النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان يبشّرهم على أعمال الخير التي كانوا يعملونها في الجاهلية بالمثوبة والأجر:
عنْ عروة بن الزبير أنَّ حكيمَ بنَ حزامِ رَهُ أعتقَ في الجاهليّةِ مائةَ رقبةٍ، وحملَ على
مائة بعيرٍ .
فلما أسلمَ حمَلَ على مائةِ بعيرٍ، وأعتقَ مائةَ رقبةٍ.
قالَ: فسألتُ رسولَ الله ◌َّه فقلتُ: يا رسولَ الله أرأيتَ أشياءَ كنتُ أصنعها في الجاهليّةِ
كنتُ أتحنّثُ بها يعني أتبرّرُ بها(١)؟
فقالَ رسولُ الله ◌ََّ: (أسلمتَ على ما أسلفتَ منْ خيرٍ))(٢).
قال ابن رجب: ((وهذا يدلّ على أنَّ حسنات الكافر إذا أسلم يثابُ عليها)(٣).
قال النووي: ((ذهبَ ابن بطّالٍ وغيره منَ المحقّقينَ إلى أنَّ الحديث على ظاهره، وأنّهُ إذا
أسلمَ الكافر وماتَ على الإسلام يثاب على ما فعلهُ منَ الخير في حال الكفر.
وأمّا قول الفقهاء: (لا يصحّ منْ الكافر عبادة، ولوْ أسلمَ لَمْ يعتدّ بها): فمرادهمْ أنّهُ لا
يعتدّ لهُ بها في أحكام الدّنيا، وليسَ فيهِ تعرّض لثوابِ الآخرة(٤).
وكان مّ﴾ لا يتهاون معهم فيما يتعلق بأمور التوحيد:
فقد قدم وفدُ ثقيف على رسول الله وَ ل بالمدينة فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم
يومئذٍ، وفيهم عثمانُ بن أبي العاص بن بشرٍ، وهو أصغر الوفدِ؛ يريدون الصلحَ والقضية
حين رأوا أن قد فتحت مكةُ وأسلمتْ عامّةُ العرب.
فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله وَّة، وهو يدعوهم إلى الإسلام.
(١) أيْ: أتعبد وأطلبُ البرَّ بها. وفي رواية لمسلم أنه قال: أيْ رسولَ الله، أرأيتَ أموراً كنتُ أتحنّثُ بها في الجاهليّةِ،
منْ صدقةٍ، أَوْ عتاقةٍ، أوْ صلةِ رحمٍ، أفيها أجرٌ؟
(٢) رواه البخاري [١٤٣٦]، ومسلم [١٢١].
(٣) جامع العلوم والحكم [١٤/ ١٣].
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [٢/ ١٤٢] باختصار.

٥٠١
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسًَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
فقالَ لهُ ابن عبد ياليل: هلْ أنتَ مقاضينا حتّى نرجعَ إلى أهلنا وقومنا؟
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: «نعمْ، إنْ أنتمْ أقررتمْ بالإسلامِ قاضیتکمْ، وإلا فلا قضيّةً ولا صلحَ
بيني وبینکمْ)).
قال ابن عبد ياليل: أرأيت الزّنا؟ فإنّا قومٌ نغتربُ لا بدّ لنا منهُ، ولا يصبرُ أحدنا على
العزبةِ.
قالَ: «هَ مّا حرّمَ الله على المسلمينَ، يقولُ الله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً
وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢].
قالَ: أرأيت الرّبا؟
قالَ: ((الرّبا حرامٌ».
قالَ: فإنّ أموالنا كلّها رباً.
قالَ: لكمْ رءوسُ أموالكمْ، يقولُ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ
مِنَ الرِّبَوَاْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
قالَ: أفرأيت الخمرَ؟ فإنّها عصيرُ أعنابنا، لا بدّ لنا منها.
قالَ: «فإنّ اللهَ قدْ حرّمها، ثمّ تلا رسولُ اللهِ وَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ
وَاْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ ... ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيَةَ.
فارتفعَ القومُ، وخلا بعضهمْ ببعضٍ، فقالَ ابن عبد ياليل: ويحكمْ نرجعُ إلى قومنا
بتحريمِ هذهِ الخصالِ الثّلاثِ، والله لا تصبرُ ثقيفٌ عنِ الخمرِ أبداً، ولا عنِ الزّنا أبداً.
قالَ سفيانُ بنُ عبدِ الله: أيّها الرّجلُ إنْ يرد الله بها خيراً تصبرْ عنها، قدْ كانَ هؤلاءِ الّذينَ
معهُ على مثلِ هذا، فصبروا وتركوا ما كانوا عليهِ. معَ أنّا نخافُ هذا الرّجلَ قدْ أوطأَ الأرضَ
غلبةً، ونحنُ في حصنٍ في ناحيةٍ منَ الأرضِ، والإسلامُ حولنا فاشٍ، والله لوْ قامَ على حصننا
شهراً لمتنا جوعاً، وما أرى إلّا الإسلامَ، وأنا أخافُ يوماً مثلَ يومٍ مكّةً!

٥٠٢
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
وكانَ رسولُ اللهِوَّه يرسلُ إليهِمْ بالطّعامِ، فلا يأكلونَ منهُ شيئاً حتّى يأكل منهُ
رسولُ اللهِ وَّ حتّى أسلموا.
قالوا: أرأيت الرّبّةَ ما ترى فيها؟
قالَ: (هدمها)).
قالوا: هيهاتَ لوْ تعلمُ الرّبّةُ أنّا أوضعنا في هدمها قتلتْ أهلنا.
قالَ عمرُ بنُّ الخطّابِ رَنهُ: ويحك يا ابن عبد ياليل، إنّ الرّبَّ حجرٌ لا يدري منْ عبدهُ
ممّنْ لا يعبدهُ.
قالَ ابن عبد ياليل: إنّا لمْ نأتك يا عمرُ.
فأسلموا، وكملَ الصّلحُ، فلّا كملَ الصّلحُ كلِّمُوا النّبِيّ ◌َّ يَدعُ الرّبّةَ ثلاثَ سنينَ لا
بهدمها.
فأبى.
قالوا: سنتينٍ
فأبى.
قالوا: سنً.
فأبى.
قالوا: شهراً واحداً.
فأبى أنْ يوقّتَ لهمْ وقتاً.
وإنّما يريدونَ بتركِ الرّبّةِ لما يخافونَ منْ سفهائهمْ والنّساءِ والصّبيانِ، وكرهوا أنْ يروّعوا
قومھمْ بہدمه.
فسألوا النّبِيّ ◌َِّ أَنْ يعفيهمْ منْ هدمها.

٥٠٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ: رسولُ الله ◌َّهِ: («سأبعثُ إليكمْ منْ يكفيكمْ هدمها)).
فكاتبوه على ذلك، واستأذنوه أن يسبقوا رسله إليهم، فلما جاءوا قومهم تلقّوهم،
فسألوهم: ما وراءكم؟
فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظَّ غليظٍ قد ظهر بالسيف، يحكم بما
يريد، وقد دوّخ العرب، قد حرم الربا والزنا والخمر، وأمر بهدم الربة.
فنفرت ثقيف وقالوا: لا نطيع لهذا أبداً.
قال: فتأهبوا للقتال وأعدوا السلاح، فمكثوا على ذلك يومين - أو ثلاثة -.
ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فرجعوا وأنابوا وقالوا: ارجعوا إليه فشارطوه على ذلك،
وصالحوه علیه.
قالوا: فإنا قد فعلنا ذلك، ووجدناه أتقى الناس، وأوفاهم، وأرحمهم، وأصدقهم، وقد
بورك لنا ولکم في مسیرنا إلیه وفیما قاضیناه علیه.
قالوا: فلم کتمتمونا هذا أوّلاً؟
قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان.
فأسلموا.
ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله وَّله وقد أمّر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم
المغيرة بن شعبة.
وقد استكفت ثقيف كلها، الرجال والنساء والصبيان، حتى خرج العواتق من الحجال،
ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة.
فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين - يعنى المعول - وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم
من ثقيف.
فضرب بالمعول ثم سقط، یر کض برجله.

٥٠٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فارتجَّ أهل الطائف بصيحة واحدة، وفرحوا وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربة! وقالوا
لأولئك: من شاء منکم فليقترب.
فقام المغيرة فقال: يا معشرَ ثقيفٍ، كانتِ العربُ تقولُ ما منْ حيّ منْ أحياءِ العربِ
أعقلُ منْ ثقيفٍ، وما منْ حيّ منْ أحياءِ العربِ أحمقُ منكمْ، ويحكمْ وما اللّاتُ والعزّى،
وما الرّبّةُ؟ حجرٌ مثلُ هذا الحجرِ، لا يدري منْ عبدهُ ومنْ لمْ يعبدهُ.
ثم إنه ضرب الباب فکسره.
ثم علا سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجراً حجراً حتى سوّوها بالأرض.
وجعل سادنها يقول: ترونَ إذا انتهى إلى أساسها، يغضبُ الأساسُ غضباً يخسفُ بهِمْ.
فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفرُ أساسها.
فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها.
وبهتتْ عند ذلك ثقيف.
ثم رجعوا إلى رسول الله وَل﴿ فقسم أموالها من يومه، وحمدوا الله تعالى على إعزاز دينه
ونصرة رسوله(١).
وكان النبي وَ لَّه ربما قبل من بعضهم ترك بعض الواجبات لمصلحة يراها، ومراعاة منه
للتدرّج في الدعوة:
فقد كان ◌َّ أحيانا يتألّفُ على الإسلام، فيسامحُ بترك بعض حقوق الإسلام، فيقبل
منهم الإسلام، فإذا دخلوا فيه رغبوا في الإسلام، فقاموا بحقوقه وواجباته كلها(٢).
عنْ وهبٍ بن منّه قالَ: سألتُ جابراً عنْ شأنِ ثقيفٍ إِذْ بايعتْ؟.
قالَ: اشترطتْ على النّبِيِّ وَّ أَنْ لا صدقةَ عليها ولا جهادَ، وأَنّهُ سمعَ النّبِيَّ ◌َِّ بعدَ
ذلكَ يقولُ: ((سيتصدّقونَ ويجاهدونَ إذا أسلموا)(٣).
(١) دلائل النبوة للبيهقي [٣٨٦/٥]. السيرة النبوية لابن كثير [٦٢/٤]، زاد المعاد [٥٢١/٣].
(٢) فتح الباري لابن رجب [٤/ ١٢].
(٣) رواه أبو داود [٣٠٢٥]، وصححه الألباني في الصحيحة [١٨٨٨].

