النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قالَ قائلٌ منهمْ [هوَ أبو جهل]: ألا تنظرونَ إلى هذا المرائي، أيُكمْ يقومُ إلى جزورِ آلِ فلانٍ، فيعمدُ إلى فرثها ودمها وسلاها (١)، فيجيءُ بهِ، ثمَّ يمهلهُ حتّى إذا سجدَ وضعهُ بین کتفیهِ. فانبعثَ أشقى القومِ [هوَ: عقبة بن أبي معيط]، فجاءَ بهِ، فنظرَ حتّى سجدَ النّبيُّ ◌َل ◌َ﴾ وضعهُ على ظهرهِ بينَ كتفيهِ، وأنا أنظرُ لا أغني شيئاً، لوْ كانَ لي منعةٌ طرحتهُ عنْ رسولِ الله ◌ِ﴾(٢). فجعلوا يضحكونَ، ويحيلُ بعضهم على بعضٍ، ورسولُ الله ◌ََّ ساجدٌ لا يرفعُ رأسهُ. فانطلقَ منطلقٌ إلى فاطمةَ وهيَ جويريةٌ، فأقبلتْ تسعى، وثبتَ النّبِيُّ ◌َّ ساجداً حتّى ألقتهُ عنْ ظهرهِ، وأقبلتْ عليهمْ تسبّهمْ. فلّا قضى رسولُ الله ◌َّه الصّلاةَ، رفعَ رأسهُ، ثمَّ قالَ: ((اللهمَّ عليكَ بقريشٍ، اللهمَّ عليكَ بقريشٍ، اللهمَّ عليكَ بقريشٍ)). فشقَّ عليهمْ إِذْ دعا عليهمْ، وكانوا يرونَ أنَّ الدّعوةَ في ذلكَ البلدِ مستجابةٌ. ثُمَّ سمّى: «اللهمَّ عليكَ الملأَّ منْ قريشٍ، اللهمَّ عليكَ بأبي جهلٍ، وعليكَ بعتبةَ بنِ ربيعةً، وشيبةَ بنِ ربيعةَ، والوليدِ بنِ عتبةَ، وأمّةَ بنِ خلفٍ، وعقبةَ بنِ أبي معيطٍ، وعمارةَ بنِ الوليدِ)). قال عبد الله: فوالذي نفسي بيدهِ، لقدْ رأيتُ الّذينَ عدَّ رسولُ الله ◌َّ صرعى في القليبِ(٣)، قليبٍ بدرٍ، غيَرَ أميّةَ فإنّهُ كانَ رجلًا ضخمًا، فلماً جرّوهُ تقطّعتْ أوصالهُ قبلَ أنْ يلقى في البئرِ (٤). (١) السّلا: هوَ اللّفافة الّتي يكون فيها الولد في بطن النّاقة وسائر الحيوان، وهيَ منَ الآدميّة: المشيمة. شرح النووي على صحيح مسلم [١٢ / ١٥١]. (٢) وإنّما قالَ ذلكَ؛ لأنّهُ لْ يكنْ لهُ بمكّةَ عشيرة؛ لكونِهِ هذليّاً حليفاً، وكانَ حلفاؤهُ إِذْ ذاكَ كفّاراً. فتح الباري [٤١٥/٦]. (٣) القليب: هيَ البئر الّتي لْ تطوَ، وإنّما وضعوا في القليب تحقيراً لهمْ، ولئلا يتأذّى النّاس برائحتهمْ، والظاهر أنَّ البئرَ لمْ يكنْ فيها ماءٌ معينٌ. شرح النووي على صحيح مسلم [١٣٥/١٢]، فتح الباري [١/ ٣٥٢]. (٤) رواه البخاري [٢٤٠]، ومسلم [١٧٩٤]. ٤٢١ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة من فوائد الحديث: فيهِ: حلمهُ مَِّ عمّنْ آذاهُ، ففي روايةِ الطّيالسيّ [٣٢٣] عنِ ابن مسعود قالَ: لَمْ أَرهُ دعا علیھمْ إلّا يومئذ. قال ابن حجر: وإنّما استحقّوا الدّعاءَ حينئذٍ؛ لما أقدموا عليهِ منْ الاستخفافِ بِ وَّ حالَ عبادة ربّهِ. وفيهِ: قوّةُ نفسِ فاطمةَ منْ صغرها؛ لشرفها في قومها، ونفسها؛ لكونها صرختْ بشتمھمْ، وهمْ رءوس قریش، فلمْ یردّوا عليها. وفيهِ: جوازُ الدّعاءِ على الظّالِ. وفيهِ: أنَّ المباشرةَ آكدُ منَ السّببِ، والإعانةِ؛ لقولهِ في عقبةَ ((أشقى القوم))، معَ أنّهُ كانَ فيهمْ أبو جهلٍ، وهوَ أشدُّ منهُ كفراً وأذَى للنّبِّ وَّ لكنَّ الشّقاءَ هنا بالنّسبةِ إلى هذهِ القصّةِ؛ لأنّهمُ اشتركوا في الأمرِ والرّضا، وانفردَ عقبةٌ بالمباشرةِ، فكانَ أشقاهمْ؛ ولهذا قتلوا في الحربِ، وقتلَ هوَ صبراً(١). قال ابن بطال: ((كان الرسولُ وَلّ يحبُّ دخولَ الناسِ في الإسلامِ، فكانَ لا يعجلُ بالدّعاءِ عليهم ما دام يطمعُ في إجابتهم إلى الإسلامِ، بل كان يدعو لمن كان يرجو منه الإنابةَ. ومن لا یرجوهُ، ویخشی ضرّهُ، وشوکته یدعو علیه، کما دعا علیهم بسنین کسنی یوسفَ، ودعا على صناديد قريشٍ؛ لكثرة أذاهم وعداوتهم، فأجيبتْ دعوته فيهم، فقتلوا ببدرٍ، كما أسلم کثیرٌ ممن دعا له بالهدى))(٢). وقد كان يغلظُ عليهم أحياناً في القول: عن عروةَ قال: قلتُ لعبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاصِ: ما أكثرَ ما رأيتَ قريشاً أصابتْ منْ رسولِ الله فيما كانتْ تظهرُ منْ عداوتِهِ؟ قالَ: حضرتهمْ وقدْ اجتمعَ أشرافهمْ يوماً في الحجرِ، فذكروا رسولَ الله وَل. (١) فتح الباري [١/ ٣٥٢]. (٢) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [٩ / ١٤٩]. ٤٢٢ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: ما رأينا مثلَ ما صبرنا عليهِ منْ هذا الرّجلِ قطَّ، سفّهَ أحلامنا، وشتمَ آباءنا، وعابَ ديننا، وفرّقَ جماعتنا، وسبَّ آلهتنا، لقدْ صبرنا منهُ على أمرٍ عظيمٍ. فبينما همْ كذلكَ، إِذْ طلعَ عليهمْ رسولُ الله ◌َّ﴾، فأقبلَ يمشي حتّى استلمَ الرّكنَ، ثُمَّ مَرَّ بهمْ طائفاً بالبيتِ. فلمّا أنْ مَّ بهمْ غمزوهُ ببعضِ ما يقولُ. قالَ: فعرفتُ ذلكَ في وجهِهِ، ثمَّ مضى، فلمّا مَرَّ بهمْ الثّانيةَ غمزوهُ بمثلها، فعرفتُ ذلكَ في وجههِ، ثمَّ مضی. ثمَّ مَرَّ بهمُ الثّالثةَ، فغمزوهُ بمثلها، فقالَ: «تسمعونَ يا معشر قريشٍ، أما والّذي نفسُ محمّدٍ بيدهِ لقدْ جئتكمْ بالذّبِحِ». فأخذتِ القومَ كلمتهُ حتّى ما منهمْ رجلٌ إلّا كأنّما على رأسِهِ طائرٌ واقعٌ، حتّى إِنَّ أشدّهمْ فيهِ وصاةً قبلَ ذلكَ ليرفؤهُ(١) بأحسنِ ما يجدُ منَ القولِ حتّى إنّهُ ليقولُ: ((انصرفْ يا أبا القاسمِ انصرفْ راشداً، فوالله ما كنتَ جهولاً!». فانصرفَ رسولُ اللهِ وَّةٍ. حتّى إذا كانَ الغدُ اجتمعوا في الحجرِ وأنا معهمْ، فقالَ بعضهمْ لبعضٍ : ذكرتمْ ما بلغَ منكمْ، وما بلغكمْ عنهُ حتّى إذا بادأكمْ بما تكرهونَ تركتموهُ. فبينما همْ في ذلكَ إِذْ طلعَ رسولُ الله ◌َّهِ، فوثبوا إليهِ وثبةَ رجلٍ واحدٍ، فأحاطوا بهِ يقولونَ لهُ: أنتَ الّذي تقولُ كذا وكذا؟ لما كانَ يبلغهمْ عنهُ منْ عيبٍ آلهتهمْ، ودينهمْ. فيقولُ رسولُ الله ◌َّ: ((نعمْ أنا الّذي أقولُ ذلكَ)). قالَ: فلقدْ رأيتُ رجلاً منهمْ أخذَ بمجمعٍ ردائهِ، وقامَ أبو بكرِ الصّدّيقُ رَّهُ دونهُ يقولُ وهوَ يبكي: ((أتقتلونَ رجلاً أنْ يقولَ ربَّ الله)، ثمَّ انصرفوا عنهُ. فإنَّ ذلكَ لأشدُّ ما رأيتُ قريشاً بلغتْ منهُ قطُّ (٢). (١) أيْ: يسكّنه، ويرفقُ بهِ، ويدعو لهُ. النهاية [٢/ ٢٤١] (٢) رواه أحمد [٦٩٩٦]، وحسّنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان [٩/ ٢٨٧]. ٤٢٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَاللَّهُ عليْهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة و کان یعلّم الجفاةَ منهم ما ينبغي فعله: عن أبي هريرةَ رَّ عَنْهُ قالَ: قبّلَ رسولُ الله ◌َِّ الحسنَ بنَ عليٍّ، وعندهُ الأقرعُ بنُ حابسِ التّميميُّ جالساً، فقالَ الأقرعُ إِنَّ لي عشرةً منَ الولِدِ ما قبّلتُ منهمْ أحداً، فنظرَ إليهِ رسولُ الله ◌َّةِ، ثمَّ قالَ: ((منْ لا يرحمُ لا يرحمُ))(١). قال النووي: ((قالَ العلماء: هذا عامٌّ يتناول رحمةَ الأطفال، وغيرهمْ))(٢). منازلُ النّاسِ في الدّنيا منوّعةٌ وهمْ لبعضٍ وإنْ لمْ يشعروا خدمٌ فلننزلِ النّاسَ في الدّنيا منازلهمْ راعى النّبيُّ ذوي الهيئاتِ، إِنَّ لهمْ فحينَ يرعاهمُ يرعى قبائلهمْ يدعو الکبیرَ، فإنْ یسلمْ کبیرهُمُ وليسَ ييأسُ منْ إسلامهمْ أبداً حتّى إذا أسلموا أبدى بهمْ فرحاً تجاوزَ الله، فليستأنفوا عملاً وإنْ يكنْ منْ ذوي الهيئاتِ منْ زللٍ إذا أتاهُ ذوو الهيئاتِ هشَّ لهمْ وزارهمْ مثلَ ما زاروهُ يسعدهمْ يشاورُ القومَ معنيّاً بحكمتهمْ يزيدهمْ أعطياتٍ؛ كيْ يؤلّفهمْ ما بينَ مرتفعٍ فيها ومستفلٍ رغمَ التّنوّعِ في الأشغالِ والعملِ ولیحترمْ بعضنا بعضاً بلا جدلٍ مكانةً لمْ تزلْ في الأعصرِ الأولِ فإِنّهمْ تبعٌ للقائدِ البطلِ تلفِ الصّغارَ سريعاً تابعي الرّجلِ فدعوةُ الله لا تخلو منَ الأملِ وبشّرَ القومَ مثلَ الصّبِ الهطلِ وليحسنوا في الّذي يأتي منَ العملِ يعفو ويصفحُ عّا كانَ منْ زللٍ وأنزلَ القومَ منهُ أكرمَ النّزلِ وقدْ تناولَ معهمْ أيسرَ الأكلِ أخذاً بها، ليسَ للتّمويهِ والجدلِ فيثبتَ القلبُ في الإسلامِ کالجبلِ (١) رواه البخاري [٥٩٩٧]، ومسلم [٢٣١٨]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥ / ٧٧]. ٤٢٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة تعامل النبي وعد الله مع النابغين قد وجدَ من أصحابِ النبيِّ نَّه الكثيرُ مَّن تميّزَ بالنبوغِ، والتفوّق، والنجابةِ. فمنهم من كان نابغاً في الشّعر كحسّانَ بنِ ثابتٍ رَّهُ. ومنهم من كان نابغاً في الفقهِ والفهمِ كابنِ عباسٍ رَعَنْهً. ومنهم من كان نابغاً في القضاءِ بين الخصومِ كعليٍّ رَنْهُ، ومعاذٍ بن جبلٍ رَضَ عَنْهُ. ومنهم من كان نابغاً في القدرة على التعلّم واكتساب المهاراتِ كزيد بن ثابتٍ رَضّ عَنْهُ. ومنهم من كان نابغاً في الحفظِ كأبي هريرة ◌َّعَنْهُ. ومنهم من كان نابغاً في الحنكةِ العسكريّةِ كخالِدٍ بن الوليدِ رَضّعَنْهُ. وقد كان رسولُ الله ◌َلّه يراعي هذه المواهبَ، والقدراتِ عندَ نجباءِ أصحابه رضوانٌ الله عليهم. ويتعاملُ مع أصحابها تعاملاً يتناسب مع قدراتهم، ونبوغهم. فكان يكلّفُ كلَّ واحد منهم بما يتناسبُ وموهبته، والشيء الذي نبغَ فيه: فكلّف حسّانَ بالردِّ على أعداءِ الإسلام في شعره: عنْ عائشةَ رَعَنْهَا أَنَّ رسولَ الله ◌ََّ قالَ: اهجوا قريشاً فإنّهُ أشدُّ عليها منْ رشقِ النّبِلِ. فأرسلَ إلی ابنِ رواحةً، فقالَ: اهجھمْ، فهجاهمْ، فلمْ یرضِ. فأرسلَ إلی کعبِ بنِ مالكٍ. ٤٢٦ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ أرسل إلى حسّانَ بنِ ثابتٍ، فلمّا دخلَ عليهِ قالَ حسّانُ: قَدْ آنَ لكمْ أنْ ترسلوا إلى هذا الأسدِ الضّاربِ بذنبهِ(١). ثُمَّ أدلعَ لسانهُ، فجعلَ يحرّكهُ، فقالَ: والّذي بعثكَ بالحقِّ لأفرينّهمْ بلساني فريَ الأديمِ (٢). فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: (( لا تعجلْ؛ فإنَّ أبا بكرٍ أعلمُ قريشٍ بأنسابها، وإنَّ لي فيهمْ نسباً حتّى يلخّصَ لكَ نسبي)). فأتاهُ حسّانُ، ثمَّ رجعَ، فقالَ: يا رسولَ الله قدْ لخّصَ لي نسبكَ، والّذي بعثكَ بالحقِّ الأسلّكَ منهمْ كما تسلُّ الشّعرةُ منَ العجينِ. قالتْ عائشةُ: فسمعتُ رسولَ اللهِوَلَه يقولُ لحسّانَ: ((إنَّ روحَ القدسِ لا يزالُ يؤيّدكَ ما نافحتَ عنِ الله ورسوله)). وقالتْ: سمعتُ رسولَ الله وَلّ يقولُ: ((هجاهمْ حسّانُ، فشفى، واشتفى))(٣). قالَ حسّانُ: وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ هجوتَ محمّداً، فأجبتُ عنهُ رسولَ الله شيمتهُ الوفاءُ هجوتَ محمّداً برّاً حنيفاً العرضِ محمّدٍ منكمْ وقاءُ فإنَّ أبي، ووالدهُ، وعرضي تثيرُ النّقْعَ منْ كنفيْ کداءٍ تكلتُ بنيّتِي إِنْ لمْ تروها على أكتافها الأسلُ الظّمَاءُ يبارينَ الأعنّةَ مصعداتٍ تلطّمهنَّ بالخمرِ النّساءُ تظلُّ جيادنا متمطّراتٍ وكانَ الفتحُ، وانكشفَ الغطاءُ فإنْ أعرضتمُ عنّا اعتمرنا (١) المراد بذنبهِ هنا لسانه، فشبّهَ نفسه بالأسدِ في انتقامه وبطشه إذا اغتاظَ، وحينئذٍ يضربُ بذنبهِ جنبيهِ كما فعلَ حسّان بلسانِهِ حينَ أدلعهُ، فجعلَ يحرّكهُ، فشبّهَ نفسهُ بالأسدِ، ولسانهُ بذنبهِ. شرح النووي على صحيح مسلم [١٦/ ٤٩]. (٢) أيْ: لأمزّقنَّ أعراضهمْ تمزيق الجلد. شرح النووي على صحيح مسلم [٤٩/١٦]. (٣) أيْ: شفى المؤمنين، واشتفى هوَ بما نالهُ منْ أعراض الكفّار، ومزّقها، ونافحَ عنِ الإسلام والمسلمين. شرح النووي على صحيح مسلم [٤٩/١٦]. ٤٢٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَلّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة يعزُّ الله فيهِ منْ يشاءُ وإلّا فاصبروا لضرابٍ يومٍ يقولُ الحقَّ ليسَ بهِ خفاءُ وقالَ الله قدْ أرسلتُ عبداً همُ الأنصارُ عرضتها اللّقاءُ وقالَ الله قدْ يسّرتُ جنداً سبابٌ، أوْ قتالٌ، أوْ هجاءُ لنا في كلِّ يوم منْ معدٍّ ويمدحهُ، وينصرهُ، سواءٌ فمنْ يهجو رسولَ الله منكمْ وروحُ القدسِ ليسَ لهُ كفاءُ وجبريلٌ رسولُ الله فينا وعنِ البراءِ بنِ عازبٍ رَنْهَا قَالَ: قَالَ النّبيُّ ◌َّ لحسّانَ: ((اهجهمْ، وجبريلُ معكَ))(١). وعنْ سعيدِ بنِ المسيّبِ قالَ: مَرَّ عمرُ في المسجدِ، وحسّانُ ينشدُ، فقالَ: كنتُ أنشدُ فيهِ، وفيهِ منْ هوَ خيرٌ منكَ. ثُمَّ التفتَ إلى أبي هريرةَ، فقالَ: أنشدكَ بالله أسمعتَ رسولَ الله ◌َّه يقولُ: («أجبْ عنّي، اللهمَّ أيّدهُ بروحِ القدسِ». قالَ: نعمْ(٢). من فوائد الحديث: فيهِ: جواز إنشاد الشّعر في المسجد إذا كانَ مباحاً، واستحبابه إذا كانَ في ممادح الإسلامِ وأهلهِ، أوْ في هجاءِ الكفّارِ، والتّحريضِ على قتالهمْ، أَوْ تحقيرهمْ، ونحو ذلكَ، وهكذا كانَ شعرُ حسّانَ. وفيهِ: استحبابُ الدّعاءِ لمنْ قالَ شعراً منْ هذا النّوع (٣). وعنْ أنسِ بنِ مالكِ رَةُ أَنَّ النّبِيّ ◌َِّ دخلَ مكّةَ في عمرةِ القضاءِ، وعبدُ الله بن رواحةً بينَ یدیهِ يمشي، وهوَ يقولُ: (١) رواه البخاري [٣٢١٣]، ومسلم [٢٤٨٦]. (٢) رواه البخاري [٣٢١٢]، ومسلم [٢٤٨٥]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٦/ ٤٦]. ٤٢٨ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليومَ نضربكمْ على تنزيلِهِ خلّوا بني الكفّارِ عنْ سبيلِهِ ويذهلُ الخليلَ عنْ خليلِهِ ضرباً يزيلُ الهامَ عنْ مقيلِهِ فقالَ لهُ عمرُ: يا ابنَ رواحةَ بينَ يديْ رسولِ الله وَِّ، وفي حرمِ الله تقولُ الشّعرَ !. فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َّ: ((خلِّ عنهُ يا عمرُ، فلهيَ أسرعُ فيهمْ منْ نضحِ النَّلِ)) (١). و کلّف زيد بن ثابتٍ بتعلّم لغة اليهود: عنْ خارجةَ بنِ زيدٍ أنَّ أباهُ زيد بن ثابت أخبرهُ أنّهُ لَّا قدمَ النّبيُّ ◌َِّ المدينةَ. قالَ زيدٌ: ذهب بي إلى النّبيِّ ێ، فأعجبَ بي. فقالوا: يا رسولَ الله، هذا غلامٌ منْ بني النّجّارِ معهُ مّا أنزلَ الله عليكَ بضعَ عشرةَ سورةً. فاستقرأني، فقرأتُ (ق). فأعجبَ ذلكَ النّبِيَّ ◌َّ. وقالَ: ((يا زيدُ، تعلّمْ لي كتابَ يهودَ، فإنّ والله ما آمنُ يهودَ على كتابي) (٢). قالَ زيدٌ: فتعلّمتُ كتابهمْ ما مرّتْ بي خمسَ عشرةَ ليلةً حتّى حذقتْهُ(٣). فكنتُ أكتبُ لهُ إذا كتبَ، وأقرأُ لهُ إذا كتبَ إليهِ(٤). وهذا التعلّم السريعُ يدلُّ على ذكاءٍ، وفطنةٍ عجيبةٍ، خاصّةً مع صغر سنه. ولذلك قال الذهبيُّ عنه: ((وقد قتلَ أبوهُ قبلَ الهجرةِ يوم بعاثٍ، فربَّ زيدٌ يتيماً، وكان أحدَ الأذكياءِ))(٥). (١) رواه الترمذي [٢٨٤٧]، والنسائي [٢٨٧٣]، وصححه الألباني في مختصر الشمائل [٢١٠]. (٢) أيْ: لا في قراءتهِ، ولا في كتابتهِ، فأخافُ إنْ أمرت يهوديّاً بأنْ يكتبَ منّي كتاباً إلى اليهودِ أنْ يزيدَ فيهِ أوْ ينقصَ، وأخافُ إنْ جاءَ كتابٌ منَ اليهودِ، فيقرأهُ يهوديٌّ، فيزيد وينقصَ فيهِ. تحفة الأحوذي [٧/ ٤١٣]. (٣) أيْ: عرفته، وأتقنته، وعلمته. عون المعبود [١٠/ ٥٦]. (٤) رواه الترمذي [٢٧١٥]، وأبو داود [٣٦٤٥]، وعلّقه البخاري في كتاب الأحكام من صحيحه بصيغة الجزم، وصحّحه الألباني في تحقيق المشكاة [٤٦٥٩]. (٥) سير أعلام النبلاء [٢/ ٤٢٧]. ٤٢٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وقال ابنُ كثير: ((وقد كانَ زيدُ بنُ ثابتٍ من أشدِّ الناس ذكاءً، تعلّمَ لسانَ يهود، و کتابهم في خمسةَ عشر يوماً ... وتعلّم الفارسيّة من رسولِ كسرى في ثمانيةَ عشرَ يوماً، وتعلّمَ الحبشيّةَ، والروميّةَ، والقبطيّة من خدّام رسول الله وَلَ)(١). ولذلك جعله النبيُّ وَّه من كتّاب الوحي: عنِ البراءِ بن عازبٍ رََّنَّهَا قالَ: لَّ نزلتْ: (لا يستوي القاعدونَ منَ المؤمنينَ والمجاهدونَ في سبيلِ الله). قالَ النّبيُّ ◌َّ: ((ادعُ لي زيداً، وليجئْ باللّوحِ، والدّواةِ، والكتفِ، أوِ الكتفِ والدّواةِ)). ثمَّ قالَ: ((اكتبْ)): (لا يستوي القاعدونَ)، وخلفَ ظهرِ النّبِيِّ ◌َّ﴾ عمرو بنُ أمِّ مكتومٍ الأعمى قالَ: يا رسولَ الله، فما تأمرني؛ فإنّ رجلٌ ضريرُ البصرِ؟ فنزلتْ مكانها: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اُللَّهِ ﴾ [النساء: ٩٥](٢) . ولهذه الصفات التي تمتّع بها زيد اختاره الصدّيقُ لجمع القرآن. قال رَّهُ: أرسلَ إليَّ أبو بكرٍ مقتلَ أهلِ اليمامةِ، وعندهُ عمرُ، فقالَ أبو بكرٍ: إنَّ عمرَ أتاني فقالَ: إِنَّ القتلَ قدِ استحرَّ يومَ اليمامةِ بالنّاسِ، وإنّ أخشى أنْ يستحرَّ القتلُ بالقرّاءِ في المواطنٍ، فيذهبَ كثيرٌ منَ القرآنِ إلّا أنْ تجمعوهُ، وإنّي لأرى أنْ تجمعَ القرآنَ. قالَ أبو بكرٍ: قلتُ لعمرَ: كيفَ أفعلُ شيئاً لمْ يفعلهُ رسولُ الله ◌َّ؟ فقالَ عمرُ: هوَ والله خيرٌ. فلمْ يزلْ عمرُ يراجعني فيهِ حتّى شرحَ الله لذلكَ صدري، ورأيتُ الّذي رأى عمرُ. قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ: وعمرُ عندهُ جالسٌ لا يتكلّمُ، فقالَ أبو بكرٍ: إنّكَ رجلٌ شابٌّ عاقِلٌ، ولا نتّهمكَ، كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسولِ اللهِِّ، فتتبّعِ القرآنَ فاجمعهُ. قال زيد: فوالله لوْ كلّفني نقلَ جبلٍ منَ الجبالِ ما كانَ أثقلَ عليَّ مَّا أمرني بهِ منْ جمعِ القرآنِ. (١) البداية والنهاية [٨ / ٣٣]. (٢) رواه البخاري [٤٩٩٠]، ومسلم [١٨٩٨]. ٤٣٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلتُ: كيفَ تفعلانِ شيئاً لمْ يفعلهُ النّبيُّ صَلى له؟ فقالَ أبو بكرٍ : هوَ والله خيرٌ. فلمْ أزلْ أراجعهُ حتّى شرحَ الله صدري للّذي شرحَ الله لهُ صدرَ أبي بكرٍ وعمرَ، فقمتُ، فتبّعتُ القرآنَ أجمعهُ منَ الرّقاعِ، والأكتافِ، والعسبِ، وصدورِ الرّجالِ ... الحديث(١). فائدة: عن عليٍّ بن أبي طالبٍ رَ عَنْهُ قالَ: «أعظمُ النّاسِ أجراً في المصاحفِ أبو بكرٍ، رحمةُ الله على أبي بكرٍ، هوَ أوّلُ منْ جمعَ بينَ اللّوحينِ))(٢). وهذا يدلُّ على حبٍّ عليٍّ لأبي بكر رقولاعنها، واحترامه له، واعترافه بإمامته بخلاف ما تزعمه الرّوافضُ الكذّابونَ. وكلّف معاذ بن جبل بأن يكون قاضياً على أهل اليمن: النبوغ معاذٍ بِنِ جبلٍ رَ عَنهُ في معرفةِ الحلالِ والحرامِ ولَّه رسول الله ◌َّه القضاءَ على أهلِ الیمنِ. عنِ الأسودِ بنِ يزيدَ قالَ: أتانا معاذُ بنُ جبلٍ باليمنِ معلّماً وأميراً، فسألناهُ عنْ رجلٍ توقَّ، وتركَ ابنتهُ، وأختهُ، فأعطى الابنةَ النّصفَ، والأختَ النّصفَ(٣). وعنْ أناسٍ منْ أهلِ حمصَ منْ أصحابٍ معاذٍ بِنِ جبلِ رَعَّهُ أَنَّ رسولَ الله وَ لَّا أرادَ أنْ يبعثَ معاذاً إلى اليمنِ قالَ: ((كيفَ تقضي إذا عرضَ لكَ قضاءٌ؟)). قالَ: أقضي بكتاب الله. قالَ: ((فإنْ لمْ تجدْ في كتابِ الله؟)). قالَ: فبسنّةِ رسولِ الله ◌َلا .. (١) رواه البخاري [٤٦٧٩]. (٢) رواه أبو بكر بن أبي داود في المصاحف [٤٩/١]، وحسنه ابن حجر في فتح الباري [٩/ ١٢]. (٣) رواه البخاري [٦٧٣٤]. ٤٣١ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة قالَ: ((فإنْ لمْ تجدْ في سنّةِ رسولِ الله وََّ، ولا في كتابِ اللهِ؟)). قالَ: أجتهد رأيي، ولا آلو. فضربَ رسولُ اللهِوَلَه صدرهُ، وقالَ: «الحمدُ لله الّذي وفّقَ رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله))(١). وأرسل مصعب بن عميرٍ إلى المدينةِ للدعوة: فاختار مصعب بن عمير معلّماً إلى