النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦٠ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ثمَّ دعاهمْ النّبِيُّ ◌َّهِ؛ ليستغفرَ لهمْ قالَ: فلوّوا رءوسهمْ(١). من فوائد الحدیث: فيهِ: تركُ مؤاخذةِ كبراءِ القومِ بالهفواتِ؛ لئلّا ينفرَ أتباعهمْ، والاقتصارُ على معاتباتهمْ، وقبولِ أعذارهمْ، وتصديقِ أيمانهمْ، وإنْ كانتِ القرائنُ ترشدُ إلى خلافِ ذلكَ؛ لما في ذلكَ منَ التّأنيسِ والتّأليفِ. وفيهِ: جوازُ تبليغ ما لا يجوزُ للمقولِ فيهِ، ولا يعدُّ نميمةً مذمومةً إلّا إِنْ قصدَ بذلكَ الإفسادَ المطلقَ، وأمّا إذا كانتْ فيهِ مصلحةٌ ترجّحُ على المفسدة فلا(٢). وقد كان النبيُّ ◌َله يقرأ هذه السورة (المنافقون) كل جمعة توبيخاً لهم وحثّاً لهم على التوبة: عنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَنْهَا أَنَّ النّبِيَّ وََّ كَانَ يقرأُ في صلاةِ الفجرِ يومَ الجمعةِ ﴿الَّمَ تَنزِيلُ﴾ السّجدةِ، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾﴾ [الإنسان: ١]. ١ وأنَّ النّبِيَّ وَِّ كانَ يقرأُ في صلاةِ الجمعةِ سورةَ الجمعةِ والمنافقينَ (٣). قال النووي: ((قالَ العلماء: والحكمة في قراءة الجمعة اشتمالها على وجوب الجمعة وغير ذلكَ منْ أحكامها، وغير ذلكَ مّ فيها منَ القواعد، والحثِّ على التّوكّل والذّكر وغير ذلكَ. وقراءة سورة المنافقينَ لتوبيخِ حاضريها منهمْ، وتنبيهمْ على التّوبة، وغير ذلكَ مّا فيها منَ القواعد؛ لأنّهِمْ ما كانوا يجتمعونَ في مجلس أكثر منِ اجتماعهمْ فيها)»(٤). ومع عفو النبي ◌َّه عن ابن سلول، وترفّقه به إلا أنه لما وصل أذاه إلى أهل بيته اشتدّ في معاملته، وطلب من قومه الأخذ على یدیه. (١) رواه البخاري [٤٩٠٠]، ومسلم [٢٧٧٢]، والترمذي [٢٧٧٢]. (٢) فتح الباري [٦٤٦/٨]. (٣) رواه مسلم [٨٧٩]. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [٦/ ١٦٧]. ٦٦١ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة فقد حاك المنافقون في هذه الغزوة (غزوة بني المصطلق) حادثة الإفك بعد أن فشلَ كيدهم في المحاولة الأولى؛ لإثارة النعرة الجاهلية. والذي تولّى كبرَ الإفك هو: عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنَكُمْلَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّهُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِ آَمْرٍِ مِنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]. فهو الذي بدأ بالكلام في الإفك، و کان یصول فيه ويجول، و کان يجمع الناس في بيته ممن هم على شاكلته في الخبثِ والنفاق، و کان یذیع ذلك، ويردّده مع عصابته. ولما انتشر الكلام في ذلك من قبلهم، و کانوا یتناقلونه فیما بینھم، أثر ذلك في بعض المؤمنين فانزلقوا معهم، وصاروا يتكلمون بذلك مع من تكلم، ويرددون قول الإفك والنفاق دون وعي وإدراك لما يقصده ابن أبي من وراء ذلك. فلما بلغ الأمر مبلغه من الحرج والضيق بالنبي ◌ّة والمسلمين؛ قام النبيُّ ◌َّل خطيباً فكلم أصحابه فيه، فقالَ: ((منْ يعذرني(١) منْ رجلٍ بلغني أذاهُ في أهلي، فوالله ما علمتُ على أهلي إلّا خيراً، وقدْ ذكروا رجلاً ما علمتُ عليهِ إلّا خيراً، وما كانَ يدخلُ على أهلي إلّا معي)». فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ فقالَ: يا رسولَ الله أنا والله أعذركَ منهُ، إنْ كانَ منَ الأوسِ (٢) ضربنا عنقهُ، وإنْ كانَ منْ إخواننا منْ الخزرجِ أمرتنا، ففعلنا فيهِ أمركَ. قالت عائشة: فقامَ سعدُ بنُ عبادةَ وهوَ سيّدُ الخزرجِ، وكانَ رجلاً صالحاً، ولكنِ اجتهلتهُ الحميّةُ(٣)، فقالَ لسعدِ بنِ معاذٍ: كذبتَ لعمرُ الله لا تقتلهُ، ولا تقدرُ على قتلِهِ. فقامَ أسيدُ بنُ حضيرٍ، وهوَ ابنُ عمِّ سعدِ بنِ معاذٍ، فقالَ لسعدِ بنِ عبادةَ: كذبتَ لعمرُ الله لنقتلنّهُ، فإنّكَ منافقٌ تجادلُ عنِ المنافقينَ. (١) أي: ينصرني، والعذير النّاصر. (٢) وهم قبيلة سعد. (٣) أي: استخفته، وأغضبته، وحملته على الجهل. ٦٦٢ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فثارَ الحَيّانِ الأوسُ والخزرجُ حتّى همّوا ورسولُ اللهِوَِّ على المنبرِ، فنزلَ، فخفّضهمْ حتّى سكتوا وسكتَ(١). من فوائد الحدیث: فيهِ: أنَّ التّعصّبَ لأهلِ الباطل يخرجُ عنِ اسم الصّلاح. وفيهِ: النّدبُ إلى قطعِ الخصومةِ، وتسكينِ ثائرةِ الفتنةِ، وسدِّ ذريعة ذلكَ. وفيهِ: احتمالُ أخفِّ الضّررينِ بزوالِ أغلظهما، وفضلُ احتمال الأذى. وفيهِ: مباعدةُ منْ خالفَ الرّسولَ، ولوْ كانَ قريباً حميماً. وفيهِ: أنَّ منْ آذى النّبيّ ◌َّه بقولٍ أوْ فعل يقتل؛ لأنَّ سعد بن معاذ أطلقَ ذلكَ، ولمْ ينكرهُ النّبِيّ ◌َ(٢). فالمنافقون كانوا يحاولون دائماً زرع الفتنة في المجتمع المسلم، وزعزعته من الداخل، أحياناً بتخذيل المسلمين عن الجهاد كما فعلوا في غزوة أحدٍ عندما رجعوا بثلثِ الجيش، وأحياناً بإثارة العصبية القبلية كما في غزوة بني المصطلق، وأحياناً بمحاولة تشويه أهل الصلاح والإيمان، كما فعلوا مع أمِّ المؤمنين الطاهرةِ العفيفةِ عائشةَ الصدّيقةِ رَ عَنْهَا. وكان النبيُّ ◌ِ ◌ّ يقابلُ كلَّ ذلك بحكمةٍ، وحلمٍ، ورويّةٍ، ويصفحُ كثيراً عنهم؛ طمعاً في هدايتهم، وصلاحهم، ورجوعهم للحقِّ. ولما أعدَّ النبيُّ ◌ََّ العدّةَ لغزوة تبوك وقتال الروم في الشام؛ جاءهُ كثيرٌ من المنافقين يستأذنونه بعدم الخروج معه. وكان ذلك في شهر رجب سنةَ تسعِ من الهجرة، وكانتْ في زمنٍ عسرةٍ من الناس، وجدبٍ من البلاد، وفي وقتٍ طابتْ فيه الثمارُ، والناسُ يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون شخوصهم على تلك الحال. (١) رواه البخاري [٢٦٦١] ومسلم [٢٧٧٠]. (٢) ينظر: فتح الباري [٤٨٠/٨]. ٦٦٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة وكان رسول الله وَ ل﴿ قلّما يخرج في غزوة إلا كنّى عنها وورّى بغيرها(١)، إلا ما كان من غزوة تبوكَ؛ لبعد الشّقّةِ، وشدّة الزمان. فجاءه كثير من المنافقين يستأذنونه في عدم الخروج معه، ويعتذرون بأعذارٍ واهيةٍ، فأذنَ لهم في ذلك، وقبلَ أعذارهم. وكان ممّنِ استأذنَ منهم: عبدُ الله بن أبيِّ ابنُ سلول، والجدُّبن قيس. وقال قومٌ من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحرِّ. ففضحهمُ الله بذلك، وعتب على النبيّ ټ﴾ في إذنه لهم. قال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَاْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَهِمْ فَلْيَضْحَكُوْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْلَا تَنِفِرُواْ فِي الْحَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأَ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ قَلِيلاً وَلْيَبْكُوْ كَثِيرًا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [التوبة: ٨١-٨٢]. وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيَبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّأَتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ [التوبة: ٤٢]. أي: لو كان خروجهم لطلبٍ منفعةٍ دنيويّةٍ سهلة التناولِ، وكان السفر ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أي: قريباً سهلاً ﴿لََّتَبَعُوكَ ﴾ لعدم المشقّة الكثيرة ﴿ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ أي: طالتْ عليهم المسافةُ، وصعب عليهم السفرُ؛ فلذلك تثاقلوا عنك. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ أي: سيحلفون أن لهم أعذاراً في تخلّفهم عن الخروج، وأنهم لا يستطيعون ذلك. ﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ بالقعودِ، والكذبِ، والإخبار بغير الواقع، ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (١) معنى (ورّى): ستر، وتستعملُ في إظهارِ شيءٍ معَ إرادةٍ غيرِهِ، كأن يريد أن يغزو جهة الشرق، فيسأل عن أمرٍ في جهة الغرب، ویتجهّز للسفر، فیظن من يراه ويسمعه أنه یرید جهة الغرب. فتح الباري [١٥٩/٦ ] باختصار. ٦٦٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم عاتب الله تعالى نبيه وَّل على هذه المسارعة إلى عذرهم فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَقَّى يَنَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِينَ [التوبة: ٤٣]. أي: سامحك الله وغفرَ لك مما أجريت ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ في التخلّفِ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ اُلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِينَ ﴾ بأن تمتحنهم؛ ليتبيَّ لك الصادقُ من الكاذب، فتعذرَ من يستحقُّ العذرَ ممن لا يستحقُّ ذلك(١). هلا تركتهم لمّا استأذنوك، فلم تأذنْ لأحد منهم في القعود؛ لتعلم الصادقَ منهم في إظهارِ طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرّين على القعود عن الغزو، وإن لم تأذن لهم فيه(٢). وقد خرج مع النبيِّ وَّه في هذه الغزوة قلّةٌ من المنافقين، وحاولوا اغتيال النبيِّ بَّ في طريق العودة، فعصمهُ الله منهم. وهم خمسة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنّم العقبة بالليل. عنْ أبي الطّفيلِ قالَ: لَّا أقبلَ رسولُ الله ◌َّ مِنْ غزوة تبوكَ، أمرَ منادياً، فنادى: إنَّ رسولَ الله وَّ أَخذَ العقبةَ(٣)، فلا يأخذها أحدٌ. فبينما رسولُ اللهِوَلِّ يقودهُ حذيفةُ، ويسوقُ بهِ عمّارٌ، إذْ أقبلَ رهطٌ متلثّمونَ على الرّواحلِ، غشوا عمّاراً، وهوَ يسوقُ برسولِ اللهِوَّهِ، وأقبَلَ عمّارٌ يضربُ وجوهَ الرّواحلِ. فقالَ رسولُ الله ◌َّ لحذيفةَ: ((قَدْ، قَدْ)) (٤)، حتّى هبطَ رسولُ اللهِّ . فلمّا هبطَ رسولُ الله ◌َ ﴿ نزلَ، ورجعَ عَّارٌ. فقالَ: ((يا عمّارُ، هلْ عرفتَ القومَ؟)). (١) تفسير السعدي [١/ ٣٣٨]. (٢) تفسير ابن كثير [١٣٩/٤]. (٣) العقبةُ: طريقٌ في الجبلِ وعر. (٤) أي: حسبك، وهي بمعنى: كفى كفى. ٦٦٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة فقالَ: قدْ عرفتُ عامّةَ الرّواحلِ، والقومُ متلثّمُونَ. قالَ: ((هلْ تدري ما