم يوقّر
مشايخه وأكابره من المسنين.
وقوله: ((ويعرف حقَّ كبيرنا)) أيْ: بما يستحقّهُ منَ التّعظيم والتّبجيل.
وقوله وَ له: ((يوقّرْ كبيرنا)) أبلغ من قول: ((يوقر الكبير))؛ ليقرّر أن الاعتداء على الكبير
بالقول، أو الفعل، أو الإشارة، هو اعتداءٌ على جناب رسول الله وَّه الذي نسبَ المسنَّ إلیه،
وانتسب إليه، بقوله ((کبیرنا)).
ولذلك كان الصحابة يعرفون لكبار السّنِّ قدرهم:
ذكر ابن كثير عن طلحة بن عبيد الله قال: خرج عمر ليلةً في سواد الليل فدخل بيتاً، فلما
أصبحتُ ذهبتُ إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدةٌ.
فقلتُ لها: ما بالُ هذا الرجل يأتيكِ؟
فقالت: إنه يتعاهدني مدّة كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرجُ عني الأذى(١).
ومثل هذه الصّور المشرقة في معاملة كبارِ السّنِّ ورعاية المسنين تأتي لتبيِّنَ عوار
المجتمعات غير الإسلامية، حيث تطالعنا الأخبارُ بين حين وآخر عما يحدثُ لبعض المسنين
هناك، ومدی العزلة التي يعيشون فيها.
ذكرت إحدى التقارير أن حقوق المسنين منتهكة في شتى أنحاء العالم، وأنهم يعانون من
الإهمال والفقر، وأن أعدادا كبيرة منهم تعيش دون معاش أو دخل منتظم.
ففي تقرير بعنوان ((حالة المسنين في العالم عام ٢٠٠٢)) وشمل ٣٢ دولة، أن المسنين
محرومون من الرعاية الصحية والتعليم، وأن الحكومات وصانعي القرار يتجاهلونهم
فيجدون أنفسهم معزولين عن المجتمع.
وقال أحد معدّي التقرير: ((كأنك حين تبلغ الستين لا تعامل كإنسان)).
(١) البداية والنهاية [١٥٣/٧].

٧٤٩
الباب الخامس: تعامل النبي صَلّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح عامة
بل إن بعضَ قساة القلوب يطالبون بالتخلّص من کبار السّنِّ بدعوى عدم جدواهم!
ومما يزيد المشكلة تعقيداً أن عدد المسنّينَ في العالم في تزايد مستمر.
إحصائيات المسنّينَ عالميّاً: تشيرُ الإحصائيّاتُ السّكانية إلى أن القرن العشرين شهد زيادةً
كبيرةً في أعداد المسنين في معظم دول العالم، فقد وصلتْ نسبة المسنّينَ في عام ١٤٠٠ هـ/
١٩٨٠ م إلى ٣٧٦ مليون نسمة في العالم.
وقفز العدد إلى ٤٢٧ مليون نسمة في عام ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م، وبنسبة ٨، ٨٠٪ من
سكان العالم، وكذلك ارتفع في عام ١٤٢٠ هـ / ٢٠٠٠ م؛ ليصل إلى ٥٩٠ مليون نسمة.
ويتوقّعُ أن يتضاعفَ إلى ١١٧١ مليون نسمة عام ١٤٤٠ هـ / ٢٠٢٠م، وأن يجد العالم
نفسهُ وفي سكانه ٢٥٪ من المسنّينَ(١).
إن المجتمعاتِ الأوربيّةَ الآن تشيخ؛ لقلّةِ عددِ المواليد، وكثرةِ الوفياتِ؛ ولذلك تجدُ
الشبابَ عندهم قليلا.
هذا بخلاف مجتمعاتنا الإسلاميّةِ فتجد نسبةَ الشباب فيها عاليةً نظرة لكثرةِ المواليد.
