النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤٠
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَرَهُمْ
اُلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٢-٢٤] (١).
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ
٢٣
وكان يستعمل الحجج العقليّة لإقناع السائل:
عن أنسِ بنِ مالكِ رَتْهُ أَنَّ رجلاً قالَ: يا نبيَّ الله كيفَ يحشرُ الكافرُ على وجههِ؟.
قالَ: ((أليسَ الّذِي أمشاهُ على الرّجلينِ في الدّنيا قادراً على أنْ يمشيهُ على وجهِهِ يومَ
القيامةِ؟» قالَ قتادةُ: بلى وعزّةِ ربّنا(٢).
قال الحافظ: ((والحكمة في حشر الكافر على وجهه أنّهُ عوقبَ على عدم السّجودِ لله في
الدّنيا بأنْ يسحبَ على وجهه في القيامةِ، إظهاراً لهوانِهِ بحيثُ صارَ وجههُ مكانَ يدهِ ورجله
في التّوقّي عنِ المؤذياتِ)) أ.هـ(٣).
وعنِ ابنِ عبّاسٍ رَ عَنْه)، أنَّ امرأةً أتتْ رسولَ الله ◌َِّ فقالتْ: إنَّ أمّي ماتتْ، وعليها
صومُ شھرٍ.
فقالَ: ((أرأيتٍ لوْ كانَ عليها دينٌ أكنتِ تقضينهُ؟».
قالتْ: نعمْ.
قالَ: ((فدينُ الله أحقُّ بالقضاءِ))(٤).
وعنْ عطاءِ بنِ يسارِ أنَّ رسولَ الله ◌ََّ سألهُ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ الله أستأذنُ على أمّي.
فقالَ: ((نعمْ)).
قالَ الرّجلُ : إنّ معها في البيتِ.
فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((استأذنْ عليها)).
(١) رواه البخاري [٥٩٨٧]، ومسلم [٢٥٥٤].
(٢) رواه البخاري [٤٧٦٠] ومسلم [٢٨٠٦].
(٣) فتح الباري [٣٨٣/١١].
(٤) رواه البخاري [١٩٥٣]، ومسلم [١١٤٨]، واللفظ له.

٥٤١
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
فقالَ الرّجلُ : إنّ خادمها.
فقالَ لهُ رسولُ الله ◌َّ: «استأذنْ عليها، أتحبُّ أنْ تراها عريانةً؟)).
قالَ: لا.
قالَ: ((فاستأذنْ عليها))(١).
قال الباجي: ((ويستأذنُ الرّجلُ على أمّهِ وذواتٍ محارمِهِ، وكلٍّ منْ لا يحلُّ لهُ النّظرُ
إلى عورتهِ، ولذلكَ قالَ النّبِيُّ ◌َ﴿ للّذي سألهُ عنْ الاستئذانِ على أمّهِ: «أتحبُّ أنْ تراها
عريانةً؟)) ... ومعناهُ - والله أعلم - أنّهُ إذا لمْ يستأذنْ عليها فقدْ يفجؤها، فيراها عريانةً، فأمّا
الزّوجةُ أَوْ الأمةُ الّتي يحلُّ لهُ النّظرُ إلى عورتها فلهُ الدّخولُ عليها دونَ استئذانٍ))(٢).
وعنْ أبي أمامةَ رََّنهُ قالَ: إِنَّ فَتَّى شابّاً أتى النّبِيَّ وَِّ، فقالَ: يا رسولَ الله، ائذنْ لي
بالزّنا. فأقبلَ القومُ عليهِ، فزجروهُ. قالوا: مهْ مهْ.
فقالَ: ((ادنهْ)). فدنا منهُ قريباً.
قالَ: فجلسَ. قالَ: ((أتحبّهُ لأمّكَ؟)).
قالَ: لا والله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: (ولا النّاسُ يحبّونهُ لأمّهاتهمْ)). قالَ: ((أفتحبّهُ لابنتكَ؟)).
قالَ: لا والله يا رسولَ الله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: ((ولا النّاسُ يحبّونهُ لبناتهمْ)). قالَ: ((أفتحبّهُ لأختكَ؟)).
قالَ: لا والله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: ((ولا النّاسُ يحبّونهُ لأخواتهمْ)). قالَ: ((أفتحبّهُ لعمّتكَ؟)).
(١) رواه مالك في الموطأ [١٧٩٦] عن عطاء مرسلا، وقال ابن عبد البر: وهو مرسل صحيح مجتمع على صحة
معناه. التمهيد [٢٢٩/١٦].
(٢) المنتقى شرح الموطإ [٢٨٤/٧].

٥٤٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ: لا والله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: ((ولا النّاسُ يحبّونهُ لعَّاتِهِمْ)). قالَ: ((أفتحبّهُ لخالتكَ؟)).
قالَ: لا والله، جعلني الله فداءكَ.
قالَ: ((ولا النّاسُ يحبّونهُ لخالاتهمْ)).
قالَ: فوضعَ يدهُ عليهِ، وقالَ: ((اللهمَّ اغفرْ ذنبهُ، وطهّرْ قلبهُ، وحصّنْ فرجهُ)). فلمْ يكنْ
بعدُ ذلكَ الفتى يلتفتُ إلى شيءٍ (١).
وكان يكره السؤال عما لا فائدة فيه، ويكره التنطع والغلوَّ في السؤال:
عنْ أبي موسى رََّّهُ قالَ: سئلَ النّبِيُّ ◌َّهِ عِنْ أشياءَ كرهها، فلما أكثرَ علیهِ غضبَ، ثمَّ
قالَ للنّاسِ: ((سلوني عّا شئتمْ، لا تسألوني عنْ شيءٍ إلّا بيّنتُ لکمْ)).
فقالَ رجلٌ: منْ أبي(٢)؟
قالَ: ((أبوك حذافةٌ)).
فقامَ آخرُ، فقالَ: منْ أبي يا رسولَ الله؟
فقالَ: ((أبوكَ سالمٌ مولى شيبةً)).
قالَ أنس: فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فلا أرى كلّ رجل إلّا قدْ دسَّ رأسه في ثوبه يبكي.
فلمّا رأى عمرُ ما في وجههِ قالَ: يا رسولَ الله، إنّا نتوبُ إلَى الله عَُّجَّ(٣).
وفي رواية للبخاري (٩٣): أنَّ عمر بركَ على ركبتيهِ وقالَ: رضينا بالله ربّاً وبالإسلامِ
ديناً وبمحمّدٍ نبيّاً، فسكتَ.
وكانَ قتادةُ يذكرُ هذا الحديثَ عندَ هذهِ الآيةِ: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن
تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
(١) رواه أحمد [٢١٧٠٨]، وصححه الألباني في الصحيحة [٣٧٠].
(٢) وكانَ إذا لاحى - أي: خاصم - يدعى إلى غير أبيهِ.
(٣) رواه البخاري [٩٢] ومسلم [٢٣٦٠].

