النص المفهرس
صفحات 701-720
٧٠٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيهِ: الحثُّ على صلةِ الرّحمِ. وفيهِ: جوازُ تبرّعِ المرأةِ بمالها بغيرِ إذنِ زوجها. وفيهِ: عظةُ النّساء، وترغيب وليِّ الأمر في أفعالِ الخيرِ للرّجالِ والنّساءِ. وفيهِ: التّحدّثُ معَ النّساءِ الأجانب عندَ أمنِ الفتنةِ. وفيهِ: التّخويفُ منَ المؤاخذةِ بالذّنوبِ، وما يتوقّعُ بسببها منَ العذابِ. وفيهِ: فتيا العالمِ معَ وجودِ منْ هوَ أعلمُ منهُ. وفيهِ: طلبُ التّرقّي في تحمّلِ العلمِ (١). وفيهِ: جوازُ أن يخفيَ المستفتي شخصيته لقول امرأة ابن مسعود: ((ولا تخبرهُ منْ نحنُ)). وكان أكثر من يتصدق النساء: عن أبي سعيدِ الخدريِّ رََّّعَهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ كَانَ يخرِجُ يومَ الأضحى، ويومَ الفطرِ، فيبدأُ بالصّلاةِ، فإذا صلّى صلاتهُ وسلّمَ، قامَ، فأقبلَ على النّاسِ وهمْ جلوس في مصلّاهمْ، فإنْ كانَ لهُ حاجةٌ ببعثٍ ذكرهُ للنّاسِ، أوْ كانتْ لهُ حاجةٌ بغيرِ ذلكَ أمرهمْ بها. وكانَ يقولُ: ((تصدّقوا، تصدّقوا، تصدّقوا))، وكانَ أكثرَ منْ يتصدّقُ النّساءُ(٢). وكان ◌َّه يحثّهنَّ على الإكثار من ذكر الله تعالى: عن يسيرة رَوَ عَنْهَ، وكانتْ منَ المهاجراتِ، قالتْ: قالَ لنا رسولُ اللهِ وَالَ: «عليكنَّ بالتّسبيحِ، والتّهليلِ، والتّقديسِ، واعقدنَ بالأناملِ، فإنّهنَّ مسئولاتٌ مستنطقاتٌ، ولا تغفلنَ، فتنسینَ الرّحمةَ»(٣). (عليكنّ) اسمُ فعلٍ بمعنى: الزمنَ. (١) فتح الباري [٣٣٠/٣]. (٢) رواه البخاري [٣٠٤]، ومسلم [٨٨٩]، واللفظ له. (٣) رواه الترمذي [٣٥٨٣] وأبو داود [١٥٠٥] وأحمد [٢٦٥٤٩]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [٤٠٨٧]. ٧٠١ الباب الخامس: تعامل النبي صَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة (بالتّسبيحِ) أيْ: بقولِ: سبحانَ الله. (والتّهليلِ) أيْ: قولِ: لا إلهَ إلّا الله. (والتّقديسِ) أيْ: قولِ: سبحانَ الملكِ القدّوسِ، أوْ سبّوحُ قدّوسُ ربُّ الملائكةِ والرّوحِ. (واعقدنَ بالأناملِ) أي: اعددنَ عددَ مرّاتِ التّسبيحِ والتهليل بالأناملِ، إِما بعقدها، أوْ برءوسها. والأناملُ جمعُ أنملةٍ، وهي الّتي فيها الظّفرُ(١). ((ويحتملُ أن المراد العقد بنفس الأنامل، أو بجملة الأصابع. والعقد بالمفاصل: أن يضع إبهامه في كل ذكر على مفصل. والعقد بالأصابع: أن يعقدها ثم يفتحها))(٢). فمن عدَّ بوضع طرف الإبهام على أنامل الأصابع الأخرى، فقد عدَّ بالأنامل، ومن وضع أطراف الأنامل على الكف فقد عد أيضا بها، فالأمر في هذا واسع. قالَ الطّبيُّ: ((حرّضهنَّ ◌ِِّ على أنْ يحصينَ تلكَ الكلماتِ بأناملهنَّ؛ ليحطَّ عنها بذلكَ ما اجترحتهُ منْ الذّنوبِ. (فإنّهنَّ مسئولاتٌ) أيْ: يسألنَ يومَ القيامةِ عّا اكتسبنَ، وبأيِّ شيءٍ استعملنَ. (مستنطقاتٌ) أيْ: متكلّمَاتٌ، فيشهدنَ لصاحبهنَّ أوْ عليهِ بما اكتسبهُ ﴿يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]. (ولا تغفلنَ) أيْ: عنِ الذّكرِ، يعني لا تتركنَ الذّكرَ. (فتنسينَ الرّحمةَ) قالَ القاري: والمرادُ بنسيانِ الرّحمةِ نسيانُ أسبابها، أيْ: لا تتركنَ الذّكرَ؛ فإنّكِنَّ لوْ تركتنَّ الذّكرَ لحرمتنَّ ثوابهُ، فكأنّكنَّ تركتنَّ الرّحمَةَ. (١) تحفة الأحوذي [١٠/ ٣١]. (٢) قاله ابن علان في الفتوحات الربانية [٣/ ٢٥٠]. ٧٠٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي: لا يكنْ منكمُ الغفلةُ؛ فيكونَ منَ الله تركُ الرّحمةِ»(١). وكان يعلمهنَّ ما ينفعهنَّ من الأدعية: ومن النساء العظيمات في الإسلام اللاتي علمهن رسول الله وَله: أسماءُ بنتُ عميسِ رَّ لهُ عَنْهَا فقد كانت شخصية علميّةً دعوية مؤثّرة، واعظة للرجال والنساء، وقد توارد الرجال ليسمعوا منها حديث فضل مهاجرة الحبشة [وسيأتي قريباً]. عنْ أسماء بنتِ عميسٍ رََّتها قالتْ: قالَ لي رسولُ اللهِ وَّةِ: ((ألا أعلّمكِ كلماتٍ تقولينهنَّ عندَ الكربِ، أَوْ في الكربِ: الله الله ربّي لا أشركُ بهِ شيئاً)(٢). وكثيراً ما تصابُ النساء بالكرب بسبب الحمل، أو الوضع، أو قسوة الزوج، أو اشتداد الأولاد عليها، وغير ذلك. فعلى المرأة أن تحافظ على هذا الذكر العظيم الذي يفرج الله به الکرب. وقد ثبت عن النبي ◌َّ أنه كان يقول عند الكرب: ((لا إلهَ إلّ الله العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلّ الله ربُّ العرشِ العظيم، لا إلهَ إلّ الله ربُّ السّمواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمِ))(٣). وهوَ حديث جليل ينبغي الاعتناء بهِ، والإكثار منهُ عند الكرب والأمور العظيمة. قالَ الطّرِيُّ: كانَ السّلف يدعونَ بهِ، ويسمّونهُ: دعاء الكرب))(٤). وكان ◌َّه يحثّهنَّ على شهود مواسم الخير في الأعياد ونحوها: عنْ أمِّ عطيّةَ رََّنها قالتْ: أمرنا أنْ نخرِجَ الحيّضَ يومَ العيدينِ، والعواتقَ، وذواتٍ الخدورِ، فيشهدنَ الخيرَ، وجماعةَ المسلمينَ، ودعوتهمْ، ويعتزلُ الحيّضُ عنْ مصلّاهنّ. (١) تحفة الأحوذي [١٠/ ٣١]. (٢) رواه أبو داود [١٥٢٥] وابن ماجه [٣٨٨٢]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [١٣٦٤]. (٣) رواه البخاري [٦٣٤٦]، ومسلم [٢٧٣٠] عن عبد الله بن عباس رَُّ عَنْهُم). (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٧ / ٤٧]. ٧٠٣ الباب الخامس: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع شرائح عامة قالتِ امرأةٌ: يا رسولَ الله إحدانا ليسَ لها جلبابٌ. قالَ: ((لتلبسها صاحبتها منْ جلبابها))(١). أَيْ: تعيرها منْ ثيابها ما لا تحتاج إليهِ(٢). من فوائد الحدیث: فيه: استحبابُ خروج النّساءِ إلى شهودِ العيدينِ، سواءٌ كنَّ شوابَّ أمْ لا، وذواتِ هيئاتٍ أمْ لا. وقدْ صرّحَ في حديثٍ أمِّ عطيّةَ بعلّةِ الحكمِ، وهوَ شهودهنَّ الخيرَ ودعوةُ المسلمينَ، ورجاءُ بركةِ ذلكَ اليومِ وطهرتِهِ. وفيهِ: أنَّ الحائض لا تهجرُ ذكرَ الله، ولا مواطنَ الخير، كمجالس العلم والذّكر سوى المساجد(٣). (والعوائقَ) جمع عاتق وهي الشّابّة أوّلَ ما تدركُ. وقيلَ: هيَ التّي لَمْ تبنْ منْ والديها ولمْ تزوّج، وقدْ أدركت وشبّت، وتجمع على العتّق والعواتق (٤). (وذواتِ الخدورِ) الخدرُ ناحيةٌ في البيتِ يترك عليها سترٌ فتكونُ فيهِ الجاريةُ البكرُ. (٥) و کان النساء كذلك يشهدنَ معه صلاة الجمعة: عنْ أم هشام بنت حارثةَ بنِ النّعمانِ قالتْ: ما حفظتُ ((ق)) إلّا منْ في رسولِ الله ◌َّ يخطبُ بها كلَّ جمعةٍ. (١) رواه البخاري [٣٥١] ومسلم [٨٩٠]. (٢) فتح الباري [٤٢٤/١]. (٣) فتح الباري [٤٢٤/١]، [٤٧٠/٢]. (٤) النهاية [١٧٩/٣]. (٥) النهاية [١٣/٣]. ٧٠٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالتْ: وكانَ تنّورنا وتنّورُ رسولِ اللهِ وََّ واحداً(١). قالَ العلماء: سبب اختيار ((ق)) أنّها مشتملة على البعث، والموت، والمواعظ الشّديدة، والزّواجر الأكيدة. قولها: ((وكانَ تنّورنا (٢) وتنّور رسول الله وَلَ- واحداً))، إشارة إلى حفظها ومعرفتها بأحوالِ النّبيّ ◌ِّهِ وقربها منْ منزله(٣). وكنَّ يشهدنَ صلاة الفريضة معه في المسجد: عن عائشةَ رََّ عَنْهَا قالتْ: «كنَّ نساءُ المؤمناتِ يشهدنَ معَ رسولِ اللهِوَّه صلاةَ الفجرِ، متلفّعاتٍ بمروطهنَّ(٤)، ثمَّ ينقلبنَ إلى بيوتهنَّ حَيَن يقضيَن الصّلاةَ، لا يعرفهنَّ أحدٌ منَ الغلسِ)) (٥). من فوائد الحدیث: فيه: استحبابُ خروج النّساءِ إلى المساجد لشهودِ الصّلاة في اللّيل، وجوازهُ في النّهارِ منْ باب أولى؛ لأَنَّ اللّيلَ مظنَّةُ الرّيبةِ أكثرَ منْ النّهارِ، ومحلُّ ذلكَ إذا لمْ يُخشَ عليهنَّ أَوْ بهنَّ فتنةٌ. وفيهِ: استحبابُ المبادرةِ بصلاةِ الصّبحِ في أوّلِ الوقتِ(٦). وقد نهى الرجال عن منعهنَّ من الإتيان إلى المساجد: عنْ عبد الله بنِ عمرَ رَّعَنْهَا قالَ: كانتِ امرأةٌ لعمرَ تشهدُ صلاةَ الصّبح والعشاءِ في الجماعةِ في المسجدِ. فقيلَ لها: لمَ تخرجينَ، وقدْ تعلمينَ أنَّ عمرَ يكرهُ ذلكَ، ويغارُ؟ (١) رواه مسلم [٨٧٣]. (٢) التّنّور: الّذي يخبز فيهِ. النهاية [١٩٩/١]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٦/ ١٦١]. (٤) أيْ: متلفّفاتٍ بأكسيتهنّ. النهاية [٢٦١/٤]. (٥) رواه البخاري [٣٧٢]، ومسلم [٦٤٥]. (٦) فتح الباري [٥٦/٢]. ٧٠٥ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح عامة قالتْ: وما يمنعهُ أنْ ينهاني؟ قالَ: يمنعهُ قولُ رسولِ الله ◌َّ: ((لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله))(١). ونهاهنَّ عن التطيّب حال الخروج للمسجد أو لغيره: عنْ أبي هريرةَ رَّعَنْهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَلَ قالَ: ((لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله، ولكنْ ليخرجنَ وهنَّ تفلاتٌ (٢))(٣). قال العظيم آبادي: ((وإنّما أمرنَ بذلكَ ونهينَ عنِ التّطيّب كما في رواية مسلم عنْ زینب؛ لئلّا يحرّكنَ الرّجال بطيبهنَّ. ويلحقُ بالطّيبِ ما في معناهُ منَ المحرّكات لداعي الشّهوة كحسنِ الملبس، والتّحلّي الّذي يظهر أثره والزّينة الفاخرة))(٤). وعنْ زينبَ امرأةٍ عبدِ الله بن مسعود رَهُ عَنهُ قالتْ: قَالَ لنا رسولُ اللهِوَّ: «إذا شهدتْ إحداكنَّ المسجدَ فلاَ تمسَّ طيباً)(٥). وعنْ أبي هريرةَ رَ عَنْهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: «أيما امرأةٍ أصابتْ بخوراً: فلا تشهدْ معنا العشاءَ الآخرةَ»(٦). وعنْ أبي موسى رَوَ عَنْهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((إذا استعطرتِ المرأةُ فمرّتْ على القومِ ليجدوا ريحها فهيَ كذا وكذا)»(٧) يعني: زانية. ((لأنّها هيّجتْ شهوةَ الرّجالِ بعطرها، وحملتهمْ على النّظرِ إليها، ومنْ نظرَ إليها، فقدْ زنی بعینیهِ، فھيَ سببُ زنى العينِ فهيَ آثمةٌ))(٨). (١) رواه البخاري [٩٠٠]، واللفظ له، ومسلم [٤٤٢]. (٢) أيْ تاركاتٍ للطّيبِ. النهاية [١ / ١٩١]. (٣) رواه أبو داود [٥٦٥]، وصححه الألباني في الإرواء [٥١٥]. (٤) عون المعبود [١٩٢/٢]. (٥) رواه مسلم [٤٤٣]. (٦) رواه مسلم [٤٤٤]. (٧) رواه أبو داود [٤١٧٣]، والترمذي [٢٧٨٦]، وصحّحه الألباني. (٨) تحفة الأحوذي [٨/ ٥٨]. ٧٠٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومع كل هذا فصلاتهنَّ في بيوتهنَّ أفضل: عنْ عبد الله بنِ عمَ رَعَنْهَ أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((لا تمنعوا نساءكمْ المساجدَ، وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ)(١). ((ووجه كون صلاتهنَّ في البيوت أفضل: الأمنُ منَ الفتنة، ويتأكّدُ ذلكَ بعد وجود ما أحدثَ النّساء منَ التّبرّج والزّينة، ومنْ ثمَّ قالتْ عائشة ما قالتْ)) (٢). وكان ◌َّه يتفقّد أحوالهنَّ ويسأل من غابت منهنَّ عن مواسم الخير عن سبب غيابها. عنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَعَنْهَا قَالَ: لَّا رِجِعَ النّبِيُّ ◌َِّ مِنْ حجّتهِ، قالَ لأمِّ سنانٍ الأنصاريّةِ: ((ما منعكِ أنْ تكوني حججتٍ معنا؟)). قالتْ: ناضحانِ(٣) كانا لأبي فلانٍ -زوجها- حجَّ هوَ وابنهُ على أحدهما، وكانَ الآخرُ یسقي علیهِ غلامنا. قالَ: ((فعمرةٌ في رمضانَ تقضي حجّةً معي))(٤). وعن أمِّ معقلٍ قالتْ: لمّا حجَّ رسولُ الله ◌َّه حجّةَ الوداع، وكانَ لنا جملٌ جعلهُ أبو معقلٍ في سبيلِ الله، وأصابنا مرضٌ، وهلكَ أبو معقلٍ. وخرجَ النّبِيُّ وََّ، فلمّا فرِغَ منْ حجّهِ جئتهُ، فقالَ: ((يا أمَّ معقلٍ ما منعكِ أنْ تخرجي معنا؟)). قالتْ: لقدْ تهيّأنا، فهلكَ أبو معقلٍ، وكانَ لنا جملٌ هوَ الذي نحجُ علیهِ، فأوصى بهِ أبو معقلٍ في سبيلِ الله. (١) رواه أبو داود [٥٦٧]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٥٧٦]. (٢) فتح الباري [٢/ ٣٤٩]. ومقصود الحافظ بقول عائشة: قولها رَنوّ عنها: «لوْ أَنَّ رسولَ اللهِوَّه رأى ما أحدثَ النّساءُ لمنعهنَّ المسجدَ كما منعتْ نساءُ بني إسرائيلَ)). رواه البخاري [٨٦٩] ومسلم [٤٤٥]. (٣) الناضح: البعير الّذي يستقى عليهِ. النهاية [٦٩/٥]. (٤) رواه البخاري [١٨٦٣] ومسلم [١٢٥٦]. ٧٠٧ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح عامة قالَ: «فهلّا خرجتِ عليهِ؟ فإنَّ الحجَّ في سبيلِ الله، فأمّا إذْ فاتتكِ هذهِ الحجّةُ معنا، فاعتمري في رمضانَ، فإنّا كحجّةٍ))(١). ((فأعلمها أنَّ العمرة في رمضان تعدل الحجّة في الثّواب، لا أنّها تقوم مقامها في إسقاط الفرض، للإجماع على أنَّ الاعتمار لا يجزئ عنْ حجّ الفرض))(٢). ومثله: لو أن رجلا نذر إن شفى الله مريضه أن يختم القرآن، فلما شفى الله مريضه قرأ سورة الإخلاص ثلاثاً مستدلا بقول النبي ◌ِّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ [الإخلاص: ١]، تعدلُ ثلثَ القرآنِ))(٣). فهل يكفيه ذلك؟ الجواب: لا يكفيه؛ لأن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن في الثواب، ولكنها لا تقوم مقامه في القراءة. وقوله: ((فإنَّ الحجَّ في سبيلِ الله)) استدل به الإمام أحمد وغيره على جواز إعطاء من لا يجد نفقة حج الفريضة من الزكاة ليحجَّ. وكان يَّ يراعي حال النساء، فينتظر في مصلّاه حتى تخرج النساء من المسجد؛ كي لا يختلطنَ بالرجال. عنْ أمِّ سلمةَ رَتها قالتْ: كانَ رسولُ اللهِوَلَه إذا سلّمَ قامَ النّساءُ حينَ يقضي تسليمهُ، ومكثَ يسيراً قبلَ أنْ يقومَ. قالَ الزهري: فأرى والله أعلمُ أنَّ مكثهُ لكيْ ينفذَ النّساءُ، قبلَ أنْ يدركهنَّ منِ انصرفَ منَ القومِ(٤). (١) رواه أبو داود [١٩٨٩] وهذا لفظه، والترمذي [٩٣٩]، وابن ماجة [٢٩٩٣] مختصراً، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [١٧٣٦]. (٢) فتح الباري [٦٠٤/٣]. (٣) رواه البخاري [٦٦٤٣] عن أبي سعيد رَ عَنْهُ، ورواه مسلم [٨١١] عنْ أبي الدّر داءِ رَتْهُ. (٤) رواه البخاري [٨٣٧]. ٧٠٨ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعنْ أمِّ سلمةَ زوجِ النّبِّ ◌َّه قالتْ: كانَ يسلّمُ(١)، فينصرفُ النّساءُ، فيدخلنَ بيوتهنَّ منْ قبلِ أنْ ينصرفَ رسولُ اللهِوَ(٢). من فوائد الحدیث: فيه: مراعاة الإمام أحوالَ المأمومينَ. وفيهِ: الاحتياطُ في اجتناب ما قدْ يفضي إلى المحذور. وفيهِ: اجتنابُ مواضع التّهم. وفيهِ: كراهةُ مخالطة الرّجال للنّساءِ في الطّرقات فضلاً عنْ البيوت. وفيهِ: أنَّ النّساء كنَّ يحضرنَ الجماعة في المسجد(٣). ولكيلا يختلطنَ بالرجال كان النبيُّ وَله يندبهنَّ للصلاة في الصفوف المتأخّرة. فقالَ وَِّ: «خيرُ صفوفِ الرّجالِ أوّلها، وشرّها آخرها، وخيرُ صفوفِ النّساءِ آخرها، وشرّها أوّلها))(٤). قال النووي: ((والمرادُ بالحديثِ صفوفُ النّساء اللّواتي يصلّينَ معَ الرّجال، وأمّا إذا صلّينَ متميّزات لا معَ الرّجال، فهنَّ كالرّجالِ خير صفوفهنَّ أوّلها، وشرّها آخرها. وإنّما فضّلَ آخرَ صفوفِ النّساء الحاضراتِ معَ الرّجال لبعدهنَّ منْ مخالطة الرّجال، ورؤيتهمْ وتعلّق القلب بهمْ عند رؤية حركاتهمْ، وسماع كلامهمْ ونحو ذلك، وذمّ أوّلَ صفوفهنَّ لعكسِ ذلكَ))(٥). بل قد خصّص النبيُّ وَّ باباً للنساء في المسجد: عنْ نافعٍ عنْ ابنِ عمرَ رَنَّ ا قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِوَ لَ: «لوْ تركنا هذا البابَ للنّساءِ)). (١) أي: النبي ◌َّ. (٢) رواه البخاري [٨٥٠]. (٣) فتح الباري [٢/ ٣٣٦]. (٤) رواه مسلم [٤٤٠]. (٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥٩/٤]. ٧٠٩ الباب الخامس: تعامل النبي صَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة قالَ نافعٌ: فلمْ يدخل منهُ ابنُ عمَرَ حتّى ماتَ(١). والحديث فيهِ دليل أنَّ النّساء لا يختلطنَ في المساجد معَ الرّجال، بلْ يعتزلنَ في جانب المسجد، ويصلّينَ هناكَ بالاقتداءِ معَ الإمام. فكانَ عبد الله بن عمر أشدّ اتّباعاً للسّنّةِ، فلمْ يدخل منَ الباب الّذي جُعِلَ للنّساءِ حتّى ماتَ(٢). وكان يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الطريق: عنْ أبي أسيدٍ الأنصاريِّ رَعَّهُ أنّه سمعَ رسولَ اللهِ لّه يقولُ وهوَ خارجٌ منْ المسجدِ، فاختلطَ الرّجالُ معَ النّساءِ في الطّريقِ، فقالَ رسولُ الله ◌َّه للنّساءِ: ((استأخرنَ؛ فإنّهُ ليسَ لكنَّ أنْ تحققنَ الطّرِيقَ(٣)، عليكنَّ بحافّاتِ الطّريقِ)). فكانتِ المرأةُ تلتصقُ بالجدارِ حتّى إِنَّ ثوبها ليتعلّقُ بالجدارِ منْ لصوقها بهِ (٤). وقد ندب النبي ◌َّ المرأة إلى خضاب يدها: عنْ عائشةَ رََّنها أنَّ امرأةً مدّتْ يدها إلى النّبِيِّ وَّه بكتابِ فقبضَ يدهُ فقالتْ: يا رسولَ الله مددتُ يدي إليكَ بكتابٍ فلمْ تأخذهُ؟ فقالَ: ((إنّي لمْ أدرِ أيدُ امرأةٍ هيَ أوْ رجلٍ؟)) قالتْ: بلْ يدُ امرأةٍ. قالَ: ((لوْ كنتِ امرأةً لغيّرتِ أظفاركِ بالحنّاءِ)) (٥). قال ابن حجر: ((وإنما أمرها بالخضاب؛ لتستر بشرتها، فخضاب اليد مندوب للنساء للفرق بين كفها وكف الرجل))(٦). (١) رواه أبو داود [٤٦٢]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٤٨٣]، وضعفه غيره. (٢) عون المعبود [٢/ ٩٢]. (٣) هوَ أنْ يركبن حقّها، وهوَ وسطها. النهاية [١/ ٤١٥] (٤) رواه أبو داود [٥٢٧٢]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [٩٢٩]. (٥) رواه أبو داود [٤١٦٦]، والنسائي [٥٠٨٩]، وحسنه الألباني. (٦) فيض القدير [٣٣٠/٥]. ٧١٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان ◌َّه يخفّفُ من صلاته شفقةً على يصلي خلفه من النساء إذا سمع بكاء صبي: عن أنس بن مالكٍ رَعَُّ أن النبيَّ وَّه قال: «إنّ لأدخلُ في الصّلاةِ، وأنا أريدُ إطالتها، فأسمعُ بكاءَ الصّبيِّ، فأتجوّزُ في صلاتي؛ ممّا أعلمُ منْ شدّةِ وجدِ أمّهِ منْ بكائهِ))(١). ((منْ شدّة وجد أمّه)) أيْ: منْ حزنها واشتغال قلبها بهِ (٢). من فوائد الحدیث: فيه: الرّفقُ بالمأمومينَ، وسائر الأتباع، ومراعاةٌ مصلحتهمْ، وألّا يدخل عليهمْ ما يشقُّ عليهمْ وإنْ كانَ يسيراً منْ غير ضرورة. وفيهِ: جوازُ صلاة النّساء معَ الرّجال في المسجد. وفيهِ: أنَّ الصّبيَّ يجوز إدخاله المسجد، وإنْ كانَ الأولى تنزيه المسجد عمّنْ لا يؤمن منهُ حدث(٣). وقال علماء اللجنة الدائمة: ((إذا كان الطفل مميزا شرع إحضاره إلى المسجد ليعتاد الصلاة مع جماعة المسلمين، وقد صح عن النبي وَ يّ أنه قال: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)) (٤). ((أما إذا كان الطفل غير مميز فالأفضل ألا يحضر إلى المسجد لأنه لا يعقل الصلاة ولا معنى الجماعة، ولما قد يسببه من الأذى للمصلين))(٥). (١) رواه البخاري [٧٠٩]، ومسلم [٤٦٩]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [٤/ ١٨٧]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٤/ ١٨٧]. (٤) رواه أبو داود [٤٩٥] عن عبد الله بن عمرو رَّهُ عَنْهُ، وصححه الألباني. (٥) فتاوى اللجنة الدائمة [٥ / ٢٦٣]. ٧١١ الباب الخامس: تعامل النبي صَلَ للَّهُ عليْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة ومن شفقته ◌َّ على النساء أنه حزن وتأسف على المرأة التي كانت تقمُّ المسجد، ودفنتْ من غير أن يصلَّ عليها. عنْ أبي هريرةَ رَّعَنُ: أنَّ امرأةً سوداءَ كانتْ تقمُّ المسجدَ، ففقدها رسولُ الله ◌َِّ، فسألَ عنها، فقالوا: ماتت. قالَ: ((أفلا كنتمْ آذنتموني؟)). قالَ: فكأنّهمْ صغّروا أمرها. فقالَ: ((دلّوني على قبرها)). فدلّوهُ، فصلّى عليها(١). من فوائد الحدیث: فيه: فضلُ تنظيفِ المسجدِ. وفيهِ: السّؤالُ عنْ الخادمِ والصّديقِ إذا غابَ. وفيهِ: المكافأةُ بالدّعاءِ. وفيهِ: التّرغيبُ في شهودِ جنائزِ أهل الخيرِ. وفيهِ: ندبُ الصّلاة على الميّتِ الحاضرِ عندَ قبرهِ لمنْ لمْ يصلِّ عليهِ. وفيهِ: الإعلامُ بالموتِ (٢). وكان ◌َّ يطيّبُ خاطرَ من انتقصَ من مكانتها منهنَّ: عنْ أبي موسى رَّهُ قالَ: بلغنا مخرجُ النّبِيِّ ◌َّهِ ونحنُ باليمنِ، فخرجنا مهاجرينَ إلیهِ أنا وأخوانٍ لي أنا أصغرهمْ، أحدهما أبو بردةَ، والآخرُ أبو رهمٍ، في ثلاثةٍ وخمسينَ، أوِ اثنينِ وخمسينَ رجلاً منْ قومي. (١) رواه البخاري [٤٥٨]، ومسلم [٩٥٦]. (٢) فتح الباري [١/ ٥٥٣]. ٧١٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فركبنا سفينةً، فألقتنا سفينتنا إلى النّجاشيِّ بالحبشةِ، فوافقنا جعفرَ بنَ أبي طالبٍ وأصحابهُ عندهُ. فقالَ جعفرٌ: إنَّ رسولَ الله وَّه بعثنا هاهنا، وأمرنا بالإقامةِ، فأقيموا معنا. فأقمنا معهُ حتّى قدمنا جميعاً، فوافقنا رسولَ الله وَِّ حِينَ افتتحَ خيبرَ، فأسهمَ لنا، أوْ قالَ أعطانا منها. وما قسمَ لأحدٍ غابَ عنْ فتح خيبرَ منها شيئاً إلا لمنْ شهدَ معهُ، إلّا لأصحابٍ سفينتنا معَ جعفرٍ وأصحابهِ، قسمَ لهُمْ معهمْ. وكانَ أناسٌ منَ النّاسِ يقولونَ لنا يعني لأهلِ السّفينةِ: سبقناكمْ بالهجرةِ. ودخلتْ أسماءُ بنتُ عميسٍ، وهيَ ممّنْ قدمَ معنا على حفصةَ زوجِ النّبِّ وَّ زائرةً، وقدْ كانتْ هاجرتْ إلى النّجاشيِّ فیمنْ هاجرَ. فدخلَ عمرُ على حفصةَ وأسماءُ عندها، فقالَ عمرُ حينَ رأى أسماءَ: منْ هذهِ. قالتْ: أسماءُ بنتُ عميسٍ. قالَ عمرُ: الحبشيّةُ هذهِ؟ البحريّةُ هذهٍ(١)؟ قالتْ أسماءُ : نعمْ. قالَ: سبقناكمْ بالهجرةِ، فنحنُ أحقُّ برسولِ الله وَِّ مِنكُمْ. فغضبتْ، وقالتْ: كلّا والله، كنتمْ معَ رسولِ الله ◌َّ یطعمُ جائعکمْ، ویعظُ جاهلکمْ، وكنّا في دارِ البعداءِ(٢) البغضاءِ بالحبشةِ، وذلكَ في الله، وفي رسولِهِ وَ لّهِ، وايمُ الله لا أطعمُ طعاماً، ولا أشربُ شراباً، حتّى أذكرَ ما قلتَ لرسولِ الله ◌ِِّ، ونحنُ كنّا نؤذى ونخافُ. وسأذكرُ ذلكَ للنّبِّ وَّه وأسألهُ، والله لا أكذبُ، ولا أزيغُ، ولا أزيدُ عليهِ. (١) نسبها إلى الحبشةِ لسكناها فيهمْ، وإلى البحرِ لركوبها إيّاهُ. (٢) البعداء في النّسب، البغضاء في الدّين؛ لأنهّمْ كفّار إلاّ النّجاشّي، وكانَ يستخفي بإسلامهِ عنْ قومه. شرح النووي [٦٥/١٦]. ٧١٣ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع شرائح عامة فلّا جاءَ النّبِيُّ ◌َّه قالتْ: يا نبيَّ الله إنَّ عمرَ قالَ كذا وكذا. قالَ: فما قلتِ لهُ. قالتْ قلتُ لهُ: كذا وكذا. قالَ: ((ليسَ بأحقَّ بي منكمْ، ولهُ ولأصحابِ هجرةٌ واحدةٌ، ولكمْ أنتمْ أهلَ السّفينةِ هجرتانٍ)). قالتْ: فلقدْ رأيتُ أبا موسى وأصحابَ السّفينةِ يأتوني أرسالاً(١) يسألوني عنْ هذا الحديثِ، ما منَ الدّنيا شيءٌ همْ بِهِ أفرحُ، ولا أعظمُ في أنفسهمْ مَّا قالَ لهُمُ النّبيُّ ◌َّ. قالتْ أسماءُ: فلقدْ رأيتُ أبا موسى، وإنّهُ ليستعيدُ هذا الحديثَ منّي(٢). وكان تعامله ◌َ له مع النساء قائماً على الرّفق والحلم. عن سعدٍ بن أبي وقاص رَّعَنْهُ قالَ: استأذنَ عمرُ بنُ الخطّابِ رَنهُ على رسولِ الله وََّ، وعندهُ نسوةٌ منْ قريشٍ يسألنُهُ، ويستكثرنهُ(٣)، عاليةً أصواتهنَّ على صوتِهِ(٤). فلمّا استأذنَ عمرُ تبادرنَ الحجابَ. فَأَذْنَ لهُ النّبِيُّ ◌ََّ، فدخلَ، وَالنّبِيُّ ◌َّ يضحكُ. فقالَ: أضحكَ الله سنّكَ يا رسولَ الله بأبي أنتَ وأمّي. فقالَ: ((عجبتُ منْ هؤلاءِ اللّتي كنَّ عندي، لَّا سمعنَ صوتكَ تبادرنَ الحجابَ)). فقالَ: أنتَ أحقُّ أنْ يهبنَ يا رسولَ الله. ثمَّ أقبلَ عليهنَّ فقالَ: يا عدوّاتِ أنفسهنَّ، أنهبني، ولمْ تهبنَ رسولَ الله ◌َّ !. (١) أيْ أفواجاً، فوجاً بعد فوج. (٢) رواه البخاري [٤٢٣١] ومسلم [٢٥٠٣]. (٣) يطلبنَ كثيراً منْ كلامه وجوابه بحوائجهنَّ وفتاويهنَّ. (٤) يحتملُ أنَّ علوّ أصواتهنَّ إنّما كانَ باجتماعها لا أنَّ كلام كلّ واحدة بانفرادها أعلى منْ صوته ◌َّ. شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ١٦٤]. ٧١٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلنَ: إنّكَ أفظُّ وأغلظُ منْ رسولِ اللهِ وََّ(١). قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِيهاً يا ابنَ الخطّابِ، والّذي نفسي بيدهِ ما لقيكَ الشّيطانُ سالكاً فجّاً إلّا سلكَ فجّاً غيرَ فجّكَ))(٢). وهذا الحديث محمولٌ على ظاهره: أنَّ الشّيطانَ متى رأى عمر سالكاً فجّاً هربَ هيبة منْ عمرَ، وفارقَ ذلكَ الفجّ، وذهبَ في فجِّ آخر؛ لشدّةِ خوفه منْ بأس عمرَ أنْ يفعلَ فيهِ شيئاً. وفيهِ: فضلُ لين الجانب والحلم والرّفق ما لمْ يفوّتْ مقصوداً شرعياً، قال تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وقالَ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٢٨]))(٣). وكان يرفق بالأراملِ منهنَّ: فقد أولاهنَّ ◌َّ كاملَ رحمته ورفقه، وكان لا يتكبّرُ على الأرملة، ولا يأنفُ منها. عن عبد الله بن أبي أوفى رَّعَنْهُ قالَ: كَانَ رسولُ الله ◌َّه يكثرُ الذّكرَ، ويقلُّ اللّغْوَ، ويطيلُ الصّلاةَ، ويقصّرُ الخطبةَ، ولا يأنفُ أنْ يمشيَ معَ الأرملةِ والمسكينِ، فيقضيَ لهُ الحاجة (٤). وبيّن فضل السعي على الأرملة وفضل القيام بمصالحها: فقال ◌َّ: ((السّاعي على الأرملةِ والمسكينِ كالمجاهدِ في سبيلِ الله، أوْ كالّذي يصومُ النّهارَ ويقومُ اللّيلَ)) (٥). (١) قالَ العلماء: وليستْ لفظة أفعل هنا للمفاضلةِ، بلْ هيَ بمعنى فظ غليظ، وكانَ النّبيّ ◌َ﴿ لا يواجه أحداً بما يكره إلّا في حقّ منْ حقوق الله، وكانَ عمر يبالغ في الزّجر عنْ المكروهات مطلقاً وطلب المندوبات، فلهذا قالَ النّسوة لهُ ذلكَ. فتح الباري [٧ / ٤٧]. (٢) رواه البخاري [٣٦٨٣]، ومسلم [٢٣٩٧]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥ / ١٦٥]. (٤) رواه النسائي [١٤١٤]، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٥٠٠٥]. (٥) رواه البخاري [٥٣٥٣] ومسلم [٢٩٨٢] عن أبي هريرة رَّهُ. ٧١٥ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع شرائح عامة قال النووي: ((المرادُ بالسّاعي الكاسبُ لهما: العامل لمئونتهما، والأرملةُ: منْ لا زوج لها، سواء كانتْ تزوّجتْ أمْ لا، وقيلَ: هيَ الّتي فارقتْ زوجها. قالَ ابن قتيبة: سمّيتْ أرملة لما يحصل لها منَ الإرمال، وهوَ الفقر وذهاب الزّاد بفقدِ الزّوج، يقال: أرملَ الرّجل إذا فنيَ زاده)(١). و کان ځ يسارع في قضاء حوائجهن: عنْ أنس بن مالك رَّ ◌َنهُ قالَ: جاءتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ وَّةِ، فقالتْ: يا رسولَ الله إنَّ لي إليكَ حاجةً. فقالَ لها: ((يا أمَّ فلانٍ، انظري أيَّ السّككِ شئتِ حتّى أقضيَ لكِ حاجتكِ)). فخلا معها في بعضِ الطّرقِ حتّى فرغتْ منْ حاجتها(٢). وهذا من تواضعِ النبيِّ ◌ََّ، ولطفه بالمرأة التي تحتاجُ المساعدةَ، والرعايةَ منه والرفق. من فوائد الحدیث: فيه: بروزه ◌َّ للنّاسِ، وقربه منهمْ؛ ليصلَ أهل الحقوق إلى حقوقهمْ، ويرشدَ مسترشدهمْ؛ ليشاهدوا أفعاله وحركاته، فيقتدى بها، وهكذا ينبغي لولاة الأمور. وفيهِ: صبرُهُ وَّ على المشقّة في نفسه لمصلحةِ المسلمينَ. وفيهِ: إجابته ◌ِّهِ مِنْ سألهُ حاجةً. وفيهِ: تواضعه ◌َّ بوقوفهِ معَ المرأة الضّعيفة (٣). وعن أنس بن مالكٍ رَّتُ قالَ: إنْ كانتِ الأمةُ منْ إماءِ أهلِ المدينةِ لتأخذُ بیدِ رسولِ اللهِ وَِّ، فتنطلقُ بهِ حيثُ شاءتْ(٤). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٨/ ١١٢]. (٢) رواه مسلم [٢٣٢٦]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ١٨٢] باختصار. (٤) رواه أحمد [١١٥٣٠]، وعلقه البخاري [٦٠٧٢]، وقد سبق. ٧١٦ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ابن حجر: ((والتّعبير بالأخذِ باليدِ إشارة إلى غاية التّصرّف حتّى لوْ كانتْ حاجتها خارج المدينة والتمستْ منهُ مساعدتها في تلكَ الحاجة على ذلكَ، وهذا دالٌّ على مزيد تواضعه وبراءته منْ جميع أنواع الكبر وَلَِّ))(١). وأما وجه الجمع بين هذا الحديث وبين كونه مؤ لّ لم يمس يد امرأة: فقيل: ١. أن المقصود منَ الأخذ باليدِ: لازمهُ، وهوَ الرّفق والانقياد. قاله الحافظ ابن حجر. ٢. أن الجاريةَ ليس لها حكمُ المرأة، فالجاريةُ تباع وتشترى؛ ولهذا لا تحتجب الجارية حتى من الأجانب. ٣. يحتمل أنها جارية صغيرة، وهذا هو الأقرب، أي: أنها دون البلوغ. قالهما الشيخ عبد العزيز الراجحي(٢). وكان يحسنُ إليهنَّ ويكرمهنَّ، خاصّةً من كان لها فضلٌ أو إحسانٌ سابق: كمرضعته ثويبة التي كانتْ مولاةً لأبي لهب بنِ عبد المطّلب، ارتضعَ منها ◌َّ قبل حليمة السّعديّة، فهي أوّلُ مرضعةٍ للنبيِّ ◌َِّ، أرضعته بلبن ابن لها يقالُ له: مسروح، وأرضعتْ قبله حمزةُ عمّه، وأرضعتْ بعده أبا سلمة بن عبد الأسد(٣). قال ابن سعد: كانت ثويبة مرضعةً رسول الله وح لول يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها وهي على ملك أبي لهب، وسألته أن يبيعها لها، فامتنع. فلما هاجر رسول الله وَ له أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله وَ ◌ّه يبعثُ إليها بصلة وبكسوة(٤). قال ابن حجر: ((اختلفَ في إسلامها ... والّذي في السّير أنَّ النّبيّ ◌َّ كانَ یکرمها، وكانتْ تدخل عليهِ بعدما تزوّجَ خديجة، وكانَ يرسل إليها الصّلة منَ المدينة، إلى أنْ كانَ بعد فتح خيبر ماتتْ، وماتَ ابنها مسروح))(٥). (١) فتح الباري [١٠/ ٤٩٠]. (٢) إسلام ويب، وقد سبق. (٣) أسد الغابة [٨/١]. (٤) الإصابة في تمييز الصحابة [٥٤٨/٧]. (٥) فتح الباري [٩/ ١٤٥]. ٧١٧ الباب الخامس: تعامل النبي صَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة وكذلك أمُّ أيمنَ: حاضنةُ النبي ◌ِِّ، واسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، وكانت لأمِّ رسول الله ◌َّةٍ(١). عنْ أنس بن مالكِ رَعَهُ أَنَّ الرّجلَ كانَ يجعلُ للنّبِيِّ وَّهِ النّخلاتِ منْ أرضِهِ حتّى فتحتْ عليهِ قريظةُ والنّضيرُ، فجعلَ بعدَ ذلكَ يردُّ عليهِ ما كانَ أعطاهُ. قالَ أنسٌ: وإنَّ أهلي أمروني أنْ آتِيَ النّبِيَّ ◌َِّ، فأسألهُ ما كانَ أهلهُ أعطوهُ، أَوْ بعضهُ. وكانَ نبِيُّ الله ◌ََّ قَدْ أعطاهُ أَمَّ أيمنَ، فأتيتُ النّبِيَّ ◌َّهِ، فأعطانيهنَّ، فجاءتْ أمُّ أيمنَ، فجعلتِ الثّوبَ في عنقي، وقالتْ: والله لا نعطيكاهنَّ، وقدْ أعطانيهنَّ. فقالَ نبيُّ اللهَ وَّ: ((يا أمَّ أيمنَ، اتركيهِ ولكِ كذا وكذا)). وتقولُ: كلّا والّذي لا إلهَ إلّا هوَ. فجعلَ يقولُ: كذا حتّى أعطاها عشرةَ أمثالِهِ، أوْ قريباً منْ عشرةِ أمثالِهِ (٢). قال النووي: ((قوله في قصّة أمّ أيمن: ((إنّها امتنعتْ منْ ردّ تلكَ المنائح حتّى عوّضها عشرة أمثاله)) إنّما فعلتْ هذا لأنّها ظنّتْ أنّها كانتْ هبة مؤبّدة وتمليكاً لأصلِ الرّقبة. وأرادَ النّبِيّ ◌َّ استطابة قلبها في استرداد ذلكَ، فما زالَ يزيدها في العوض حتّى رضيتْ، وكلّ هذا تبرّع منهُ وَّه وإكرام لها؛ لما لها منْ حقّ الحضانة والتّربية))(٣). وقال النووي أيضاً: ((قالَ العلماء: لَّا قدمَ المهاجرونَ آثرهمْ الأنصار بمنائحَ منْ أشجارهمْ، فمنهمْ منْ قبلها منيحة محضة، ومنهمْ منْ قبلها بشرطِ أنْ يعمل في الشّجر والأرض ولهُ نصف الثّمار، ولمْ تطبْ نفسه أنْ يقبلها منيحة محضة، هذا لشرفِ نفوسهمْ وكراهتهمْ أنْ يكونوا كلّاً، وكانَ هذا مساقاة، وفي معنى المساقاة. (١) ينظر: الإصابة [٢٩١/١٤]، تاريخ دمشق [٣٠٢/٤]. (٢) رواه البخاري [٤١٢٠]، ومسلم [١٧٧١]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢ / ١٠١]. ٧١٨ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلّا فتحتْ عليهمْ خيبر استغنى المهاجرونَ بأنصبائهمْ فيها عنْ تلكَ المنائح، فردّوها إلى الأنصار))(١). وعنْ أنسِ بن مالكٍ رَعَنْهُ قالَ: قَالَ أبو بكرٍ رَتُ بعدَ وفاةِ رسولِ الله ◌َّ لعمرَ: انطلقْ بنا إلى أمّ أيمنَ نزورها كما كانَ رسولُ الله ◌َالآ يزورها. فلما انتھینا إليها بکتْ. فقالا لها: ما یبکیك؟ ما عندَ الله خیرٌ لرسولهِ ◌َل﴾. فقالتْ: ما أبكي أنْ لا أكونَ أعلمُ أنَّ ما عندَ الله خيرٌ لرسولِهِ نَّهِ، ولكنْ أبكي أنَّ الوحيَ قِدِ انقطعَ منَ السّماءِ. فهيّجتهما على البكاءِ، فجعلا يبكيانِ معها(٢). من فوائد الحدیث: فيه: زيارةُ الصّالحِينَ وفضلها. وفيهِ: زيارةُ الصّالح لمنْ هوَ دونه. وفيهِ: زيارةُ الإنسان لمنْ كانَ صديقهُ يزورهُ، ولأهلٍ ودِّ صديقه. وفيهِ: زيارةُ جماعة منَ الرّجال للمرأةِ الصّالحة، وسماع كلامها. وفيهِ: استصحابُ العالم والكبير صاحباً لهُ في الزيارة، والعيادة، ونحوهما. وفيهِ: البكاءُ حزناً على فراق الصّالحينَ والأصحاب، وإنْ كانوا قدْ انتقلوا إلى أفضل ممّا كانوا عليهِ.(٣) و کان یخصُّ صواحب نسائه بمزيد فضل وإحسان: عنْ عائشةَ رَو ◌َعَنْها قالتْ: ما غرتُ على أحدٍ منْ نساءِ النّبِيِّمَِّ ما غرتُ على خديجةَ، وما (١) شرح النووي على صحيح مسلم [٩٩/١٢]. (٢) رواه مسلم [٢٤٥٤]. (٣) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/١٦]. ٧١٩ الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة رأيتها، ولكنْ كانَ النّبِيُّ ◌َِّ يكثرُ ذكرها، وربّما ذبحَ الشّاةَ، ثمَّ يقطّعها أعضاءً، ثمَّ يبعثها في صدائقِ خديجةً. فربّما قلتُ لهُ: كأنّهُ لمْ يكنْ في الدّنيا امرأةٌ إلّا خديجةُ. فيقولُ: ((إنّا كانتْ، وكانتْ، وكانَ لي منها ولدٌ))(١). وعنْ عائشةَ رَّعنها قالتْ: جاءتْ عجوزٌ إلى النّبِّ وَِّ، وهوَ عندي. فقالَ لها رسولُ اللهِوَّ: ((منْ أنتِ؟)). قالتْ: أنا جثّامةُ المزنيّةُ. فقالَ: ((بلْ أنتِ حسّانُ المزنيّةُ، كيفَ أنتمْ؟ كيفَ حالكمْ؟ كيفَ كنتمْ بعدنا؟». قالتْ: بخيرٍ بأبي أنتَ وأمّي يا رسولَ الله. فلمّا خرجتْ، قلت: يا رسولَ الله تقبلُ على هذهِ العجوزِ هذا الإقبالَ! فقالَ: ((يا عائشةُ، إنّها كانتْ تأتينا زمانَ خديجةَ، وإنَّ حسنَ العهدِ منْ الإيمانِ))(٢). وكذلك كان يحفظ العهد في أهل أصحابه من بعدهم: عن أنس بن مالكِ رَّهُ قال: كانَ النّبِيُّ ◌ََّ لا يدخلُ على أحدٍ منْ النّساءِ إلّا على أزواجهِ، إلّ أمّ سليمٍ، فإنّهُ كانَ يدخلُ عليها. فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: ((إنّي أرحمها، قتلَ أخوها معي))(٣). ((أمُّ سليمٍ)) بنت ملحان الأنصارية رََّنهَا، وهي أم أنس بن مالك رَضَّنهُ مشهورة بکنیتھا، واختلف في اسمها. والمرادُ بقولهِ ((أخوها)»: حرام بن ملحانَ، قتل في غزوةٍ بئر معونة. (١) رواه البخاري [٣٨١٨] ومسلم [٢٤٣٥]. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك [١/ ١٧] وصححه، وصححه الألباني في الصحيحة [٢١٦]، وقد سبق. (٣) رواه البخاري [٢٨٤٤] ومسلم [٢٤٥٥].