النص المفهرس

صفحات 681-700

٦٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
• ومن صفاتهم: تأخيرُ الصلاة إلى آخر وقتها:
عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَّهُ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهَّه يقولُ: «تلكَ صلاةُ المنافقِ يجلسُ
يرقبُ الشّمسَ حتّى إذا كانتْ بينَ قرنيْ الشّيطانِ قامَ فنقرها أربعاً، لا يذكرُ اللهَ فيها إلّا
قليلاً)(١).
((بين قرنيْ الشّيطان)) قيلَ: هوَ على حقيقته وظاهر لفظه، والمرادُ أنّهُ يحاذيها بقرنیهِ عند
غروبها، وكذا عند طلوعها؛ لأنَّ الكفّار يسجدونَ لها حينئذٍ، فيقارنها؛ ليكونَ السّاجدونَ
لها في صورة السّاجدينَ لهُ، ويخيّلُ لنفسِهِ ولأعوانِهِ أنّهمْ إنّما يسجدونَ لهُ.
وقيلَ: هَوَ على المجاز، والمراد بقرنِهِ وقرنيهِ: علوّهُ وارتفاعه وسلطانه وتسلّطه وغلبته
وأعوانه، ومعناهُ أنَّ تأخيرها بتزيينِ الشّيطان ومدافعته لهمْ عنْ تعجيلها كمدافعةِ ذوات
القرون لما تدفعهُ. والصّحيح الأوّل(٢).
• ومنها: الكذب وخلف الوعد والخيانة:
عنْ أبي هريرةَ رَّهُ عَنِ النّبِيِّ وَّ أنه قالَ: ((آيَةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدّثَ كذبَ، وإذا
وعدَ أخلفَ، وإذا اؤتمنَ خانَ))(٣).
وعنْ عبدِ الله بنِ عمِرٍ وَ رَعَنْهَا عَنِ النّبِيِّ وَ لَ قالَ: ((أربعٌ منْ كنَّ فيهِ كانَ منافقاً، أوْ
كانتْ فيهِ خصلةٌ منَ النّفاقِ حتّى يدعها: إذا حدّثَ كذبَ، وإذا وعد أخلفَ، وإذا عاهدَ
غدرَ، وإذا خاصمَ فجرَ (٤)(٥).
(١) رواه مسلم [٦٢٢].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢٤/٥].
(٣) رواه البخاري [٣٣]، ومسلم [٥٩].
(٤) أيْ: مالَ عنِ الحقِّ، وقالَ الباطلَ والكذبَ. قالَ أهلُ اللّغةِ: وأصلُ الفجورِ الميلُ عنِ القصدِ. شرح النووي على
صحيح مسلم [٢/ ٤٨].
(٥) رواه البخاري [٢٤٥٩] واللفظ له، ومسلم [٥٨].

٦٨١
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
• ومنها: أنه لا يجتمع في أحدهم حسن سمت ولا فقه في الدين:
عنْ أبي هريرةَ رََّّهُ عَنِ النّبِيِّ ◌َّ أنه قالَ: «خصلتانِ لا تجتمعانِ في منافقٍ: حسنُ
سمتٍ، ولا فقةٌ في الدّينِ))(١).
((حسنُ سمتٍ)) أي: تحرّي طرقِ الخيرِ، والتّزيّي بزيِّ الصّالحينَ، معَ التّنزّهِ عنِ المعائبِ
الظّاهرةِ، والباطنةِ.
((ولا فقةٌ في الدّينِ)) حقيقةُ الفقِ في الدّينِ ما أورثَ الخشيةَ والّقوى، وأمّا الّذي يتدارسُ
أبواباً منهُ ليتعزّزَ بِهِ ويتأكّلَ بهِ فإنّهُ بمعزلٍ عنْ الرّتبةِ العظمى؛ لأنَّ الفقهَ تعلّقَ بلسانِهِ دونَ قلبهِ(٢).
• ومن صفاتهم: التذبذب والتبعية المذمومة:
عنِ ابنِ عمرَ رََّنَا عَنِ النّبِّوَلِّ قالَ: «مثلُ المنافقِ كمثلِ الشّاةِ العائرةِ بينَ الغنمینِ،
تعيرُ إلى هذهِ مرّةً، وإلى هذهِ مرّةً))(٣).
قال السندي: ((العائرة)) أي: المتردّدة بين قطيعينِ منَ الغنم، وهيَ الّتي تطلب الفحل
فتتردّد بين قطيعينٍ، ولا تستقرّ معَ إحداهما، والمنافق معَ المؤمنينَ بظاهرهِ، ومعَ المشركينَ
بباطنِهِ تبعاً لهواهُ وعرضه الفاسد، فصارَ بمنزلةِ تلكَ الشّاة، وفيهِ سلب الرّجوليّة عنْ
المنافقينَ)) (٤).
وصفات المنافقين الذميمة كثيرة، وسورة التوبة مليئة بفضائحهم وصفاتهم التي كشفها
الله للمؤمنين؛ للحذرِ منهم، ومنها.
وكان النبي ◌َّ يحذّرهم من إيذاء المؤمنين، وتتبّع عوراتهم:
عنْ عبد الله بنِ عمرَ رََّنَّهَا قالَ: صعدَ رسولُ الله ◌َِّ المنبرَ، فنادى بصوتٍ رفيع(٥) فقالَ:
(١) رواه الترمذي [٢٦٨٤] وصححه الألباني في صحيح الجامع [٣٢٢٩].
(٢) تحفة الأحوذي [٧/ ٣٧٨].
(٣) رواه مسلم [٢٧٨٤].
(٤) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح [١٣٠/١].
(٥) أيْ: عالٍ.