٥٤٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَّالَّ عليّ ◌ِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
وعن المغيرةِ بنِ شعبةَ قال: سمعتُ النّبِيَّ وَلَه يقولُ: ((إنَّ اللهَ كره لكمْ ثلاثاً: قيلَ وقالَ،
وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السّؤالِ)»(١).
قالَ ابن عبد البرِّ: ((أكثر العلماء على أنَّ المراد كثرة السّؤال عنِ النّوازل والأغلوطات
والتّوليدات))(٢).
وعنْ أبي هريرةَ رَنهُ أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((منْ حسن إسلام المرء تركهُ ما لا يعنيهِ))(٣).
وكان يرفع صوته بالجواب ليسمع السائل:
عن صفوانَ بنِ عسّالِ المرادِيِّ رَعَنْهُ قال: كنّا معَ النّبِّ ◌َّه في سفرٍ، فبينا نحنُ عندهُ إِذْ
ناداهُ أعرابيٌّ بصوتٍ لهُ جهوريٌّ: یا محمّدُ.
فأجابهُ رسولُ اللهِوَّ نحواً منْ صوتِهِ: ((هاؤمُ)).
فقلنا لهُ: ويحكَ اغضضْ منْ صوتكَ؛ فإنّكَ عندَ النّبِّنَِّ، وقدْ نهيتَ عنْ هذا.
فقالَ: والله لا أغضضُ.
قالَ الأعرابيُّ: المرءُ يحبُّ القومَ، ولمّا يلحقْ بهمْ.
قالَ النّبيُّ ◌ََّ: ((المرءُ معَ منْ أحبَّ يومَ القيامةِ)) (٤).
وكان يحذّرُ من التحايل على الفتوى:
عنْ جابرِ بنِ عبدِ الله أنّهُ سمعَ رسولَ اللهَوََّعامَ الفتحِ وهوَ بمكّةَ يقولُ: ((إنَّاللهَ عَرَجَلَّ
ورسولهُ حرّمَ بيعَ الخمرِ، والميتةِ، والخنزيرِ، والأصنامِ)).
فقيلَ: يا رسولَ الله، أرأيتَ شحومَ الميتةِ؟ فإنّهُ يطل بها السّفنُ، ويدّهنُ بها الجلودُ،
ويستصبحُ بها النّاسُ.
(١) رواه البخاري [١٤٧٧] ومسلم [٥٩٣]
(٢) فتح الباري [١٣/ ٢٧٠] بتصرف.
(٣) رواه الترمذي [٢٣١٧]، وابن ماجة [٣٩٧٦]، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٢٢٩].
(٤) رواه الترمذي [٣٥٣٥]، وقال الألباني: ((حسن صحيح)). التعليقات الحسان [١٣١٨].

٥٤٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ: ((لا. هوَ حرامٌ)).
فقالَ رسولُ الله ◌َِّ عندَ ذلكَ: «قاتلَ الله اليهودَ. إِنَّاللهَ عَّوَجَّ لَمَا حَرّمَ عليهمُ الشّحومَ
جملوهُ [أي: أذابوه]، ثمَّ باعوهُ، فأكلوا ثمنهُ))(١).
وعنْ أبي هريرةَ رَّ ◌َتْهُ أَنَّ رسولَ الله وَّ قالَ: «لا ترتكبوا ما ارتكبتِ اليهودُ؛ فتستحلّوا
محارمَ الله بأدنى الحيلِ))(٢).
وقد حذّرنا الله تعالى في كتابه من التحايل على شرعه فيما ضربه لنا من قصص بني
إسرائيل. قال تعالى: ﴿وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ
فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونٌَ لَا تَأْتِيهِمُّ
كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًاْ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ
مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ (٦٤) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنْجَيْنَا
فَلَمَّا عَتَوْاْ
اُلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٥)
عَن مَا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ ﴾ [الأعراف: ١٦٣ -١٦٦].
قال ابنُ كثير: ((وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوا من الأسباب
الظاهرةِ التي معناها في الباطن تعاطي الحرام)) (٣).
وقال السعدي: ((تحيّلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفراً، وينصبون لها الشّباكَ، فإذا
جاء يومُ السبتِ، ووقعت في تلك الحفر والشباك؛ لم يأخذوها في ذلك اليوم، فإذا جاء يومُ
الأحد أخذوها)) (٤).
(١) رواه البخاري [٢٢٣٦] ومسلم [١٥٨١].
(٢) رواه ابن بطة في إبطال الحيل [١/ ٤٧]، وحسّنه ابن تيميّة في مجموع الفتاوى [٢٩/٢٩]، وابن القيم في حاشيته
على سنن أبي داود [٢٤٤/٩]، وقال ابن كثير في تفسيره [١/ ٢٩٣]: ((إسناده جيّد))، واختلف فيه قول الألباني،
فقال في الضعيفة [٦٠٨/١]: ((وإسناده جيّدٌ كما قال الحافظ ابن كثير في تفسيره، وغيره في غیره))، وضعفه في
غاية المرام [١١].
(٣) تفسير ابن كثير [٤٩٣/٣].
(٤) تفسير السعدي [٣٠٦/١].