٥٠٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلًَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قال الإمام أحمد: ((يصحُّ الإسلامُ على الشّرطِ الفاسدِ، ثمَّ يلزمُ بشرائعِ الإسلامِ كلّها))(١).
وعنْ أنس بن مالك رَّعَنْهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قالَ لرجلٍ: ((أسلمْ)).
قالَ: أجدني كارهاً.
قالَ: ((أسلمْ وإنْ كنتَ كارهاً)(٢).
وعنْ نصرِ بنِ عاصمٍ عنْ رجلٍ منهمْ أَنّهُ أتى النّبِيَّ وَِّ، فأسلمَ على أنّهُ لا يصلّي إلّا
صلاتینِ.
فقبلَ ذلكَ منهُ(٣).
فقد قبل النبي وَلّ من هؤلاء ترك بعض الواجبات من باب التدرّج معهم، وتأليف
قلوبهم.
فربما لا يفقه بعض الكفار الدين الإسلامي حقيقةً، أو يثقلُ عليه شيءٌ منه، فيقبلُ منه
الإسلامُ قبولا مبدئيّاً ترغيباً له فيه، ثم يرشدُ، وينصحُ، ويؤمرُ بباقي الشرائع.
وذلك طمعاً في أنه إذا دخل في الإسلام واستقر الإيمان في قلبه التزم بباقي الشرائع، كما
قال النبي ◌َّ عن وفد ثقيف: ((سيتصدّقونَ ويجاهدونَ إذا أسلموا)).
وقد بوب مجد الدين ابن تيمية على هذا الحديث وغيره بقوله: ((باب صحة الإسلام مع
الشرط الفاسد))(٤).
قال الشوكاني: «هذه الأحاديث فيها دليل على أنه يجوز مبايعة الكافر، وقبول الإسلام
منه، وإن شرط شرطاً باطلاً، وأنه يصح إسلام من كان كارهاً)(٥).
(١) جامع العلوم والحكم [٢٢٩/١].
(٢) رواه الإمام أحمد [١١٦٥٠] وصححه الألباني في الصحيحة [١٤٥٤].
(٣) رواه أحمد [١٩٧٧٦]، وصححه الألباني في الثمر المستطاب [٣].
(٤) المنتقى [٢ /٤١٦٤].
(٥) نيل الأوطار [٦/٨].

٥٠٦
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ومصلحةُ أن يسلم مع النقصِ الذي يرجى تكميله أولى من أن يبقى على الكفر المحض.
قال الحافظ ابن رجب: ((ومنَ المعلومِ بالضّرورةِ أنَّ النّبيَّ نَّ كانَ يقبلُ منْ كلِّ منْ جاءهُ
يريدُ الدّخولَ في الإسلامِ الشّهادتينِ فقطْ، ويعصمُ دمهُ بذلكَ، ويجعلهُ مسلماً.
ولمْ يكنْ وَّ يشترطُ على منْ جاءَهُ يريدُ الإسلامَ أنْ يلتزمَ الصّلاةَ والزّكاةَ.
بلْ قدْ رويَ أنّهُ قبلَ منْ قومِ الإسلامَ، واشترطوا أنْ لا يزكّوا))(١).
تنبيه: وما سبق هو في الكافر الذي يريد أن يسلم، وأما لو جاءنا مسلماً، وقال: سأكتفي
بصلاتين فقط لهذا الحدیث، فلا يقبل منه.
وقد لا يقبل وقيّ ذلك من بعضهم لعلمه بقوة استجابتهم:
عن ابنَ الخصاصيّةِ قالَ: أتيتُ النّبِيَّ ◌َّ لأبايعهُ.
فاشترطَ عليَّ: شهادةَ أنْ لا إلهَ إلّا الله وأنَّ محمّداً عبدهُ ورسولهُ، وأنْ أقيمَ الصّلاةَ، وأنْ
أؤدّيَ الزّكاةَ، وأنْ أحجَّ حجّةَ الإسلامِ، وأنْ أصومَ شهرَ رمضانَ، وأنْ أجاهدَ في سبيلِ الله.
فقلتُ يا رسولَ الله: أمّا اثنتانِ فوالله ما أطيقهما: الجهادُ والصّدقةُ، فإنّهمْ زعموا أنّهُ منْ
ولّى الدّبرَ؛ فقدْ باءَ بغضبٍ منْ الله، فأخافُ إنْ حضرتُ تلكَ جشعتْ نفسي(٢)، وكرهتْ
الموتَ.
والصّدقةُ فوَ الله ما لي إلّا غنيمةٌ، وعشرُ ذودٍ هنَّ رسلُ (٣) أهلي، وحمولتهمْ.
قالَ: فقبضَ رسولُ اللهِوَّهِ يدُهُ، ثمَّ حرّكَ يدهُ، ثمَّ قالَ: «فلا جهادَ ولا صدقةً؟! فلمَ
تدخلُ الجنّةَ إذاً؟».
قلتُ يا رسولَ الله: أنا أبايعكَ.
(١) جامع العلوم والحكم [٢٢٨/١].
(٢) أي: فزعت. النهاية [١/ ٢٧٤]
(٣) الرسل: هوَ اللّبن.

٥٠٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
فبايعتُ عليهنَّ كلّهنَّ(١).
قال ابن الأثير: ((فأما حديث بشير بن الخصاصيّة حين ذكرَ له شرائعَ الإسلام ... فلم
يحتمل لبشير ما احتمل لثقيف، ويشبه أن يكون إنّما لم يسمح له؛ لعلمه أنه يقبل إذا قيل له.
وثقيفٌ كانت لا تقبله في الحال، وهو واحدٌ وهم جماعة، فأرادَ أن يتألّفهم، ويدرّجهم
عليه شيئاً فشيئاً))(٢).
مواساتهم، وحثّ الصحابة على تعليمهم:
عنْ عروةَ قالَ: لّ رجعَ المشركونَ إلى مكّةَ منْ بدرٍ وقدْ قَتلَ الله تعالى منْ قتلَ منهمْ.
أقبلَ عميرُ بن وهبٍ حتّى جاءَ إلى صفوانَ بن أميّةً في الحجرِ.
فقالَ صفوانُ: قبّحَ الله العيشَ بعدَ قتلى بدٍ.
فقالَ عميرٌ: أجلْ والله، ما في العيشِ خيرٌ بعدُ، ولولا دينٌ عليَّ لا أجدُ لهُ قضاءً، وعيالي
ورائي لا أجدُ لهمْ شيئاً لَدخلتُ على محمّدٍ فلقتلتهُ إنْ ملئتْ عيني منهُ؛ فإنَّ لي عندهُ علّةً،
أقولُ قدمتُ على ابني هذا الأسيرُ(٣).
ففرحَ صفوانُ بقولهِ فقالَ: عليَّ دينكَ، وعيالكَ أسوةُ عيالي في النّفْقِةِ.
فحملهُ صفوانُ وجهّزهُ بسيفٍ صفوانَ، فصقلَ وسمَّ.
وقالَ عمیرٌ لصفوانَ: اکتمني لياليَ.
فأقبلَ عميرٌ حتّى قدمَ المدينةَ، فنزلَ بابَ المسجدِ، وعقلَ راحلتهُ، وأخذَ السّيفَ
لرسولِ الله ێ۔
فنظرَ إليهِ عمرُ بن الخطّابِ، وهوَ في نفرٍ منَ الأنصارِ يتحدّثونَ عنْ وقعةِ بدرٍ، ويشكرونَ
نعمةَ الله.
(١) رواه الإمام أحمد [٢١٤٤٥]، والحاكم [٢٤٢١]، وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) النهاية في غريب الأثر [٣ / ٤٧٦].
(٣) كانَ ابنهُ وهبُ بنُ عمیر في أساری بدٍ.

