النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: لبّكَ يا رسولَ الله. قالَ: ((ضعْ منْ دينكَ هذا)) فأوماً إليهِ، أيٍ: الشّطرَ. قالَ: لقدْ فعلتُ يا رسولَ الله. قالَ: ((قمْ فاقضِهِ)) (١). قال ابن الجوزي: ((والّذي أمره بهِ رسول اللهَوَّه على سبيلِ المشورةِ، وهذا يدلُّ على أن للحاكم أن يراود الخصمينِ على الصّلح إذا رأى وجهَ المصلحةِ، كما يفصلُ الحكم بينهما))(٢). من فوائد الحدیث: فيهِ: الاعتمادُ على الإشارةِ إذا فهمتْ. وفيهِ: الشّفاعةُ إلى صاحبِ الحقِّ. وفيهِ: إشارةُ الحاكمِ بالصّلحِ بين الخصوم، وحسن التّوسّط بينهمْ. وفيهِ: قبول الشّفاعةِ في غير معصية. وفيهِ: جوازُ إرخاء السّتِرِ على البابِ. وفيهِ: جوازُ المطالبة بالدّينِ في المسجد(٣). ويندبهم إلى ذلك، ويبيّنُّ لهم أنه من فعل المعروف: عن عائشةَ رَتْهَا قالت: سمعَ رسولُ اللهَوَلَه صوتَ خصومِ بالبابِ عاليةٍ أصواتهما. وإذا أحدهما يستوضعُ الآخرَ، ويسترفقهُ في شيءٍ. وهوَ يقولُ: والله لا أفعلُ. (١) رواه البخاري [٤٥٧]، ومسلم [١٥٥٨]. (٢) كشف المشكل من حديث الصحيحين [١/ ٣٨٧]. (٣) فتح الباري [١/ ٥٥٢]، شرح النووي على صحيح مسلم [٢٢٠/١٠]. ٤٦١ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فخرجَ عليهما رسولُ الله ◌َّه فقالَ: «أينَ المتألّي على الله(١) لا يفعلُ المعروفَ؟)). فقالَ: أنا يا رسولَ الله، ولهُ أيُّ ذلكَ أحبَّ(٢). من فوائد الحدیث: فيهِ: الحضُّ على الرّفق بالغريمِ، والإحسان إليهِ بالوضعِ عنهُ. وفيهِ: الزّجرُ عنِ الحلف على ترك فعل الخير، وأنّهُ يستحبّ لمنْ حلفَ لا يفعل خيراً أنْ يحنث، فیکفّر عن يمينه. وفيهِ: الشّفاعةُ إلى أصحاب الحقوق. وفيهِ: قبولُ الشّفاعةِ في الخير(٣). وعنْ سهلِ بنِ سعدٍ رَنهُ أنَّ أهلَ قباءِ اقتتلوا حتّى تراموا بالحجارةِ، فأخبرَ رسولُ الله ◌َّ بِذلكَ. فقالَ: اذهبوا بنا نصلح بينهمْ(٤). وإذا لم يجدِ الصلحُ بين المتخاصمين حكم بينهم بحكم الشرع: عنْ عبدِ الله بنِ الزّبيِ رَّا أَنَّ رجلاً منَ الأنصارِ خاصمَ الزّبيرَ عندَ النّبِيِّ ◌َّ في شراجِ الحرّةِ (٥) الّتي يسقونَ بها النّخَلَ، كانا يسقيانِ بِهِ كلاهما (٦). فاختصما عندَ النّبِّ ◌َّ. (١) أي: الحالف المبالغ في اليمين. (٢) رواه البخاري [٢٧٠٥]، ومسلم [١٥٥٧]. (٣) فتح الباري [٣٠٨/٥]، شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ٢٢٠]. (٤) رواه البخاري [٢٦٩٣]، ومسلم [٤٢١]. (٥) جمع شرجة، وهي مسيل الماءِ منَ الحرّة إلى السّهل، والحرّة: أرضٌ بظاهرِ المدينةِ بها حجارة سودٌ كثيرةٌ. النهاية [٤٦٥/٢]، [٣٦٥/١]. (٦) كان الماء يمرّ بأرضِ الزّبير قبل أرض الأنصاريّ، فيحبسهُ الزبیر لإكمالِ سقي أرضه، ثمَّ یرسلهُ إلى أرض جاره، فالتمسَ منهُ الأنصاريّ تعجيل ذلكَ، فامتنعَ. فتح الباري [٣٦/٥]. ٤٦٢ تعاملات النبيّ صَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ فقالَ رسولُ الله ◌َّه للزّبيِ: ((اسقِ يا زبيرُ، ثمَّ أرسلِ الماءَ إلى جاركَ)). فغضبَ الأنصاريُّ وقالَ: يا رسولَ الله أنْ كانَ ابنَ عمّتكَ(١)؟ فتلوّنَ وجهُ رسولِ الله ◌َالاتِ. ثُمَّ قالَ: ((اسقِ يا زبيرُ، ثمَّ احبسِ الماءَ حتّى يرجعَ إلى الجدرِ))(٢). فقالَ الزّبير: والله إنّ لأحسبُ هذِهِ الآيَةَ نزلتْ في ذلكَ: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النساء: ٦٥](٣). قال ابنُ عبدِ البِرِّ: ((ومعنى هذا الحديث: أن رسولَ الله ◌ٍَّ كانَ قد أشارَ على الزّبيرِ بما فيهِ السّعةُ للأنصاريِّ، فلما كان منه ما كان من الجفاءِ استوعبَ للزبير حقّه في صريحِ الحكمِ))(٤). قال النوويُّ: ((وكانَ الزّبير صاحب الأرض الأولى، فأدلَّ عليهِ رسول الله ◌َّهِ، وقالَ: اسِقِ شيئاً يسيراً دونَ قدرٍ حقّك، ثمَّ أرسلهُ إلى جارك إدلالاً على الزّبير، ولعلمهِ بأنّهُ يرضى بذلكَ، ويؤثرُ الإحسان إلى جاره، فلمّا قالَ الجارُ ما قالَ؛ أمرهُ أنْ يأخذَ جميعَ حقّهِ)) (٥). من فوائد الحديث: فيهِ: الإشارةُ بالصلحِ، والأمرُ به. وفيهِ: أن للحاكمِ أن يستوعيَ لكل واحدٍ من المتخاصمينِ حقّه إذا لم يرَ منهما قبولاً للصّلحِ، ولا رضاً بما أشارَ به. وفيهِ: توبيخُ من جفا على الإمام والحاكم ومعاقبته(٦). (١) أي: حكمت لهُ بالتّقديمِ لأجلِ أنّهُ ابن عمّتك. شرح النووي [١٥/ ١٠٨] (٢) الحواجز التي تحبس الماء، والمعنى: حتى تبلغ تمام الشرب. فتح الباري [٥/ ٣٧]. (٣) رواه البخاري [٢٣٦٠]، ومسلم [٢٣٥٧]. (٤) التمهيد [١٧ /٤٠٩]. (٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ١٠٨]. (٦) شرح صحيح البخارى [٦/ ٥٠١- ٥٠٢] لابن بطال. ٤٦٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَلّله عليهِوسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وكان يخوّفهم من الحلف بالله كذباً: عنْ وائلٍ بِنِ حجرٍ رَّ ◌َنهُ قالَ: كنتُ عندَ رسولُ الله ◌َ، فأتاهُ رجلانِ يختصمانِ في أرضٍ، فقالَ أحدهما: إنَّ هذا انتزى (١) على أرضي يا رسولَ الله في الجاهليّةِ. قالَ: ((بيّنتكَ)). قالَ: ليسَ لي بيّنةٌ. قالَ: ((يمينهُ)). قالَ: إذنْ يذهبُ بها(٢). فقالَ له: «ليسَ لكَ إلّا ذاكَ)). فلّا قامَ ليحلفَ، قالَ رسولُ الله ◌َّ: (( منِ اقتطعَ أرضاً ظالماً لقيَ الله وهوَ عليهِ غضبانُ))(٣). وعن رجاءِ بنِ حيوةَ والعرسِ ابنِ عميرةَ عنْ أبيهِ عديٍّ قالَ: خاصمَ رجلٌ منْ كندةَ يقالُ لهُ امرؤُ القيسِ بنُ عابسٍ رجلاً منْ حضر موتَ إلى رسولِ الله ◌َّ في أرضٍ. فقضى على الحضرميِّ بالبيّنةِ، فلمْ تكنْ لهُ بيّنةٌ، فقضى على امرئ القيسِ باليمينِ. فقالَ الحضرميُّ: إنْ أمكنتُهُ منَ اليمينِ يا رسولَ الله، ذهبتْ والله أرضي. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: (( منْ حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ؛ ليقتطعَ بها مالَ أخيهِ لقيَ الله وهوَ علیهِ غضبانُ)). قالَ رجاءُ: وتلا رسولُ الله ◌َّهِ: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [النساء: ٧٧]. فقالَ امرؤُ القيسِ: ماذا لمنْ تركها يا رسولَ الله؟ (١) أي: استولى. (٢) أي: يأخذ الأرض إذا كان بقاؤها معه متوقّفاً على حلفه. (٣) رواه مسلم [١٣٩]. ٤٦٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((الجنّةُ)). قالَ: فاشهدْ أنّي قدْ تركتها لهُ كلّها(١). من فوائد الحديث: فيهِ: التّشديد على منْ حلفَ باطلاً؛ ليأخذَ حقّ مسلمٍ، ووعيدُ الحالف الكاذب. وفيهِ: موعظةُ الحاكم المطلوبَ إذا أرادَ أنْ يحلفَ خوفاً منْ أنْ يحلف باطلاً، فيرجع إلى الحقّ بالموعظةِ(٢). ويبيّنُ لهم أنه يحكم بينهم بحسبِ الظاهر: عن أمِّ سلمةَ زوجِ النّبِّوََّ عِنْ رسولِ الله ◌َّ أَنّهُ سمعَ خصومةً ببابٍ حجرتِهِ، فخرجَ إليهمْ، فقالَ: ((إنّما أنا بشرٌ، وإِنّهُ يأتيني الخصمُ، فلعلَّ بعضكمْ أنْ يكونَ أبلغَ (٣) منْ بعضٍ، فأحسبُ أنّهُ صادقٌ، فأقضي لهُ بذلكَ. فمنْ قضيتُ لهُ بحقِّ مسلمٍ؛ فإنّما هيَ قطعةٌ منَ النّارِ فليأخذها، أوْ ليتركها))(٤). قال النووي: ((قوله ◌َّ: ((إنّما أنا بشر)) معناهُ التّنبيهُ على حالة البشريّة، وأنَّ البشرَ لا يعلمونَ منَ الغيبِ وبواطنِ الأمورِ شيئاً، إلّا أنْ يطلعهمُ الله تعالى على شيء منْ ذلكَ، وأنّهُ يجوز عليهِ في أمورِ الأحكامِ ما يجوز عليهمْ، وأنّهُ إنّما يحكم بين النّاس بالظّاهِرِ، والله يتولّى السّرائر. فيحكمُ بالبيّنةِ، وباليمينٍ، ونحو ذلكَ منْ أحكام الظاهر، معَ إمكان كونه في الباطن خلاف ذلكَ، ولكنّهُ إنّما كلّفَ الحكم بالظّاهِرِ)) (٥). وأن حكمه بالظاهر لا يحلُّ للمبطل أخذَ حقٍّ غيره: عن أمِّ سلمةَ رَعَنْهَا قالت: كنتُ جالسةً عندَ النّبِيِّنَّهِ إِذْ جاءه رجلانِ يختصمانِ فی (١) رواه أحمد [١٧٢٦٣]، وصححه شعيب الأرناؤوط. (٢) فتح الباري [١١/ ٥٦٣]. (٣) أي: أفصح ببيان حجته. (٤) رواه البخاري [٢٤٥٨]، ومسلم [١٧١٣]. (٥) شرح النووي على مسلم [١٢/ ٥]. ٤٦٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة مواريثَ فى أشياءَ قدْ درستْ(١). فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنّما أنا بشِّر، وإنّكمْ تختصمونَ إليّ، ولعلَّ بعضكمْ أنْ يكونَ ألحنَ بحجّتِهِ منْ بعضٍ، فأقضيَ لهُ على نحوِ ما أسمعُ منهُ، فمنْ قضيتُ لهُ منْ حقِّ أخيهِ بشيءٍ، فلا يأخذْ منهُ شيئاً، فإنّما أقطعُ لهُ قطعةً منَ النّارِ)). فبكى الرّجلانِ، وقالَ كلُّ واحدٍ منهما: حقّي هذا الّذي أطلبُ لصاحبي. فقالَ لهما النّبِيُّ ◌َِّ: ((أمَّا إِذْ فعلتما ما فعلتها، فاقتسما وتوخّيا الحقَّ، ثمَّ استهما، ثمَّ تحالًا)(٢). ((وتوخّيا)) أي: اطلبا الحقّ، والعدل في القسمة، واجعلا المتنازعَ فيهِ نصفينٍ. ((ثُمَّ استهما)) أي: اقترعا لتعيينِ الحصّتينِ إِنْ وقعَ التّنازع بينكما؛ ليظهر أيُّ القسمینِ وقعَ في نصيب كلّ منهما، وليأخذْ كلّ واحد منكما ما تخرجهُ القرعة منَ القسمة. (ثُمَّ تحالًا)) أي: ليجعلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبه في حلٍّ منْ قبله بإبراء ذمّته(٣). قالَ الخطّبيُّ: ((فيهِ منَ الفقه: وجوبُ الحكمِ بالظّاهِرِ، وأنَّ حكمَ الحاكمِ لا يحلُّ حراماً، ولا يحرّم حلالاً، وأنّهُ متى أخطأَ في حكمه، فقضى كانَ ذلكَ في الظّاهِرِ، فأمّا في الباطن، وفي حكم الآخرة، فإنّهُ غير ماضٍ))(٤). وقالَ النّوويّ: ((في هذا الحديثِ: دلالةٌ لمذهبٍ مالك، والشّافعيِّ، وأحمدَ، وجماهير علماءِ الإسلام، وفقهاء الأمصارِ منَ الصّحابةِ والتّابعينَ، فمنْ بعدهمْ: أنَّ حكم الحاكم لا يحلّ الباطنَ، ولا يحلُّ حراماً. فإذا شهدَ شاهدا زورٍ لإنسانِ بمالٍ، فحكمَ بهِ الحاكم؛ لمْ يحلّ للمحكومِ لهُ ذلكَ. ولوْ شهدا عليهِ بقتلِ لمْ يحلَّ للوليِّ قتله معَ علمه بكذبهما، ولا أخذُ الدّيةِ منهُ. (١) أي: بليتْ. وفي رواية أبي داود [٣٥٨٤]: أتى رسولَ الله وَلَه رجلانِ يختصمانٍ في مواريثَ لهما، لم تكنْ لهما بيّنَةٌ إلّا دعواهما. (٢) رواه أحمد [٢٦٧٦٠] وأبو داود [٣٥٨٣]،، وحسنه الألباني في الإرواء [١٤٢٣]. (٣) عون المعبود [٣٦٤/٩]. (٤) عون المعبود [٣٦٢/٩]. ٤٦٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولوْ شهدا أنّهُ طلّقَ امرأته لمْ يحلّ لمنْ علمَ بكذبهما أنْ يتزوّجها بعدَ حكم القاضي بالطّلاق))(١). وكان لا يحكم على المدّعى عليه إلا باعترافه، أو بوجود البيّنة: عن وائلٍ بن حجرٍ رَّ ◌َنهُ قالَ: إنّي لقاعدٌ مِعَ النّبِيِّ ◌َِّهَ إِذْ جاءَ رجلٌ يقودُ آخرَ بنسعةٍ(٢). فقالَ: يا رسولَ الله هذا قتلَ أخي. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((أقتلتهُ؟)). فقالَ: إنّهُ لَوْ لمْ يعترفْ أقمتُ عليهِ البيّنَةَ. قالَ: نعمْ قتلتهُ. قالَ: «كيفَ قتلتهُ؟». قالَ: كنتُ أنا وهوَ نختبطُ (٣) منْ شجرةٍ، فسبّني، فأغضبني، فضربتهُ بالفأسِ على قرنِهِ، فقتلتهُ. فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َّهِ: ((هلْ لكَ منْ شيءٍ تؤدّيهِ عنْ نفسكَ؟)). قالَ: ما لي مالٌ إلّا کسائي، وفأسي. قالَ: ((فترى قومكَ يشترونكَ؟)). قالَ: أنا أهونُ على قومي منْ ذاكَ. فرمى إليهِ بنسعتِهِ، وقالَ: ((دونكَ صاحبكَ)). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ٦]. (٢) سيِر مضفور، يجعل زماماً للبعير وغيرهِ. النهاية [٤٨/٥]. (٣) أي: نضربُ الشجر بالعصا، فيسقط ورقه، فنجمعه علفا. شرح النووي [١١/ ١٧٢]. ٤٦٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَلّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فانطلقَ بِهِ الرّجلُ، فلمّا ولّى، قالَ رسولُ اللهِوََّ: ((إنْ قتلهُ فهوَ مثلهُ))(١). فرجعَ، فقالَ: يا رسولَ الله إنّهُ بلغني أنّكَ قلتَ: ((إنْ قتلهُ فهوَ مثلهُ))، وأخذتهُ بأمركَ. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((أما تريدُ أنْ يبوءَ بإِتمكَ وإثم صاحبكَ؟». قالَ: يا نبيَّ الله، بلى. قالَ: ((فإنَّ ذاكَ كذاكَ». قالَ: فرمى بنسعتِهِ، وخلّى سبيلهُ(٢). وكان يردُّ أيَّ حكم يخالفُ شرع الله: عن أبي هريرةَ رَّهُ أَنَّ رجلينِ اختصما إلى رسولِ اللهِوَه. فقالَ أحدهما: اقضٍ بيننا بكتاب الله. وقالَ الآخرُ، وهوَ أفقههما: أجلْ يا رسولَ الله، فاقضِ بيننا بكتابِ الله، وأذنْ لي أنْ أتكلّمَ. قالَ: ((تكلّمْ)). قالَ: إنَّ ابني كانَ عسيفاً على هذا(٣)، فزنى بامرأتهِ، فأخبروني أنَّ على ابني الرّجمَ، فافتدیتُ منهُ بمئةِ شاةٍ، وجاريةِ لي. ثُمَّ إنّي سألتُ أهلَ العلمِ، فأخبروني أنّما على ابني جلدُ مائةٍ، وتغريبُ عامٍ، وإنّما الرّجمُ على امرأته. فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((أما والّذي نفسي بيدهِ لأقضينَّ بينكما بكتابِ الله، أمّا غنمكَ، وجاريتكَ فردٌّ عليكَ، وعلى ابنكَ جلدُ مائةٍ، وتغریبُ عامٍ. (١) أي أنه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر؛ لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عفا عنه فإنه كان له الفضل والمنة وجزيل ثواب الآخرة، وجميل الثناء في الدنيا. شرح النووي [١١/ ١٧٣]. (٢) رواه مسلم [١٦٨٠]. (٣) العسيفُ: الأجير. ٤٦٨ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمّا أنتَ يا أنيسُ فاغدُ على امرأةٍ هذا، فإنْ اعترفتْ، فارجمها)). قالَ: فغدا عليها فاعترفتْ، فأمرَ بها رسولُ اللهِ وَّهِ، فرجمتْ(١). من فوائد الحدیث: أنَّ الصّلحَ المبنيَّ على غير الشّرع يردُّ، ويعاد المالُ المأخوذ فيهِ. قالَ ابن دقيق العيد: ((وبذلكَ يتبيّن ضعف عذر منِ اعتذرَ منَ الفقهاء عنْ بعض العقود الفاسدة بأنَّ المتعاوضينِ تراضيا، وأذنَ كلّ منهما للآخرِ في التّصرّف، والحقُّ أنَّ الإذنَ في التّصرّف مقيّدٌ بالعقودِ الصّحيحة)»(٢). وكان ◌َّه يحذّرُ المتخاصمين من التمادي في الباطل: عن عبدِ الله بنِ عمَ رَعَنْهَ أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: «منْ حالتْ شفاعتهُ دونَ حدٍّ منْ حدودِ الله؛ فقدْ ضادَّ اللهَ. ومنْ خاصمَ في باطلٍ وهوَ يعلمهُ(٣) لم يزلْ في سخطِ الله حتّى ينزعَ عنهُ. ومنْ قالَ في مؤمنٍ ما ليسَ فيهِ أسكنهُ الله ردغةَ الخبالِ (٤) حتّى يخرجَ تَّما قالَ)). قالوا: يا رسولَ الله، وما ردغةُ الخبالِ؟ قالَ: ((عصارةُ أهلِ النّارِ))(٥). قال ابنُّ رجبٍ: «فإذا كان الرجلُ ذا قدرةٍ عند الخصومةِ -سواءٌ کانت خصومته في الدّين، أو في الدنيا- على أنْ ينتصرَ للباطل، ويخيّلَ للسّامع أنّه حقٌّ، ويوهّنَ الحقَّ، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك منْ أقبح المحرّمات، ومن أخبثِ خصال النفاقِ))(٦). (١) رواه البخاري [٢٣١٥]، ومسلم [١٦٩٨]. (٢) فتح الباري [١٢ / ١٤٢]. (٣) أيْ: يعلم أنّهُ باطل، أوْ يعلم أنَّ خصمه على الحقّ. (٤) الرّدغةُ: طيِّ ووحلٌ كثيرٌ. النهاية [٢١٥/٢] (٥) رواه أبو داود [٣٥٩٧]، وابن ماجة [٣٣٧٧]، وصححه الألباني في الإرواء [٢٣١٨]. (٦) جامع العلوم والحكم [٢/ ٤٨٦]. ٤٦٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وكان يحتملُ، ويعطي من عندهِ؛ ليصلحَ بين المتخاصمين، ويقطع النزاع والخصومة: عنْ سهلِ بنِ أبي حثمةَ أنَّ محيّصةَ بنَ مسعودٍ وعبدَ الله بنَ سهلِ انطلقا قبلَ خيبرَ منْ جهدٍ أصابهم(١)، فتفرّقا في النّخلِ، فعدي علی عبد الله بن سهلٍ، فکسرتْ عنقُ، ثمَّ طرحَ في قليبٍ. وفقدهُ أصحابهُ، فالتمسوهُ حتّى وجدوهُ، فاستخرجوهُ، فغيّوهُ. ثم قدم أخوهُ عبدُ الرّحمنِ وابنا عمّهِ حويّصةُ، ومحيّصةُ إلى النّبِّ وَِّ، فذهبَ عبدُ الرّحمنِ ليتكلّمَ في أمرِ أخيهِ، وكانَ أحدثهمْ سنّاً، وهوَ صاحبُ الدّمِ. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((كبّرْ كَبِّرْ))، أَوْ قالَ: ((ليبدأُ الأكبرُ)). فاستأخرَ عبدُ الرّحمنِ، وتكلّمَ حويّصةُ، ثمَّ تكلّمَ محيّصةُ، ثمَّ تكلّمَ عبدُ الرّحمنِ في أمرِ صاحبهم. فقالوا: يا رسولَ الله! إنّا وجدنا عبدَ الله بنَ سهلٍ قتيلاً في قلیبٍ منْ بعضٍٍ قلبٍ خیبرَ، وليسَ بخيبرَ عدوٌّ إلَّا يهودُ. فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((منْ تتّهمونَ؟». قالوا: نتّهمُ اليهودَ. فكتبَ رسولُ اللهِ وَّه إليهمْ بِهِ، فكتبَ: ((ما قتلناهُ)). فقالَ رسولُ الله وَّهِ: («فتقسمونَ خمسينَ يميناً أنَّ اليهودَ قتلتهُ؟». وفي رواية لمسلم: ((يقسمُ خمسونَ منكمْ على رجلٍ منهمْ، فيدفعُ برمّتِهِ))(٢). وفي رواية لأحمد (١٥٦٦٤): ((تسمّونَ قاتلكمْ، ثمَّ تحلفونَ عليهِ خمسينَ يميناً ثمَّ نسلّمهُ إليكمْ)). وفي رواية للبيهقي (١٦٨٦٨): ((أتحلفونَ خمسينَ يميناً، وتستحقّونَ دمَ قاتلکمْ؟». (١) وفي رواية لأحمد [١٥٦٦٤]: خرجوا يمتارونَ منها تمراً، أيْ: يطلبونَ الطّعام. (٢) المراد ها هنا الحبل الّذي يربط في رقبة القاتل ويسلم فيهِ إلى ولّي القتيل. شرح النووي [١٤٩/١١]. ٤٧٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: أمرٌ لمْ نشهدهُ كيفَ نحلفُ؟! وما كنّا لنحلفَ على ما لا نعلمٌ، ما ندري منْ قتلهُ إلّا أنَّ يهودَ عدوّنا، وبينَ أظهرهمْ قتلَ. قالَ: ((فيحلفونَ لكمْ خمسينَ يميناً أنّهمْ لمْ يقتلوهُ ويبرءونَ منْ دمِ صاحبِکمْ)). قالوا: يا رسولَ الله ما كنّا لنقبلَ أيمانَ يهودَ، ما همْ فيهِ منَ الكفرِ أعظمُ منْ أنْ يحلفوا على إثم. فكرهَ رسول الله ◌َّ أنْ يبطل دمهُ، فوداهُ(١) منْ عندهِ بمائةِ ناقةٍ. قالَ سهلٌ: فوالله ما أنسى بكرةً منها حمراءَ ركضتني، وأنا أحوزها(٢). قال النووي: ((إنّما وداهُ رسول الله وَّمَ قطعاً للنّزاع، وإصلاحاً لذاتِ البين، فإنَّ أهل القتيل لا يستحقّونَ إلّا أنْ يحلفوا، أوْ يستحلفوا المدّعى عليهمْ، وقدْ امتنعوا منَ الأمرينِ، وهمْ مكسورونَ بقتلِ صاحبهمْ، فأرادَ ◌َِّ جبرهمْ، وقطعَ المنازعةِ، وإصلاح ذات البين بدفعٍ دیته منْ عنده. وفيهِ: أنّهُ ينبغي للإمامِ مراعاة المصالح العامّة، والاهتمام بإصلاح ذات البين))(٣). ومع قضائه بَّه بالحقِّ بين الخصوم فإن ذلك لا يمنعه من تطييب خواطر الجميع: ففي قصةِ الحديبيّة، ومصالحة النبيِّ وَّ أهلَ مكّةَ أن يدخلها في العام المقبل ثلاثةَ أيام، قدم النبيُّ ◌َّ مكةَ في العام القادم معتمراً. فلمّا دخلها ومضى الأجلُ أتوا عليّاً، فقالوا: قلْ لصاحبكَ اخرجْ عنّا، فقدْ مضى الأجلُ. فخرجَ النّبِيُّ ◌َّهِ، فتبعتهُ ابنةُ حمزةَ تنادي: يا عمِّ! يا عمِّ!(٤). (١) أي: دفعَ دیته. (٢) رواه البخاري [٢٧٠٢]، ومسلم [١٦٦٩]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ١٤٧]. (٤) خاطبتِ النّبيّ نَّهِ بِذلكَ إجلالاً لهُ، وإلاّ فهوَ ابن عمّها، أوْ بالنّسبةِ إلى كونِ حمزةَ وإنْ كانَ عمّه منْ النّسبِ فهوَ أخوهُ منَ الرّضاعةِ. الفتح [٧/ ٥٠٥]. ٤٧١ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فتناولها عليٌّ بنُ أبي طالبٍ رَنهُ، فأخذَ بيدها، وقالَ لفاطمةَ: دونكِ ابنةَ عمّكِ. قالَ علي: فلّا قدمنا المدينةَ اختصمنا فيها، أنا، وجعفرٌ، وزيدُ بنُ حارثةَ(١) (٢). فقالَ جعفرٌ: ابنةُ عمّ وخالتها عندي، يعني: أسماءَ بنتَ عميسٍ . وقالَ زيدٌ: ابنةُ أخي. وقلتُ: أنا أخذتها، وهيَ ابنةُ عمّي، وعندي ابنة رسولِ اللهِ وَله وهيَ أحقُّ بها. فقضى بها النّبيُّ وَّ لخالتها(٣) وقالَ: ((الخالةُ بمنزلةِ الأمّ)(٤). وقالَ رسولُ اللهِوَّةِ: «أمّا أنتَ يا جعفرُ فأشبهتَ خلقي وخلقي. وأمّا أنتَ يا عليٌّ فمنّي، وأنا منكَ. وأمّا أنتَ يا زيدُ فأخونا ومولانا))(٥). من فوائد الحدیث: فيهِ: تعظيمُ صلة الرّحمِ بحيثُ تقع المخاصمةُ بينَ الكبارِ في التّوصّلِ إليها. (١) أيْ: في أيهّمْ تكون عندهُ، كل منهم يريد أن تكون تحت كفالته؛ ليأخذ أجرها لكونها يتيمة، فالنزاع بينهم على الكفالة، وليس الحضانة لأنه قد ذهب وقتها، فالحضانة تكون قبل السبع السنين، وأما بعد سبع سنين فإنه لا يحتاج الطفل إلى حضانة، ولكن لما كانت يتيمة أراد كل من هؤلاء الثلاثة أن يحظى بكفالتها وبالنفقة عليها. شرح عمدة الأحكام [٨/٦٥] لا بن جبرین. (٢) وفي روايةِ ابنِ سعدٍ في الطبقات [٢٦/٤] فاختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة حتّى ارتفعتْ أصواتهمْ فأيقظوا النّبِيَّ وَِّ مِنْ نومِهِ، فقال: هلموا أقضي بينكم فيها. (٣) كانَ لكلِّ منْ هؤلاءِ الثّلاثةِ فيها شبهة: أمّا زيد فللأخوّةٍ، وأمّا علّي فلأنّهُ ابن عمّها وحملها معَ زوجتهِ، وأمّا جعفر فلكونِهِ ابن عمّها وخالتها عنده، فيترجّح جانب جعفر باجتماعٍ قرابةِ الرّجلِ والمرأةِ منها دون الآخرينَ. فتح الباري [٧/ ٥٠٦]. (٤) لأنها تقربُ منها في الحنوِّ والشّفقةِ والاهتداءِ إلى ما يصلحُ الولدَ، ويؤخذُ منهُ أنَّ الخالةَ في الحضانةِ مقدّمةٌ على العمّةِ؛ لأنَّ صفيّةَ بنتَ عبدِ المطّلبِ كانتْ موجودة حينئذٍ، وإذا قدّمتْ على العمّة معَ كونها أقرب العصباتِ منْ النّساءِ فهيَ مقدّمة على غيرها، ويؤخذ منهُ تقديمُ أقاربِ الأمِّ على أقاربِ الأبِ. فتح الباري [٧/ ٥٠٦]. (٥) ((أنتَ أخونا)) أيْ في الإيمانِ ((ومولانا)) أيْ منْ جهة أنّهُ أعتقُهُ، ومولى القومِ منهمْ. والحديث رواه البخاري [٢٧٠٠]. ٤٧٢ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيهِ: أنَّ الحاكمَ يبيِّنُ دليلَ الحكمِ للخصمِ، وأَنَّ الخصمَ يدلي بحجّتِهِ. وفيهِ: أنَّ الحاضنةَ إذا تزوّجتْ بقريبِ المحضونِةِ لا تسقطُ حضانتها إذا كانتِ المحضونةُ أنثى أخذاً بظاهرِ هذا الحديثِ. قالهُ أحمدُ. وفيهِ: تنافسُ الصحابةِ رَعَّهُ في فعلِ الخيرِ، ومسابقتهم إليه، وأن كلّاً منهم يحرصُ على أن يكونَ من السابقينِ إلى الخيراتِ، وأن يكونَ من الذين يحظونَ بالأجر في كفالة اليتيمِ (١). ومع حكمِ النبيِّ يَّ في هذه القصة لجعفرٍ إلا أنه قد أرضى بقوله كلَّ واحد منهم. قال ابن حجر: ((فوقعَ منهُ مَّ تطييبُ خواطرِ الجميع، وإنْ كانَ قضى جعفرٍ، فقدْ بيّنَ وجهَ ذلكَ))(٢). وقال ابنُ دقيقِ العيد: ((والذي قاله النبيُّ وَّ لهؤلاء الجماعة من الكلام المطيّبِ لقلوبهم من حسنٍ أخلاقه ◌ِلـ ولعلك تقول: أما ما ذكره لعلي وزيد فقد ظهرتْ مناسبته؛ لأن حرمانهما من مرادهما مناسبٌ لجبرهما بذكر ما يطيّبُ قلوبهم. وأما جعفرٌ: فإنه حصل له مراده من أخذ الصبيّة، فكيف ناسب ذلك جبره بما قيل له؟ فيجاب عن ذلك: بأن الصبية استحقّتها الخالة، والحكم بها لجعفر بسببِ الخالةِ، لا بسببِ نفسِهِ، فهو في الحقيقة غير محكوم له بصفته، فناسب ذلك جبره بما قيل له))(٣). و کان یتبسم إذا سمع من أحد الخصمین ما یتعجّبُ منه: عنْ عكرمةَ: أنَّ رفاعةَ طلّقَ امرأتهُ، فتزوّجها عبدُ الرّحمنِ بنُ الزّبيِ القرظيُّ. قالتْ عائشةُ: فجاءتْ وعليها خمار أخضر، فشكتْ إليها - أيْ: إلى عائشة - منْ زوجها، وأرتها خضرةً بجلدها(٤). (١) فتح الباري [٧/ ٥٠٧]، شرح عمدة الأحكام [٨/٦٥] لابن جرين. (٢) فتح الباري [٧/ ٥٠٧]. (٣) إحكام الأحكام [١ / ٢١٦]. (٤) أي: منْ ضرب زوجها لها. ٤٧٣ الباب الثالث: تعامل النبي صلَّالله عليهوسلّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فلّا جاءَ رسول الله بَّهِ، والنّساءُ ينصرُ بعضهنَّ بعضاً(١)، قالتْ عائشةُ: ما رأيتُ مثلَ ما يلقى المؤمناتُ، لجلدها أشدُّ خضرةً منْ ثوبها. قالتْ عائشة: فجاءتِ امرأةُ رفاعةَ القرظيِّ رسولَ الله ◌َّهِ، وأنا جالسٌ، وعندهُ أبو بكرٍ. فقالتْ: يا رسولَ الله إنّي كنتُ تحتَ رفاعةَ، فطلّقني، فبتَّ طلاقي، فتزوّجتُّ بعدهُ عبدَ الرّحمنِ بنَ الزّبيِرِ، وإنّهُ والله ما معهُ يا رسولَ الله إلّا مثلُ هذهِ الهديةِ(٢). وأخذتْ هدبً منْ جلبابها. وخالدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ بالبابِ ينتظرُ أنْ يؤذنَ لهُ، فقالَ: يا أبا بكرٍ ألا تسمعُ إلى هذهِ ما تجهرُ بِهِ عندَ النّبِّ ◌َِّ. فلا والله، ما يزيدُ رسولُ الله ◌ٍَّ على التّبسّمِ(٣). فقالَ لها رسولُ الله ◌َِّ: ((لعلّكِ تريدينَ أنْ ترجعي إلى رفاعةً! لا حتّى يذوقَ عسيلتكِ (٤)، وتذوقي عسیلتهُ)). قالَ: فسمعَ بذلكَ زوجها، وأنّها قدْ أتتْ رسولَ الله وَّةِ، فجاءَ ومعهُ ابنانِ لهُ منْ غيرها. فقالَ: كذبتْ والله يا رسولَ الله إنّ لأنفضها نفضَ الأديم(٥)، ولكنّها ناشزٌ تريدُ رفاعةً. فقالَ: (بنوكَ هؤلاءِ؟). (١) جملة معترضة، وهيَ منْ كلام عكرمة راوي الحديث. (٢) وهيَ طرفه الّذي لم ينسج، وأرادتْ أنَّ ذكرهُ يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. الفتح [٤٦٥/٩]. (٣) قالَ العلماء: إنَّ التّبسّم للتّعجّبِ منْ جهرها، وتصريحها بهذا الّذي تستحيي النّساء منهُ في العادة، أوْ لرغبتها في زوجها الأوّل، و کراهة الثّاني. شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ٤]. (٤) تصغير عسلة وهيَ كناية عنْ الجماع، شبّهَ لذّته بلذّةِ العسل وحلاوته، وفي هذا الحديث أنَّ المطلّقة ثلاثاً لا تحلّ لمطلّقها حتّى تنكح زوجاً غيره، ويطأها ثمَّ يفارقها، وتنقضي عدّتها، فأمّا مجرّد عقده عليها فلا يبيحها للأوّلِ. شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ٣]. (٥) وهو كناية عن كمال قوة المباشرة، وهذه الكناية من الفصاحة العجيبة وهي أبلغ في المعنى من الحقيقة. عمدة القاري [٣١ / ٤٧٧]. ٤٧٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: نعم. قالَ: «هذا الّذي تزعمينَ ما تزعمينَ، فوالله لهمْ أشبهُ بِهِ منَ الغرابِ بالغرابِ))(١). وكان ◌َّ يستمع إلى الخصمين وإن كان أحدهما غير مسلم: عنْ أبي هريرةَ رَّعَنْهُ قالَ: بينما يهوديٌّ يعرضُ سلعةً لهُ أعطيَ بها شيئاً كرههُ أوْ لمْ يرضهُ، قالَ: لا والّذي اصطفى موسى عليهِ السّلام على البشرِ. فسمعهُ رجلٌ منَ الأنصارِ، فلطمَ وجههُ، وقالَ: تقولُ: والّذي اصطفى موسى عَيْهِالسَّلَامُ على البشر، ورسولُ الله وَ لّ بِينَ أظهرنا. فذهبَ اليهوديُّ إلى رسولِ الله ◌َّه فقالَ: يا أبا القاسم إنَّلي ذمّةً وعهداً، وقالَ: فلانٌ لطمَ وجهي. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((لمَ لطمتَ وجههُ؟)). قالَ: قالَ يا رسولَ الله: والّذي اصطفى موسى عَّهِالسَلامُ على البشرِ. وأنتَ بينَ أظهرنا. فغضبَ رسولُ الله ◌َّ؛ حتّى عرفَ الغضبُ في وجههِ، ثمَّ قالَ: ((لا تفضّلوا بينَ أنبياء الله، فإنّهُ ينفخُ في الصّورِ، فيصعقُ منْ في السّماواتِ ومنْ في الأرضِ إلّا مِنْ شاءَ الله، ثمَّ ینفُ فِيهِ أخرى، فأكونُ أوّلَ منْ بعثَ، فإذا موسى عليهِ السّلام آخذٌ بالعرشِ، فلا أدري أكانَ فيمنْ صعقَ، فأفاقَ قبلي، أوْ كانَ ممّنْ استثنى الله؟))(٢). وقد كان للنبي ◌َّ أقضيةٌ كثيرة حكم فيها بين الخصوم والمتنازعين. فقضى أن في الرّكاز الخمس (٣). وقضى أن ثمرةَ النخلِ لمن أبّرها، إلا أن يشترط المبتاع (٤) [أي: المشتري]. (١) رواه البخاري [٥٨٢٥] ومسلم [١٤٣٣]. (٢) رواه البخاري [٢٤١١]، ومسلم [٢٣٧٣]. (٣) رواه البخاري [١٤٩٩]، ومسلم [١٧١٠] عن أبي هريرة رَُّ عَنْهُ. (٤) رواه البخاري [٢٣٧٩]، ومسلم [١٥٤٣] عن عبد الله بن عمر رَُّ عَنْهَا. ٤٧٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وقضى أن مالَ المملوكِ لمن باعهُ إلا أن يشترطَ المبتاعِ(١). وقضى أن الولد للفراشِ، وللعاهرِ الحجرَ(٢). وقضى بالشفعةِ بين الشّركاءِ في كلِّ ما لم يقسم(٣). وقضى لحمل بن مالك الهذلي بميراثه عن امرأته التي قتلتها الأخرى (٤). وقضى في الجنينِ المقتولِ بغرّةٍ عبدٍ، أو أمةٍ(٥). وقضى في الرحبة تكون بين الطريق لم يرد أهلها البنيان فيها، فقضى أن يترك للطريق فيها سبعة أذرع(٦). وقضى أن المرأة لا تعطي من بيتٍ زوجها شيئاً إلا بإذنه(٧). وقضى للجدّتين من الميراثِ بالسّدسِ بينهما بالسّواءِ(٨). وقضى أنه ليس لعرقِ ظالم حقٌ(٩). (١) هو جزء من الحديث السابق. (٢) رواه البخاري [٢٠٥٣]، ومسلم [١٤٥٧] عن عائشة