٦٨٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
((يا معشرَ منْ أسلمَ بلسانِهِ ولمْ يفضِ الإيمانُ إلى قلبِهِ، لا تؤذوا المسلمينَ، ولا تعيّروهمْ (١)، ولا
تّبعوا عوراتهمْ؛ فإنّهُ منْ تتبّعَ عورةَ أخيهِ المسلمِ تتبّعَ الله عورتهُ، ومنْ تتبّعَ الله عورتهُ بفضحهُ
ولوْ في جوفٍ رحلٍ»(٢).
أيْ: ولوْ كانَ في وسطِ منزلِهِ مخفياً منَ النّاسِ، قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ
اُلْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[النور: ١٩].
ومن إيذائهم للصحابة:
ما ثبت عنْ أبي مسعودِ البدري قالَ: أمرنا بالصّدقةِ، وكنّا نحامل على ظهورنا(٣).
قالَ: فتصدّقَ أبو عقيلٍ بنصفِ صاعٍ، وجاءَ إنسانٌ بشيءٍ أكثرَ منهُ.
فقالَ المنافقونَ: إنَّاللهَ لغنيٌّ عنْ صدقةِ هذا، وما فعلَ هذا الآخرُ إلَّا رياءً، فنزلتْ:
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧٩] (٤).
فتكلّموا فيمنْ أعطى القليلَ بأن الله غني عن صدقته، وفيمنْ أعطى الكثيرَ بأنّهُ مراءٍ.
هكذا المنافقون دابهم اتّهام المؤمنین بالزّورِ والبهتانِ، دائما يشكّكون، ويطعنون في نوايا
كلِّ من يقوم على مشروع خيريٍّ، فيتهمونهم بو جودِ أغراضٍ مشبوهةٍ، كما نرى الآن في
كثيرٍ من الجرائدِ الطّعنَ في القائمين على الأعمال الخيريّةِ ولمزهم؛ ذلك لأن المنافقين لا
يحبّون الخير، ولا يحبون قيام أعمال الخير وتناميها؛ لذا فهم يشكّكون في القائمين عليها،
سواءٌ كانت هذه الأعمال في المساجدِ، أم في المدارسِ، أم في المصالحِ الحكوميّةِ، أم في غيرِ
ذلك.
(١) منَ التّعبير، وهوَ التّوبيخُ والتّعييبُ.
(٢) رواه الترمذي [٢٠٣٢]، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٨٥].
(٣) معناهُ: نحمل على ظهورنا بالأجرةِ، ونتصدّق منْ تلكَ الأجرة، أوْ نتصدّق بها كلّها.
(٤) رواه البخاري [٤٦٦٨]، ومسلم [١٠١٨].

٦٨٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لّ ◌َلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
وربما فضح النبيُّ ◌َّ بعضهم، وكشفهم بأعيانهم للتحذير منهم:
عنْ عائشةَ رََّها قالتْ: دخَلَ عليَّ النّبِيُّنَّه يوماً، وقالَ: ((يا عائشةُ ما أظنُّ فلاناً وفلاناً
یعرفانِ منْ دیننا شيئاً)).
قالَ اللّيثُ بن سعد: كانا رجلينِ منْ المنافقينَ(١).
وعنْ جابر بن عبد الله رَعَّةَ أَنَّ رسولَ الله وَّل قدمَ منْ سفرٍ، فلمّا كانَ قربَ المدينةِ
هاجتْ رِيحٌ شديدٌ تكادُ أنْ تدفنَ الرّاكبَ(٢)، فقال رسولُ اللهَوََّ: ((بعثتْ هذِهِ الرّيحُ لموتٍ
منافقٍ))(٣).
فلّا قدمَ المدينةَ فإذا منافقٌ عظيمٌ منَ المنافقينَ قَدْ ماتَ (٤).
فمات في ذلك اليوم زيد بن رفاعة وهو من منافقي اليهود، كان من عظماء بنى قينقاع
وأسلم ظاهراً.
وعن سلمة بن الأکوع قالَ: عدنا مع رسولِ الله ګ﴾ رجلاً موعوكاً، فوضعتُ يدي
عليهِ، فقلتُ: والله ما رأيتُ كاليومٍ رجلاً أشدَّ حرّاً.
فقالَ نبِيُّ الله ◌ََّ: ((ألا أخبركمْ بأشدَّ حرّاً منهُ يومَ القيامةِ؟ هذينكَ الرّجلينِ الرّاكبینِ
المقفّينِ))(٥)، لرجلين حينئذٍ منْ أصحابهِ (٦).
قال النووي: ((سمّاهما منْ أصحابه لإظهار هما الإسلامَ والصّحبةَ، لا أنّهما مُّنْ نالتهُ
فضيلة الصّحبة))(٧).
(١) رواه البخاري [٦٠٦٨].
(٢) أيْ: تغيّبهُ عنْ النّاس، وتذهب بهِ لشدّتها.
(٣) أيْ: عقوبة لهُ وعلامة لموتهِ وراحة البلاد والعباد بهِ.
(٤) رواه مسلم [٢٧٨٢].
(٥) أي: المولّيين أقفيتهما منصرفين.
(٦) رواه مسلم [٢٧٨٣].
(٧) شرح النووي على صحيح مسلم [١٧ / ١٢٨].