أرادوا؟)). قالَ: الله ورسولهُ أعلمُ. قالَ: ((أرادوا أنْ ينفروا برسولِ الله وَّل، فيطرحوهُ)). فعذرَ رسولُ اللهِ وَِّ منهمْ ثلاثةً، قالوا: والله ما سمعنا مناديَ رسولِ الله ێ، وما علمنا ما أرادَ القومُ. فقالَ عّارٌ: أشهدُ أنَّ الاثنيْ عشرَ الباقينَ حربٌ لله ولرسولهِ في الحياةِ الدّنيا، ويومَ يقومُ الأشهادُ(١). وقد أنزل الله في هؤلاء قوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ [التوبة: ٧٤]. قال النووي: ((وهذهِ العقبة ليستِ العقبة المشهورة بمنَّى الّتي كانتْ بها بيعةُ الأنصار رََُّّعَنْهُ، وإنّما هذهِ عقبة على طريق تبوك، اجتمعَ المنافقونَ فيها للغدرِ برسولِ الله ◌َالآن في غزوة تبوكَ، فعصمهُ الله منهمْ))(٢). وقال ابنُّ الأثير: ((قد يظنُّ بعض من لا علم عنده، أن أصحاب العقبة المذكورين في هذا الحديث: هم أصحابُ العقبة الذين بايعوا النبي ◌َّ في أول الإسلام، وحاشاهم من ذلك. إنما هؤلاء قوم عرضوا لرسول الله وَ له في عقبة صعدها لما قفلَ منْ غزوة تبوك، وقد كان أمر منادياً، فنادى: ((لا يطلع العقبة أحد، لا يطلع العقبةَ أحد))، فلما أخذها النبيُّ ◌َلّ. عرضوا له، وهم ملثّمونَ، لئلا يعرفوا، أرادوا به سوءاً، فلم يقدرهم الله تعالى))(٣). (١) رواه أحمد في مسنده [٢٣٢٨٠]، وقال الهيثمي في المجمع [١٩٥/٦]: ((رجاله رجال الصحيح))، وقال الأرناؤوط: ((إسناده قوي على شرط مسلم))، وأصل هذه القصة في صحيح مسلم [٢٧٧٩] مختصرة. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢٦/١٧]. (٣) جامع الأصول من أحاديث الرسول [١ / ٩٣٠٦]. ٦٦٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد توعّد النبيُّ ◌َّه هؤلاء المجرمين المتلثّمين: عنْ حذيفة رَّهُ أَن النّبِيِ وَّ قالَ: «في أمّتي (١) اثنا عشَر منافقاً، لا يدخلونَ الجنَّةَ، ولا يجدونَ ريحها، حتّى يلجَ الجملُ في سمِّ الخياطِ، ثمانيةٌ منهمْ تكفيكهمُ الدّبيلةُ: سراجٌ منَ النّارِ يظهرُ في أكتافهمْ حتّى ينجمَ منْ صدورهمْ))(٢). ((في أصحابي)) أي: مندسّين بينهم، وليسوا منهم على الحقيقة كما قال تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌّ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمَّ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّيُرَدُونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]، فهم ينسبون إلى صحبتي، فهم في الظاهر معي، لكن في الباطن هم ضدّي. (اثنا عشرَ منافقاً) وهم الذين جاؤوا متلثّمين، وقد قصدوا النبي ليلة العقبة، فحماه الله منهم، وأعلمه بأسمائهم(٣). «تکفیکھمُ»، أيْ: تدفعُ شرّهمُ. (يظهرُ في أكتافهمْ)) أي: ورماً حارّاً يحدثُ في أكتافهمْ، بحيثُ يظهرُ أثرُ تركِ الحرارةِ، وشدّةُ لهبها في صدورهمْ ممثّلةً بسراجٍ منْ نارٍ، وهوَ شعلةُ المصباحِ (٤). أي: أن الله يهلك هؤلاء الثمانية من المنافقين بهذا الداء في الدنيا(٥). وقد أخبر النبيُّ ◌َّه حذيفةَ بأسماء هؤلاء الاثني عشر منافقاً، ولم يخبر بأسمائهم أحداً غيره. قال شيخ الإسلام: ((وفي غزوة تبوكَ استنفرهمُ النّبيُّ ێ کما استنفرَ غیرهمْ، فخرجَ بعضهمْ معهُ، وبعضهمْ تخلّفوا. (١) وفي رواية: في أصحابي. (٢) رواه مسلم [٢٧٧٩]. (٣) فيض القدير [٤/ ٤٥٤]. (٤) مرقاة المفاتيح [٣٨١٦/٩]. (٥) المفهم [٧/ ٣٣٤]. ٦٦٧ الباب الرابع: تعامل النبي صَلُّ عليه ◌ِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة وكانَ في الّذينَ خرجوا معهُ منْ همَّ بقتلهِ في الطّريقِ، همّوا بحلِّ حزامِ ناقتهِ؛ لیقعَ في وادٍ هناكَ. فجاءهُ الوحيُّ، فأسرَّ إلى حذيفةَ أسماءهمْ؛ ولذلكَ يقالُ: هوَ صاحبُ السّرِّ الّذي لا يعلمهُ غیرهُ، كما ثبتَ ذلكَ في الصّحیحِ»(١). قال ابن كثير: ((ولهذا كان حذيفة يقال له: صاحب السّرِّ الذي لا يعلمه غيره، أي: من تعيين جماعة من المنافقين، وهم هؤلاء، قد أطلعه عليهم رسول الله وَّ﴿ دون غيره))(٢). وعن عروة بن الزّبيِ رَّعَنْهُ قال: بلغنا أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ حِينَ غزا تبوكَ نزلَ عنْ راحلتِهِ فأوحىَ إليهِ وراحلتهُ باركةٌ، فقامتْ تجرُّ زمامها حتّى لقيها حذيفةُ بنُّ اليمانِ، فأخذَ بزمامها فاقتادها حتّى رأى رسولَ الله ◌َّه جالساً، فأناخها ثمَّ جلسَ عندها، حتّى قامَ رسولُ اللهِوَّ. فأتاهُ. فقالَ: ((منْ هذا؟)). فقالَ: حذيفةُ بنُ الیمان. قالَ رسولُ اللهِوَّ: «فإنّى أسرُّ إليكَ أمراً فلا تذكرنّهُ، إنّى قدْ نهيتُ أنْ أصلّىَ على فلانٍ وفلانٍ)). رهطٍ ذوى عددٍ منَ المنافقينَ، لمْ يعلمْ رسولَ الله ◌َّهِ ذكرهمْ لأحدٍ غيرَ حذيفةَ بنِ الیمانِ. فلمّا توقّىَ رسولُ الله ◌ٍَّ كَانَ عمرُ بنُّ الخطّابِ رَهُ فى خلافتِهِ إذا ماتَ رجلٌ يظنُّ أَنّهُ منْ أولئكَ الرّهطِ أخذَ بيدٍ حذيفةَ، فاقتادهُ إلى الصّلاةِ علیهِ، فإنْ مشی معهُ حذيفةُ صلّى عليهِ، وإنِ انتزعَ حذيفةُ يدهُ فأبى أنْ يمشىَ معهُ انصرفَ عمرُ معهُ فأبى أنْ يصلَّ عليهِ، وأمرَ عمرُ رَّ ◌َنهُ أَنْ يصلّى