٥٤٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لّ ◌َلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
وكان مَّه يكره السؤال عما لم يقع:
عن سهل بن سعد رَضّعَنْهُ قال: جاء عويمر العجلانيّ إلى عاصمِ بنِ عديِّ الأنصاريِّ
فقالَ لهُ: يا عاصمُ أرأيتَ رجلاً وجدَ معَ امرأتهِ رجلاً أيقتلهُ، فتقتلونهُ، أمْ كيفَ يفعلُ؟
سلْ لي يا عاصمُ عنْ ذلكَ رسولَ الله ◌ِ﴾
فسألَ عاصمٌ رسولَ الله ◌َّه عنْ ذلكَ، فكرهَ رسولُ اللهِ وَّه المسائلَ وعابها.
حتّى كبرَ على عاصمِ ما سمعَ منْ رسولِ الله وَّ.
فلّا رجعَ عاصمٌ إلى أهلهِ، جاءهُ عويمرٌ فقالَ يا عاصمُ: ماذا قالَ لكَ رسولُ الله ◌َّ؟
فقالَ عاصمٌ: لمْ تأتني بخيرٍ؛ قدْ كرهَ رسولُ الله ◌َّهِ المسألةَ الّتي سألتهُ عنها.
فقالَ عويمرٌ: والله لا أنتهي حتّى أسألَ رسولَ الله وَّةٍ عِنْ ذلكَ.
فأقبلَ عويمرٌ حتّى جاءَ رسولَ اللهِوَّهِ وسطَ النّاسِ، فقالَ: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلاً
وجدَ معَ امرأتهِ رجلاً أيقتلهُ، فتقتلونهُ، أمْ كيفَ يفعلُ(١)؟
فقالَ رسولُ اللهِوَّ: «قَدْ أنزلَ فيكَ وفي صاحبتكَ، فاذهبْ فأتِ بها)). فأمرهما
رسولُ اللهِ وَّ بالملاعنةِ بما سمّى الله في كتابهِ فلا عنها [في المسجد].
ثمَّ قالَ: يا رسولَ الله إنْ حبستها فقدْ ظلمتها [وفي رواية: كذبت عليها] فطلّقها [ثلاثاً
قبلَ أنْ يأمرهُ رسولُ اللهِّه].
قالَ ابنُ شهابٍ: فكانتْ السّنّةُ بعدهما أنْ يفرّقَ بينَ المتلاعنينِ وكانتْ حاملاً، وكانَ ابنها
يدعى لأمّهِ، ثمَّ جرتْ السّنّةُ في ميراثها أنّها ترثهُ ويرثُ منها ما فرضَ الله لهُ.
(١) وفي رواية لمسلم أنه قالَ: أرأيت إنْ وجدَ رجل معَ امرأته رجلًا، فإنْ تكلّمَ بهِ تكلّمَ بأمرٍ عظيم، وإنْ سكتَ
سكتَ علی مثل ذلكَ.
وفي رواية لمسلم أيضاً: ((إنْ تكلّمَ جلدتموهُ، أوْ قتلَ قتلتموهُ، وإنْ سكتَ سكتَ على غيظ)).
وفي رواية لمسلم أيضاً: قالَ: ((إنَّ الّذي سألتك عنهُ قدْ ابتليت بهِ)).

٥٤٦
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ثمَّ قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((انظروا فإنْ جاءتْ بهِ أسحمَ (١) أدعجَ العينِن(٢) عظيمَ الأليتين،
خدّجَ السّاقينِ(٣) فلا أحسبُ عويمراً إلاّ قدْ صدقَ عليها.
وإنْ جاءتْ بهِ أحيمرَ (٤) قصيراً كأنّهُ وحرةٌ(٥) فلا أحسبُ عويمراً إلّا قدْ كذبَ عليها)».
فجاءتْ بِهِ على النّعتِ الّذي نعتَ بهِ رسولُ الله ◌َل﴿ مِنْ تصديقِ عويمرٍ، فكانَ بعدُ
ينسبُ إلى أمّهِ (٦).
قالَ النّوويُّ: «قوله: ((فكرهَ رسول الله وَّه المسائل وعابها)) المراد كراهة المسائل الّتي لا
يحتاج إليها لا سيّما ما كانَ فيهِ هتك ستر مسلم أوْ مسلمة أوْ إشاعة فاحشة أوْ شناعة على
مسلم أوْ مسلمة.
أمّا إذا كانتِ المسائل ممّا يحتاج إليهِ في أمور الدّين وقدْ وقعَ فلا كراهة فيها.
وقدْ كانَ المسلمونَ يسألونَ رسول الله ◌َّهِ عنِ الأحكام الواقعة، فیجیبھمْ، ولا یکرهها.
وإنّما كانَ سؤال عاصم في هذا الحديث عنْ قصّة لمْ تقع بعد ولمْ يحتجْ إليها، وفيها شناعة
على المسلمينَ والمسلمات، وتسليط اليهود والمنافقينَ، ونحوهمْ على الكلام في أعراض
المسلمينَ وفي الإسلام)).اهـ(٧).
وقد اتبعَ السلفُ هذا الهدي النبويَّ:
فعنْ مسروقٍ قالَ: سألتُ أبيّ بنَ كعبٍ عنْ مسألةٍ.
(١) أي: أسود.
(٢) الدّعجةُ هي السّوداءُ في العين وغيرها، أي: أنَّ سوادَ عينيهِ كانَ شديدَ السّوادِ، وقيلَ الدّعجُ شدّةُ سوادِ العِين
في شدّةِ بياضها.
(٣) أيْ ممتلئ السّاقين وعظيمهما.
(٤) تصغير ((أحمر))، والمراد بالأحمرِ الأبيض، لأنَّ الحمرة إنّما تبدو في البياض.
(٥) الوحرة: من نوع الوزغ.
(٦) رواه البخاري [٤٧٤٥] ومسلم [١٤٩٢].
(٧) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢٠/١٠].

٥٤٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَلَاللَّهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
فقالَ لي: أكانتْ؟
قلتُ: لا.
قالَ: فأجّني(١) حتّى تكونَ(٢).
وعنْ خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ، قالَ: سئلَ زيدُ بنُ ثابتٍ، عنْ شيءٍ فقالَ: أكانَ هذا؟
فقيلَ: لا. فقالَ: دعهُ حتّى يكونَ(٣).
لكنه كان يجيبُ عما يتوّقع وقوعه، أو ينتظر؛ لأنه كالواقع.
إنما كره السؤال عما لم يقع لأنه من التكلف، وهو رَّه لم يكن من المتكلفين كما قال تعالى:
﴿ قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ وَمَا أَنَاْ مِنَ اُْكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦].
أمّا ما يتوقّعُ حصوله فالسؤال عنه مهمٌّ؛ لنعرف التصرف الشرعيَّ حال وقوعه.
عن حذيفةَ بِ اليمانِ رَنْهُ قال: كانَ النّاسُ يسألونَ رسولَ اللهِلَّهِ عنِ الخيرِ، وكنتُ
أسألهُ عنِ الشّرِّ مخافةَ أنْ يدركني.
فقلتُ: يا رسولَ الله إنّا كنّا في جاهليّةٍ وشرِّ، فجاءنا الله بهذا الخيرِ، فهلْ بعدَ هذا الخيرِ
شرّ؟ قالَ: ((نعمْ)).
فقلتُ: هلْ بعدَ ذلكَ الشّرِّ منْ خيرٍ؟
قالَ: «نعمْ، وفیهِ دخنٌ)).
قلتُ: وما دخنهُ؟
قالَ: ((قومٌ يستنّونَ بغيرِ سنّتي، ويهدونَ بغيرِ هدبي، تعرفُ منهمْ وتنكرُ)).
فقلتُ: هلْ بعدَ ذلكَ الخيرِ منْ شرِّ؟
(١) أي: أرحني.
(٢) رواه ابن بطة في الإبانة [٣١٦]، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله [٢٠٥٧].
(٣) رواه ابن بطة في الإبانة [٣١٨].