إن كبار السّنِّ حينما يرونَ عقوقَ الأبناء للآباء، وإهمالَ المجتمع لهم يقولون: لماذا ننجبُ
إذا كان هذا هو جزاءنا من أبنائنا في النهاية؟
إن الكلبَ أوفى لنا منهم وأنفعُ، فتربيةُ الكلبِ أولى من تربية الابنِ العاقِّ!
ولذا نجدُ من احتفائهم بالكلاب وحبهم لتربيتها العجب العجابَ.
فنجد في الغرب مستشفیاتٍ للكلاب، وفنادقَ للكلاب، وبدلات للكلاب، ویترکون
أطفال البشر يقتلهم الجوع والمرض!
وبفضل الله يلقى كبارُ السّنِّ في مجتمعاتنا - إلا القليل - الاحترام والتبجيلَ في ظلِّ
التعاليمِ الإسلاميّةِ الراقيةِ التي تحثُّ على إكرامهم، وبرّهم.
(١) من موقع (http://fac.ksu.eDu.sa/assaLManea/pubLIcatIons).

٧٥٠
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إن كبيرَ السنِّ عندنا حينما يدخلُ المستشفى تجدُ أولادهُ يتناوبونَ على خدمته، وزیاراته،
بل لا يكادون يتركونه لحظة.
وكان ◌َّه يقدّرُ كبرَ سنّهم، وضعفهم، فيكون هو المبادرَ للذهاب إليهم:
فلمّا دخلَ وَ لّه مكة فاتحاً ودخل المسجد الحرام أتاه أبو بكر الصديق بأبيه أبي قحافة
يعوده، فلمّا رَآهُ رسولُ الله ◌َّه قالَ: «هلّ تركتَ الشّيخَ في بيتِهِ حتّى أكونَ أنا آتيهِ فيهِ)).
قالَ أبو بكرٍ: يا رسولَ الله هوَ أحقُّ أنْ يمشِيَ إليكَ منْ أنْ تمشيَ أنتَ إليهِ.
قالَ: فأجلسهُ بينَ يديهِ، ثمَّ مسحَ صدرهُ وقالَ لهُ: ((أسلمْ)) فأسلمَ(١).
وفي هذا الحديث عدّةُ جوانبَ من تقدير النبي ◌ُّ لهذا الشيخ الكبير، ومن ذلك:
أنه أرادَ أن یأتیهُ بنفسه إلى بيته، وأنه أجلسُ بین یدیه، وفي هذا من التكريم ما فيه، ثم
مسح على صدره.
وكان يحسنُ استقبالهم:
وقد سبق معنا قصةُ استقباله للعجوزِ التي كانت صديقةً لخديجةَ، وأنها لَّا دخلتْ عليه
قال لها: ((كيفَ أنتمْ، كيفَ حالكمْ، كيفَ كنتمْ بعدنا؟».
قالت عائشة: يا رسولَ الله تقبلُ على هذهِ العجوزِ هذا الإقبالَ!
فقالَ: (يا عائشةُ، إنّها كانتْ تأتينا زمانَ خديجةَ، وإنَّ حسنَ العهدِ منْ الإيمانِ))(٢).
فقد أحسنَ استقبالها، وسألَ عن أحوالها، وهذا التعاملُ الذي عامل به النبيُّ مَلآ هذه
العجوزَ الكبيرةَ في السّنِّ يبيِّنُ ما كان عليه النبي ◌َِّ من حسنِ الأخلاقِ، وحسنِ المعاملةِ.
و کان یمازحهم:
وتقدم قريباً حديث العجوز التي أتت النبي وّ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني
الجنة.
(١) رواه أحمد [٢٧٠٠١] وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان [٧١٦٤].
(٢) أخرجه الحاكمُ في المستدرك [٤٠] وصححه، وصححه الألباني في الصحيحة [٢١٦].

٧٥١
الباب الخامس: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة
فقال: ((يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز)).