عليهِ(٣). وقد يظنُّ البعضُ أن النبيَّ وَلّ أعلم حذيفة بأسماء جميع المنافقين، وهذا غير صحيح؛ لأن النبيَّ وَّ لم يكن يعلم أعيانَ جميع المنافقين، وإنما كان يعرفُ بعضهم بأعيانهم، ویعرفُ بعضهم بالصفاتِ. (١) مجموع الفتاوى [٢١١/٧]. (٢) تفسير ابن كثير [٤/ ١٨٢]. (٣) رواه البيهقي في الكبرى [١٧٢٩٧] هكذا مرسلا. ٦٦٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والنبي ◌َّهَ إِنما أعلمَ حذيفةَ بأسماءِ هؤلاءِ المنافقين الذين همّوا بقتله فقط. فقد قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم ◌ِنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌّ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِّ مَرَدُواْ عَلَىَ اُلِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ [التوبة: ١٠١]. ففيها دليلٌ على أنه لم يعرفهم، ولم يدلَّ على أعيانهم، وإنما كانت تذكرُ له صفاتهم، فيتوسّمها في بعضهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُمْ بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِ لَحْنِ اَلْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]))(١). فهو يعرفهم من باب التوسّم فيهم بصفاتٍ يعرفون بها، لا أنه يعرفُ جميعَ من عنده من أهل النفاق، والرّيبِ على التعيين. ومن الأمورِ التي ظهرت من المنافقين في هذه الغزوة: الاستهزاءُ بالمؤمنين. ولقد قابل النبيُّ وَّ هذا الاستهزاءَ بشدّةٍ وحزم: عنْ عبدِ الله بنِ عمرَ رَنَّا قالَ: قَالَ رجلٌ في غزوة تبوكَ في مجلسٍ يوماً: ما رأيتُ مثلَ قرّائنا هؤلاءِ، لا أرغبَ بطوناً، ولا أكذبَ ألسنةً، ولا أجبنَ عندَ اللّقاءِ(٢). فقالَ رجلٌ في المجلسِ: كذبتَ ولكنّكَ منافقٌ، لأخبرنّ رسولَ اللهِل. فبلغَ ذلكَ النّبِيَّ ◌َِّ، ونزلَ القرآنُ. قالَ عبدُ الله: فأنا رأيتهُ متعلّقاً بحقبٍ (٣) ناقةِ رسولِ الله وَّل تنكبُهُ الحجارةُ وهوَ يقولُ: يا رسولَ الله: ((إنّما كنّا نخوضُ ونلعبُ))(٤). (١) تفسير ابن كثير [٢٠٤/٤]. (٢) أرغب بطونا: يعني: أنهم واسعو البطون من كثرة الأكل، وليس لهم همّ إلا الأكل. ولا أكذب ألسنة، يعني: أنهم يتكلمون بالكذب، ولا أجبن عند اللقاء، أي: أنهم يخافون لقاء العدو، ولا يثبتون بل يفرّون ويهربون، وهذه الصفات تنطبق على المنافقين تماماً لا على المؤمنين. شرح رياض الصالحين [٢/ ١٠١] لابن عثيمين (٣) الحقب: حبل يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ذيله. (٤) وفي رواية: حديث الركب نقطع به عناء الطريق. ٦٦٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَلّالَُّ عليه ◌ِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة ورسولُ اللهِوَّةِ، يقولُ: ﴿أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [التوبة: ٦٥](١). يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَيِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَنِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ (٥) لَا تَعْنَذِرُ واْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِمَنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ تُعَذِّبْ طَانِفَةٌ بِأَنَهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ [التوبة: ٦٥ -٦٦]. فالاستهزاءُ بدين الله من علاماتِ المنافقين. والاستهزاءُ بالله وآياته ورسوله كفرٌ مخرجٌ عن الدين؛ لأن أصلَ الدين مبنيٌّ على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاءُ بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل، ومناقضٌ له أشدَّ المناقضة. ولهذا لما جاءوا إلى رسول الله وَاله يعتذرون بهذه المقالة، كان رسولُ الله ◌َ ل﴾ لا يزيدهم على قوله: ﴿أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرَّتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦]. وقد يقول قائل: الذي في القصة ليس استهزاءً بالدين مباشرة، وإنما هو استهزاءُ بأشخاص. فنقول: إنه ليس استهزاءً بهم لأجل أشخاصهم، أو قبائلهم، وإنما هو استهزاءٌ بهم لأجل دينهم؛ بدليل قولهم: (ما رأينا مثلَ قرّائنا هؤلاءٍ). وقد سمّيتْ سورةُ التوبةِ بالفاضحةِ؛ لأنها فضحتِ المنافقين، وكشفتْ أسرارهم، وبيّنتْ مخطّطاتهم، وأهدافهم، وكلامهم، وطرقهم في العملِ لهدم المجتمع المسلم. عنْ سعيدِ بنِ جبيرِ قالَ: قلتُ لابنِ عبّاسٍ : سورةُ التّوبةِ. قالَ: ((التّوبةُ هيَ الفاضحةُ ما زالتْ تنزلُ: (ومنهمْ)، (ومنهمْ) حتّى ظنّوا أنّها لنْ تبقيَ أحداً منهمْ إلّا ذكرَ فيها)»(٢). (١) رواه الطبري في تفسيره [١٦٩١٢]، وقال العلامة أحمد شاكر: إسناده صحيح. (٢) رواه البخاري [٤٨٨٢]. ٦٧٠ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن السياسات التي اتخذها النبي وَّ لمواجهة المنافقين: هدم أماكن تجمّعاتهم الظاهرةِ: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِبِقَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىّ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (١٧) لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَرُ واْ وَ اَللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ ﴾﴾ [التوبة: ١٠٧-١٠٨]. ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أي: مضارّةً للمؤمنين، ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه. ﴿وَكُفْرًا﴾ أي: قصدهم فيه الكفر، إذا قصدَ غيرهم الإيمان. ﴿وَتَفْرِبِقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليتشعّبوا ويتفرّقوا ويختلفوا، ﴿وَإِرْصَادًا ﴾ أي: إعداداً ﴿لَّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: إعانةً للمحاربين لله ورسوله، الذين تقدّم حرابهم، واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، الذي ذهب إلى المشركين يستعينُ بهم على حربٍ رسول الله وَّةٍ، فلّا لم يدركْ مطلوبهُ عندهم ذهبَ إلى قيصرَ بزعمه أنه ينصره، فهلكَ اللعينُ في الطريقِ، وكان على وعد وممالأة، هو والمنافقون. ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ في بنائنا إياه ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: الإحسانَ إلى الضعيفِ، والعاجزِ والضريرِ. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ فشهادةُ الله عليهم أصدقُ من حلفهم. ﴿لَانَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: لا تصلِّ في ذلك المسجد الذي بني ضراراً أبداً. فالله يغنيك عنه، ولستَ بمضطرِّ إلیه. ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِيَوْمٍ ﴾ ظهر فيه الإسلام في ((قباء))، وهو مسجد ((قباء)) أسّسَ على إخلاص الدين لله، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان قديماً في هذا عريقاً فيه، فهذا المسجد الفاضل ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ وتتعبّد وتذكر الله تعالى فهو فاضلٌ، وأهله فضلاء؛ ولهذا مدحهم الله بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَرُواْ﴾ من الذنوب، ويتطهّروا من الأوساخ، والنجاساتِ والأحداثِ. ٦٧١ الباب الرابع: تعامل النبي صَلُّ عليه ◌ِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ﴾ الطهارة المعنوية، كالتنزّه من الشّركِ والأخلاقِ الرذيلةِ، والطهارة الحسّيّةِ كإزالة الأنجاسِ، ورفع الأحداثِ(١). وفي هذه الآيات فوائد عدة: منها: أن اتخاذ المسجدِ الذي يقصدُ به الضّرارُ لمسجد آخرَ بقربه أنه محرّمٌ، وأنه يجبُ هدمُ مسجدِ الضّرارِ الذي اطّلعَ على مقصودِ أصحابه. ومنها: أن العملَ وإن كان فاضلا تغيّره النّةُ، فينقلبُ منهيّاً عنه، كما قلبتْ نیةُ أصحابٍ مسجدِ الضّرارِ عملهم إلى ما تری. ومنها: أن كل حالة يحصلُ بها التفريقُ بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعيّنُ تركها، وإزالتها. كما أن كل حالة يحصلُ بها جمعُ المؤمنين وائتلافهم يتعيّنُ اتّباعها والأمر بها والحثُّ عليها؛ لأن الله علّل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصدِ الموجبِ للنھي عنه، کما یوجبُ ذلك الكفرَ، والمحاربةَ لله ورسوله. ومنها: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها. ومنها: أن المعصية تؤثّرُ في البقاع، كما أثّرتْ معصيةُ المنافقين في مسجدِ الضّرارِ، ونهيَ عنِ القيام فيه، وكذلك الطاعةُ تؤثّرُ في الأماكن كما أثّرتْ في مسجدٍ قباءٍ حتى قال الله فيه: ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَلِيَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. ولهذا كان لمسجد قباءٍ من الفضل ما لیس لغیره، حتی کان ێ یزورُ قباء كلَّ سبتٍ یصلّ فيه(٢)، وحثَّ على الصلاة فيه(٣). ومنها: أنه يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية، أربع قواعد مهمة، وهي: (١) تفسير السعدي [١/ ٣٥١]. (٢) رواه البخاري [١١٩٢] ومسلم [١٣٩٩] عن ابن عمر رَُّ عَنْهَا. (٣) روى الترمذي [٣٢٤] عن أسيد بن ظهير عن النبي وَّ قال: ((الصلاة في مسجد قباء كعمرة)) وصححه الألباني. ٦٧٢ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل عمل فيه مضارّةٌ لمسلم، أو فيه معصية لله، فإن المعاصي من فروع الكفر، أو فيه تفريقٌ بين المؤمنين، أو فيه معاونة من عادى الله ورسوله، فإنه محرّمٌ ممنوع منه، وعكسه بعکسه. ومنها: أن الأعمال الحسّيّةَ الناشئةَ عن معصيةِ الله لا تزال مبعدةً لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها، ويتوب منها توبةً تامّةً بحيثُ يتقطع قلبه من الندم والحسراتِ. ومنها: أنه إذا كان مسجد قباء مسجداً أسّسَ على التقوى، فمسجدُ النبيِّ وَّ الذي أسّسه بيده المباركة، وعمل فيه، واختاره الله له من باب أولى وأحرى. ومنها: أن العمل المبنيَّ على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسّسُ على التقوى، الموصّلُ لعامله إلى جنات النعيم. والعمل المبنيُّ على سوء القصدِ، وعلى البدع والضلالِ هو العمل المؤسّسُ على شفا جرفٍ هارٍ، فانهارَ به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين(١). قال ابن كثير: ((سببُ نزولِ هذهِ الآياتِ الكريماتِ، أنّهُ كانَ بالمدينةِ قبلَ مقدم رسولِ الله وَّه إليها رجلٌ منَ الخزرجِ يقالُ لهُ أبو عامرِ الرّاهبُ، وكانَ قدْ تنصّرَ في الجاهليّةِ، وقرأَ علمَ أهلِ الكتابِ، وكانَ فيهِ عبادةٌ في الجاهليّةِ، ولهُ شرفٌ في الخزرجِ کبیٌ. فلمّا قدمَ رسولُ الله ◌َّه مها جراً إلى المدينةِ، واجتمعَ المسلمونَ عليهِ، وصارتْ للإسلامِ كلمةٌ عاليةٌ، وأظهرهمُ الله يومَ بدرٍ ؛ شرقَ اللّعينُ أبو عامرٍ بريقهِ وبارزَ بالعداوةِ؛ وظاهرَ بها، وخرجَ فارّاً إلى كفّارِ مكة من مشركي قريش، يمالئهم على حربِ رسولِ الله فاجتمعوا بمنْ وافقهمْ منْ أحياءِ العربِ، وقدموا عامَ أحدٍ، فكانَ منْ أمرِ المسلمينَ ما كانَ، وامتحنهمُ الله عََّ، وكانتِ العاقبةُ للمتّقِينَ. وكانَ هذا الفاسقُّ قدْ حفرَ حفائرَ فيما بينَ الصّفّينِ، فوقعَ في إحداهنَّ رسولُ الله ◌ِّهِ، (١) تفسير السعدي [١/ ٣٥١]. ٦٧٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِ وَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة وأصيبَ ذلك اليومَ، فجرحَ وجههُ، وكسرتْ رباعيتهُ اليمنى السّفلى، وشجَّ رأسهُ صلواتُ الله وسلامهُ علیهِ. وتقدّمَ أبو عامرٍ في أوّلِ المبارزةِ إلى قومِهِ منَ الأنصارِ، فخاطبهمْ، واستمالهمْ إلى نصرهِ، وموافقتهِ. فلّا عرفوا كلامهُ قالوا: لا أنعمَ الله بكَ عيناً يا فاسقُ، يا عدوًّ الله، ونالوا منهُ، وسبّوهُ، فرجعَ وهوَ یقولُ: والله لقد أصابَ قومي بعدي شرٌّ. وكانَ رسولُ اللهِ وَّهِ قِدْ دعاهُ إلى الله قبلَ فرارهِ، وقرأَ عليهِ منَ القرآنِ، فأبى أنْ يسلمَ وتمرّدَ، فدعا عليهِ رسولُ الله ◌َل﴿ أَنْ يموتَ بعيداً طريداً، فنالتهُ هذهِ الدّعوةُ. وذلكَ أنّهُ لَّا فرغَ النّاسُ منْ أحدٍ، ورأى أمرَ الرّسولِ وَّ في ارتفاعٍ وظهورٍ؛ ذهبَ إلى هرقلَ ملكِ الرّومِ يستنصرهُ على النّبِيِّوَّةِ، فوعدهُ، ومنّاهُ، وأقامَ عندهُ، وكتبَ إلى جماعةٍ منْ قومِهِ منَ الأنصارِ منْ أهلِ النّفاقِ والرّيبِ يعدهمْ، ويمنّهمْ أنّهُ سيقدمُ بجيشٍ يقاتلُ بِهِ رسولَ الله ◌َّهِ، ويغلبهُ ویردّهُ عّا هوَ فيهِ. وأمرهمْ أنْ يتّخذوا لهُ معقلاً يقدمُ عليهمْ فيهِ منْ يقدمُ منْ عندهِ لأداءِ كتبهِ، ويكونُ مرصداً لهُ إذا قدمَ عليهمْ بعدَ ذلكَ. فشرعوا في بناءِ مسجدٍ مجاورٍ لمسجدٍ قباءٍ، فبنوهُ، وأحكموهُ، وفرغوا منهُ قبل خروجٍ رسولِ اللهِ وَيُّه إلى تبوكَ. وجاءوا، فسألوا رسولَ الله ◌َّهِ أنْ يأتيَ إليهمْ، فيصلَّ في مسجدهم؛ ليحتجّوا بصلاته فيهِ على تقريرهٍ وإثباتِهِ، وذكروا أنّهمْ إنّما بنوهُ للضّعفاءِ منهمْ، وأهلِ العلّةِ في اللّيلةِ الشّاتيةِ. فعصمهُ الله منَ الصّلاةِ فيهِ فقالَ: ((إنّا على سفرٍ ولكنْ إذا رجعنا إنْ شاءَ الله)). فلّا قَفَلَ نَّه راجعاً إلى المدينةِ منْ تبوكَ، ولمْ يبقَ بينهُ وبينها إلّا يومٌ، أَوْ بعضُ يومٍ؛ نزلَ عليه جبريل بخيرِ مسجدِ الضّرارِ، وما اعتمدهُ بانوهُ منَ الكفرِ والتّفريقِ بينَ جماعةِ المؤمنينَ في مسجدهم مسجد قباء الذي أسّسَ من أول يوم على التّقوی. ٦٧٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبعثَ رسولُ اللهِوَّه إلى ذلكَ المسجدِ منْ هدمهُ قبلَ مقدمهِ المدينةَ .. فأنزل الله، عَوَجَلَّ: لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِيَوْمٍ .. ﴾))(١). وعن جابر بن عبد الله رَ عَنْهَا قال: ((رأيتُ الدّخانَ منْ مسجدِ الضّرارِ حينَ انهار))(٢). وفاة عبد الله بن أبي بن سلول: ولما رجع النبي ◌َّه من غزوة تبوكَ توفّيَ ابن سلول(٣)، فصلىّ عليه الرسولُ وَلِّ، وكفّنْهُ بقميصه، هذا مع أذيّته لرسول الله وَله وللمؤمنين. عنِ ابنِ عمرَ رَ عَنْهَا قالَ: جاءَ عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ أبِيِّ إلى النّبِّوَلِّ حِينَ ماتَ أبوهُ، فقالَ: أعطني قميصكَ أكفّنْهُ فيهِ، وصلِّ علیهِ، واستغفرْ لهُ. فأعطاهُ قميصهُ وقالَ: ((إذا فرغتمْ فآذنوني)». فأتى رسولُ اللهِوَل﴿ عبدَ الله بنَ أبيٌّ بعدَ ما أدخلَ حفرتهُ، فأمرَ بهِ، فأخرجَ فوضعهُ على ركبتيهِ، ونفثَ علیهِ منْ ریقِهِ. قال عمرُ: فلّا قامَ رسولُ الله ◌َّه ليصلّيَّ عليه وثبتُ إليهِ، فقلتُ: يا رسولَ الله أتصلّي على ابنِ أبِّ، وقدْ قالَ يومَ كذا وكذا، كذا وكذا؟! أعدّدُ عليهِ قولهُ. فتبسّمَ رسولُ الله ◌ٍَّ وقالَ: ((أخّرْ عنّي يا عمرُ)). فلمّا أكثرتُ عليهِ قالَ: ((إنّ خيّرتُ، فاخترتُ، لوْ أعلمُ أنّ إنْ زدتُ على السّبعينَ يغفرُ لهُ لزدتُ علیھا)). قالَ: فصلّى عليهِ رسولُ الله ◌َ﴿ ثمَّ انصرفَ. فلمْ يمكثْ إلّا يسيراً حتّى نزلتْ الآيتانِ منْ براءةٌ: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمُ عَلَى قَبْرِهِ: إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: ٨٤]. (١) تفسير ابن كثير [١٨٥/٤]. (٢) رواه الحاكم [٨٧٦٣]، وصححه ووافقه الذهبي. (٣) وقد ماتَ بعدَ منصر فهمْ منْ تبوكَ وذلكَ في ذي القعدة سنةَ تسع. ٦٧٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِ وَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة قالَ: فعجبتُ بعدُ منْ جرأتي على رسولِ اللهِ وَّ يومئذٍ، والله ورسولهُ أعلمُ(١). قال ابن حجر: ((وإنّما لمْ يأخذ النّبيُّ ◌َّه يقول عمرَ وصلّى عليهِ إجراءً لهُ على ظاهر حكم الإسلام، واستصحاباً لظاهرِ الحكم، ولما فيهِ منْ إكرام ولده الّذي تحقّقتْ صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة))(٢). وقالَ الخطّابُّ: ((إنّما فعلَ النّبيّ ◌َِّ معَ عبد الله بن أبيِّ ما فعلَ؛ لكمالٍ شفقته على منْ تعلّقَ بطرفٍ منَ الدّين، ولتطييبٍ قلب ولده عبد الله الرّجل الصّالح، ولتألّفِ قومه منْ الخزرج الرياستهِ فيهمْ، فلوْ لمْ يجبْ سؤال ابنه وتركَ الصّلاة عليهِ قبلَ ورود النّهي الصّريح؛ لكانَ سبّةً على ابنه، وعاراً على قومه، فاستعملَ أحسن الأمرينِ في السّياسة إلى أنْ نهيَ فانتهى))(٣). وقيل: إنّما أعطاهُ قميصه مكافأة لعبدِ الله المنافق الميّت؛ لأنّهُ كانَ ألبسَ العبّاسَ حينَ أسرَ يوم بدر قميصاً. قالَ سفيانُ بن عيينة: «فيرونَ أَنَّ النّبِيَّ ◌َِّ ألبسَ عبدَ الله قميصهُ مكافأةً لما صنعَ)) (٤). وقال النووي رَحِمَةُ لهُ: ((وفي هذا الحديث: بيانُ عظيم مكارم أخلاق النّبيِّ وَّ؛ فقدْ علمَ ما كانَ منْ هذا المنافق منْ الإيذاء، وقابلهُ بالحسنى، فألبسهُ قميصاً كفناً، وصلّى علیهِ، واستغفرَ لهُ. قالَ الله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٤])) (٥). وقال شيخ الإسلام: ((من كان مظهراً للإسلام فإنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة: من المناكحة والموارثة، ونحو ذلك، لكن من علم منه النفاق والزندقة؛ فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه وإن كان مظهراً الإسلام، فإن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين. وأما من شكّ في حاله؛ فتجوزُ الصلاةُ عليه إذا كان ظاهره الإسلام))(٦). (١) رواه البخاري [١٢٦٩] ومسلم [٢٧٧٤]. (٢) فتح الباري [٨/ ٣٣٦]. (٣) فتح الباري [٨/ ٣٣٦]. (٤) رواه البخاري [١٣٥٠]. (٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ١٦٧]. (٦) الفتاوى الكبرى [٣ / ١٧ -١٩] باختصار. ٦٧٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد تاب بعض هؤلاء المنافقين، منهم: الجلاس بن سويد. وكان من الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك، وكان يثبّطُ الناسَ عن الخروج، وكان عمير بن سعید یتیماً في حجره، وأمه تحتَ الجلاس، وكان يكفله، ويحسنُ إليه. فسمعه وهو يقول: والله، لئن كان محمد صادقاً لنحن شر من الحمیر! فقال له عمير: يا جلاس، لقد كنتَ أحبَّ الناس إليّ، وأحسنهم عندي أثراً، وأعزهم علي أن يدخل عليه شيءٌ نكرهه؛ والله لقد قلتَ مقالةً لئن ذكرتها لتفضحنّك، ولئن كتمتها لأهلكنَّ، وإحداهما أهونُ عليَّ من الأخرى! فذكر للنبي ◌َله مقالةَ الجلاس، فبعثَ النبيُّ ◌َل( إلى الجلاس، فسأله عما قال عمير. فحلف الجلاس بالله لرسول الله وَّ: ((لقد كذب عليَّ عميرٌ، وما قلتُ ما قال عميرٌ)). فقال عمير: ((بلى والله قلته، فتبْ إلى الله تعالى، ولولا أن ينزل قرآن، فيجعلني معك ما قلته)). فجاء الوحيُّ إلى رسول الله وَّل، فسكتوا لا يتحرّك أحدٌ. و کذلك كانوا يفعلون لا يتحرّکون إذا نزل الوحيُّ. فرفع عن رسول الله وَّه، فقال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرً لٌَُّّ وَإِن يَتَوَلَّوْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَمَا لَهُمْ فِيِ اُلْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [التوبة: ٧٤]. فقال الجلاس: ((قد قلته، وقد عرض الله عليَّ التوبةَ، فأنا أتوبُ)). فاعترف بذنبه، وحسنتْ توبته، ولم يمتنع عن خیر کان یصنعه إلی عمیر بن سعید. قال عروة: فما زال عمير في علياء بعد هذا حتى مات(١). (١) هذه القصة رواها ابن جرير الطبري [٣٦١/١٤]، وعبد الرزاق في المصنف [١٨٣٠] عن عروة ابن الزبير مرسلة، وقال ابن عبد البر: ((وقصته مشهورة في التفاسير)). الاستيعاب [١ / ٧٩]. ٦٧٧ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة ومن مراسيل ابن سيرين قال: لما نزلت هذه الآية: أخذ النبي قال﴾ بأذن عمیر وقال: ((یا غلامُ وفتْ أذنكَ، وصدّقكَ ربّكَ))(١). وقد استعمل عمر بن الخطاب عمير بن سعيد هذا على حمص، ومات عمير هذا بالشام، وكان عمر بن الخطاب يقول: ((وددتُ لو أن لي رجلاً مثل عمير أستعينُ به على أعمال المسلمين))(٢). مَلِ ◌ّ وَسْت يصبر على ما يصيبه من أذى المنافقين: و کان النبي عنْ عبدِ الله ابن مسعود قالَ: لَّا كانَ يومُ حنينٍ آثرَ رسولُ الله ◌َّ ناساً في القسمةِ، فأعطى الأقرعَ بنَ حابسٍ مائةً منْ الإبلِ، وأعطى عيينةَ مثلَ ذلكَ، وأعطى أناساً منْ أشرافٍ العربِ، وآثرهمْ يومئذٍ في القسمةِ. فقالَ رجلٌ: والله إنَّ هذهِ لقسمةٌ ما عدلَ فيها وما أريدَ فيها وجهُ الله. قالَ فقلتُ: والله