٦٨٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ومن ذلك: عنْ أبي هريرةَ رََّعَنْهُ قالَ: شهدنا خيبرَ، فقالَ رسولُ الله ◌َِّ لرجلٍ ممّنْ معهُ
يدّعي الإسلامَ(١): ((هذا منْ أهلِ النّارِ)).
فلمّا حضرَ القتالُ قاتلَ الرّجلُ أشدَّ القتالِ حَتّى كثرتْ بهِ الجراحةُ.
فقيلَ: يا رسولَ الله، الّذي قلتَ لهُ إِنّهُ منْ أهلِ النّارِ فإنّهُ قَدْ قاتلَ اليومَ قتالاً شديداً، وقدْ
ماتَ.
فقالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: ((إلى النّارِ)).
قالَ: فكادَ بعضُ النّاسِ أنْ يرتابَ، فبينما همْ على ذلكَ إِذْ قيلَ: إِنّهُ لمْ يمتْ، ولكنَّ بهِ
جراحاً شديداً.
فلمّا كانَ منَ اللّيلِ لمْ يصبرْ على الجراحِ فقتلَ نفسهُ.
فأخبرَ النّبيُّ ◌َّه بذلكَ فقالَ: ((الله أكبرُ، أشهدُ أنّي عبدُ الله ورسولهُ)).
ثمَّ أمرَ بلالاً، فنادى بالنّاسِ: «إنّهُ لا يدخلُ الجنّةَ إلّ نفسٌ مسلمةٌ، وإِنَّ اللهَ ليؤيِّدُ هذا
الدّينَ بِالرّجلِ الفاجرِ))(٢).
وربما صارح بعضهم بما هم عليه من النفاق والمخادعة:
عنِ ابنِ عبّاسٍ رَنْهَ قالَ: ((كانَ رسولُ الله ◌َّ جالساً في ظلِّ حجرتِهِ، قَدْ كادَ يقلصُ عنهُ.
فقالَ لأصحابهِ: ((يحيئكمْ رجلٌ ينظرُ إليكمْ بعينِ شيطانٍ، فإذا رأيتموهُ فلا تكلّموُ)).
فجاءَ رجلٌ أزرقُ(٣).
فلّا رَآهُ النّبِيُّ ◌َِّ دعاهُ فقالَ: ((علامَ تشتمني أنتَ وأصحابكَ؟)).
قالَ: كما أنتَ حتّى آتيكَ بهمْ !!
(١) اسمه قزمان، وكانَ منْ المنافقيَن. شرح النووي على صحيح مسلم [٢/ ١٢٣].
(٢) رواه البخاري [٤٢٠٤] ومسلم [١١١].
(٣) قال محمود شاكر: إذا قيل: ((رجل أزرق))، فإنما يعنون زرقة العين، وكانت العرب تتشاءم بالأزرق، وتعدّه لئيمًا.
تفسير الطبري [١٤ / ٣٦٣].

٦٨٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليه ◌ِوسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ: فذهبَ، فجاءَ بهمْ فجعلوا يحلفونَ بالله ما قالوا، وما فعلوا، وأنزلَ الله عََّجَلَّ:
3 يوم
يَبْعَثُّمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحِلِفُونَ لَكُمْ ... ﴾ [المجادلة: ١٨] إلى آخرِ الآيةِ(١).
وكان النبيُّ ◌َّ ينهى أصحابه عن إكرام المنافقين وتبجيلهم:
عنْ عبدِ الله بنِ بريدةَ عنْ أبيهِ رَتْهُ قالَ: قَالَ رسولُ الله ◌َّ: ((لا تقولوا للمنافقِ سيّدٌ،
فإنّهُ إِنْ يكُ سيّداً فقدْ أسخطتمْ ربّكمْ عَجَ)(٢).
((فقدْ أسخطتمْ ربّكمْ)): أيْ: أغضبتموهُ؛ لأنّهُ يكون تعظيماً لهُ، وهوَ مَّنْ لا يستحقُّ التّعظيمَ.
وقيلَ: معناهُ: إِنْ يكُ سيّداً لكمْ فتجبُ عليكمْ طاعته، فإذا أطعتموهُ فقدْ أَسخطتمْ ربّكمْ (٣).
وقالَ ابن الأثير: ((لا تقولوا للمنافقِ سيّد فإنّهُ إنْ كانَ سيّدکمْ وهوَ منافق، فحالکمْ دون
حاله، والله لا يرضى لكمْ ذلكَ)) (٤).
ولم يكن يسندُ إلى أحدٍ منهم شيئاً من الولاياتِ العامّة:
فالرسول ◌َّه عاشرَ المنافقينَ كما عاشرَ عامّةَ المسلمين في أحكام الدنيا، ولكنه لم يأتمنْ
أحداً منهم على مصالح الأمة في وظائفهم العامّة، فلم يسندْ إليهم جبايةَ الأموال، ولا الإمارةَ
في الحرب، ولا القضاءَ بين الناس، ولا الإمامة في الصلاة، ولا غير ذلك من الوظائف.
والسبب في ذلك أنهم يكفرون بالله ورسوله، ويحاربون الله ورسوله والمؤمنين، يضاف
إلى ذلك فقدهمُ الأمانةَ التي هي أحدُ أسس الولايات على المسلمين.
المنافقون اليوم أعظم شراً وفساداً:
عنْ أبي وائلِ عنْ حذيفةَ بنِ اليمانِ قالَ: ((إنَّ المنافقينَ اليومَ شرٌّ منهمْ على عهدِ النّبيِّ:
كانوا يومئذٍ يسرّونَ، واليومَ يجهرونَ))(٥).
مَلِ لله
وسلم.
(١) رواه أحمد [٣٢٦٧]، وقال ابن كثير في تفسيره [٥٣/٨]: ((إسناده جيد))، وصحح الشيخ أحمد شاكر إسناده.
(٢) رواه أبو داود [٤٩٧٧] وصححه الألباني.
(٣) عون المعبود [٧/ ٣٠٠٩].
(٤) النهاية [٤١٨/٢].
(٥) رواه البخاري [٧١١٣].