٥٠٨
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فلّا رأى عمرُ عميرَ بن وهبٍ معهُ السّيفُ فزعَ منهُ، فقالَ: عندكمُ الكلبُ هذا عدوُّ الله!
فقامَ عمرُ فدخلَ على رسولِ الله ◌َّه فقالَ: هذا عميرُ بن وهبٍ قدْ دخلَ المسجدَ معهُ
السّلاحُ، فهوَ الفاجرُ الغادرُ يا رسولَ الله لا تأمنهُ.
قالَ: ((أدخلهُ عليَّ!».
فدخلَ عمرُ وعميرٌ، وأمرَ أصحابهُ أنْ يدخلوا على رسولِ الله ◌َّةِ، ثُمَّ يحترسوا منْ عميرٍ
إذا دخلَ علیھمْ.
فأقبلَ عمرُ بن الخطّابِ وعميرُ بن وهبٍ، فدخلا على رسولِ الله وَّهِ، ومعَ عمرَ سيفهُ.
فقالَ رسولُ اللهِوَّ لعمرَ: ((تأخّرْ عنهُ)).
فلّ دنا منهُ حيّاهُ عميرٌ: أنعمْ صباحاً. وهيَ تحيّةُ أهلِ الجاهليّةِ.
فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((قدْ أكرمنا الله عََّجَلَّ عنْ تحيّكَ وجعلَ تحيّتنا السّلامَ وهيَ تحيّةُ أهلِ
الجنّةِ)).
فقالَ عميرٌ: إنَّ عهدكَ بها لحديثٌ.
قالَ رسولُ اللهِوَّ: «قَدْ بدّلنا الله خيراً منها، فما أقدمكَ يا عميرُ؟)).
قالَ: قدمتُ في أسيري عندكمْ، فقاربوني في أسيري؛ فإنّكمُ العشيرةُ والأهلُ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((فما بالُ السّيفِ في رقبتكَ؟».
فقالَ عميرٌ: قبّحها الله منْ سيوفٍ، فهلْ أغنتْ عنّا منْ شيءٍ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّةِ: ((اصدقني ما أقدمكَ)).
قالَ: ما قدمتُ إلا في أسیري.
فقالَ رسولُ اللهِ وََّ: ((فما شرطتَ لصفوانَ بن أميّةَ الجمحيِّ في الحجرِ؟)). ففزعَ عميٌ،
وقالَ: ماذا اشترطتُ لهُ.
قالَ: ((تحمّلتَ لهُ بقتلي على أنْ يعولَ بنيكَ، ويقضيَ دينكَ، والله حائلٌ بينكَ وبينَ ذلكَ)).

٥٠٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة
فقالَ عميرٌ: أشهدُ أنّكَ رسولُ الله وأشهدُ أنّهُ لا إلهَ إلا الله، كنّا يا رسولَ الله نكذّبُ
بالوحي، وبما يأتيكَ منَ السّماءِ، وإِنَّ هذا الحديثَ الّذي كانَ بيني وبينَ صفوانَ في الحجرِ كما
قالَ رسولُ الله ◌َله، لمْ يطّلعْ عليهِ أحدٌ غيري وغيرهُ، ثمَّ أخبركَ الله بهِ، فآمنتُ بالله ورسولهِ،
والحمدُ لله الّذي ساقني هذا المقامَ.
ففرحَ المسلمونَ حينَ هداهُ الله.
وقالَ عمرُ بن الخطّابِ رضيَ الله تعالى عنهُ: لخنزيرٌ كانَ أحبَّ إليَّ منْهُ حينَ اطّلعَ، ولهوَ
اليومَ أحبُّ إليَّ منْ بعضٍ بنيَّ.
فقالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((اجلسْ نواسكَ)).
وقالَ: ((علّموا أخاكمُ القرآنَ)).
وأطلقَ لهُ أسیرهُ.
وقالَ: يا رسولَ الله، قدْ كنتُ جاهداً ما استطعتُ على إطفاءِ نورِ الله، فالحمدُ لله الّذي
ساقني هذا المساقَ؛ فلتأذنْ لي، فألحَقَ بقريشٍ، فأدعوهمْ إلى الإسلامِ لعلَّ الله يهديهمْ،
ويستنقذهمْ منَ الملکةِ.
فأذنَ لهُ رسولُ اللهِ وَِّ ولحَقَ بمكّةَ.
وجعلَ صفوانُ يقولُ لقريشٍ في مجالسهمْ: أبشروا بفتحِ ينسيكمْ وقعةَ بدٍ، وجعلَ يسألُ
كلَّ راكبٍ قدمَ منَ المدينةِ هْ كانَ بها منْ حدثٍ؟ وكانَ يرجو ما قالَ عميرُ بن وهبٍ.
حتّى قدمَ عليهِ رجلٌ منْ أهلِ المدينةِ فسألَ صفوانُ عنهُ، فقالَ: قدْ أسلمَ، فلقيهُ المشركونَ،
فقالوا: قدْ صباً.
وقالَ صفوانُ: إنَّ عليَّ أنْ لا أنفعهُ بنفقةٍ أبداً، ولا أكلّمهُ منْ رأسٍ كلمةً أبداً، وقدمَ
عليهمْ عميرٌ ودعاهمْ إلى الإسلامِ، ونصحَ لهمْ، فأسلمَ بشرٌ كثيرٌ(١).
(١) رواه الطبراني في الكبير [١٣٥٨٦]، والبيهقي في الدلائل [١٠٠٩]، وقال الهيثمي: «رواهُ الطّبرانيُّ مرسلًا
وإسنادهُ جيّدٌ)). مجمع الزوائد [٢٨٦/٨].