لأخبرنَّ رسولَ الله ◌ِّ. فأتيتهُ فأخبرتهُ بما قالَ. فغضبَ منْ ذلكَ غضباً شديداً واحمرَّ وجههُ حتّى تمنّيتُ أنّي لمْ أذكرهُ لهُ. قالَ: ثمَّ قالَ: فمنْ يعدلُ إنْ لمْ یعدل الله ورسوله. ثمَّ قالَ: ((يرحمُ الله موسى قدْ أوذيَ بأكثرَ منْ هذا فصبرَ))(٣). من فوائد الحدیث: فيهِ: الإعراضُ عنِ الجاهل، والصّفحُ عنِ الأذى، والتّأَسّي بمنْ مضى منَ النّظراء. وقد سلكَ النبي ◌ِّ مع هذا المنافقِ مسلكه معَ غيره منَ المنافقينَ الّذِينَ آذوهُ، وسمعَ منهمْ في غير موطن ما كرههُ، لكنّهُ صبرَ استبقاءً لانقيادهمْ وتأليفاً لغيرهمْ، لئلّا يتحدّث النّاس أنّهُ يقتل أصحابه فينفروا. (١) رواه عبد الرزاق [١٨٣٠٤]. (٢) أسد الغابة [١ / ٨٧٣]. (٣) رواه البخاري [٣٤٠٥] ومسلم [١٠٦٢] واللفظ له. ٦٧٨ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيهِ: أنَّ أهل الفضل قدْ يغضبهمْ ما يقال فيهمْ ممّا ليسَ فيهمْ، ومعَ ذلكَ فيتلقّونَ ذلكَ بالصّبِرِ، والحلم كما صنعَ النّبيّ وَّ اقتداءً بموسى عَلَيْهِالسَلامُ(١). وكان هدي النبي ◌َّ في المنافقين يقوم على كشف صفاتهم وأعمالهم أكثر من التركيز على معرفة أعيانهم وأسمائهم: وقد سبق معنا أن أسماء بعض المنافقين كانت تخفى على النبيِّ وَّةِ، ولكنَّ خفاءَ أسمائهم لا يعني خفاءَ علاماتهم وصفاتهم، بل هم معروفون للصحابة والنبيِّ يَّ﴿ إِمّا بأعيانهم، أو بعلاماتهم. قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ فَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ الْقَوْلِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ ﴾ [محمد: ٣٠]. قال الحافظ ابن كثير: ((يقول تعالى: ولو نشاء يا محمد لأريناكَ أشخاصهم، فعرفتهم عياناً. ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين؛ ستراً منه على خلقه، وحملاً للأمور على ظاهر السلامة، وردّاً للسرائر إلى عالمها. ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِ لَحْنِ الْقَوْلِ﴾، أي: فيما يبدو من كلامهم، الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أيِّ الحزبين هو، بمعاني كلامه، وفحواه، وهو المراد من لحنِ القول)) (٢). والصحابة رَ عنهم وإن لم يعلموا بعض المنافقين بأعيانهم، إلا أنهم كانوا يعرفونهم بصفاتهم. ومن ذلك قول عبد الله بن مسعود رَّ ◌َنهُ وهو يتحدّثُ عن صلاة الجماعة: ((ولقدْ رأيتنا وما يتخلّفُ عنها إلّا منافقٌ معلومُ النّفاقِ))(٣). وقول كعب بن مالك رَ عَنهُ وهو يحكي قصة تخلفه عن غزوة تبوك: ((فطفقتُ إذا خرجتُ في النّاسِ بعدَ خروجٍ رسولِ الله ◌َّ يحزنني أنّي لا أرى لي أسوةً إلّا رجلاً مغموصاً عليهِ في النّفاقِ، أَوْ رجلاً مَّنْ عذرَ الله منْ الضّعفاءِ(٤). (١) ينظر: فتح الباري [٥٦/٨]، [٥١٢/١٠]. (٢) تفسير ابن كثير [٣٢١/٧]. (٣) رواه مسلم [٦٥٤]. (٤) رواه البخاري [٤٤١٨]، ومسلم [٢٧٦٩]. ٦٧٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة مغموصاً: أيْ مطعوناً عليهِ في دينه متّهماً بالنّفاقِ(١). فإنه ظاهرٌ في معرفة الصحابة لهؤلاء المنافقين بصفاتهم، ومواقفهم، ولحن قولهم. وهذا من تمام حكمة الله، بأن بقي الأمر مربوطاً بصفات وعلامات حتى يحذرها المؤمن، ويخافها في كل زمان ومكانٍ. ومن تأمّل صفات المنافقين الموجودة في سور: التوبة، والمنافقين، والنور، والبقرة، والنساء، والأحزاب، وغيرها من السّور؛ لوجدها موجودة في كثير من الكتّاب، والصحفيّين، والممثّلين الذين يتكلمون الآن على الملأ، نجد في مقالاتهم وتصريحاتهم وتلميحاتهم نفس كلام المنافقين الأولين، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ اُلْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. فكان النبيُّ ◌َّه يذكر صفاتهم؛ ليعلمهم الناسُ، ويحذروا منهم: • فمن صفات المنافقين التكاسل عن صلاة الفجر والعشاء: عن أبي هريرةَ رَّ عَنْهُ قالَ: قالَ النّبِيُّ وَّهِ: ((ليسَ صلاةٌ أثقلَ على المنافقينَ منَ الفجرِ والعشاءِ، ولوْ يعلمونَ ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) (٢). قال ابن رجب: ((وإنما ثقلت هاتان الصلاتان في المساجد على المنافقين أكثر من غير هما من الصلوات؛ لأن المنافين كما وصفهم الله في القرآن: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُؤَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَإِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: ١٤٢]، والمرائي إنما ينشطُ للعمل إذا رآه النّاس، فإذا لمْ يشاهدوه ثقل عليهِ العمل. وقد كانَ النّبيُّ ◌َّ يصلّي هاتين الصلاتين في الظلام، فإنه كانَ يغلس بالفجر غالباً، ويؤخّرُ العشاء الآخرة، ولم يكن في مسجده حينئذٍ مصباحٌ، فلمْ يكن يحضر معهُ هاتين الصلاتين إلا مؤمنٌ يحتسبُ الأجر في شهودهما، فكان المنافقون يتخلفون عنهما، ويظنّون أن ذلكَ يخفى على النّبِيِّ وٍَّ)(٣). (١) فتح الباري [١/ ١٦٣]. (٢) رواه البخاري [٦٥٧] ومسلم [٦٥١]. (٣) فتح الباري لابن رجب [٥ / ٢٣].