قال: فقال: ((أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز؛ إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنشَأَتَهُنَّ
إِنشَآءَ (٦٥) ◌َجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا ) عُرْبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٥-٣٧](١).
وكان يطمعهم في رحمة الله ولا يقنطهم منها:
عنْ عمرو بنِ عبسةَ قالَ: ((جاءَ رجلٌ إلى النّبِّ وَّل شيخٌ كبيرٌ يدّعمُ على عصاً لهُ.
فقالَ: يا رسولَ الله إنَّ لي غدراتٍ وفجراتٍ(٢) فهلْ يغفرُ لي؟
قالَ: ((ألستَ تشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله؟)).
قالَ: بلى، وأشهدُ أنّكَ رسولُ الله.
قالَ: ((قدْ غفرَ لكَ غدراتكَ وفجراتكَ))(٣).
وفي رواية: فانطلق وهو يقول: الله أكبر الله أكبر (٤).
وكان من وصيته وَليله لأصحابه في الغزو: ألا يقتل كبير السن، إلا أن تكون له معونة في
القتال:
عن بريدةَ بن الحصيب رَولَه ◌َنْهُ قالَ: كانَ رسولُ اللهِوَّهِ إِذا بعثَ سريّةً يقولُ: ((لا تقتلوا
شيخاً كبيراً)(٥).
قال الطحاوي: «النّهيُّ منْ رسولِ الله وَّ في قتلِ الشّيوخِ في دارِ الحربِ ثابتٌ في الشّیوخِ
الّذِينَ لا معونةَ لهمْ على شيءٍ منْ أمرِ الحربِ، منْ قتالٍ، ولا رأيٍ.
(١) رواه الترمذي في الشمائل [ص١٩٩]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٩٨٧].
(٢) الفجرات: جمع فجرة، وهي المرة من الفجور، وهو اسم جامع لكل شر.
(٣) رواه أحمد [١٨٩٣٩]، وقال الأرنؤوط: حديث صحيح بشواهده.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله [١٤٤].
(٥) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار [٥١٨٤]، وأشار إلى تصحيحه.

٧٥٢
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
وحديثُ دريدٍ(١) على الشّيوخ الّذِينَ لهمْ معونةٌ في الحربِ كما كانَ لدریدٍ، فلا بأسَ
بقتلهمْ، وإنْ لمْ يكونوا يقاتلونَ؛ لأنَّ تلكَ المعونةَ الّتي تكونُ منهمْ أشدُّ منْ كثيرٍ منَ القتالِ،
ولعلَّ القتالَ لا يلتئمُ لمنْ يقاتلُ إلّا بها، فإذا كانَ ذلكَ كذلكَ؛ قتلوا.
والدّليلُ على ذلكَ قولُ رسولِ اللهِوَّه في حديثِ رباح أخي حنظلةَ في المرأةِ المقتولةِ((ما
كانتْ هذهِ تقاتلُ))(٢) أيْ: فلا تقتُلُ، فإنهّا لا تقاتلُ، فإذا قاتلتْ قتلتْ، وارتفعتِ العلّةُ الّتي
لها منعَ منْ قتلها.
وفي قتلهمْ دريدَ بنَ الصّمّةِ للعلّةِ الّتي ذكرنا دليلٌ على أنّهُ لا بأسَ بقتلِ المرأةِ إذا كانتْ
أيضاً ذاتَ تدبيرٍ في الحربِ كالشّيخِ الكبيرِ ذي الرّأيٍ في أمورِ الحربِ، فهذا الّذي ذكرنا، هوَ
الّذي یوجبهُ تصحیحُ معاني هذهِ الآثارِ))(٣).