٥١٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان يأمرهم بتبليغ ما تعلموه إلى من وراءهم من قومهم:
عنْ مالكِ بنِ الحويرثِ رَّهُ قالَ: قدمنا على النّبِيِّ ◌َّهِ ونحنُ شببةٌ، فلبثنا عندهُ نحواً
منْ عشرينَ ليلةً، وكانَ النّبيُّ نَّه رحيماً رفيقاً.
فظنَّ أَنّا اشتقنا أهلنا.
فلمّا رأى شوقنا إلى أهالينا، وسألنا عمّنْ تركنا في أهلنا فأخبرناهُ.
فقالَ: ((لوْ رجعتمْ إلى بلادكمْ؛ فعلّمتموهمْ، مروهمْ فليصلّوا صلاةَ کذا في حینٍ كذا،
وصلاةَ كذا في حينِ كذا، وإذا حضرتْ الصّلاةُ فليؤذّنْ لكمْ أحدكمْ، وليؤمّكمْ أکبرکمْ))(١).
وكان إذا أسلم الرجل دعاه إلى التخلّي عما يتعارض مع الشرع:
عنْ ابنِ عمرَ أنَّ غيلانَ بنَ سلمةَ الثّقفيَّ أسلمَ، وتحتهُ عشرُ نسوةٍ في الجاهليّةِ، فأسلمنَ
معهُ.
فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َِّ: ((اختر منهنَّ أربعاً)).
فلّا كانَ في عهدٍ عمرَ طلّقَ نساءهُ، وقسمَ مالهُ بينَ بنیهِ.
فبلغَ ذلكَ عمرَ فقالَ: إنّي لأظنُّ الشّيطانَ فيما يسترقُ منَ السّمع سمعَ بموتكَ، فقذفهُ في
نفسكَ، ولعلّكَ أنْ لا تمكثَ إلّا قليلاً.
وايمُ الله لتراجعنَّ نساءكَ، ولترجعنَّ في مالكَ، أَوْ لأورّثهنَّ منكَ، ولا مرنَّ بقبركَ فیرجمُ
كما رجمَ قبرُ أبي رغال(٢).
أبو رغالٍ «هوَ أبو ثقيفٍ وكانَ منْ ثمودَ وكانَ بهذا الحرمِ يدفعُ عنهُ، فلما خرجَ منهُ أصابتهُ
النّقمةُ الّتي أصابتْ قومهُ بهذا المكانِ فدفنَ فیهِ))(٣).
(١) رواه البخاري [٦٣١]، ومسلم [٦٧٤].
(٢) رواه الترمذي [١١٢٨]، وابن ماجة [١٩٥٣]، وأحمد [٤٦١٧]، واللفظ له، وصحّحه الألباني في الإرواء
[١٨٨٣].
(٣) تحفة الأحوذي [٢٣٤/٤].

٥١١
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسَلًَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
وعنْ الضّحّاكِ بنِ فيروزَ عنْ أبيهِ قالَ: قلتُ يا رسولَ الله إنّ أسلمتُ وتحتي أختانِ.
قالَ: ((طلّقْ أَيْتهما شئتَ))(١).
و کان يأمر ذا الشيبة منهم بتغيير الشيب وصبغه:
فعنْ جابرِ بن عبد الله رَّعَنْهَ قالَ: أتيَ بأبي قحافةَ أَوْ جاءَ عامَ الفتحِ، أوْ يومَ الفتحِ،
ورأسهُ ولحيتهُ مثلُ الثّغامِ أوْ الثّغامةِ (٢)، فأمرَ أوْ فأمَرَ بهِ إلى نسائِهِ قالَ: ((غيرّوا هذا بشيءٍ)(٣).
و کان یأمر من نذر طاعة أو شرع فيها أن یتمها بعد إسلامه:
عنِ ابنِ عمرَ أنَّ عمرَ رَّعَنْهُ قالَ: يا رسولَ الله، إنّ نذرتُ في الجاهليّةِ أنْ أعتكفَ ليلةً
في المسجدِ الحرامِ.
قالَ: ((فأوفٍ بنذركَ))(٤).
قال ابن حجر: ((وفي الحديث لزوم النّذر للقربةِ منْ كلّ أحد حتّى قبلَ الإسلامِ)) (٥).
ولما أسلم ثمامةُ بنُّ أثالٍ قال للنبي وَّهِ: (إنَّ خيلكَ أخذتني وأنا أريدُ العمرةَ فماذا ترى؟).
فبشّرهُ رسولُ اللهِوََّ(٦)، وأمرهُ أنْ يعتمرَ.
فلمّا قدمَ مكّةَ، قالَ لهُ قائلٌ : صبوتَ؟
قالَ: لا، ولكنْ أسلمتُ معَ محمّدٍ رسولِ اللهِ وَيَ(٧).
(١) رواه أبو داود [٢٢٤٣]، والترمذي [١١٢٩]، وابن ماجة [١٩٥١]، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان
[٤١٤٣].
(٢) هوَ نبت أبيضُ الزّهر والثّمرِ يشبّه بهِ الشّيب. وقيلَ هيَ شجرةٌ تبيضُ كأنها الثّلجُ. النهاية [٢١٤/١]
(٣) رواه مسلم [٢١٠٢].
(٤) رواه البخاري [٢٠٣٥]، ومسلم [١٦٥٦].
(٥) فتح الباري [١١/ ٥٨٢].
(٦) أيْ: بشرّهُ بما حصلَ لهُ منْ الخير العظيم بالإسلامِ، أوْ بمحوِ ذنوبه وتبعاته السّابقة وأنَّ الإسلام يهدم ما كانَ
قبله.
(٧) رواه البخاري [٤٣٧٢]، ومسلم [١٧٦٤] عن أبي هريرة رَضُّعَنْهُ.