٦٨٦
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ ابنُ بطّال: ((إنّما كانوا شّاً مّنْ قبلهمْ لأنَّ الماضينَ كانوا يسرّونَ قولهمْ، فلا يتعدّى
شرّهمْ إلى غيرهمْ))(١).
وقالَ ابن النّين: أرادَ أنّهمْ أظهروا منَ الشّ ما لمْ يظهر أولئكَ، غير أنّهمْ لمْ يصرّحوا
بالكفرِ، وإنّما هوَ النّفثُ يلقونهُ بأفواههمْ، فكانوا يعرفونَ بهِ»(٢).
قال ابن حجر: ((ويشهد لما قالَ ابن بطّال ما أخرجهُ البزّار (٣) منْ طريق عاصم عنْ أبي
وائل ((قلتُ لحذيفةَ: النّفاق اليوم شرّ أمْ على عهد رسول الله ◌َّ؟
قالَ: فضربَ بيدِهِ على جبهته، وقالَ: أوهُ، هوَ اليوم ظاهرٌ، إنّهمْ كانوا يستخفونَ على
عهد رسول الله ێ)).
فلم تبتلَ الأمّةُ الإسلاميَّةُ قطَّ، في ماضيها، ولا حاضرها، ولا في مستقبلها بأخطرَ
من النفاقِ والمنافقين، فالمنافقون أعظمُ ضرراً، وأكثرُ خطراً، وأدومُ مصيبةً على الإسلام
والمسلمين من إخوانهم الكافرين؛ لأنهم من بني جلدتنا، ويتكلّمون بألسنتنا، ويرفعون
شعاراتنا، ويتظاهرون بإسلامنا، وینتمون إلى جماعاتنا، وفرقنا، ومع ذلك لا يفترون ولا
ييأسون من الكيدِ لنا، ويتعاونون مع أعدائنا، ويوالونهم أكثرَ من موالاة المسلمين، لهذا
فقد حذّرَ الله ورسوله والمؤمنون من خطرهم، ونبّهوا على ضررهم، وأمروا بأخذ الحيطةِ،
والحذرِ منهم.
ويدلُّ على ذلك أن الحديثَ عن النفاق والمنافقين ورد في القرآن في سبع عشرةَ سورةً
مدنيّةً، حتى قال ابن القيم رَحَةُاللَّهُ: ((كادَ القرآنُ أن يكونَ كلّه في شأنهم)) (٤).
وقد خافَ الرسولُ وََّ على أمّته من أئمّتهم، فعن عمرَ بنِ الخطّابِ رَتُ أَنَّ
رسولَ اللهِوَّه قالَ: ((إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمّتي كلَّ منافقٍ عليمِ اللّسانِ))(٥).
(١) شرح صحيح البخارى [١٠/ ٥٧] لابن بطال.
(٢) فتح الباري [١٣ / ٧٤].
(٣) مسند البزار [٢٩٠٠]
(٤) مدارج السالكين [٣٥٨/١]
(٥) رواه أحمد [١٤٤] وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٨٠].

٦٨٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قال المناويُّ رَحمَةُالَّهُ: ((كلَّ منافقٍ عليمِ اللّسانِ))، أي: عالمٌ للعلم، منطلقُ اللسانِ به،
لكنّه جاهلُ القلبِ والعمل، فاسدُ العقيدة، مغرٍ للناس بشقاشقه، وتفحّصه، وتقعّره في
الكلام))(١).
قال ابن القيم رَحِمَةُ اللهُ: ((إن بليّة الإسلام بالمنافقين شديدة جدّاً؛ لأنهم منسوبون إليه، وهم
أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كلِّ قالبٍ يظنُّ الجاهلُ أنه علمٌ وصلاحٌ، وهو غايةٌ
الجهل والفساد، فلله كم من معقلٍ للإسلام هدموه؟ وكم من حصنٍ له قد قلعوا أساسه
وخرّبوه؟ وكم من علم له قد طمسوه؟ فلا يزال الإسلامُ، وأهله منهم في محنةٍ وبليّةٍ، ولا
يزالُ يطرقه من شبههمْ سريّةٌ بعد سريّةٍ، يزعمون أنهم بذلك مصلحون، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]))(٢).
(١) التيسير بشرح الجامع الصغير [٥٢/١].
(٢) مدارج السالكين [٣٥٥/١].

٦٨٨
تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وسعَ الجميعَ عدالةُ الإسلامِ
فشهادةُ التّوحيدِ عصمةُ أهلها
فاحذرْ أذيّةَ منْ علمتَ موحّداً
وسعَ النّبيُّ بحلمهِ وأناتهِ
متحمّلاً منهمْ أذاهمْ صابراً
لوْ كانَ عاقبَ واحداً لتلقّفتْ
ولصوّروا الفردَ الوحيدَ كأنّهُ
أمّا إذا قتلَ الألوفُ وشرّدوا
منْ جاءَ معتذراً تقبّلَ عذرهُ
يكلُ السّريرةَ للعليمِ بسرّهِ
لكنّهُ يبدي قبيحَ صفاتهمْ
کیلا یصدّقَ مکرهمْ وخداعهمْ
لا يمنحونَ سيادةً ومكانةً
والكلُّ تحتَ ظواهرِ الأحكامِ
أكرمْ بها منْ حرمةٍ وذمامِ
واتركْ سبيلَ الظَّنِّ والأوهامِ
أهلَ النّفاقِ على مدى الأيّامِ
يعفو برغم فداحةِ الإجرامِ
ولهوّلتهُ وسائلُ الإعلامِ
أممٌّ أبيدتْ في النّهارِ الدّامي
منّا فذلكَ تحتَ جنحِ ظلامِ
ومبادراً بالعفوِ دونَ ملامِ
يجري عليهِ ظواهرَ الأحكامِ
منْ غيرِ تعيينٍ ولا إلزامٍ
أحدٌ، فينجو منهمُ بِسلامِ
ليسوا بأهلِ الرّفعِ والإكرامِ