وكان يَليّ يقدمهم في أمور كثيرة:
ومن ذلك تقديمهم في الكلام: ففي قصة الرجل الذي قتل بخيبر وجاء رجلان من
قومه ليكلما رسول الله في أمره: فانطلقَ عبدُ الرّحمنِ بنُ سهلٍ ومحيّصةُ وحويّصةُ ابنا مسعودٍ
إلى النّبِيِّ ◌َّةِ، فذهبَ عبدُ الرّحمنِ يتكلّمُ فقالَ: ((كبّرْ كبّرْ)) وهوَ أحدثُ القومِ فسكتَ،
فتكلّما(٤).
((كبّ كبّ)) أي: قدّمِ الكبيرَ السّنِّ(٥).
وتقديمهم في السقاية: أخرجَ أبو يعلى عن ابن عباس قالَ: ((كانَ رسول الله وَّل إذا سقى
قالَ: ((ابدءوا بالكبيرِ)) أَوْ قالَ: ((بالأكابِ))(٦).
(١) أي: الذي فيه قتل دريد، وقد كان شيخاً فانياً.
(٢) رواه أبو داود [٢٦٦٩]، وابن ماجة [٢٨٤٢]، وصححه الألباني في الصحيحة [٧٠١].
(٣) شرح معاني الآثار [٢٢٤/٣].
(٤) رواه البخاري [٣١٧٣] ومسلم [١٦٦٩].
(٥) فتح الباري [١ / ١٧٧].
(٦) رواه أبو يعلى [٢٤٢٥]، وقال ابن حجر: ((سنده قويٌّ)). فتح الباري [١٠/ ٨٧].

٧٥٣
الباب الخامس: تعامل النبي صَلَّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع شرائح عامة
وتقديمهم في الإمامة:
عنْ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ رََّّعَنْهُ قالَ: قالَ لنا رسولُ اللهِ وَّةِ: «يؤمُّ القومَ أقرؤهمْ
لكتابِ الله وأقدمهمْ قراءةً، فإنْ كانتْ قراءتهمْ سواءً فليؤمّهمْ أقدمهمْ هجرةً، فإنْ كانوا في
الهجرةِ سواءً فليؤمّهمْ أكبرهمْ سنّاً) (١).
وتقديمهم في البدء بالسلام عليهم:
عن أبي هريرةَ رَّهُ عَنِ النّبِيِّ ◌ََّ قالَ: ((يسلّمُ الصّغيرُ على الكبيرِ، والمارُّ على القاعدِ،
والقليلُ على الكثيرِ))(٢).
وتقديمهم في الإعطاء:
عن ابن عمر رَعَنْهَا أَنَّ رسولَ اللهِوَّه قالَ: «أراني في المنام أتسوّكُ بسواكٍ، فجذبني رجلانِ
أحدهما أكبرُ منْ الآخرِ، فناولتُ السّواكَ الأصغرَ منهما فقيلَ لي: كبّرْ. فدفعتهُ إلى الأكبِ))(٣).
قال ابن بطال: ((فيه: تقديم ذي السنِّ في السواك، وكذلك ينبغي تقديم ذي السنِّ في
الطعام والشراب والكلام والمشي والكتاب وكل منزلة؛ قياساً على السواك واستدلالا من
قوله (َّ) لحويصة ومحيصة: ((كبّرْ كبّرْ)) يريد: ليتكلّمِ الأكبرُ، وهذا من باب أدب الإسلام.
وقال المهلّب: تقديم ذي السّنِّ أولى في كل شيءٍ ما لم يترتّبِ القومُ في الجلوس، فإذا ترتّبُوا
فالسنة تقديم الأيمن فالأيمن من الرئيس أو العالم، على ما جاء في حديث شرب اللبن))(٤).
قال ابن حجر: ((وهوَ صحيحٌ))(٥).
فعنْ سهلٍ بِنِ سعدِ السّاعدِيِّ رَهُ أَنَّ رسولَ الله وَّهِ أَتِيَ بشرابٍ فشربَ منهُ وعنْ
يمينِهِ غلامٌ وعنْ يسارهِ الأشياخُ.
(١) رواه مسلم [٦٧٣].
(٢) رواه البخاري [٦٢٣١]، ومسلم [٢١٦٠].
(٣) رواه مسلم [٢٢٧١].
(٤) شرح صحيح البخارى لابن بطال [١/ ٣٦٤].
(٥) فتح الباري [٣٥٧/١].

٧٥٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ للغلامِ: ((أتأذنُ لي أنْ أعطيَ هؤلاءٍ)).
فقالَ الغلامُ: لا والله يا رسولَ الله، لا أوثرُ بنصيبي منكَ أحداً.
قالَ: فتلّهُ(١) رسولُ الله ◌َّ في يدهِ(٢).
قال النووي: ((وفعلَ ذلكَ أيضاً تألّفاً لقلوبِ الأشياخ، وإعلاماً بودّهمْ وإيثار كرامتهمْ
إذا لمْتمنع منها سنّة، وتضمّنَ ذلكَ أيضاً بيان هذهِ السّنّة، وهيَ أنَّ الأيمن أحقّ، ولا يدفع
إلى غيره إلّا بإذنِهِ، وأنّهُ لا بأس باستئذانِهِ))(٣).
فتقديم الكبير مخصوص بما إذا لم يكن الحق لغيرهم.
فمن هذه الأحاديث يتبيّنُ لنا كيف كان النبي ◌َّه يقدّمُ الكبير على الصغيرِ؛ وذلك لما له
من الحقِّ، ولما له من الخبرةِ والمعرفةِ أكثر من غيره من حدثاء السّنِّ.
وتقديمه للكبير فيه إشعار بتكريمه، وعدم إهانته؛ لأن الصغير عندما يتقدّم على الكبير
سيتأثّر الكبير، فلذلك أمر الرسول وَّ بأن يقدّمَ الکبیرُ.
وكان يخفف عنهم في كثير من الأحكام الشرعية:
• فمن ذلك: تشريعه الاستنابة عن الكبير في الحج إذا ضعف عن الحج بنفسه:
عنِ ابنِ عبّاسٍ رَنْهَ قالَ: جاءتْ امرأةٌ منْ خثعمَ، فقالتْ: يا رسولَ الله، إنَّ فريضةَ الله
على عبادهِ في الحجِّ أدركتْ أبي شيخاً كبيراً لا يثبتُ على الرّاحلةِ أفأحجُ عنهُ؟
قالَ: ((نعمْ))(٤).
• ومن ذلك: إعفاؤه من الصيام في الكفارة؛ لضعفه، والانتقال إلى الإطعام:
في حديث خولة بنت ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت قالت: فقالَ لي
رسولُ الله ◌َّ: «مريهِ، فليعتقْ رقبةً)).
(١) أي: وضعه في يده ودفعه إليه.
(٢) رواه البخاري [٢٣١٩] ومسلم [٢٠٣٠].
(٣) شرح صحيح مسلم [٢٠١/١٣]
(٤) رواه البخاري [١٥١٣] ومسلم [١٣٣٤].

٧٥٥
الباب الخامس: تعامل النبي صَلّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح عامة
قالتْ: فقلتُ: والله يا رسولَ الله ما عندهُ ما يعتقُ.
قالَ: «فليصمْ شهرینِ متتابعینٍ».
قالتْ: فقلتُ: والله يا رسولَ الله إنّهُ شيخٌ كبيرٌ ما بهِ منْ صیامٍ.
قالَ: ((فليطعمْ ستّينَ مسكيناً وسقاً منْ تمرٍ)).
قالتْ: قلتُ والله يا رسولَ الله ما ذاكَ عندهُ.
قالتْ: فقالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((فإنّا سنعينُهُ بعرقٍ منْ تمٍ)).
قالتْ: فقلتُ: وأنا يا رسولَ الله سأعينهُ بعرقٍ آخرَ.
قالَ: ((قدْ أصبتٍ، وأحسنتِ، فاذهبي، فتصدّقي عنهُ، ثمَّ استوصي بابنِ عمّكِ خیراً)).