أم المؤمنين رَّعَنْهَا. (٣) رواه البخاري [٢٢١٤]، ومسلم [١٦٠٨] عن أبي هريرة رَّ عَنْهُ. (٤) رواه البخاري [٦٧٤٠]، ومسلم [١٦٨١] عن أبي هريرة رَّ عَنْهُ. (٥) هو جزء من الحديث السابق. (٦) عن أبي هريرةَ رَّعَنْهُ قال: قضى النّبِيُّ ◌َّهَ إِذا تشاجروا في الطّريقِ بسبعةِ أذرعٍ. رواه البخاري [٢٤٧٣]، ومسلم [١٦١٣]. (٧) رواه أبو داود [٣٥٦٥]، والترمذي [٦٧٠]، وابن ماجة [٢٢٩٥] عن أبي أمامة رَََّّنهُ، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٧٨٩]. (٨) رواه عبد الله بن أحمد في زائد المسند [٢٢٢٧٢]، وضعفه الألباني في الإرواء [١٦٨١]. (٩) رواه أبو داود [٣٠٧٣]، والترمذي [١٣٧٨] عن سعيد بن زيد رَّلَهُ عَنْهُ، وصححه الألباني في الإرواء [١٥٢٠]. وينظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد. [٩ / ٢٢١]. ٤٧٦ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفعلِ الخيرِ آثارٌ تدومُ وعندَ قضاتنا فصلٌ بعدلٍ فإنْ جارَ الخصومُ بلا تقاضٍ رسولُ الله يدعوهمْ لصلحٍ يحثُّ على التّسامحِ والتّغاضي فإنْ رفضوا التّصالحَ والتّغاضي يحذّرُ حالفاً منْ قولِ زورٍ ويحكمُ بالظّواهرِ، والخفايا وحذّرَ منْ تمادي الخصمِ ظلماً وقدْ يتحمّلُ الأموالََ عنهمْ وطيّبَ خاطرَ الخصمينِ لمّا ويصغي للخصومِ، ولوْ يهوداً وشرعُ الله فصلُّ في القضايا فكلُّ مخالفٍ للشّرعِ ردٌّ ولكنَّ التّنازعَ لا يدومُ فميزانُ العدالةِ مستقيمٌ فعندَ الله تجتمعُ الخصومُ وكمْ يسعى إلى الصّلحِ الحكيمُ وقدْ يعفو عنِ الحقُّ الكريمُ فحكمَ العدلِ بينهمُ يقيمُ فإنَّ الإثمَ في هذا عظيمُ يحاسبهمْ بها الله العليمُ بباطلِهِ، وظلمُ النّاسِ شومُ لأجلِ الصّلحِ، فهوَ بها زعيمُ قضى بالعدلِ، وانقطعَ الخصيمُ فإنَّ العدلَ بينهمُ العمومُ هوَ الإنصافُ والعدلُ القديمُ هَوَ الطّاغوتُ والظّلمُ الغشومُ الباب الرابع: تعاملُ النَّبِيِّ وَلِلّه مع شرائح دعوية مخصوصة ٤٧٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَلّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح دعوية مخصوصة تعامل النبي والخلّة مع المسلمين الجدد كان النبي وَلّ حريصاً على هداية الناس أشد ما يكون الحرص؛ حتى خاطبه ربّه تبارك وتعالى بقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَحِعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وبقوله سبحانه: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ عَلَى ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا ﴾ [الكهف: ٦]. قال الطبري: ((يعني تعالى ذكره بذلك: فلعلك يا محمدُ قاتلٌ نفسك، ومهلكها على آثار قومك الذين قالوا لك: لن نؤمنَ لك حتى تفجرَ لنا من الأرض ينبوعاً؛ تمرّداً منهم على ربّهم إن هم لم يؤمنوا بهذا الكتاب الذي أنزلته عليك، فيصدّقوا بأنه من عند الله حزناً، وتلهّفا، ووجداً بإدبارهم عنك، وإعراضهم عمّا أتيتهم به، وتركهم الإيمانَ بك))(١). وقد وصفه الله بالحرصِ على هدايةِ الناسِ، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَنِبُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ﴿عَنِ يُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾، أي: يشقُّ عليه الأمر الذي يشقُّ عليكم، ويعنتكم. ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُم ﴾ فیحبُّ لکم الخيرَ، ویسعی جهده في إيصاله إليكم، وحرصُ على هدایتکم إلى الإيمان، ویکره لكم الشّرّ، ویسعی جهده في تنفیر کم عنه. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، أي: شديدُ الرأفة والرحمة بهم، أرحمُ بهم من والديهم(٢). ويمثّل لنا رسول الله وَّه حرصه على نجاة الناس من عذاب الله، فيقولُ: ((إنّما مثلي ومثلُ النّاسِ كمثلِ رجلٍ استوقدَ ناراً، فلمّا أضاءتْ ما حولهُ جعلَ الفراشُ، وهذهِ الدّوابُّ الّتي (١) تفسير الطبري [١٩٤/١٥]. (٢) تفسير السعدي [١/ ٣٥٦].