النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢٠ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أبي شريحِ رَعنه أنه قال: يا رسولَ الله أخبرني بشيءٍ يوجبُ ليَ الجنّةَ. قالَ: ((طيبُ الكلامِ، وبذلُ السّلامِ، وإطعامُ الطّعامِ))(١). وعنْ أبي برزةَ الأسلميِّ رَهُ قالَ: قلتُ: يا رسولَ الله، دلّني على عملٍ يدخلني الجنّةَ. قالَ: ((أمطِ الأذى عنْ طريقِ النّاسِ [فهوَ لكَ صدقةٌ]))(٢). ومن ذلك أنه سئلَ الوصيّة، فكانت له إجابات مختلفة أيضاً: فعنْ أبي هريرةَ رََّنهُ أَنَّ رجلاً قالَ النّبِيِّ ◌َّ: أوصني. قالَ: ((لا تغضبْ))، فردّدَ مراراً قالَ: ((لا تغضبْ))(٣). وعنْ أبي هريرةَ رَّعَّهُ أَنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ الله إنّ أريدُ أنْ أسافرَ، فأوصني. قالَ: ((عليكَ بتقوى الله، والتكبيرِ على كلِّ شرفٍ)). فلمّا أنْ ولّى الرّجلُ قالَ: ((اللهمَّ اطوِ لهُ الأرضَ، وهوّنْ عليهِ السّفرَ))(٤). وعنْ سليمِ بنِ جابِ الهجيميِّ رَّهُ قالَ: انتهيتُ إلى النّبِّ ◌َّهِ، وهوَ محتبٍ في بردةٍ لهُ، وإِنَّ هدبها لعلى قدميهِ، فقلتُ: يا رسولَ الله أوصني. قالَ: ((عليكَ باتّقاءِ الله، ولا تحقرنَّ منَ المعروفِ شيئاً، ولوْ أنْ تفرغَ منْ دلوكَ في إناءِ المستقي، وتكلّمَ أخاكَ ووجهَكَ إليهِ منبسطٌ. وإيّاكَ وإسبالَ الإزارِ؛ فإنّها منَ المخيلةِ، ولا يحبّها الله. وإنِ امرؤٌ عيّرك بشيءٍ يعلمهُ فيكَ فلا تعيّهُ بشيءٍ تعلمهُ منهُ، دعهُ يكونُ وبالهُ علیهِ، وأجرهُ لكَ، ولا تسبّنَّ شيئاً)). (١) رواه ابن حبان [٥٠٤]، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [١٤/٢]. (٢) رواه البخاري في الأدب المفرد [٢٢٨]، وأحمد [١٦٢٩٦]، والزيادة له، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد [١٦٨]. (٣) رواه البخاري [٦١١٦]. (٤) رواه الترمذي [٣٤٤٥]، وحسنه الألباني في الصحيحة [١٧٣٠]. ٥٢١ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لّ ◌َلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة قالَ: فما سببتُ بعدهُ دابّةً ولا إنساناً (١). وكان مَّيّ يختارُ للمستفتي الأفضلَ، ويبيّته له: عنْ أبي هريرةَ رَّ ◌َنهُ قالَ: مَرَّ رجلٌ منْ أصحابِ رسولِ اللهِوَّ بِشعبٍ(٢) فيهِ عيينةٌ منْ ماءٍ عذبةٌ، فأعجبتهُ لطيبها. فقالَ: لوْ اعتزلتُ النّاسَ، فأقمتُ في هذا الشّعبِ، ولنْ أفعلَ حتّى أستأذنَ رسولَ الله ◌َّه. فذكرَ ذلكَ لرسولِ الله ◌َلّه فقالَ: ((لا تفعلْ، فإنَّ مقامَ أحدكمْ في سبيلِ الله أفضلُ منْ صلاتهِ في بيتِهِ سبعينَ عاماً. ألا تحبّونَ أنْ يغفرَ الله لكمْ ويدخلكمْ الجنّةَ، اغزو في سبيلِ اللهِ، منْ قاتلَ في سبيلِ الله فواقَ ناقةٍ(٣)؛ وجبتْ لهُ الجنَّةُ))(٤). عَنْ عمرانَ بنِ حصينٍ رَّهُ أَنّهُ سألَ نبَِّ اللهَوَّهَ عنْ صلاةِ الرّجلِ قاعداً؟ فقالَ: (منْ صلّى قائماً فهوَ أفضلُ، ومنْ صلّى قاعداً فلهُ نصفُ أجرِ القائمِ، ومنْ صلّى نائماً فلهُ نصفُ أجرِ القاعدِ)) (٥). قوله: ((ومنْ صلّى قائماً فهوَ أفضلُ)) حملهُ كثيرٌ منَ العلماء على التّطوّع، وذلكَ لأنَّ أفضلَ يقتضي جوازَ القعودِ، ولا جوازَ للقعودِ في الفرائض معَ القدرة على القيام(٦). عنِ ابنِ عمرَ رََّا أَنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ أصابَ أرضاً بخيبرَ، فأتى النّبيّنَّه يستأمرهُ فيها، فقالَ: يا رسولَ الله، إنّي أصبتُ أرضاً بخيبرَ لمْ أصبْ مالاً قطُّ أنفسَ عندي منهُ، فما تأمرُ بهِ؟ قالَ: ((إِنْ شئتَ حبستَ أصلها، وتصدّقتَ بها)). (١) رواه ابن حبان [٥١١]، وقال الألباني في التعليقات الحسان [١٩/٢]: ((صحيح لغيره)). (٢) الشّعبُ: الطّريقُ في الجبلِ، أوْ ما انفرجَ بَيَن الجبلين، والظّاهرُ أنَّ المرادَ هنا هوَ المعنى الأخير. (٣) الفواقُ: هوَ ما بَيَن الحلبتِين منَ الوقتِ. النهاية [٤٧٩/٣]. (٤) رواه الترمذي [١٦٥٠] وحسنه الألباني في صحيح التغريب والترهيب [١٣٠١]. (٥) رواه البخاري [١١١٥]. (٦) حاشية السندي على سنن ابن ماجه [١/ ٣٧٠]. ٥٢٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: فتصدّقَ بها عمرُ أنّهُ لا يباعُ، ولا يوهبُ، ولا يورثُ، وتصدّقَ بها في