٥٤٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ: ((نعمْ دعاةٌ على أبوابٍ جهنّمَ منْ أجابهمْ إليها قذفوهُ فيها».
فقلتُ: يا رسولَ الله صفهمْ لنا.
قالَ: «نعمْ قومٌ منْ جلدتنا، ويتكلّمونَ بألسنتنا».
قلتُ: يا رسولَ الله، فما ترى إنْ أدركني ذلكَ؟
قالَ: ((تلزمُ جماعةَ المسلمينَ وإمامهمْ)).
فقلتُ: فإنْ لمْ تكنْ لهمْ جماعةٌ ولا إمامٌ.
قالَ: «فاعتزلْ تلكَ الفرقَ كلّها، ولوْ أنْ تعضَّ على أصلِ شجرةٍ حتّى يدرككَ الموتُ،
وأنتَ على ذلكَ))(١).
وعنْ رافعٍ بِنِ خديجِ رَتْهُ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنّا لاقو العدوِّ غداً، وليستْ معنا
مدی.
قالَ وَّهِ: ((أعجلْ، أوْ أرني، ما أنهرَ الدّمَ، وذكرَ اسمُ الله فكلْ، ليسَ السّنَّ والظّفرَ.
وسأحدّثكَ عنْ ذلكَ: أمّا السّنُّ فعظمٌّ، وأمّا الظّفرُ فمدى الحبشةِ))(٢).
وكان يخبرُ أصحابه ببعض ما سيكون من مخالفات؛ ليسألوه فيعلّمهم كيف يتصرّفون
فيها:
عنْ أبي ذرِّ الغفاري رَ عَنهُ قالَ: قال لي رسولُ الله: «كيفَ أنتَ إذا كانتْ عليكَ أمراءُ
يؤخّرونَ الصّلاةَ عنْ وقتها، أوْ يميتونَ الصّلاةَ عنْ وقتها؟».
قالَ: قلتُ: فما تأمرني؟
قالَ: ((صلِّ الصّلاةَ لوقتها، فإنْ أدركتها معهمْ فصلِّ؛ فإنّها لكَ نافلةٌ)) (٣).
(١) رواه البخاري [٣٦٠٦]، ومسلم [١٨٤٧]، واللفظ له.
(٢) رواه البخاري [٢٤٨٨] ومسلم [١٩٦٨].
(٣) رواه مسلم [٦٤٨].

٥٤٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قال النووي: ((معنى ((يميتونَ الصّلاة)): يؤخّرونها؛ فيجعلونها كالميّتِ الّذي خرجتْ
روحه.
والمراد بتأخيرها عن وقتها أيْ: عنْ وقتها المختار، لا عنْ جميع وقتها، فإنَّ المنقول عنِ
الأمراء المتقدّمينَ والمتأخّرِينَ إنّما هوَ تأخيرها عنْ وقتها المختار، فوجبَ حمل هذهِ الأخبار
على ما هوَ الواقع))(١).
وإذا سئلَ وَّل عن شيء لا يعلمه لم يجب السائل:
عن جابرَ بنَ عبدِ الله ◌َّعَنْهَا قالَ: مرضتُ، فأتاني رسولُ الله ◌َ﴿ وأبو بكرٍ يعوداني ماشيينِ.
فأغميَ عليَّ، فتوضّاً ثمَّ صبَّ عليَّ منْ وضوئِهِ.
فأفقتُ، قلتُ: يا رسولَ الله كيفَ أقضي في مالي؟ ولي أخواتٌ.
فلمْ يردَّ عليَّ شيئاً، ثمَّ خرجَ وتركني.
حتّى نزلتْ آيَةُ الميراثِ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ إِنِ أَمْرُاْ هَكَ لَيْسَ لَهُ.
وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَّ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَمْ يَكُن لََّا وَلَدٌّ فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ
◌َِّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةَ رِّجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلَذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنََّيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [النساء: ١٧٦](٢).
الكلالةُ: الميّتُ الّذي لا ولدَ لهُ ولا والدَ يرثانِهِ، وهوَ قولُ جمهورِ اللّغويّينَ.
وقيل: الّذي لا ولدَ لهُ فقطْ.
وقيل: منْ لا يرثهُ أبٌّ ولا أمُّ(٣).
وقد بوّب البخاري رَحِمَةُ للَّهُ لهذا الحديث: باب: ما كانَ النبيِ لّه يسألُ مَّا لمْ ينزلْ عليهِ
الوحىُّ فيقولُ ((لاَ أدرى)) أوْ لمْ يجبْ حتّى ينزلَ عليهِ الوحي.
(١) شرح النووي على صحيح مسلم [٥/ ١٤٧].
(٢) رواه البخاري [١٩٤]، ومسلم [١٦١٦].
(٣) عون المعبود [٨/ ٦٧].