الباب الخامس:
تعاملُ النّبيُّ وَالِله
مع شرائح عامة

٦٩١
الباب الخامس: تعامل النبي صَلَ للَّهُ عليْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة
تعامل النبي وعلاجلة مع عموم النساء
كان تعامل النبي ◌َّ مع النساء يتسم بالرفق والحنو والرحمة؛ وذلك لما طبعه الله عليه من
كريم الأخلاق والرحمة بالناس والرفق بهم، ولما يعلمه ◌َلآه من ضعف النساء وقلة حيلتهن.
وكان يوصي أمّته بالنساء خيراً:
عن عمرو بنِ الأحوصِ رَ عَنهُ أنّهُ شهدَ حجّةَ الوداعِ معَ رسولِ الله ◌ََّ، قال: فحمدَ
اللهَ، وأثنى عليهِ، وذكّرَ ووعظَ، ثمَّ قالَ: ((ألا واستوصوا بالنّساءِ خيراً) (١).
أي: تواصوا بهن، وارفقوا بهن، وأحسنوا عشرتهن(٢).
وكان النبي ◌َله يعدُّ النساء نظائر الرجال:
عنْ عائشةَ رَّ عنها قالتْ: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنّما النّساءُ شقائقُ الرّجالِ))(٣).
أيْ: نظائرهم وأمثالهمْ في الأخلاق والطّباع، كأنهنَّ شققنَ منهم(٤).
فهن أشباهٌ ونظائر للرجالِ، ومساوياتٌ لهم فيما فرض الله إلا ما استثناه الوحيُّ بتخفيف
کإسقاط الجمعة والجهاد، أو بزيادةٍ كالحجاب.
وعنْ أمِّ عمارةَ الأنصاريّةِ رَتْهَا أنّها أتتِ النّبِيّ ◌َلَ فقالتْ: ما أرى كلّ شيءٍ إلّا للرّجالِ،
وما أرى النّساءَ يذكرنَ بشيءٍ.
(١) رواه الترمذي [١١٦٣]، وابن ماجه [١٨٥١]، وحسنه الألباني في الإرواء [٢٠٣٠].
(٢) فتح الباري [٣٦٨/٦].
(٣) رواه الترمذي [١١٣]، وأبو داود [٢٣٦]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٩٨٣].
(٤) النهاية [٤٩٢/٢].

٦٩٢
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
فنزلتْ هذهِ الآيةَ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِينَ
وَاُلْقَنِنَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّيِينَ وَالصَّبِرَتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ
وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُنَصَدِّقَتِ وَالصََّّبِمِينَ وَالصَّبِمَتِ وَالْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ
وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّاللَّهُ لَهُمْ مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٣٥](١).
فذكرَ الله لهنَّ عشرَ مراتبَ معَ الرّجالِ، فمدحهنَّ بها معهمْ.
و کان گێ یبایعهن على الإسلام، کما یبایع الرجال، غير أنه لا يصافحهن:
وقد أمره الله بمبايعتهن فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ
بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ
وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٌٍ فَبَايِعْهُنَّ وَأُسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢].
قال السعدي: ((هذه الشروط المذكورة في هذه الآيةِ تسمّى ((مبايعةَ النّساء)) اللاتي كنَّ
يبايعنْ على إقامة الواجباتِ المشتركة التي تجبُ على الذكورِ والنساء في جميعِ الأوقاتِ.
وأما الرجالُ، فيتفاوتُ ما يلزمهم بحسب أحوالهم، ومراتبهم، وما يتعيّنُ عليهم.
فكان النبيُّ ټ يمتثلُ ما أمره الله به، فكان إذا جاءته النساءُ یبایعنه، والتزمن بهذه
الشروط بايعهنَّ، وجبرَ قلوبهنَّ، واستغفر لهن الله فيما يحصل منهن من التقصير، وأدخلهن
في جملة المؤمنين، بأن:
﴿لَا يُشْرِكْنَ بِالَّهِ شَيْئًا﴾، أي: يفردنَ الله وحده بالعبادة.
﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ كما كان ذلك موجوداً كثيراً في البغايا وذوات الأخدان.
﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾، كما يجري لنساءِ الجاهليّة الجهلاءِ.
﴿وَلَ يَأْتِنَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ﴾، والبهتانُ: الافتراءُ على الغير، أيْ: لا
يفترينَ بكل حالةٍ، سواءٌ تعلّقتْ بهنَّ وأزواجهن، أو سواء تعلق ذلك بغيرهم.
(١) رواه الترمذي [٣٢١١] وصححه الألباني في صحيح الترمذي [٣٢١١].

٦٩٣
الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع شرائح عامة
﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾، أي: لا يعصينك في كل أمرٍ تأمرهنَّ به؛ لأن أمرك لا
يكون إلا بمعروف، ومن ذلك طاعتهنَّ لك في النهي عن النياحة، وشقِّ الثيابِ، وخمشٍ
الوجوهِ، والدّعاء بدعاء الجاهليةِ.
﴿فَبَايِعُهُنَّ﴾ إذا التزمنَ بجميع ما ذكرَ.
﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ﴾ عن تقصيرهنَّ، وتطييباً لخواطرهن، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي:
كثير المغفرة للعاصين، والإحسان إلى المذنبين التائبين، ﴿رَّحِيمٌ﴾ وسعتْ رحمته كلّ شيء،
وعمَّ إحسانه البرايا))(١).
وعنْ أميمةَ بنتِ رقيقةَ رََّها أنّها قالتْ: أتيتُ النّبِيَّ ◌َّه في نسوةٍ منَ الأنصارِ نبايعهُ.
فقلنا: يا رسولَ الله نبايعكَ على أنْ لا نشركَ بالله شيئاً، ولا نسرقَ، ولا نزنيَ، ولا نأتيَ
ببهتانٍ نفتريهِ بينَ أيدينا وأرجلنا، ولا نعصیكَ في معروفٍ.
قالَ: ((فیما استطعتنَّ وأطقتنَّ)».
فقلنا: الله ورسولهُ أرحمُ بنا، هلمَّ نبايعكَ يا رسولَ الله.
فقالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إنّ لا أصافحُ النّساءَ، إنّما قولي لمائةِ امرأةٍ كقولي لا مرأةٍ واحدٍ»(٢).
والمبايعة وهي المعاهدة لها فائدة كبيرة، وهي إلزام المبايع بالوفاء بما عاهد عليه، فهو دائماً
يتذكر البيعة فيحمله ذلك على الوفاء.
وکان یمتحنُ من هاجرت إليه من المؤمنات:
عن عائشةَ رَّعَنْهَا زوجَ النّبِّنَِّ أنها قالتْ: كانتِ المؤمناتُ إذا هاجرنَ إلى النّبيِّ
اللّهِ
ـام
وَسَـ
يمتحنهنَّ بقولِ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾
[الممتحنة: ١٠] إلى آخرِ الآيةِ.
(١) تفسير السعدي [١/ ٨٥٧].
(٢) رواه النسائي [٤١٨١] والترمذي [١٥٩٧] وابن ماجة [٢٨٧٤]، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
[٥٢٩].