٥١٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال الحافظ رَحمَةُاللَّهُ: «فيهِ: أنَّ الكافر إذا أرادَ عمل خير، ثمَّ أسلمَ شرعَ لهُ أنْ يستمرّ في
عمل ذلكَ الخير))(١).
وأمرهُ إيّاه بالعمرةِ على الاستحباب؛ لأنَّ العمرة مستحبّة في كلّ وقت لا سيّما منْ هذا
الشّريف المطاع إذا أسلمَ، وجاءَ مراغاً لأهلِ مكّة فطافَ وسعى وأظهرَ إسلامه وأغاظهمْ
بذلكَ(٢).
عدمُ حبسِ السّفراء الراغبين في الإسلام.
عن أبي رافعٍ - وكانَ قبطيّاً قالَ: بعثتني قريشٌ إلى رسولِ الله ◌َّه، فلما رأيتُ رسولَ الله عَل
ألقيَ في قلبي الإسلامُ.
فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ والله لا أرجعٌ إليهمْ أبداً!
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنّ لا أخيسُ بالعهدِ(٣)، ولا أحبسُ البردَ(٤) ولكنْ ارجعْ، فإنْ كانَ
في نفسكَ الّذي في نفسكَ الآنَ فارجعْ)).
قالَ: فذهبتُ، ثمَّ أتيتُ النّبيّ ◌َّ؛ فأسلمتُ (٥).
وفيه: أنَّ العهد يراعى معَ الكافر كما يراعى معَ المسلم(٦).
قال الطيبي: ((والمراد بالعهد هنا العادة الجارية المتعارفة بين الناس، أن الرّسل لا يتعرّضُ
لهم بمكروه؛ لأن في تردّد الرّسل مصلحةً كلّيّةً، فلو حبسوا أو تعرّضَ لهم بمكروه؛ كان سبباً
الانقطاع السّبل بين الفئتين المختلفتين، وفيه من الفتنة والفساد ما لا يخفى على ذي لبٍّ))(٧).
(١) فتح الباري [٨٨/٨].
(٢) شرح النووي على مسلم [٨٩/١٢].
(٣) أي: لا أنقض العهد.
(٤) جمع بريد وهو الرسول.
(٥) رواه أبو داود [٢٧٥٨]، وصححه في السلسلة الصحيحة [٧٠٢].
(٦) عون المعبود [٢٠٣/٦].
(٧) فيض القدير [٢٥/٣].

٥١٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّعَلَيْهِوَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة
وقالَ ابن القيم: ((وكانَ هديه أيضاً: أنْ لا يحبس الرّسول عنده إذا اختارَ دينه، ويمنعهُ
اللّحاق بقومِهِ، بلْ يردّهُ إليهمْ.
قالَ أبو داودَ: وكانَ هذا في المدّة الّتي شرطَ لهمْ رسول الله ◌َّهِ أَنْ يردّ إليهمْ منْ جاءَ منهمْ
وإنْ كانَ مسلماً، وأمّا اليوم فلا يصلح هذا))(١).
يستقبلُ المصطفى بالبشرِ مسلمھمْ
بالغسلِ يأمرهمْ حتّى يطهّرهمْ
نصحاً يحذّرهمْ منْ كلِّ شائبةٍ
رفقاً يعلّمهمْ أحكامَ دينهمُ
وتاركاً كلَّ ما عنهُ ينفّرهمْ
وكمْ يؤلّفهمْ بالمالِ يبذلهُ
یخشی علیھمْ، وبالكتمانِ یأمرهمْ
وسائلٍ عنْ خصالِ الخيرِ قدّمها
قدْ أسلفَ الخيرَ، والإسلامُ كمّلهُ
ومنْ تحنّثَ بالخيراتِ ينذرها
ومنْ تبقّتْ بقايا جاهليّتِهِ
ویرسُ المصطفی أصحابهُ لھمُ
أتاهُ ذو شيبةٍ يوماً، فغيّرها
وقدْ تمكّنَ منْ أعدائهِ، فعفا
فدَّى لهُ النّفسُ والأولادُ أجمعهمْ
وبالحفاوةِ يلقاهمْ إذا قدموا
فإنّهُ مع طهرِ القلبِ منسجمُ
تشوبُ إِيمانهمْ، فالشّركُ مصطلمُ
بالحلمِ واللّينِ حتّى تثبتَ القدمُ
فما بدا منهُ تعنيفٌ ولا غشمُ
منْ دونِ منْ بثباتِ القلبِ قدْ علموا
حيناً، وذو العقلِ قدْ يخشى فيكتتمُ
في الجاهليّةِ، والخيراتُ تغتنمُ
وفازَ بالخيرِ منْ بالدّينِ يعتصمُ
فلیوفٍ بالنّذرِ، ولیبرزْ بها القسمُ
فالمصطفى ناصحٌ، والشُّّ بنحسمُ
معلّمينَ، ونعمَ النّاصحونَ هُمُ
وخيرُ صبغ لها الحنّاءُ والكتمُ
فليسَ يعزبُ عنهُ العفوُ والكرم
والوالدانٍ، وخلقُ الله كلّهم
(١) زاد المعاد [١٢٦/٣].

٥١٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَلّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح دعوية مخصوصة
تعامل النبي وَ اللّه مع المستفتين
لا شكّ أن شأن الفتوى عظيمٌ؛ لأنه بها يحفظُ أمرُ الدين، وبها تحرسُ الملّةُ، وتحفظُ حدودُ الله.
((وإذا كانَ منصبُ التّوقيعِ عنِ الملوكِ بالمحلِّ الّذي لا ينكرُ فضلهُ، ولا يجهلُ قدرهُ، وهوَ
منْ أعلى المراتبِ السّنّاتِ، فكيف بمنصبِ التّوقيعِ عنْ ربِّ الأرضِ والسّمواتِ؟!
فحقيقٌ بمنْ أقيمَ في هذا المنصبِ أنْ يعدَّ لهُ عدّتَهُ، وأنْ يتأهّبَ لهُ أهبتهُ، وأنْ يعلمَ قدرَ
المقامِ الّذي أقيمَ فيهِ.
وأوّلُ منْ قامَ بهذا المنصبِ الشّريفِ سيّدُ المرسلينَ، وإمامُ المّقينَ، وخاتمُ النّبيّينَ،
عبدُ الله ورسولهُ، وأمينهُ على وحيهِ، وسفيرهُ بينهُ وبينَ عبادهِ؛ فكانَ يفتي عنِ الله بوحيهِ
المبينِ))(١).
وإن مما يعين على الفقه في الدين، ويبصّرُ طالب العلم بمواقع الفتيا والأحكام: معرفة
هدي النبي ◌َّ- مع السائل والمستفتي.
ولقد كثرت الوقائعُ التي كانَ نبيُّ اللهَ وَلّه يستفتى فيها؛ لأنه كان الملاذَ للأمّة عند
الملّاتِ، والحصنَ لها عند النائباتِ.
ولذلك نجدُ في القرآن إشاراتٍ كثيرةً لأسئلة الصحابة واستفتاءاتهم للنبي وَّ:
[البقرة: ٢١٧]،
﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾
يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥]،
[البقرة: ٢٢٠]،
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى﴾
[البقرة: ٢١٩]،
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾
[النساء: ١٢٧]،
[البقرة: ٢٢٢]، ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ﴾
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾
(١) إعلام الموقعين [١٩/١].

٥١٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[النساء: ١٧٦]، ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾ [الأنفال: ١]،
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِى اُلْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]، ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
فكيف كان يتعاملُ النبيُّ ◌َلّ مع المستفتين، وما هي طريقته ومنهجه في التعامل مع
المستفتين والسائلين على اختلاف أحوالهم والوقائع التي سألوا عنها.
کان النبيُّ ټ يراعي حال المستفتي، فیفتي كلَّ سائل بما يناسب حاله:
عن ابن مسعودٍ رَه عنه قال: سألتُ رسولَ الله ◌َّ: أيُّ العملِ أفضلُ؟.
قالَ: ((الصّلاةُ على میقاتها)).
قلتُ: ثمَّ آيٌّ؟
قالَ: «ثُمَّ بُّ الوالدينِ».
قلتُ: ثمَّ أُّ؟
قالَ: ((الجهادُ في سبيلِ الله)(١).
وعنْ أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ سئلَ أيُّ العملِ أفضلُ؟.
فقالَ: ((إیمانٌ بالله ورسولهِ)).
قیلَ : ثمَّ ماذا.
قالَ: ((الجهادُ في سبيلِ الله)).
قيلَ : ثمَّ ماذا.
قالَ: ((حجّ مبرورٌ)(٢).
وعنْ أبي أمامةَ أنّهُ سألَ رسولَ الله ◌َّه أَيُّ العملِ أفضلُ؟.
قالَ: ((عليكَ بالصّومِ، فإنّهُ لا عدلَ لهُ))(٣).
(١) رواه البخاري [٢٧٨٧]، ومسلم [٨٥].
(٢) رواه البخاري [٢٦]، ومسلم [٨٣].
(٣) رواه النسائي [٢٢٢٠]، وصححه الألباني.

٥١٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمً مع شرائح دعوية مخصوصة
ولما سئلَ: أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله؟
قالَ: ((أدومهُ وإنْ قلَّ))(١).
وكذلك لما سئل: أيُّ الإسلامِ أفضلُ، قالَ: ((منْ سلمَ المسلمونَ منْ لسانِهِ ويدِ)(٢).
وسئل: أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟
فقالَ: ((تطعمُ الطّعامَ، وتقرأ السّلامَ على منْ عرفتَ ومنْ لمْ تعرفْ))(٣).
فيلاحظ في هذه الأحاديث اختلاف الأجوبة مع أن المسئولَ عنه شيءٌ واحدٌ.
قال ابن حجر: ((ومحصّلُ ما أجابَ بهِ العلماءُ عنْ هذا الحديثِ وغيره ممّا اختلفتْ فيهِ
الأجوبة بأنّهُ أفضل الأعمالِ، أنَّ الجوابَ اختلفَ؛ لاختلافِ أحوالِ السّائلينَ، بأنْ أعلمَ كلَّ
قومٍ بما يحتاجونَ إليهِ، أوْ بما لهمْ فيهِ رغبة، أوْ بما هوَ لاتَقِّ بهمْ.
أوْ كانَ الاختلاف باختلافِ الأوقاتِ بأنْ يكونَ العملُ في ذلك الوقتِ أفضلَ منهُ في
غيرِهِ، فقدْ كانَ الجهاد في ابتداءِ الإسلامِ أفضل الأعمالِ؛ لأنّهُ الوسيلةُ إلى القيامِ بها والتّمكّنِ
منْ أدائها.
وقدْ تضافرتْ النّصوص على أنَّ الصّلاةَ أفضل منْ الصّدقةِ، ومعَ ذلكَ ففي وقتٍ
مواساةِ المضطرِّ تكونُ الصّدقةُ أفضلَ ... ))(٤).
ومن ذلك أنه سئل عن أفضل الجهاد فكانت له إجابات مختلفة أيضاً:
فعن عبدِ الله بنِ حبشيِّ الخثعميِّ قيل لرسول الله ◌َّ: أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قالَ: ((منْ
جاهدَ المشركينَ بمالِهِ ونفسِهِ))(٥).
(١) رواه مسلم [٧٨٢] عن عائشة رَضِ لَّهُ عَنْهَا.
(٢) رواه البخاري [١١]، ومسلم [٤٢] عن أبي موسى الأشعري رَُّعَنْهُ.
(٣) رواه البخاري [٢٨]، ومسلم [٣٩] عن عبد الله بن عمرو رَّعَنَّهُ).
(٤) فتح الباري [٩/٢].
(٥) رواه أبو داود [١٤٤٩]، والنسائي [٢٤٧٩] وصححه الألباني.