٥٥٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وربما سكت النبي ◌َّ انتظاراً لنزول الوحي بالإجابة:
عن صفوان بن يعلى عنْ أبيهِ رَلَّهُ قالَ: كنّا معَ رسولِ الله ◌َّهِ فأتاهُ رجلٌ وهوَ بالجعرانةِ،
وعليهِ جبٌّ، وعليهِ أثرُ الخلوقِ(١).
فقالَ: يا رسولَ الله إنّ أحرمتُ بعمرةٍ، فكيفَ تأمرني أنْ أصنعَ في عمرتي؟.
فسكتَ عنهُ فلمْ يرجعْ إليهِ، فأنزلَ الله على النّبِّوَّةِ، وكانَ عمرُ يسترهُ إذا أنزلَ عليهِ
الوحيُّ يظلّهُ.
وكانَ يعلى يقولُ: وددتُ أنّي أرى النّبِيَّ وَّه وقدْ نزلَ عليهِ الوحيُّ.
فقالَ عمرُ: تعالَ، أيسرّكَ أنْ تنظرَ إلى النّبِّ وَّه وقدْ أنزلَ الله عليهِ الوحيَ.
قلتُ: نعمْ.
فرفعَ طرفَ الثّوبِ، فنظرتُ إليهِ لهُ غطيطٌ كغطيطِ البكرِ (٢).
فلّا سرّيَ عنهُ قالَ: «أينَ السّائلُ عنِ العمرةِ؟ انزعْ عنكَ جبّتْكَ، واغسلْ أثرَ الخلوقِ
الّذي بكَ، واصنعْ في عمرتكَ كما تصنعُ في حجّكَ))(٣).
من فوائد الحدیث:
فيهِ: دليل للقاعدةِ المشهورة: أنَّ القاضي والمفتي إذا لمْ يعلم حكم المسألة أمسكَ عنْ
جوابها حتّى يعلمهُ أوْ يظنّهُ بشرطه.
وفيهٍ: تحريمُ الطّيبِ على المحرم ابتداءً ودواماً؛ لأنّهُ إذا حرمَ دواماً فالابتداء أولى
بالتّحریمِ.
وفيهِ: أنَّ العمرة يحرم فيها منَ الطّيب واللّباس وغيرهما منْ المحرّمات ما يحرم في الحجّ.
(١) وهوَ نوع منَ الطّب یعمل فيهِ زعفران.
(٢) الغطيط: هوَ كصوتِ النّائم الّذي يردّدهُ معَ نفسه، والبكر: هوَ الفتيّ منْ الإبل.
(٣) رواه البخاري [١٧٨٩]، ومسلم [١١٨٠].

٥٥١
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
وفيهِ: أنَّ منْ أصابهُ طيب ناسياً أو جاهلاً ثمَّ علمَ وجبتْ عليهِ المبادرة إلى إزالته.
وفيهِ: أنَّ منْ أصابهُ في إحرامه طيب ناسياً أو جاهلاً لا كفّارة علیهِ.
وفيهِ: أنَّ منَ الأحكام الّتي ليستْ في القرآن ما هوَ بوحيٍ لا يتلى(١).
وعن عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاصِ قال: جاءَ رجلٌ أعرابيٌّ جافٍ جريءٌ، فقالَ:
يا رسولَ الله أينَ الهجرةُ إليكَ: حيثما كنتَ أمْ إلى أرضٍ معلومةٍ، أوْ لقومٍ خاصّةً، أمْ إذا متَّ
انقطعتْ؟
فسكتَ رسولُ اللهِوَّه ساعةً، ثمَّ قالَ: «أينَ السّائلُ عنِ الهجرةِ؟».
قالَ: ها أنا ذا يا رسولَ الله.
قالَ: ((إذا أقمتَ الصّلاةَ، وآتيتَ الزّكاةَ، فأنتَ مهاجرٌ، وإنْ متَّ بالحضرمةٍ))(٢).
ثُمَّ قامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ الله، أرأيتَ ثيابَ أهلِ الجنّةِ: أتنسجُ نسجاً، أمْ تشقّقُ منْ
ثمرِ الجنّةِ؟
فكأنَّ القومَ تعجّبوا منْ مسألةِ الأعرابيِّ.
فقالَ: ((ما تعجبونَ، منْ جاهلٍ يسألُ عالماً؟)).
قالَ: فسكتَ هنيّةً، ثمَّ قالَ: ((أينَ السّائلُ عنْ ثيابِ الجنّةِ؟)).
قالَ: أنا.
قالَ: ((لا، بلْ تشقّقُ منْ ثمرِ الجنّة)(٣).
وأحياناً يصرف السائل إلى شيء يفيده:
كما سئلِوَّهِ: متى السّاعةُ؟
فأجاب: ((ويلكَ وما أعددتَ لها؟)). الحديث. وقد سبق.
(١) شرح النووي على صحيح مسلم [٧٨/٨].
(٢) يعني أرضاً باليمامةِ.
(٣) رواه أحمد [٦٨٥١]، وقال الهيثمي: ((رجاله ثقات)). مجمع الزوائد [١٠/ ٧٦٧].

٥٥٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان مَّيّ يقبل من المستفتي أن يراجعه:
عنْ خولة بنتِ ثعلبةَ رَّعَنْها قالتْ: والله فيَّ، وفي أوسِ بنِ صامتٍ أنزلَ الله عََّجَلَّ صدرَ
سورة المجادلةِ.
قالتْ كنتُ عندهُ، وكانَ شيخاً كبيراً قدْ ساءَ خلقهُ وضجرَ. قالتْ: فدخلَ عليَّ يوماً،
فراجعتهُ بشيءٍ، فغضبَ، فقالَ: أنتِ عليَّ كظهرٍ أمّي.
قالتْ: ثمَّ خرجَ، فجلسَ في نادي قومِهِ ساعةً، ثمَّ دخلَ عليَّ، فإذا هوَ يريدني على نفسي.
قالتْ: فقلتُ: كلّا والّذي نفسُ خويلةَ بيدهِ لا تخلصُ إليَّ، وقدْ قلتَ ما قلتَ حتّى
یحکمَ الله ورسولهُ فینا بحکمهِ.
قالتْ: فواثبني، وامتنعتُ منهُ، فغلبتهُ بما تغلبُ بِهِ المرأةُ الشّيخَ الضّعيفَ، فألقيتهُ عنّي.
قالتْ: ثمَّ خرجتُ إلى بعضٍ جاراتي، فاستعرتُ منها ثيابها، ثمَّ خرجتُ حتّى جئتُ
رسولَ الله ◌َّةِ، فجلستُ بينَ يديهِ، فذكرتُ لهُ ما لقيتُ منهُ، فجعلتُ أشكو إليهِ مَّ ما ألقى
منْ سوءِ خلقهِ.
قالتْ: فجعلَ رسولُ اللهِ وَّه يقولُ: ((يا خويلةُ، ابنُ عمّكِ شيخٌ كبيرٌّ؛ فاتّقي اللهَ فيهِ)).
قالتْ: فوالله ما برحتُ حتّى نزلَ فيَّ القرآنُ، فتغشّى رسولُ اللهِوَِّ مَا كانَ يتغشّاهُ، ثمَّ
سرّيَ عنهُ، فقالَ لي: ((يا خويلةُ قِدْ أنزلَ الله فيكِ وفي صاحبكِ))، ثمَّ قرأَ عليَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ
اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى ◌ُّجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قولهِ:
﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ -٤].
فقالَ لي رسولُ الله ◌َّ: ((مریهِ، فليعتقْ رقبةً)».
قالتْ: فقلتُ: والله يا رسولَ الله ما عندهُ ما يعتقُ.
قالَ: «فليصمْ شهرینِ متتابعینِ».
قالتْ: فقلتُ: والله يا رسولَ الله إنّهُ شيخٌ كبيرٌ ما بهِ منْ صيامٍ.