قالتْ: ففعلتُ(١).
• ومن ذلك: أمره ◌َّه الأئمة الذين يصلّون بالناس أن يخففوا الصلاة مراعاة لكبار
السن الذين خلفهم:
عنْ أبي هريرةَ رَّهُ أَنَّ رسولَ اللهِّه قالَ: ((إذا صلّى أحدكمْ للنّاسِ فليخفّفْ؛ فإنَّ
منهمْ الضّعيفَ، والسّقيمَ، والكبيرَ، وإذا صلّى أحدكمْ لنفسِهِ؛ فليطوّلْ ما شاء)(٢).
وكان ◌َلّه يذكّر كبار السّنِّ بالله لقرب أجلهم:
كبير السن قريب من الموت فعليه أن يتوب، ويستعد للقاء الله، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ
مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَِّلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴾ [فاطر: ٣٧]، قال
ابن عباس: ((يعني الشّيبَ))(٣).
عنْ أبي هريرةَ رََّّهُ عَنِ النّبِيِّ وََّ قالَ: ((أعذرَ الله إلى امرئٍ أخّرَ أجلهُ حتّى بلّغهُ ستّينَ
سنةً)(٤).
(١) رواه أحمد [٢٦٧٧٤] وأبو داود [٢٢١٤]، وصححه الألباني في الإرواء [٢٠٨٧]، وقد سبق.
(٢) رواه البخاري [٦٧١] ومسلم [٤٦٨].
(٣) تفسير ابن كثير [٦/ ٤٩٣]، و علقه البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه.
(٤) رواه البخاري [٦٠٥٦].

٧٥٦
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
((أعذرَ الله)) الإعذارُ: إزالةُ العذرِ، والمعنى: أنّهُ لمْ يبقَ لهُ اعتذارٌ، كأنْ يقولَ: لوْ مدَّلي في
الأجلِ؛ لفعلتُ ما أمرتُ بهِ.
يقالُ: أعذرَ إليهِ إذا بلّغهُ أقصى الغايةِ في العذرِ، ومكّنهُ منهُ.
وإذا لمْ يكنْ لهُ عذرٌ في تركِ الطّاعةِ معَ تمكّنِهِ منها بالعمرِ الّذي حصلَ لهُ، فلا ينبغي لهُ
حينئذٍ إلّا الاستغفارُ، والطّاعةُ، والإقبالُ على الآخرةِ بالكلّيّة (١).
قالَ ابن بطّال: ((أي: أعذر إليه غاية الإعذار الذي لا إعذارَ بعده؛ لأن الستين قريب من
معترك العباد، وهو سنُّ الإنابةِ، والخشوعِ، والاستسلامِ لله تعالى، وترقّبِ المنّةِ ولقاءِ الله
تعالی.
فهذا إعذارٌ بعدَ إعذارٍ في عمرِ ابن آدم؛ لطفاً من الله لعباده حين نقلهم من حالة الجهل
إلى حالة العلم، وأعذر إليهم مرّةً بعد أخرى، ولم يعاقبهم إلا بعد الحجج اللائحة المبكّتة
لهم)) (٢).
وكان يحذّرهم من الحرص على الحياة، وجمع المال:
عن أبي هريرةَ رَّهُ أَنَّ النّبِيَّ وَّ قالَ: «قلبُ الشّيخ شابٌّ على حبِّ اثنتين: طولِ الحياةِ،
وكثرةِ المالِ))(٣).
ولفظ البخاري: ((لا يزالُ قلبُ الكبيرِ شاباً في اثنتينِ: في حبِّ الدّنيا، وطولِ الأملِ)).
ومعناهُ: أنَّ قلب الشّيخ كامل الحبِّ للمالِ محتكم في ذلكَ كاحتكامِ قوّة الشّابّ في شبابهِ (٤).
وعنْ أنس بن مالك رَعَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((يهرمُ ابنُ آدَمَ، وتشبُّ منْهُ اثنتانِ:
الحرصُ على المالِ، والحرصُ على العمرِ))(٥).
(١) فتح الباري [٢٤٠/١١].
(٢) شرح صحيح البخارى لابن بطال [١٠/ ١٥٣].
(٣) رواه البخاري [٦٤٢٠]، ومسلم [١٠٤٦] واللفظ له.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٣٨/٧].
(٥) رواه البخاري [٦٤٢١]، ومسلم [١٠٤٧]، واللفظ له.

٧٥٧
الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح عامة
(يهرمُ)) أيْ: يشيبُ ويضعفُ ((ويشبُّ)) أيْ: ينمو ويقوى ((منهُ)) أيْ: منْ أخلاقِ ((الحرصُ
على المالِ)) أيْ: جمعِهِ ومنعِهِ ((والحرصُ على العمرِ)) أيْ: طولهِ(١).
قالَ القرطبيُّ: ((في هذا الحديثِ: كراهةُ الحرصِ على طولِ العمرِ، وكثرةِ المالِ، وأَنَّ ذلكَ
لیس بمحمودٍ.
والحكمةُ في التّخصيصِ بهذينِ الأمرينِ: أنَّ أحبَّ الأشياءِ إلى ابنِ آدمَ نفسهُ، فهوَ راغبٌ في
بقائها، فأحبَّ لذلكَ طولَ العمرِ، وأحبَّ المالَ؛ لأنّهُ منْ أعظمِ الأسبابِ في دوامِ الصّحّةِ الّتي
ينشأُ عنها غالباً طولُ العمرِ، فكلّما أحسَّ بقربِ نفادِ ذلكَ، اشتَّ حبّهُ، ورغبتهُ في دوامِهِ))(٢).
وعدَّ الذنب من الرجل الكبير في السّنِّ أعظمَ من غيره:
عنْ أبي هريرةَ رَّعَُّ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: («ثلاثةٌ لا يكلّمهمْ الله يومَ القيامةِ، ولا
يزكّيهمْ، ولا ينظرُ إليهمْ، ولهمْ عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذّابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ)(٣).
ففي هذا الحديث: وعيدٌ شديدٌ للشّيخ الزّاني، والملك الكذّابِ، والعائل المستكبر.
وسببه: أنَّ كلَّ واحد منهمُ التزمَ المعصية المذكورة معَ بعدها منهُ، وعدم ضرورته إليها،
وضعف دواعيها عنده; وإنْ كانَ لا يعذر أحدٌ بذنبٍ، لكنْ لَّا لمْ يكنْ إلى هذهِ المعاصي
ضرورة مزعجة، ولا دواعي معتادة أشبهَ إقدامهمْ عليها المعاندةَ، والاستخفاف بحقِّ الله
تعالى، وقصد معصيته لا لحاجةٍ غيرها(٤).
وكان ينهاهم عن إزالة الشيب:
عنْ عمرو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جِدّهِ أَنَّ النّبِيّ ◌َّ نهى عنْ نتفِ الشّيبِ وقالَ: ((إنّهُ
نورُ المسلمِ)) (٥).
(١) تحفة الأحوذي [٦/ ٥٢٠].
(٢) فتح الباري [١١ / ٢٤١].
(٣) رواه مسلم [١٠٧].
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [٢ / ١١٧].
(٥) رواه الترمذي [٢٨٢١]، والنسائي [٥٠٦٨]، وابن ماجة [٣٧٢١]، وقال الألباني: ((صحيح لغيره)). صحيح
الترغيب والترهيب [٢٠٩١].

٧٥٨
تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفي رواية: ((لا تنتفوا الشّيبَ، ما منْ مسلمٍ يشيبُ شيبةً في الإسلامِ إلّا كانتْ لهُ نوراً يومَ
القيامة)).