٦٩٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالتْ عائشةُ: فمنْ أقرّ بهذا الشّرطِ منَ المؤمناتِ فقدْ أقرَّ بالمحنةِ.
فكانَ رسولُ اللهِ وَّله إذا أقررنَ بذلكَ منْ قولهنَّ قالَ لهُنَّ رسولُ اللهِوََّ: «انطلقنَ، فقدْ
بایعتکنَّ)).
لا والله ما مسّتْ يدُ رسولِ اللهِ وَله يدَ امرأةٍ قطُّ، غيرَ أنّهُ بايعهنَّ بالكلامِ.
والله ما أخذَ رسولُ اللهَوَّه على النّساءِ إلّا بما أمرهُ الله، يقولُ لهنَّ إذا أخذَ عليهنَّ: (قدْ
بايعتكنَّ) كلاماً(١).
أيْ: يقولُ ذلكَ كلاماً فقطْ، لا مصافحةً باليدِ، كما جرتِ العادةُ بمصافحةِ الرّجالِ عندَ
المبايعةِ (٢).
وكان وَلم يتعامل مع النساء بالرفق:
فيتعامل معهنَّ باللين والرحمة والمحبّةِ والعطفِ والرفقِ؛ لما في المرأة من ضعف ورقة،
ولذلك كان يطلق عليهن: القوارير.
فعنْ أنس بن مالك رَّعَنْهُ قالَ: كانَ رسولُ الله ◌َلَه في بعضِ أسفارهِ، وغلامٌ أسودُ يقالُ
لهُ أنجشُ يحدو، وكانَ حسن الصّوت.
فقالَ لهُ رسولُ الله ◌َّ: ((يا أنجشةُ، رويدكَ سوقاً بالقواريرِ».
قالَ أبو قلابةَ: فتكلّمَ النّبِيُّ ◌َّه بكلمةِ لوْ تكلّمَ بها بعضكمْ لعبتموها عليهِ(٣).
وفي لفظ لأحمد (١٢٣٥٠): ((يا أنجشةُ ويحكَ: ارفقْ بالقواريرِ))، يعني: النّساءِ.
فشبّه النبيُّ ◌َّ النساء بالقواريرِ، والقوارير جمع قارورة، وهيَ الزّجاجة، سمّيتْ بذلكَ
لاستقرارِ الشّراب فيها.
(١) رواه البخاري [٢٧١٣] ومسلم [١٨٦٦].
(٢) فتح الباري [٦٣٦/٨].
(٣) رواه البخاري [٦١٤٩]، ومسلم [٢٣٢٣].

٦٩٥
الباب الخامس: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع شرائح عامة
والنّساء يشبّهنَ بالقواريرِ في الرّقّة، واللّطافة، وضعف البنية(١).
واختلفَ العلماء في سبب قوله {َّ لأنجشة: ((ارفقْ بالقواريرِ)):
فقيل: معناهُ أنَّ أنجشة كانَ حسن الصّوت، وكانَ يحدو بهنَّ، وينشد شيئاً منَ القريض
والرّجز، وما فيهِ تشبيب، فلمْ يأمنْ أنْ يفتنهنَّ، ويقع في قلوبهنَّ حداؤهُ، فأمرهُ بالكفِّ عنْ
ذلكَ.
وقيل: المراد بهِ الرّفق في السّير؛ لأنَّ الإبل إذا سمعت الحداء أسرعتْ في المشي واستلذّتهُ،
فأزعجتِ الرّاكبَ، وأتعبتهُ، فنهاهُ عنْ ذلكَ؛ لأنَّ النّساء يضعفنَ عند شدّة الحركة، ويخافُ
ضررهنَّ وسقوطهنَّ.
وجوّزَ القرطبيُّ في ((المفهم)) الأمرينِ، فقالَ: ((شبّههنَّ بالقواريرِ؛ لسرعةِ تأثّرهنَّ،
وعدم تجّدهنَّ، فخافَ عليهنَّ منْ حثِّ السّير بسرعةِ السّقوط، أوِ التّألم منْ كثرة الحركة،
والاضطراب النّاشئ عنْ السّرعة، أوْ خافَ عليهنَّ الفتنة منْ سماع النّشيد))(٢).
وكان ◌َّ يثني على نساءِ قريش لما فيهنَّ من الصفاتِ الحسنة:
عن أبي هريرةَ رَّهُ عَنِ النّبِّ ◌َّ قالَ: «خيرُ نساءٍ ركبنَ الإبلَ: صالحُ نساءِ قریشٍ،
أحناهُ على ولدٍ في صغرهِ، وأرعاهُ على زوجٍ في ذاتٍ یدِ)(٣).
فالمحكوم لهُ بالخيريّةِ الصّالحات منْ نساء قريش، لا على العموم.
(أحناهُ على ولدٍ في صغرهِ) أكثر شفقة، وقيل: الحانية على ولدها هيَ الّتي تقوم عليهمْ في
حال يتمهمْ، فلا تتزوّج، فإنْ تزوّجتْ فليستْ بحانيةِ.
(وأرعاهُ على زوج في ذات يده) أيْ: أحفظُ وأصونُ لمالهِ بالأمانةِ فيهِ، والصّيانة لهُ، وترك
التّبذير في الإنفاق (٤).
(١) فتح الباري [١٠/ ٥٤٥].
(٢) فتح الباري [١٠/ ٥٦٤]، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم [١٩/ ٤٣].
(٣) رواه البخاري [٥٠٨٢]، ومسلم [٢٥٢٧].
(٤) فتح الباري [٩/ ١٢٥].