٥١٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وعن عائشةَ رَّعنها أنّها قالتْ: يا رسولَ الله، نرى الجهادَ أفضلَ العملِ أفلا نجاهدُ؟
قالَ: ((لا، لكنَّ أفضلَ الجهادِ حجٌّ مبرورٌ))(١).
وفي رواية: ((عليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيهِ: الحجُّ والعمرةُ)(٢).
وعنْ طارقٍ بنِ شهابٍ أنَّ رجلاً سألَ النّبِيَّ ◌َ﴾ وقدْ وضعَ رجلهُ في الغرزِ: أيُّ الجهادِ
أفضلُ؟ قالَ: «كلمةُ حقِّ عندَ سلطانٍ جائٍ)»(٣).
ومن ذلك أنه سئل عن العمل الذي يدخل الجنة، فكانت له إجابات مختلفة أيضاً:
فعنْ أبي أيّوبَ رَّوَ عَّهُ أَنَّ رجلاً قالَ للنّبِّ ◌َّ: أخبرني بعملٍ يدخلني الجنّةَ.
فقالَ القومُ: ما لهُ ما لهُ؟
فقالَ النّبيُّ ◌َّ: «أربٌ(٤) ما لهُ، تعبدُ اللهَ ولا تشركُ بهِ شيئاً، وتقيمُ الصّلاةَ، وتؤتي الزّكاةَ،
وتصلُ الرّحمَ»(٥).
وعنْ معاذٍ بِنِ جبلٍ رَهُ قالَ: كنتُ معَ النّبِّ وَّه في سفرٍ، فأصبحتُ يوماً قريباً منهُ
ونحنُ نسيرُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، أخبرني بعملٍ يدخلني الجنّةَ، ويباعدني عنْ النّارِ.
قالَ: ((لقدْ سألتني عنْ عظيم، وإنّهُ ليسيرٌ على منْ يسّرَهُ الله عليهِ، تعبدُ اللهَ ولا تشركْ بهِ
شيئاً، وتقيمُ الصّلاةَ، وتؤتي الزّكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ)).
ثمَّ قالَ: ((ألا أدلّكَ على أبوابِ الخيرِ؟ الصّومُ جنّةٌ [أي: وقاية]، والصّدقةُ تطفئُ الخطيئَةَ
كما يطفئُّ الماءُ النّارَ، وصلاةُ الرّجلِ منْ جوفِ اللّيلِ قالَ: ثمَّ تلا: ﴿ نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
اُلْمَضَاجِعِ﴾ حتّى بلغَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ -١٧].
(١) رواه البخاري [١٥٢٠].
(٢) رواه ابن ماجة [٢٩٠١]، وأحمد [٢٤٧٩٤]، وصححه الألباني في الإرواء [٩٨١].
(٣) رواه النسائي [٤٢٠٩] وصححه الألباني في صحيح النسائي [٤٢٠٩].
(٤) أي: حاجةٌ.
(٥) رواه البخاري [١٣٩٦]، ومسلم [١٣].

٥١٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
ثمَّ قالَ: ((ألا أخبركَ برأسِ الأمرِ كلّهِ، وعمودهِ، وذروةِ سنامهِ؟)).
قلتُ: بلى يا رسولَ الله.
قالَ: ((رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودهُ الصّلاةُ، وذروةُ سنامِهِ الجهادُ)).
ثمَّ قالَ: ((ألا أخبركَ بملاكِ ذلكَ كلّهِ؟».
قلت: بلی یا نبيَّ الله.
فأخذَ بلسانِهِ قالَ: «كفَّ عليكَ هذا».
فقلتُ: يا نبيَّ الله، وإنّا لمؤاخذونَ بما نتكلّمُ بِهِ؟
فقالَ: ((ثكلتكَ أمّكَ يا معاذُ! وهلْ يكبُّ النّاسَ في النّارِ على وجوههمْ، أوْ على مناخرهمْ
إلّا حصائدُ ألسنتهمْ؟))(١).
وعنْ أبي ذرِّ رَنهُ قالَ: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الأعمالِ أفضلُ (٢)؟
قالَ: ((الإيمانُ بالله، والجهادُ في سبيلِهِ)).
قالَ: قلتُ: أيُّ الرّقابِ أفضلُ؟
قالَ: ((أنفسها عندَ أهلها، وأكثرها ثمناً)).
قالَ: قلتُ: فإنْ لمْ أفعلْ؟
قالَ: ((تعينُ صانعاً، أوْ تصنعُ لأخرقَ))(٣).
قالَ: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ إنْ ضعفتُ عنْ بعضِ العملِ؟
قالَ: ((تكفُّ شرّكَ عنِ النّاسِ؛ فإنّها صدقةٌ منكَ على نفسكَ))(٤).
(١) رواه الترمذي [٢٦١٦]، وابن ماجة [٣٩٧٣]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥١٣٦].
(٢) وفي رواية ابن حبان [٣٧٤]: قلتُ: دلّني على عملٍ إذا عملَ العبدُ بِهِ دخلَ الجنّةَ.
(٣) أيْ جاهلٍ بما يجبُ أنْ يعمله ولم يكن في يديه صنعة يكتسب بها. النهاية [٢٦/٢]
(٤) رواه البخاري [٢٥١٨]، ومسلم [٨٤].