وفي رواية: ((إلّا كتبَ الله لهُ بها حسنةً وحطَّ عنهُ بها خطيئةً))(١).
وعنْ أبي هريرةَ رَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ قالَ: ((لا تنتفوا الشّيبَ؛ فإنّهُ نورٌ يومَ القيامةِ،
ومنْ شابَ شيبةً في الإسلام كتبَ لهُ بها حسنةٌ، وحطَّ عنهُ بها خطيئةٌ، ورفعَ لهُ بها درجةٌ)(٢).
و کان يحثّهم على تغییر الشیب:
عنْ جابرِ بن عبد الله رَنْهَا قالَ: أتيَ بأبي قحافةَ عامَ الفتحِ، ورأسهُ ولحيتهُ مثلُ الثّغامِ أوْ
الثّغامةِ(٣)، فأمرَ بهِ إلى نسائِهِ وقالَ: ((غيرّوا هذا بشيءٍ)) (٤).
قال النووي: ((يستحبُّ خضاب الشّيب للرّجلِ والمرأة بصفرةٍ أوْ حمرة، ويحرم خضابه
بالسّوادِ لقولِهِ وَّ: ((واجتنبوا السّواد))(٥).
وعن أبي هريرةَ رَو ◌َّعَنْهُ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قالَ: ((إنَّ اليهودَ والنّصارى لا يصبغونَ؛
فخالفوهم)»(٦).
والمراد بهِ صبغ شيب اللّحية والرّأس، ولا يعارضهُ ما وردَ منَ النّهي عنْ إزالة الشّيب؛
لأنَّ الصّبغ لا يقتضي الإزالة(٧).
(١) رواه أبو داود [٤٢٠٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٤٦٣، ٥٧٦٠].
(٢) رواه ابن حبان [٢٩٨٥] وقال الألباني: ((حسن صحيح)). التعليقات الحسان [٣٢٩].
(٣) هوَ نبت أبيضُ الزّهر والثّمرِ يشبّه بِهِ الشّيب. النهاية [١/ ٢١٤].
(٤) رواه مسلم [٣٩٢٤].
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤ / ٨٠].
(٦) رواه البخاري [٣٤٦٢]، ومسلم [٢١٠٣].
(٧) فتح الباري [٤٩٩/٦].

٧٥٩
الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح عامة
يفيضُ القلبُ حبّاً، وامتناناً
إليهمْ ننتمي، وبهمْ شرفنا
وخيرٌ لي منَ الدّنيا دعاهمْ
وصاةُ نبيّنا بالشّيبِ منّا
يقدّرهمْ كأنّهِمُ ملوكٌ
يقدّمهمْ لسنّهمُ احتراماً
إذا جاءوهُ هشَّ لهمْ وحيّا
ومازحهمْ وضاحكهمْ بلطفٍ
يعرّفهمْ مواسمَ كلِّ خيرٍ
ويطمعهمْ بعفوِ الله عنهمْ
ويصفحُ عنْ إساءتهمْ ويعفو
يخفّفُ عنهمُ، والدّينُ يسرٌ
ومنْ جشعِ يحذّرهمْ نصوحاً
لآباءٍ لنا بهمُ افتخارُ
وقدْ عمرتْ بآبائي الدّيارُ
فذلكَ خيرُ ما ربحَ التّجارُ
توقّرهمْ، وحقّ لهُمْ وقارُ
ويرحمهمْ كأنّهمُ صغارُ
لهمْ منْ بينِ قومهمُ الصّدارُ
وطابَ لهمْ بمجلسهِ الجوارُ
ولذَّ لهمْ بمزحتِهِ الحوارُ
ليبتدروهُ، والخيرُ ابتدائُ
إذا صحَّ المتابُ والانكسارُ
وخيرُ العفوِ ما معهُ اقتدارُ
وأولى النّاسِ باليسرِ الكبارُ
لقدْ نفعَ التّيقّظُ والحذارُ