٥٥٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ: ((فليطعمْ ستّينَ مسكيناً وسقاً منْ تمرٍ)).
قالتْ: قلتُ والله يا رسولَ الله ما ذاكَ عندهُ.
قالتْ: فقالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((فإنّا سنعينهُ بعرقٍ منْ تمرٍ)».
قالتْ: فقلتُ: وأنا يا رسولَ الله سأعینهُ بعرقٍ آخرَ.
قالَ: ((قدْ أصبتِ، وأحسنتِ، فاذهبي، فتصدّقي عنهُ، ثمَّ استوصي بابنِ عمّكِ خیراً)).
قالتْ: ففعلتُ(١).
وعن عائشةُ رَ عَنْهَا قالتْ: الحمدُ لله الّذي وسعَ سمعهُ الأصواتَ، لقدْ جاءتْ (المجادلةُ)
خولةُ إلى رسولِ الله ◌َّه تشكو زوجها، فكانَ يخفى عليَّ كلامها، وأنا في ناحيةِ البيتِ(٢).
وكان ◌َّه لا يتضجر من السائل، ولو أكثر من الأسئلة، مادام ينتفع بها:
عن أبي كثيرِ السّحيميُّ عنْ أبيهِ قالَ: سألتُ أبا ذرِّ قلتُ: دلّني على عملٍ إذا عملَ العبدُ
بِهِ دخلَ الجنّةَ.
قالَ: سألتُ عنْ ذلكَ رسولَ اللهِوَّةِ، فقالَ: ((يؤمنُ بالله)).
فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّ معَ الإيمانِ عملاً.
قالَ: ((يرضخُ(٣) تما رزقهُ الله)).
قلتُ: وإنْ كانَ معدماً لا شيءَ لهُ؟
قالَ: ((يقولُ معروفاً بلسانِهِ)).
قلتُ: فإنْ كانَ عبِيّاً لا يبلغ عنهُ لسانهُ؟
قالَ: ((فيعينُ مغلوباً)).
(١) رواه أحمد [٢٦٧٧٤] وأبو داود [٢٢١٤]، وصححه الألباني في الإرواء [٢٠٨٧].
(٢) رواه النسائي [٣٤٦٠]، وابن ماجة [١٨٨]، وصححه الألباني في الإرواء [٢٧٦].
(٣) الرّضخُ: العطيّة القليلة. النهاية [٢٢٨/٢].

٥٥٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قلتُ: فإنْ كانَ ضعيفاً لا قدرةَ لهُ؟
قالَ: ((فليصنعْ لأخرقَ)).
قلتُ: وإنْ كان أخرق؟
قال: فالتفت إلى، وقال: ((ما تريدُ أنْ تدعَ في صاحبكَ شيئاً منَ الخيرِ؟ فليدعِ النّاسَ منْ
أذاهُ)). فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّ هذهِ كلمة تيسيرٍ؟
فقالَ وَّ: ((والذي نفسي بيدهِ ما منْ عبدٍ يعملُ بخصلةٍ منها يريدُ بها ما عندَ الله إلّ
أخذتْ بيدهِ يومَ القيامةِ حتّى تدخلُ الجنّةَ))(١).
قال الحافظ: ((وفيه حسنُ المراجعة في السّؤال، وصبر المفتي والمعلّم على التّلميذ ومنْ
یفتیهِ ورفقه بهِ واحتمال کثرة مسائله وتقریراته))(٢).
وربما أجاب المستفتي وهو يخطب على المنبر:
عنْ ابْنِ عمَ رَّهَنَّ ا قَالَ: سألَ رجلٌ رسولَ الله وَّه وهوَ على المنبرِ عنْ أكلِ الضّبِّ؟.
فقالَ: ((لا آكلهُ، ولا أحرّمهُ))(٣).
وفيهِ: إباحةُ أكلِ لحم الضّبِّ؛ لأنّهُ إذا لمْ يحرّمهُ فهوَ حلالٌ؛ لأنَّ الأصلَ في الأشياءِ
الإباحةُ، وعدمُ أكلِهِ لا يدلُّ على تحريمِهِ؛ فقدْ يكونُ ذلكَ لعيافةٍ أوْ غيرها (٤).
فهو مَّ لا يشتهيه طبعاً، ولكنه لا يحرّمه شرعاً.
وربما أمر المستفتي بأخذ جانب الحيطة:
عنْ عقبةَ بنِ الحارثِ رَّعَّهُ أَنّهُ تزوّجَ ابنةَ لأبي إهابٍ بنِ عزيزٍ، فأتتهُ امرأةٌ، فقالتْ: إنّي
قدْ أرضعتُ عقبةَ والّتي تزوّجَ.
(١) رواه ابن حبان [٣٧٤]، وقال الألباني: ((صحيح لغيره)). التعليقات الحسان [١/ ٣٩٤]، وهو في البخاري
[٢٥١٨]، ومسلم [٨٤] مختصراً.
(٢) فتح الباري [١٤٩/٥].
(٣) رواه البخاري [٥٥٣٦]، ومسلم [١٩٤٣].
(٤) طرح التثريب [٣/٦].

٥٥٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
فقالَ لها عقبةُ: ما أعلمُ أنّكِ أرضعتني، ولا أخبرتني(١)!
فأرسلَ إلى آلٍ أبي إهابٍ يسألهمْ.
فقالوا: ما علمنا أرضعتْ صاحبتنا.
فركبَ إلى رسولِ اللهِوَّه بالمدينةِ، فسألهُ، فأعرضَ عنهُ وتبسّمَ.
ثم قالَ رسولُ الله وَّةِ: ((كيفَ وقَدْ قِيلَ؟))(٢).
ففارقها عقبةُ، ونكحتْ زوجاً غيرهُ(٣).
وفيهِ: أن الواجب على المرء أن يجتنب مواقف التّهم والرّيبة وإن كان نقيَّ الذّيلِ بريءَ
السّاحةِ، وأنشدوا:
قدْ قيلَ ذلك إنْ صدقاً وإنْ كذباً فما اعتذاركَ عنْ قولٍ إذا قيلا
وهذا محمولٌ عندَ الأكثرين على الأخذ بالاحتياطِ (٤).
قال ابن بطال: ((قال جمهور العلماء: إن النبي ◌َّ أفتاه بالتحرّز عن الشّبهة، وأمره
بمجانبة الرّيبة خوفاً من الإقدام على فرج قام فيه دليلٌ على أن المرأة أرضعتهما، لكنه لم يكن
قاطعاً ولا قويّاً)) (٥).
وكان يعرضُ عن المستفتي أحياناً إذا كره سؤاله ورجا أن يسكت من دون أن يسكّته:
عنْ وائلٍ ابنِ الحضرميِّ قالَ: سألَ سلمةُ بنُ يزيدَ الجعفيُّ رسولَ الله ◌َّ،
فقالَ: يا نبيَّ الله، أرأيتَ إنْ قامتْ علينا أمراءُ يسألونا حقّهمْ، ويمنعونا حقّنا، فما تأمرنا؟
(١) أيْ قبل ذلكَ، كأنّهُ اتهّمها.
(٢) أي كيف تباشرها وتفضي إليها وقد قيل إنك أخوها من الرضاع فإنه بعيد من المروءة والورع؟ فيض القدير
[٥٩/٥].
(٣) رواه البخاري [٨٨].
(٤) مرقاة المفاتيح [١٠٨/١٠].
(٥) عمدة القاري [١٠٢/٢].

٥٥٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فأعرضَ عنهُ.
ثمَّ سألهُ، فأعرضَ عنهُ.
ثمَّ سألهُ في الثّالثةِ.
فقالَ رسولُ الله ◌َلَ: ((اسمعوا وأطيعوا، فإنّما عليهمْ ما حمّلوا، وعليكمْ ما حمّلتمْ))(١).
((فإنّما عليهمْ ما حمّلوا)) أيْ: ما كلّفوا منَ العدلِ، وإعطاءِ حَقِّ الرّعيّةِ.
((وعليكمْ ما حمّلتمْ)) أيْ: منَ الطّاعةِ والصّبِرِ على البليّةِ(٢).
((أعرض النبيُّ ◌َل عنه، كأنه ◌َّ كره هذه المسائل، وكره أن يفتح هذا الباب، ولكن
أعاد السائل عليه ذلك، فأمر النبي ◌َّل أن نؤدّيَ لهم حقهم، وأن عليهم ما حمّلوا، وعلينا
ما حمّلنا.
فنحنُ حمّلنا السمعَ والطاعةَ، وهم حمّلوا أن يحكموا فينا بالعدل، وألا يظلموا أحداً،
وأن يقيموا حدود الله على عباد الله، وأن يقيموا شريعة الله في أرض الله، وأن يجاهدوا
أعداء الله.
هذا الذي يجبُ عليهم، فإن قاموا به فهذا هو المطلوب، وإن لم يقوموا به، فإننا لا نقول
لهم: أنتم لم تؤدّوا الذي عليكم فلا نؤدّي الذي لكم، يجبُ أن نؤدّي الحقَّ الذي علينا، فنسمع
ونطيع، ونخرج معهم في الجهاد، ونصلّي وراءهم في الجمع والأعيادِ، وغير ذلك))(٣).
وكان ◌َّه يبيّنُ علّة الحكم؛ ليهيّئَ نفس المستفتي لتقبّلِ الحكم ومعرفته بنفسه:
كان من هدي القرآن بيانُ علِ الأحكام ومداركها؛ ليسارعَ المؤمنُ إلى اتّباعها بلا حرجٍ.
قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأمر سبحانه نبيّهُ أن يذكر لهم علّة الحكم قبل الحكم.
(١) رواه مسلم [١٨٤٦].
(٢) تحفة الأحوذي [٦/ ٣٦٨].
(٣) شرح رياض الصالحين للعثيمين [٦٦٦/٣].

٥٥٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
وقد كان النبي وَّ يهِّئُ نفس المستفتي لقبول الحكم، ويمهّدُ للحكم المستغرب بوسائل
شتى لتقريب الحكم للمستفتي، وإقناعه به.
وهذا من أحسن الطرق في الفتوى، حيث يهيئ نفس السائل للحكم حتى يتقبله
بالتسليم؛ عملا بقوله تعالى: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُ وافِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥].
عن سعدٍ بن أبي وقّاصِ رَنهُ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهَوَّهيسألُ عنْ اشتراءِ التّمِرِ
بالرّطبِ.
فقالَ لمنْ حولهُ: ((أينقصُ الرّطبُ إذا يبسَ؟)).
قالوا: نعمْ.
فنهاهُ رسولُ اللهِوَلِّ عِنْ ذلكَ(١).
قال ابن القيم: ((منْ تأمّلَ فتاوى النّبِيِّ وَِّ الّذي قولهُ حجّةٌ بنفسهِ؛ رآها مشتملةً على
التّنبيهِ على حكمةِ الحكمِ ونظيرهِ، ووجهِ مشروعيّتِهِ.
وهذا كما سئلَ عنْ بيعِ الرّطبِ بالتّمرِ فقالَ: ((أينقصُ الرّطبُ إذا جفَّ؟)).
قالوا: نعمْ، فزجرَ عنهُ.
ومنَ المعلومِ أنّهُ كانَ يعلمُ نقصانهُ بالجفافِ، ولكنْ نبّههمْ على علّةِ التّحريمِ وسببِهِ»(٢).
وقالَ القاضي رَحمَةُاللَّهُ: ((ليسَ المراد منْ الاستفهام استعلام القضيّة، فإنّها جليّةٌ مستغنيةٌ
عنْ الاستكشاف، بلِ التّنبيه على أنَّ الشّرط تحقّق المماثلة حال اليبوسة، فلا يكفي تماثل
الرّطب والتّمر على رطوبته ولا على فرض اليبوسة لأنّهُ تخمين)) (٣).
(١) رواه أبو داود [٣٣٥٩]، والترمذي [١٢٢٥]، والنسائي [٤٥٤٥]، وابن ماجة [٢٢٦٤]، وصححه الألباني في
الإرواء [١٣٥٢].
(٢) إعلام الموقعين [٤/ ١٢٣].
(٣) عون المعبود [١٥١/٩].