٦٩٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال المهلب: ((وفى هذا الحديث: تفضيلُ نساء قريش على نساء العرب؛ وذلك لمعنيين:
أحدهما: الحنوُّ على الولد، والاهتمام بأمره، وحسن تربيته.
والثاني: حفظُ ذاتِ يدِ الزوج)).(١)
وكان ◌َّه يهتمُّ بتعليم النساء ما يحتجنَ إليه، فكان يخصّصُ لهنَّ يوماً لتعليمهنَّ،
ووعظهنَّ.
عن أبي سعيد الخدري رَّ ◌َنهُ قال: جاءتْ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ وَّةِ، فقالتْ: يا رسولَ
الله ذهبَ الرّجالُ بحديثكَ، فاجعلْ لنا منْ نفسكَ يوماً نأتيكَ فيهِ، تعلّمنا ممّا علّمكَ الله.(٢)
فقالَ: ((اجتمعنَ في يومٍ كذا وكذا، في مكانٍ كذا وكذا))(٣).
فاجتمعنَ، فأتاهنَّ رسولُ اللهِوَّةِ، فعلّمهنَّ مّا علّمَهُ الله، ووعظهنَّ، وأمرهنَّ.
فكانَ فيما قالَ لهنَّ: ((ما منكنَّ امرأةٌ تقدّمُ بينَ يديها منْ ولدها ثلاثةً، لمْ يبلغوا الحنثَ، إلّا
كانَ لها حجاباً مِنْ النّارِ)). فقالتْ امرأةٌ منهنَّ: يا رسولَ الله أَوْ اثنينٍ؟، فأعادتها مرّتينِ.
ثمَّ قالَ: ((واثنينٍ، واثنينٍ، واثنينٍ)) (٤).
وفي الحديث ما كانَ عليهِ نساء الصّحابة من الحرص على تعليم أمور الدّين، وقد بوب
عليه البخاري: ((باب عظة الإمام النساء وتعليمهن)).
(لم يبلغوا الحنث) أيْ: الإثمِ، والمعنى أنّهمْ ماتوا قبلَ أنْ يبلغوا؛ لأنَّ الإثمَ إنّما يكتبُ بعدَ
البلوغِ.
وكأنَّ السّ فيهِ أَنّهُ لا ينسبَ إليهمْ إِذْ ذاكَ عقوقٌ؛ فيكونُ الحزنُ عليهمْ أشدّ(٥).
(١) شرح صحيح البخارى لابن بطال [٥٤٤/٧].
(٢) وفي رواية للبخاري: قالتِ النّساءُ للنّبِّ وَّهِ: غلبنا عليكَ الرّجالُ، فاجعلْ لنا يوماً منْ نفسكَ.
(٣) [وفي رواية أحمد [٧٣١٠]: موعدكنَّ بيت فلانة].
(٤) رواه البخاري [١٠٢] ومسلم [٢٦٣٤].
(٥) فتح الباري [١/ ١٩٦].

٦٩٧
الباب الخامس: تعامل النبي صَ لَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة
من فوائد الحديث:
فيهِ: ما كانَ عليهِ نساءُ الصّحابة منَ الحرص على تعليم أمور الدّين.
وفيهِ: أنَّ أطفال المسلمينَ في الجنّة.
وفيهِ: أنَّ منْ ماتَ لهُ ولدانِ حجباهُ منْ النّارِ (١).
وفيه أن على المربّ والناصح مراعاةَ نفسيّة المنصوح، وهذا الذي فعله المربّ الأعظم
صَلى ـ
وسـ
فهو يعلم مكانةَ الابن في قلب أمّه، فذكر لهنَّ الأجر العظيم المترتّبَ على فقد الولد جبراً
لخواطرهنَّ.
وكان مَله يحرص على وعظ النساء وتذكيرهنَّ:
عنْ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رَعَنْهَا قالَ: شهدتُ معَ رسولِ اللهِوَّهِ الصّلاةَ يومَ العيدِ، فبدأَ
بالصّلاةِ قبلَ الخطبةِ بغيرِ أذانٍ، ولا إقامةٍ، ثمَّ قامَ متوكّئاً على بلالٍ، فأمرَ بتقوى الله، وحثَّ
على طاعتهِ، ووعظ النّاسَ، وذكّرهمْ.
ثمَّ مضى حتّى أتى النّساءَ، فوعظهنَّ، وذكّرهنَّ، فقالَ: «تصدّقنَ؛ فإنَّ أكثر كنَّ حطبُ
جهنّمَ)).
فقامتِ امرأةٌ منْ سِطَةِ النّساءِ(٢)، سفعاءُ الخدّينِ (٣)، فقالتْ: لَمَ يا رسولَ الله؟
قالَ: (لأنكنَّ تكثرنَ الشّكاةَ، وتكفرنَ العشيرَ)) (٤).
قالَ: فجعلنَ يتصدّقنَ منْ حليّهنَّ، يلقينَ في ثوبٍ بلالٍ منْ أقرطتهنَّ، وخواتمهنَّ(٥).
(١) فتح الباري [١/ ١٩٦].
(٢) أي: جالسة في وسطهنَّ.
(٣) أي: فيها تغيرّ وسواد.
(٤) وهو الزّوج، أي: يجحدنَ حقوقَ الأزواج وإحسانهم، ويكتمن الإحسان، ويظهرن التشكّي كثيراً.
وفي حديث آخر: ((لوْ أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدّهرَ، ثمَّ رأتْ منكَ شيئاً قالتْ: ما رأيتُ منكَ خيراً قطُ)). رواه
البخاري [٢٩]، ومسلم [٩٠٧] عن عبد الله بن عباس رَ لَّعَنَّ.
(٥) رواه مسلم [٨٨٥].