الفقراءِ، وفي القربى، وفي الرّقابِ، وفي سبيلِ الله، وابنِ السّبيلِ، والضّيفِ. لا جناحَ على منْ وليها أنْ يأكل منها بالمعروفِ، ويطعمَ غيرَ متموّلٍ(١). ویرشد المستفتي إلى ما يناسبه، ويتلاءم معه: عنْ أبى سعيد الخدرىِّ رَّ عَنهُ: أَنَّ أعرابيّاً سألَ رسولَ الله ◌َّه عنْ الهجرةِ. فقالَ: ((ويحكَ إِنَّ شأنَ الهجرةِ لشديدٌ، فهلْ لكَ منْ إِيلٍ؟». قالَ: نعمْ. قالَ: ((فهلْ تؤتي صدقتها)). قالَ: نعمْ. قالَ: ((فهلْ تمنحُ منها شيئاً؟». قالَ: نعمْ. قالَ: «فهلْ تحلبها يومَ وردها؟)). قالَ: نعمْ. قالَ: ((فاعملْ منْ وراءِ البحارِ، فإنَّ اللهَ لنْ يتركَ منْ عملكَ شيئاً(٢)(٣). قالَ العلماء: والمراد بالهجرةِ الّتي سألَ عنها هذا الأعرابيّ ملازمة المدينة معَ النّبيّ ◌َّ، وترك أهله ووطنه، فخافَ عليهِ النّبيّ ◌َّ ألّا يقوى لها، ولا يقوم بحقوقها، وأنْ ينكص على عقبيهِ، فقالَ لهُ: إنَّ شأن الهجرة الّتي سألت عنها لشديد، ولكنِ اعملْ بالخيرِ في وطنك، وحيثُ ما كنت فهوَ ينفعك، ولا ينقصك الله منهُ شيئاً(٤). (١) رواه البخاري [٢٧٣٧]، ومسلم [١٦٣٣]. (٢) معناهُ: لنْ ينقصك منْ ثواب أعمالك شيئاً، حيثُ كنت، والمراد بالبحارِ هنا القرى، والعرب تسمّي القرى البحار، والقرية البحيرة. شرح النووي [٩/١٣]. (٣) رواه البخاري [١٤٥٢]، ومسلم [١٨٦٥]. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [٩/١٣]. ٥٢٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة وربما سئلَ وَّله عن شيء فسكت كراهية أن يكون في الإجابة نوع مشقّة: عنْ أبي هريرةَ رَهُ عَنْهُ قالَ: خطبنا رسولُ الله ◌َّهِ، فقالَ: ((أيّها النّاسُ، قدْ فرضَ الله علیکمْ الحجَّ فحجّوا)). فقالَ رجلٌ : أكلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكتَ حتّى قالها ثلاثاً. فقالَ رسولُ الله ◌َيِّ: (لوْ قلتُ نعمْ لوجبتْ، ولما استطعتمْ)). ثمَّ قالَ: ((ذروني ما تركتكمْ؛ فإنّما هلكَ منْ كانَ قبلكمْ بكثرةِ سؤالهمْ، واختلافهمْ على أنبيائهمْ، فإذا أمرتكمْ بشيءٍ فأتوا منهُ ما استطعتمْ، وإذا نهيتكمْ عنْ شيءٍ فدعوهُ))(١). وكان يجيب بجواب الحكيم إذا لم يكن في السؤال فائدة: الأسلوب الحكيم: هو تلقّي السائل بغير ما يتطلّبُ بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً على أنه الأهمُّ، والأولى بالسؤال(٢). فكان ◌َلّه يوجّهُ السائل والمستفتي إلى الأنفع له في دينه ودنياه، أو يرشده إلى السؤال الأهمِّ، والذي يجبُ أن يسأل عنه. ومن هذا الباب: قول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]. فسألوا عن سبب كونِ الهلال بدراً وهلالاً في أول الشهر وآخره، ولمّا كان السؤال لا فائدة منه؛ أجاب الله تعالى عن الحكمة منها، فقال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ [البقرة: ١٨٩]. فصرف السائلَ إلى غيرِ ما يسألُ تنبيهاً إلى أن المهمَّ أن يسألوا عما ينفعهم في صلاح دنياهم وأخراهم، وهو معرفة كون الأهلة ترتبّتْ عليها آجال المعاملات والعبادات كالحجّ، والصيام، والعدّة، ولذلك صرفهم عن بيان مسئولهم إلى بيان فائدة أخرى(٣). (١) رواه مسلم [١٣٣٧]، وأخرج البخاري [٧٢٨٨] آخره. (٢) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة [١١٠/٢]. (٣) التحرير والتنوير [١/ ٥٣٥]. ٥٢٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلمّا سألوا عن شيء قليلِ الجدوى أجيبوا بما فيه فائدةٌ، وعدلَ عن سؤالهم إذ لا فائدة فيه. ويقربُ منه قوله تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ... ﴾ [البقرة: ٢١٥]، فعدل عن جنس المنفق وهو المسئولُ عنه إلى ذكر المنفقِ عليه؛ لأنه أهمُّ(١). وعنْ أنس بن مالكٍ رَّهُ قالَ: بينما أنا والنّبيُّ ◌َّه خار جانٍ منَ المسجدِ، فلقينا رجلٌ منْ أهلِ الباديةِ عندَ سدّةِ المسجدِ(٢). فقالَ: يا رسولَ الله متى السّاعةُ قائمةٌ؟ قالَ: ((ويلكَ وما أعددتَ لها؟)). فكأنَّ الرّجلَ استكانَ، ثمَّ قالَ: يا رسولَ الله ما أعددتُ لها منْ كثيرٍ صلاةٍ، ولا صومِ، ولا صدقةٍ، ولكنّي أحبُّ اللهَ ورسولهُ. فقالَ: ((أنتَ معَ منْ أحببتَ)). فقلنا: ونحنُ کذلكَ؟ قالَ: ((نعمْ)). ففرحنا يومئذٍ فرحاً شديداً. قالَ أنسُ: فأنا أحبُّ النّبِيَّ وَّه وأبا بكرٍ وعمرَ، وأرجو أنْ أكونَ معهمْ بحبّي إِيّاهِمْ، وإِنْ لمْ أعمل بمثلِ أعمالهمْ(٣). قالَ الطّبيُّ: ((سلك معَ السّائل طريق الأسلوب الحكيم؛ لأنّهُ سألَ عن وقت السّاعة. وأجاب بقوله: ((ما أعددت لها؟)) يعني: إنّما يهمك أن تهتم بأهبتها وتعتني بما ينفعك عند قيامها من الأعمال الصّالحة، فقالَ هوَ: ما أعددت لها؟))(٤). (١) فتح الباري: [١٨٦/٥]. (٢) هيَ الظّلال المسقّفة عند باب المسجد. (٣) رواه البخاري [٧١٥٣]، ومسلم [٢٦٣٩]. (٤) عمدة القاري [٢٢/ ١٩٦]. ٥٢٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَلّالَُّ عليه ◌ِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة وعنْ بريدةَ أنَّ رجلاً سألَ النّبِيَّ ◌َّه فقالَ: يا رسولَ الله هلْ في الجنّةِ منْ خيلٍ؟ قالَ: ((إنِ الله أدخلكَ الجنّةَ فلا تشاءُ أنْ تحملَ فيها على فرسٍ منْ ياقوتةٍ حمراءَ يطيرُ بكَ في الجنّةِ حیثُ شئتَ)). وسألهُ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ الله هلْ في الجنّةِ منْ إبلٍ؟ فلمْ يقلْ لهُ مثلَ ما قالَ لصاحبهِ. قالَ: ((إنْ يدخلكَ الله الجنّةَ يكنْ لكَ فيها ما اشتهتْ نفسكَ، ولذّتْ عينكَ))(١). قالَ القاضي رَحِمَةُّهُ: «تقديرُ الكلامِ: إِنْ أدخلك الجنّةَ الله فلا تشأ أنْ تحملَ على فرسٍ كذلكَ إلّا حملت علیهِ. والمعنى أنّهُ ما منْ شيءٍ تشتهيهِ الأنفسُ إلّا وتجدهُ في الجنّةِ كيفَ شئت حتّى لوِ اشتهيت أنْ تركبَ فرساً على هذهِ الصّفةِ لوجدته وتمكّنت منهُ، فيكونُ لك منَ المراكبِ ما يغنيك عنِ الفرسِ المعهودِ. قالَ الطّييُّ: وهذا قريبٌ منْ أسلوبِ الحكيمِ، فإنَّ الرّجلَ سألَ عنِ الفرسِ المتعارفِ في الدّنيا، فأجابهُ بَّه بما في الجنّةِ. أيْ: اتركْ ما طلبته؛ فإنّك مستغنٍ عنهُ بهذا المركبِ الموصوفٍ))(٢). وإذا رأى السائل بحاجة إلى حكم ما بيّنه له وإن لم يسأل عنه: إما لتعمَّ الفائدة، أو لأن السائل يحتاج إليها، أو لسبب آخر. عن أبي هريرةَ رَّعَنْهُ قال: سألَ رجلٌ رسولَ الله ◌َّهِ، فقالَ: يا رسولَ الله إنّا نركبُ البحرَ، ونحملُ معنا القليلَ منَ الماءِ، فإنْ توضّأنا بِهِ عطشنا، أفنتوضّأُ منْ ماءِ البحرِ؟. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((هوَ الطّهورُ ماؤهُ، الحلُّ ميتهُ)) (٣). (١) رواه الترمذي [٢٥٤٣]، وقال الألباني: ((حسن لغيره)). صحيح الترغيب والترهيب [٣٧٥٦]. (٢) تحفة الأحوذي [٢١٤/٧]. (٣) رواه أبو داود [٨٣]، والترمذي [٦٩]، والنسائي [٣٣٢]، وصححه الألباني في الإرواء [٩]. ٥٢٦ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ الرّافعيُّ: ((لَّ عرِفَ بََّ اشتباهَ الأمرِ على السّائلِ في ماءِ البحرِ؛ أشفقَ أنْ يشتبهَ عليهِ حكمُ ميتتِهِ، وقدْ يبتلى بها راكبُ البحرِ، فعقّبَ الجوابَ عنْ سؤالهِ ببيانِ حكمِ الميتةِ))(١). وقالَ ابنُ العربيِّ: ((وذلكَ منْ محاسنِ الفتوى أنْ يجاءَ في الجوابِ بأكثرَ مّا يسألُ عنهُ تتميماً للفائدةِ، وإفادةً لعلم آخرَ غيرِ مسئولٍ عنهُ، ويتأكّدُ ذلكَ عندَ ظهورِ الحاجةِ إلى الحكمِ كما هنا؛ لأنَّ منْ توقّفَ في طهوريّةِ ماءِ البحرِ فهوَ عنِ العلمِ بحلّ مينتهُ معَ تقدّمٍ تحريمِ الميتةِ أشدُّ توقّفاً))(٢). وربما كانت الزيادة بياناً لما أشكل على السائل فهمه: عنْ عبد الله بنِ مسعودٍ رَعَّهُ عَنِ النّبِيِّ ◌َّ قالَ: ((لا يدخلُ الجنّةَ مِنْ كانَ في قلبهِ مثقالُ ذرّةِ منْ کبٍ)». قالَ رجلٌ: إنَّ الرّجلَ يحبُّ أنْ يكونَ ثوبهُ حسناً، ونعلهُ حسنةً. قالَ: ((إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ، الكبرُ بطرُ الحقِّ، وغمطُ النّاسِ))(٣). وقوله: ((بطر الحق)): أي: دفعه وإنكاره ترفّعاً وتجبّراً، وغمط الناس: ازدراؤهم واحتقارهم(٤). فقد كان يكفي السائل هنا قوله تعالى: (لا)، لكنه أوضح له أن حبه اللباس الحسن والنعل الحسن أمر مطلوب ومحبوب شرعاً، فهذه الفائدة الأولى. وبين له حقيقة الكبر فقال: ((الكبرُ بطرُ الحقّ، وغمطُ النّاسِ)) وهذه الفائدة الثانية. وهاتان الفائدتان زیادة عما سأل عنه السائل. وربما كانت الزيادة للترغيب في فعل الخير: عنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَةَ قالَ: رفعتِ امرأةٌ صبيّاً لها، فقالتْ: يا رسولَ الله ألهذا حجّ؟ (١) تحفة الأحوذي [١٨٨/١]. (٢) فيض القدير [٢١٥/٣]. (٣) رواه مسلم [٩١]. (٤) شرح النووي [١٩٤/١] وفتح الباري [١٧/ ٢٤١]. ٥٢٧ الباب الرابع: تعامل النبي صَلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة قالَ: ((نعمْ، ولكِ أجرٌ)) (١). وكان يستفصل من السائل ويستوضح منه ليحيط علماً بالواقعة، ويجمع أطراف المسألة؛ لتكون الفتوى مطابقةً للواقع تماماً. عنِ النّعمانِ بنِ بشير بن سعد رَوّ ◌َنَّا قالَ: سألتْ أمّي أبي بعضَ الموهبةِ لي منْ مالِهِ ثمَّ بدا لهُ فوهبها لي. فقالتْ: لا أرضى حتّى تشهدَ النّبِيَّ وَّ. فأخذَ بيدي وأنا غلامٌ، فأتى بيَ النّبِيَّ ◌َّ. فقالَ: إِنَّ أمّهُ بنتَ رواحةَ سألتني بعضَ الموهبةِ لهذا. قالَ: ((ألكَ ولدٌ سواهُ)). قالَ: نعمْ. فقالَ رسولُ اللهِوَّ: ((أكلّهمْ وهبتَ لهمْ مثلَ الّذي وهبتَ لابنكَ هذا؟)). قالَ: لا. قالَ: ((فلا تشهدني إذاً، فإنّ لا أشهدُ على جوٍ))(٢). وفي رواية: ((إنَّ لهمْ عليك منَ الحقِّ أنْ تعدلَ بينهمْ، كما أنَّ لك عليهمْ منْ الحقّ أنْ يبرّوك))(٣). فقد استفصل منه النبي ◌َّ («ألكَ ولدٌ سواهُ))، ثم سأله: ((أكلّهمْ وهبتَ لهمْ مثلَ الّذي وهبتَ لابنكَ)). ثم بيّ له الحكم بقوله: ((فلا تشهدني إذاً، فإنّي لا أشهدُ علی جورٍ». (١) رواه مسلم [١٣٣٦]. (٢) رواه البخاري [٢٦٥٠]، ومسلم [١٦٢٣]. (٣) أبو داود [٣٥٤٢]. ٥٢٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن ثابتُ بنُّ الضّحّاكِ قالَ: نذرَ رجلٌ على عهدِ رسولِ اللهِ وَّهِ أنْ ينحرَ إِيلاً ببوانةَ(١)، فأتى النّبِيَّ ◌َِّ، فقالَ: إنّ نذرتُ أنْ أنحرَ إِيلاً ببوانةَ. فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((هلْ كانَ فيها وثنٌّ منْ أوثانِ الجاهليّةِ يعبدُ؟)). قالوا: لا. قالَ: ((هلْ كانَ فيها عيدٌ منْ أعيادهمْ؟)). قالوا: لا. قالَ: ((أوفٍ بنذركَ؛ فإنّهُ لا وفاءَ لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدَمَ)(٢). فلما نذر أن ينحرَ في هذا الموضعِ استفصلهُ النبيُّ ◌َّ؛ لأن المقام يقتضي الاستفصال، إذ يتبادر إلى الذهن سؤال عن تخصيص هذا الرجل بوانة بأن ينحر فيها الإبل، فقد تكون لأن فيها عيداً من أعيادهم، أو لأن فيها وثنا من أوثان الجاهلية كان يعبد في ذلك الموضع، فهذا السؤال يدل على أنه لو وجد هذا الوصف لم يجز النّحرُ في ذلك الموضع (٣). وكان ربما أمر المستفتي بالامتثال الفوري للفعل، فيكون أمره جواباً لسؤال السائل: عن ابنَ عبّاسٍ رَّها قال: سمعتُ النّبِيّ ◌َّ يخطبُ يقولُ: ((لا تسافر المرأةُ إلّا معَ ذي محرمٍ). فقامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ الله إنَّ امرأتي خرجتْ حاجّةً، وإنّ اكتتبتُ في غزوةِ كذا و كذا؟ قالَ: ((انطلقْ فحجَّ معَ امرأتكَ))(٤). (١) هضبة منْ وراء ينبع، وقيل: موضع بين الشّام وديار بكر، وقيل: أسفل مكّة دون يلملم. معجم البلدان [٥٠٥/١]. (٢) رواه أبو داود [٢٣١٣]، وصححه الألباني في تحقيق المشكاة [٣٤٣٧]. (٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد [١/ ١٥٥]. الشيخ صالح آل الشيخ. (٤) رواه البخاري [١٨٦٢]، ومسلم [١٣٤١]. ٥٢٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمً مع شرائح دعوية مخصوصة فأمره للرجل باللحاق بزوجته على الفور هو جواب عن سؤاله، والتقدير: لا يجوز لامرأتك أن تسافر بلا محرم. وكان يجيب السائل بما يحصر له المسألة ويضبطها: عنْ ابنِ عمرَ عنْ النّبِّ وَّ أَنَّ رجلاً سألُهُ ما يلبسُ المحرمُ؟ فقالَ: ((لا يلبسُ القميصَ، ولا العمامةَ، ولا السّراويلَ، ولا البرنسَ، ولا ثوباً مسّهُ الورسُ، أوِ الزّعفرانُ، فإنْ لمْ يجِدْ النّعلينِ فليلبسْ الخفّينِ، وليقطعهما حتّى يكونا تحتَ الكعبينِ))(١). وفي هذا الحديث: أن النبي وَّسئل عما يلبس المحرم فأجاب عما لا يلبس؛ فإن ما لا يلبس محصور، وما يلبسه غیر محصور. قالَ النّوويّ: «قالَ العلماء: هذا الجواب منْ بديع الكلام وجزله، لأنَّ ما لا يلبس منحصر فحصلَ التّصريح بهِ، وأمّا الملبوس الجائز فغير منحصر، فقالَ: لا يلبس كذا، أيْ ويلبس ما سواهُ))(٢). وأحياناً كان يجيب جواباً جامعاً ويعرض عن تفاصيل السؤال: عن أبي موسى الأشعريّ أنَّ رجلاً أتى النّبِيَّ وَِّ، فقالَ: يا رسولَ الله! الرّجلُ يقاتلُ للمغنمِ، والرّجلُ يقاتلُ ليذكرَ، والرّجلُ يقاتلُ ليرى مكانهُ، فمنْ في سبيلِ الله؟ فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((منْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ الله هيَ العليا فهوَ في سبيلِ الله))(٣). قال الحافظ: ((هوَ منْ جوامع كلمه ◌َّ؛ لأنّهُ أجابَ بلفظِ جامع لمعنى السّؤال معَ الزّيادة علیهِ)) (٤). وقال أيضاً: ((وفي إجابته له بما ذكرَ غايةُ البلاغة والإيجاز، لأنّهُ لَوْ أجابهُ بأنَّ جميع ما (١) رواه البخاري [١٣١] ومسلم [١١٧٧]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [٨/ ٧٣]. (٣) رواه البخاري [١٢٣] ومسلم [١٩٠٤]. (٤) فتح الباري [١٩٧/١]. ٥٣٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكرهُ ليسَ في سبيل الله احتملَ أنْ يكون ما عدا ذلكَ كلّه في سبيل الله، وليسَ كذلكَ، فعدلَ إلى لفظ جامع عدلَ بِهِ عنِ الجواب عنْ ماهيّة القتال إلى حال المقاتل فتضمّنَ الجواب وزيادة))(١). قالَ ابن بطّال: بل عدلَ النّبِيّ ◌َّه عنْ لفظ جواب السّائل لأنَّ الغضب والحميّة قدْ يكونانِ لله، فعدلَ عنْ ذلكَ إلى لفظ جامع فأفادَ دفع الإلباس وزيادة الإفهام))(٢). وعنْ أبي موسى رَّهُ قالَ: بعثني النّبِيُّ ◌َّ أَنا ومعاذَ بنَ جبلٍ إلى اليمنِ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ شراباً يصنعُ بأرضنا يقالُ لهُ المزرُ منَ الشّعيرِ، وشرابٌ يقالُ لهُ البتعُ منَ العسل. فقالَ: ((كلُّ مسكرٍ حرامٌ))(٣). وكان يحتمل من أسئلة الغرباء والأعراب ما لا يحتمله من غيرهم: عنْ أنسِ بنِ مالكِ رََّنُ قالَ: نهينا أنْ نسألَ رسولَ الله وَّعِنْ شيءٍ(٤)، فكانَ يعجبنا أنْ يجيءَ الرّجلُ منْ أهلِ الباديةِ (٥) العاقلُ، فيسألهُ ونحنُ نسمعُ. بينما نحنُ جلوسٌ مِعَ النّبِيِّ ◌َّ في المسجدِ دخلَ رجلٌ منْ أهلِ الباديةِ(٦) على جملٍ فأناخهُ في المسجدِ ثمَّ عقلهُ، ثمَّ قالَ: لهمْ أيّكمْ محمّدٌ؟ والنّبيُّ ◌َّ مِتّكِىُّ بينَ ظهرانيهمْ. فقلنا: هذا الرّجلُ الأبيضُ المتكئُّ. فقالَ لهُ الرّجلُ : يا ابنَ عبدِ المطّلبِ (١) فتح الباري [٤٠٦/٨]. (٢) شرح صحيح البخاري [١/ ٢٠٣] لابن بطال. (٣) رواه البخاري [٤٣٤٣]، ومسلم [١٧٣٣]. (٤) يعني سؤالَ ما لا ضرورةَ إلیهِ. (٥) يعني منْ لم يكنْ بلغهُ النّهي عنْ السّؤال، ولأنَّ أهل البادية همْ الأعراب، ويغلبُ فيهمْ الجهلُ والجفاءُ. (٦) واسمه ضمام بن ثعلبة. ٥٣١ الباب الرابع: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمً مع شرائح دعوية مخصوصة فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َّهِ: ((قَدْ أجبتكَ)). فقالَ الرّجلُ للنّبِّ وَّهِ: إِنّ سائلكَ، فمشدّدٌ عليكَ في المسألةِ، فلا تجدْ عليَّ في نفسكَ. فقالَ: ((سلْ عّا بدا لكَ)). فقالَ: يا محمّدُ أتانا رسولكَ فزعمَ لنا أنّكَ تزعمُ أنَّ اللهَ أرسلكَ؟ قالَ: ((صدقَ)). قالَ: فمنْ خلقَ السّماءَ؟ قالَ: ((الله)). قالَ: فمنْ خلقَ الأرضَ؟ قالَ: ((الله)). قالَ: فمنْ نصبَ هذهِ الجبالَ وجعلَ فيها ما جعلَ؟ قالَ: ((الله)). قالَ: فبالّذي خلقَ السّماءَ وخلقَ الأرضَ ونصبَ هذهِ الجبالَ اللهُ أرسلكَ؟ قالَ: ((نعمْ)). قالَ: وزعمَ رسولكَ أنَّ علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا. قالَ: ((صدقَ)). قالَ: فبالّذي أرسلكَ اللهُ أمرك بهذا؟ قالَ: ((نعمْ)). قالَ: وزعمَ رسولكَ أنَّ علينا زكاةً في أموالنا. قالَ: ((صدقَ)). قالَ: فبالّذي أرسلكَ اللهُ أمرك بهذا؟ ٥٣٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((نعمْ)). قالَ: وزعمَ رسولكَ أنَّ علينا صومَ شهرِ رمضانَ في سنتنا. قالَ: ((صدقَ)). قالَ: فبالّذي أرسلكَ اللهُ أمرك بهذا؟ قالَ: ((نعمْ)). قالَ: وزعمَ رسولكَ أنَّ علينا حجَّ البیتِ منْ استطاعَ إلیهِ سبيلاً. قالَ: ((صدقَ)). ثمَّ ولّ وقالَ: والّذي بعثكَ بالحقِّ لا أزيدُ عليهنَّ، ولا أنقصُ منهنَّ. فَقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: (لئنْ صدقَ ليدخلنَّ الجنّةَ))(١). قال النووي: ((وهذا منْ حسن سؤال هذا الرّجل وملاحةِ سياقته وتربيته؛ فإنّهُ سألَ أوّلاً عنْ صانع المخلوقات منْ هوَ ثمَّ أقسمَ علیهِ بهِ أنْ يصدقهُ في كونه رسولاً للصّانعِ. ثمَّلّا وقفَ على رسالته وعلمها أقسمَ عليهِ بحقِّ مرسلِهِ، وهذا ترتيبٌ يفتقر إلى عقلٍ رصينٍ، ثمَّ إنَّ هذهِ الأيمانَ جرتْ للتّأكيدِ وتقريرِ الأمرِ، لا لافتقارهِ إليها. وقالَ القاضي عياض: والظاهر أنَّ هذا الرّجل لم يأتِ إلّا بعد إسلامه، وإنّما جاءَ مستثبتاً ومشافهاً للنّبِّ ◌َِّ. والله أعلمُ))(٢). وربما أعرض أحياناً عن السائل والمستفتي تنبيها له على أدب الحديث. عنْ أبي هريرةَ رَهُعَنْهُ قالَ: بينما النّبِيُّ ◌َّه في مجلسِ يحدّثُ القومَ جاءهُ أعرابيٌّ، فقالَ متى السّاعةُ؟ فمضى رسولُ الله ◌َّ؛ يحدّثُ. (١) رواه البخاري [٦٣٣]، ومسلم [١٢]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١ / ١٧١]. ٥٣٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُ علَيهِوَسَلَّمً مع شرائح دعوية مخصوصة فقالَ بعضُ القومِ: سمعَ ما قالَ فكرهَ ما قالَ. وقالَ بعضهمْ: بلْ لمْ يسمعُ(١). حتّى إذا قضى حديثهُ قالَ: ((أينَ أراهُ السّائلُ عنْ السّاعةِ؟». قالَ: ها أنا يا رسولَ الله. قالَ: ((فإذا ضيّعتْ الأمانةُ فانتظرْ السّاعَةَ)). قالَ: كيفَ إضاعتها؟ قالَ: ((إذا وسّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِهِ فانتظرُ السّاعةَ))(٢). وقد بوب البخاري في صحيحه (١٤٢/١) على الحديث بقوله: (باب منْ سئلَ علماً وهوَ مشتغلٌ في حديثِهِ فأتمَّ الحديثَ، ثمَّ أجابَ السّائل). من فوائد الحدیث: فيه: التّنبيهُ على أدبِ العالمِ والمتعلّمِ، أمّا العالمُ فلما تضمّنهُ منْ تركِ زجرِ السّائلِ، بل أدّبه بالإعراض عنهُ أوّلا حتّى استوفى ما كانَ فيهِ، ثمَّ رجعَ إلى جوابهِ، فرفقَ بِهِ؛ لأنّهُ منَ الأعرابِ، وهم جفاة. وفيه: العناية بجواب سؤالِ السّائلِ، ولوْ لمْ يكنِ السّؤالُ متعيّناً ولا الجوابُ. وأمّا المتعلّمُ: فلما تضمّنهُ منْ أدبِ السّائلِ أنْ لا يسألَ العالمَ وهوَ مشتغلٌ بغيرهِ؛ لأنَّ حقَّ الأوّلِ مقدّمٌ. وفيه: أخذُ الدّروسِ على السّبقِ وكذلكَ الفتاوى والحكوماتِ ونحوها. وفيهِ: مراجعةُ العالِمِ إذا لمْ يفهمْ ما يجيبُ بِهِ حتّى يتّضحَ؛ لقولِهِ: ((كيفَ إضاعتها؟)). (١) إنّما حصلَ لهمْ الترّدّد في ذلكَ لما ظهرَ منْ عدم التفات النّبيّ ◌ََّ إلى سؤاله وإصغائِهِ نحوه، ... وقدْ تبيَّنّ عدم انحصار ترك الجواب في الأمرينِ المذكورينِ، بلْ احتملَ أنْ يكون أخّرهُ ليكمل الحديث الّذي هوَ فيهِ. فتح الباري [١/ ١٤٣]. (٢) رواه البخاري [٥٩]. ٥٣٤ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيهِ: إشارةٌ إلى أنَّ العلمَ سؤالٌ وجوابٌ، ومنْ ثُمَّ قيلَ: ((حسنُ السّؤالِ نصفُ العلمِ)). وقدْ أخذَ بظاهرِ هذهِ القصّةِ مالكٌ وأحمدُ وغيرهما في الخطبةِ، فقالوا: لا نقطعُ الخطبةَ لسؤالِ سائلٍ، بلْ إذا فرغَ نجيبُ. وفصّلَ الجمهورُ بينَ أنْ يقعَ ذلكَ في أثناءِ واجباتها فيؤخّرُ الجوابَ، أَوْ في غيرِ الواجباتِ، فیجیبُ. والأولى حينئذٍ التّفصيلُ، فإنْ كانَ مَّا يهتمُّ بِهِ في أمرِ الدّينِ، ولا سيّما إنِ اختصَّ بالسّائلِ، فيستحبُّ إجابتهُ، ثمَّ يتمُّ الخطبةَ، وإنْ كانَ بخلافِ ذلكَ فيؤخّر.(١) فعن أبي رفاعة أنّهُ قالَ: انتهيتُ إلى النّبِّ ◌َّه وهوَ يخطبُ، فقلتُ: يا رسولَ الله رجلٌ غريبٌ جاءَ يسألُ عنْ دينِهِ، لا يدري ما دينهُ؟. قالَ: فأقبلَ عليَّ رسولُ الله ◌َّهِ، وتركَ خطبتهُ، حتّى انتهى إليَّ، فأتيَ بكرسيٍّ حسبتُ قوائمهُ حدیداً. فقعدَ عليهِ رسولُ الله ◌َّهِ، وجعلَ يعلّمني مّا علّمهُ الله، ثمَّ أتى خطبتهُ، فأتمَّ آخرها(٢). قال النووي: ((وفيهِ المبادرة إلى جواب المستفتي، وتقديم أهمّ الأمور فأهمّها، ولعلّهُ كانَ سألَ عنِ الإيمان وقواعده المهمّة. وقدْ اتّفقَ العلماء على أنَّ منْ جاءَ يسأل عنِ الإيمان، وكيفيّة الدّخول في الإسلام؛ وجبَ إجابته و تعلیمه على الفور. وقعوده ◌ّ على الكرسيِّ؛ ليسمع الباقونَ كلامه ویروا شخصه الكريم. ويحتمل أنَّ هذهِ الخطبة الّتي كانَ النّبيّ ◌َّ فيها خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطّويل، ويحتمل أنّها كانتْ الجمعة واستأنفها، ويحتمل أنّهُ لمْ يحصل فصل طويل))(٣). (١) فتح الباري [١/ ١٤٢]. (٢) رواه مسلم [٨٧٦] (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٦٦/٦]. ٥٣٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّعَلَيْهِوَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة وربما أجاب النبيَّ ◌َّه السائل بفعله؛ ليعاينَ السائلُ الجوابَ بنفسه: فقد جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله وَّةِ، فسألهُ عنْ وقتِ صلاةِ الصّبحِ. فسكتَ عنهُ رسولُ الله ◌ِیّ. حتّى إذا كانَ منِ الغدِ صلّى الصّبحَ حينَ طلعَ الفجرُ، ثمَّ صلّى الصّبحَ منْ الغِدِ بعدَ أنْ أسفرَ. ثمَّ قالَ: أينَ السّائلُ عنْ وقتِ الصّلاةِ؟ قالَ: هأنذا یا رسولَ الله، . فقالَ: ((ما بينَ هذينٍ وقتٌ))(١). قال الباجي: ((يحتملُ أنْ يكونَ النّبِيُّ ◌َّ تركَ تعجيلَ القولِ في ذلكَ حتّى بيّنْهُ بالفعلِ؛ قصداً إلى المبالغةِ في البيانِ، وأنّهُ أقربُ إلى المتعلّمِ، وأسهلُ عليهِ))(٢). وكان يَّه يجيب على أسئلة النساء حتى في الأمور التي يستحيا منها عادة، ويؤنّبُ من أنكر عليهن السؤال في ذلك. عنْ أمّ سلمةَ قالتْ: جاءتْ أمُّ سليمٍ إلى رسولِ الله ◌َّهَ، فقالتْ: يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يستحيي منْ الحقِّ، فهلْ على المرأةِ منْ غسلٍ إذا احتلمتْ؟ فقالتْ عائشةُ: يا أمَّ سليمِ فضحتِ النّساءَ، تربتْ يمينكِ(٣). فقالَ النّبِيُّ ◌َّ لعائشةَ: ((بلْ أنتِ فتربتْ يمينكِ.(٤) نعمْ، فلتغتسلْ يا أمَّ سليمٍ إذا رأتْ الماءَ)). فغطّتْ أمُّ سلمةَ وجهها، وقالتْ: يا رسولَ الله أوَ تحتلمُ المرأةُ؟ (١) رواه النسائي [٥٤٤] وأحمد [١١٧٠٩] عن أنس بن مالك رَّعَنهُ، وصححه الألباني في الإرواء [٢٤٩]. (٢) المنتقى شرح الموطإ [١/ ٦]. (٣) أيْ: افتقرتْ وصارتْ على الترّاب، وهيَ منْ الألفاظ الّتي تطلق عند الزّجر ولا يراد بها ظاهرها. (٤) معناهُ أنتِ أحقّ أنْ يقال لك هذا، فإنهّا فعلتْ ما يجب عليها منْ السّؤال عنْ دينها، فلمْ تستحقّ الإنكار، واستحققت أنتِ الإنكار، لإنكارك ما لا إنکار فیهِ. ٥٣٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((نعمْ تربتْ يمينكِ، فبمَ يشبهها ولدها))(١). ((فالحياء لا يمنع من طلب الحقائق، والحياء المانع من طلب العلم مذموم، وأما إذا كان الحياء على جهة التوقير والإجلال فهو حسن؛ كما فعلت أم سلمة حين غطت وجهها))(٢). ((ولم يردْ شرعٌ بالحياءِ المانعِ منَ الأمرِ بالمعروفِ والنّهيِ عنِ المنكرِ، والحكمِ بالحقِّ، والقيامِ بهِ))(٣). ومع إجابته النساء عن أسئلتهن فإن ذلك لم يمنعه من الحياء: عنْ عائشةَ رَوَّعَتْهَا أَنَّ امرأةً سألتِ النّبِيَّ نَّهِ عِنْ غسلها منَ المحيضِ، فأمرها كيفَ تغتسلُ، قالَ: «خذي فرصةً(٤) منْ مسئٍ فتطهّري بها)). قالتْ: كيفَ أتطهّرُ. قالَ: ((تطهّري بها))(٥). قالتْ: کیفَ. قالَ: ((تطهّري بها، سبحانَ الله))، واستترَ. ٠ فاجتبذتها إليَّ، وعرفتُ ما أرادَ النّبيُّ وَّهِ، فقلتُ: تتبّعي بها أثرَ الدّمِ (٦). من فوائد الحديث: فيه: استحبابُ أن تأخذَ المرأةُ عندَ غسلها من الحيضِ شيئاً من مسكٍ، أو طيبٍ، فتجعله في قطنةٍ، أو نحوهما، فتبّع بها آثارَ الدمِ. (١) رواه البخاري [١٣٠]، ومسلم [٣١٣]. (٢) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [١/ ٢٢٣]. (٣) المنتقى شرح الموطإ [٢١٣/٧]. (٤) فرصة: قطعة منْ صوف أوْ قطن أوْ جلدة عليها صوف، والمقصود باستعمالِ الطّب دفع الرائحة الكريهة. فتح الباري [١/ ٤١٦]. (٥) أيْ تنظّفي. (٦) رواه البخاري [٣١٤]، ومسلم [٣٣٢]. ٥٣١ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة فيهِ: التّسبيحُ عند التّعجّب، ومعناهُ هنا كيف يخفى هذا الظّاهر الّذي لا يحتاج في فهمه إلى فكر؟ وفيهِ: استحباب الكنايات فيما يتعلّق بالعوراتِ. وهذه طريقة شرعية، أن يكنّى عمّا يتلق بالعورات ولا يصرح به إلا عند الحاجة، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَشَاذُوهُمَا ﴾ [النساء: ١٦]. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ) [البقرة: ١٨٧]. وقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْفَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ونحو ذلك من الآيات. وفيهِ: الاكتفاءُ بالتّعريضِ والإشارةِ في الأمورِ المستهجنةِ. وفيهِ: سؤال المرأة العالمَ عنْ أحوالها الّتي يحتشمُ منها. وفيهِ: تكريرُ الجوابِ لإفهامِ السّائلِ. وفيهِ: تفسيرُ كلامِ العالمِ بحضرتِهِ لمنْ خفيَ عليهِ إذا عرفَ أنَّ ذلكَ يعجبهُ. وفيهِ: الأخذُ عنِ المفضولِ بحضرةِ الفاضلِ. وفيهِ: صحّةُ العرضِ على المحدّثِ إذا أقرّهُ ولوْ لمْ يقلْ عقبهُ نعمْ. وفيهِ: أَنّهُ لا يشترطُ في صحّةِ التّحمّلِ فهمُ السّامعِ لجميعِ ما يسمعهُ. وفيهِ: الرّفُ بالمتعلّمِ، وإقامةُ العذرِ لمنْ لا يفهمُ. وفيهِ: أنَّ المرءَ مطلوبٌ بسترِ عيوبِهِ، وإنْ كانتْ مَّا جبلَ عليها منْ جهةِ أمرِ المرأةِ بالتّطيّبِ؛ لإزالةِ الرّائحةِ الكريهةِ. وفيهِ: حسن خلقه ◌َلِّ، وعظيم حلمه وحيائهِ.(١) (١) ينظر: فتح الباري [٤١٦/١]، شرح سنن أبي داود [١١١/٢] للعيني. ٥٣٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يضربُ للسائل المثال من واقعه؛ ليتضح له المقال، بأسلوب حكيم مقنع. عنْ أبي هريرةَ رَّوَّعَهُ أَنَّ رجلاً أتى النّبِيّ ◌َّله فقالَ: يا رسولَ الله ولدَلي غلامٌ أسودُ [وإنّي أنكرته]. فقالَ: «هلْ لكَ منْ إِيلٍ؟)). قالَ: نعم. قالَ: ((ما ألوانها؟)). قالَ: حمٌّ. قالَ: ((هلْ فيها منْ أورقَ؟))(١). قالَ: نعمْ. قالَ: ((فأنّى ذلكَ؟))(٢) قالَ: لعلّهُ نزعهُ عرقٌ (٣). قالَ: ((فلعلَّ ابنكَ هذا نزعهُ عرقٌ))(٤). قال ابن حجر: «هذا الرّجل لمْ يردْ قذفاً، بلْ جاءَ سائلاً مستفتياً عنِ الحكم لما وقعَ لهُ منَ الرّيبة، فلّا ضربَ لهُ المثل أذعنَ))(٥). من فوائد الحدیث: فيهِ: تقديمُ حكمِ الفراشِ على ما يشعرُ بهِ مخالفةَ الشّبِهِ، فيلحق الولدُ الزّوج، وإنْ خالفَ لونه لونه، حتّى لوْ كانَ الأب أبيض، والولد أسود، أوْ عكسه لحقهُ. (١) الأورق من الإبل: الذي في لونه بياض إلى سواد. والورقة: سواد في غبرة، وقيل: سواد وبياض كدخان الرمث [نوع من النبات]. لسان العرب [١٠/ ٣٧٦]. (٢) أيْ: منْ أينَ أتاها الّون الّذي خالفها؟ هلْ هوَ بسببٍ فحل منْ غير لونها طراً عليها أوْ لأمرٍ آخرَّ؟ (٣) أي: لعله أنْ يكون في أصولها ما هوَ باللّونِ المذكور فاجتذبهُ إليهِ فجاءَ على لونه. (٤) رواه البخاري [٥٣٠٩] ومسلم [١٥٠٠]. (٥) فتح الباري [٩/ ٤٤٤]. ٥٣٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَلَّالَُّ علَيهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة وفيهِ: أنهُ لا يحلُّ لهُ نفيه بمجرّدِ المخالفة في اللّون. وفيهِ: الاحتياطُ للأنسابِ. وفيهِ: الزّجرُ عنْ تحقيقِ ظنِّ السّوءِ. وفيهِ: إثبات القياس، والاعتبار بالأشباهِ. وفيهِ: ضربُ المثل، وتشبيه المجهول بالمعلومِ تقريباً لفهمِ السّائل(١). وكان يستدلُّ بالقرآن الكريم، ويحيلُ عليه: عنْ أبي سعيدِ بنِ المعلّى رَّهُ قالَ: كنتُ أصلّ في المسجدِ، فدعاني رسولُ الله ◌ِلآ، فلمْ أجبهُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّي كنتُ أصلّي. فقالَ: ((ألم يقلْ الله: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟). ثمّ قالَ لي: ((لأعلّمنّكَ سورةً هيَ أعظمُ السّورِ في القرآنِ قبلَ أنْ تخرِجَ منَ المسجدِ)). ثُمَّ أخذَ بيدي، فلما أرادَ أنْ يخرجَ قلتُ لهُ: ألم تقلْ: «لأعلّمنّكَ سورةً هيَ أعظمُ سورةٍ في القرآنِ؟)) قالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ هيَ السّبعُ المثاني، والقرآنُ العظيمُ الّذي أوتيتهُ)(٢). عنْ أبي هريرةَ رَّ ◌َنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ اللهَ خلقَ الخلقَ حتّى إذا فرغَ منهمْ قامتْ الرّحمُ، فقالتْ: هذا مقامُ العائِذِ منَ القطيعةِ. قالَ: نعمْ أما ترضينَ أنْ أصلَ منْ وصلكِ، وأقطعَ منْ قطعكِ؟ قالتْ: بلى. قالَ: فذاكِ لكِ)». ثمَّ قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: اقرءوا إن شئتمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ (١) فتح الباري [٤٤٤/٩]، شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ١٣٤]. (٢) رواه البخاري [٤٤٧٤].