٥٥٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وقال الباجي: ((لا يخفى على أحدٍ أَنَّ الرّطبَ ينقصُ إذا يبسَ، ولكنّهُ وَّ أرادَ أنْ ينبّهِهمْ
بذلكَ على علّةِ التّحريمِ، وهوَ التّفاضلُ .. فأراد تعليمهم وتقريرهم على أن علة المنع
موجودٌ مسلّمةٌ باتفاقٍ))(١).
وعنْ عمرَ رَوَ عَنهُ قالَ: هششتُ يوماً، فقبّلتُ وأنا صائمٌ، فأتيتُ النّبِيَّ ◌َِّ، فقلتُ:
صنعتُ اليومَ أمراً عظيماً، فقبّلتُ وأنا صائمٌ؟
فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أرأيتَ لوْ تمضمضتَ بماءٍ وأنتَ صائمٌ؟)).
قلتُ: لا بأسَ بذلكَ.
فقالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((فَفيمَ؟))(٢).
يعني: أرأيت لو تمضمضتَ، ثم مججته، أكان يضرُّ شيئاً؟ قال: لا.
قالَ المازريُّ: «فأشارَ إلى فقهٍ بديع، وذلكَ أنَّ المضمضةَ لا تنقضُ الصّومَ، وهيَ أوّل
الشّربِ ومفتاحهُ، كما أنَّ القبلةَ منْ دواعي الجماع ومفتاحهُ.
والشّرب يفسدُ الصّومَ كما يفسدهُ الجماع، وكما ثبتَ عندهمْ أنَّ أوائل الشّرب لا يفسد
الصّيام فكذلكَ أوائل الجماع)) اهـ(٣).
وقالَ النّوويّ: «القبلةُ في الصّوم ليستْ محرّمةً على منْ لمْ تحرّكْ شهوتهُ لكنَّ الأولى لهُ
تركها، وأمّا منْ حرّكتْ شهوتهُ فهيَ حرامٌ في حقّهِ على الأصحّ وقيلَ مكروهة.
ولا خلاف أنّها لا تبطلُ الصّومَ إلّا إِنْ أنزلَ بها))(٤).
عنْ رافعٍ بِنِ خديجٍ رَّهُ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنّا لاقو العدوِّ غداً، وليستْ معنا
مدی.
(١) المنتقى شرح الموطإ [٢٤٣/٤].
(٢) رواه أبو داود [٣٢٨٥]، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٣٥٣٦].
(٣) فتح الباري [٤/ ١٥٢].
(٤) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم [٢١٥/٧].

٥٥٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسًَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ وََّ: «أعجلْ، أوْ أرني، ما أنهرَ الدّمَ، وذكرَ اسمُ الله فكلْ، ليسَ السّنَّ والظّفْرَ.
وسأحدّثكَ عنْ ذلكَ: أمّا السّنُّ فعظمٌ، وأمّا الظّفرُ فمدى الحبشةِ) (١).
((فتّهَ على علّةِ المنعِ منَ التّذكيةِ بهما بكونِ أحدهما عظماً، وهذا تنبيهٌ على عدمِ التّذكيةِ
بالعظامِ؛ إمّا لنجاسةِ بعضها؛ وإمّا لتنجيسِهِ على مؤمني الجنِّ.
ولكونِ الآخِرِ مدى الحبشةِ، ففي التّذكيةِ بها تشبّةٌ بالكفّارِ))(٢).
وعنْ عبدِ الله بنِ مغفّلِ المزنيِّ رَّهُ قَالَ: نهى النّبِيُّ وََّ عنِ الخذفِ(٣)، وقالَ: ((إنّهُ لا
يقتلُ الصّيدَ، ولا ينكأُ العدوّ، وإنّهُ يفقأُ العينَ، ويكسرُ السّنَّ)(٤).
من فوائد الحديث:
فيهِ: النّهيُ عنِ الخذف؛ لأنّهُ لا مصلحة فيهِ، ويخاف مفسدته، ويلتحق بهِ كلّ ما شاركهُ
في هذا.
وفيهِ: أنَّ ما كانَ فيهِ مصلحة، أوْ حاجة في قتال العدوِّ، وتحصيل الصّيد فهوَ جائز(٥).
عنْ يعلى بنِ أمّيّةَ رَهُ قالَ: غزوتُ معَ رسولِ اللهِّهِ غزوةَ تبوكَ، فحملتُ على بكرٍ،
فهوَ أوثُ أعمالي في نفسي.
فاستأجرتُ أجيراً، فقاتلَ رجلاً، فعضَّ أحدهما الآخرَ، فانتزعَ يدهُ منْ فيهِ، ونزعَ ثنيّتُهُ.
فأتى النّبِيَّ ◌ََّ، فأهدرها، فقالَ: ((أيدفعُ يدهُ إليكَ، فتقضمها كما يقضمُ الفحلُ؟))(٦).
((وهذا منْ أحسنِ التّعليلِ وأبينِهِ؛ فإنَّ العاضَّ لَّا صالَ على المعضوضِ؛ جازَ لهُ أنْ يردَّ
صیالهُ عنهُ بانتزاعِ یدهِ منْ فمهِ.
(١) رواه البخاري [٢٤٨٨]، ومسلم [١٩٦٨].
(٢) إعلام الموقعين [١٢٤/٤].
(٣) هوَ رميك حصاة أوْ نواةً تأخذها بيَن سبّابتيك وترمي بها، أوْ تتّخذُ مخذفةً منْ خشبٍ ثمَّ ترمي بها الحصاةَ بيَن
إبهامك والسّابةِ. النهاية [١٦/٢].
(٤) رواه البخاري [٤٨٤٢]، ومسلم [١٩٥٤].
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠٦/١٣].
(٦) رواه البخاري [٢٢٦٦]، ومسلم [١٦٧٤].