٦٩٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فالنبيُّ ◌َِّ حين رأى أنه لم يسمعِ النساءَ؛ لأن الجمعَ كبيرٌ، وصفوفَ النساءِ خلفَ
صفوفِ الرجال، أتاهنَّ فوعظهنَّ؛ أداءً لحقّهنَّ في التربية والتعليم.
قال النووي: ((يستحبُّ إذا لمْ يسمعهنَّ أنْ يأتيهنَّ بعدَ فراغِهِ، ويعظهنَّ ويذكّرهنَّ إذا لم
يترتّبِ مفسدة))(١).
أما الآنَ مع وجود مكبّرات الصوت فلا حاجة لاقتراب الخطيب من مكان النساء.
من فوائد الحديث:
فيه: استحبابُ وعظِ النّساءِ وتعليمهنَّ أحكامَ الإسلامِ وتذكيرهنَّ بما يجبُ علیھنَّ.
قال ابنُ جريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: أترى حقّاً على الإمامِ الآنَ أنْ يأتيَ النّساءَ، فيذكّرهنَّ حينَ يفرغُ.
قالَ: إِنَّ ذلكَ لحقٌّ عليهمْ، وما لهمْ لا يفعلونهُ؟(٢).
وفيهِ: بيانُ رفقِ النبي ◌َّ في وعظ النساء، فلم يغّظْ ولم يعنّفْ.
قال ابن حجر: ((وفي مبادرةِ تلكَ النّسوةِ إلى الصّدقةِ بما يعزُّ عليهنَّ منْ حليّهنَّ معَ
ضيقِ الحالِ في ذلكَ الوقتِ، دلالةٌ على رفيعٍ مقامهنَّ في الدّينِ، وحرصهنَّ على امتثالٍ
أمرِ الرّسولِ وَّ ورضيَ عنهنَّ)(٣).
وربما تصدّق المرء بقليل من المال، فتقبّله الله وبارك فيه، فصار أكثر من الكثير!
عنْ أبي هريرةَ رَوْلَنْهُ أَنَّ رسولَ الله وَّ قالَ: ((سبقَ درهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ)).
قالوا: وكيفَ؟
قالَ: ((كانَ لرجلٍ درهمانِ تصدّقَ بأحدهما، وانطلقَ رجلٌ إلى عرضِ مالِهِ، فأخذَ منهُ مائةً
ألفِ درهمِ، فتصدّقَ بها))(٤).
(١) شرح النووي على صحيح مسلم [٦/ ١٧٤].
(٢) رواه البخاري [٩٦١] ومسلم [٨٨٥].
(٣) فتح الباري [٤٦٩/٢].
(٤) رواه النسائي [٢٥٢٧]، وحسنه الألباني.

٦٩٩
الباب الخامس: تعامل النبي صَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح عامة
وكان النبي ◌َّ كثيراً ما يحثّهنَّ على الصدقة:
فعنْ زينبَ امرأةٍ عبدِ الله بن مسعودٍ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: «تصدّقنَ يا معشرَ
النّساءِ، ولوْ منْ حليّكنَّ).
قالتْ: فرجعتُ إلى عبدِ الله، فقلتُ: إنّكَ رجلٌ خفيفُ ذاتِ اليدِ، وإنَّ رسولَ الله ◌َّ﴾ قِدْ
أمرنا بالصّدقةِ، فأتهِ فاسألهُ، فإنْ كانَ ذلكَ يجزي عنّي، وإلّا صرفتها إلى غيركمْ (١).
قالتْ: فقالَ لي عبدُ الله: بلْ ائتيهِ أنتِ(٢).
قالتْ: فانطلقتُ فإذا امرأةٌ منَ الأنصارِ ببابٍ رسولِ الله وَّ حاجتي حاجتها. قالتْ:
وكانَ رسولُ الله ◌َّ قِدْ ألقيتْ عليهِ المهابةُ.
قالتْ: فخرجَ علينا بلالٌ، فقلنا لهُ: ائتِ رسولَ اللهِوَّةِ، فأخبرهُ أنَّ امرأتینِ بالبابِ
تسألانكَ: أتجزئُ الصّدقةُ عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبرهُ منْ
نحنُ.
قالتْ: فدخلَ بلالٌ على رسولِ الله وَّةِ، فسألهُ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ وََّ: ((منْ هما؟)).
فقالَ: امرأةٌ منَ الأنصارِ، وزينبُ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((أيُّ الزّيانبِ؟)).
قالَ: امرأةُ عبدِ الله.
فقالَ لهُ رسولُ الله ◌َّهِ: ((لهما أجرانِ أجرُ القرابةِ، وأجرُ الصّدقةِ»(٣).
من فوائد الحديث:
فيه: الحثُّ على الصّدقةِ على الأقاربِ، وهوَ محمولٌ في الواجبةِ على منْ لا يلزمُ المعطيَ
نفقته منهمْ.
(١) وفي رواية النسائي [٢٥٨٣]: أيسعني أنْ أضعَ صدقتي فيكَ وفي بني أخٍ لي يتامى.
(٢) كأنه استحيا أن يستفتي في تصدق زوجته عليه.
(٣) رواه البخاري [١٤٦٦]، ومسلم [١٠٠٠].