المدينةِ، وليكون أوّلَ سفيرٍ له، يعلّمُ المسلمين مبادئ الدينِ، وتعاليم الإسلام، ويقرئهم القرآن الكريم، ويدعو إلى صراط الله العزيزِ الحميدِ؛ ولذلك سمّوهُ بالمقرئِ(٢). وبهذا يعلمُ أنَّ المدينة فتحتْ بالقرآن، وليس بالسيفِ. عن البراءَ بنَ عازبٍ رَعَنْهَا قالَ: أوّلُ منْ قدمَ علينا مصعبُ بنُ عميٍ، وابنُ أمِّ مكتومٍ، وكانا يقرئانِ النّاسَ .. الحديث(٣). وكان وَّه يختارُ النّجباء؛ لتكليفهم بالمهمات الصعبة: فكلّفَ عليّاً بالمبيتِ في فراشه ليلةَ الهجرةِ: فعندما اجتمعتْ قريشٌّ في دار النّدوةِ، وأجمعوا على قتل النبيِّ وَّةَ، والتخلّص منه؛ أوحى الله تعالى لنبيّهِ وَ لاه بذلك. فأمر عليَّ بن أبي طالب أن ينامَ في فراشه تلكَ الليلةَ، والأعداءُ قد أحاطوا بالبيتِ (١) رواه أبو داود [٣٥٩٢]، والترمذي [١٣٢٧]، وصححه ابن القيم في إعلام الموقعين [١٥٥/١]، وقال ابن كثير: «هو حديث حسن مشهورٌ اعتمد عليه أئمةُ الإسلام في إثباتِ أصل القياس»، وضعّفه البخاري، والترمذي، وقالَ ابنُ الجوزيُّ: ((لا يصحُّ، وإنْ كانَ الفقهاءُ كلّهمْ يذكرونهُ في كتبهمْ، ويعتمدونَ عليهِ، وإنْ كانَ معناهُ صحيحاً))، وقال الألباني: ((منکر)). ينظر: التلخيص الحبير [٤٤٧/٤]، العلل المتناهية [٢/ ٢٧٣]، تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب [١٢٥/١]، فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار [٢٠٥٧/٤]، الضعيفة [٨٨١]. (٢) ينظرُ: السيرة النبوية [١/ ٤٣٤] لابن هشام. (٣) رواه البخاري [٣٩٢٥]. ٤٣٢ تعاملات النبيّ صَلَ الَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتربّصون به؛ ليقتلوه، فنامَ رَنهُ في فراشِ رسولِ الله ◌َّةِ، وهو يعلمُ الأخطار التي تكتنفه، وأنَّ الأعداءَ لا يفرّقون بينه وبينَ رسولِ اللهِ وَّ في مضجعه، فلربّما يقتلونه ظنّاً منهم أنّهُ رسولُ الله ◌ِ﴾(١). ولا يقدمُ على ذلكَ إلا أبطالُ الرّجالِ، وشجعانهم؛ ولهذا وقع اختيارُ رسول الله وَّ لهذه المهمة الشاقّة على عليٍّ بنِ أبي طالب رََّنهُ، وكلّفه بهذه المغامرة عن معرفةٍ، ودرايةٍ لمواهبه، وقدراته رَضِاللّهُ عَنْهُ. وكذلك اختارَ رسولُ اللهِ وَّه عليّاً رَّعَنهُ يوم خيبرَ؛ لحمل الرايةِ. واختار يوم الأحزاب حذيفة بن اليمان رََّنهُ؛ ليدخل بين صفوف الأعداء، ويأتي بخبرهم. عنْ إبراهيمَ التّيميِّ عنْ أبيهِ قالَ: كنّا عندَ حذيفةَ، فقالَ رجلٌ: يا أبا عبدِ الله، رأیتمْ رسولَ الله ◌َّهِ، وصحبتموهُ؟. قالَ: نعمْ يا ابنَ أخي. قالَ: والله لوْ أدركناهُ ما تركناهُ يمشي على الأرضِ، وجعلناهُ على أعناقنا، ولقاتلتُ معهُ، وأبلیتُ. فقالَ حذيفةُ: أنتَ كنتَ تفعلُ ذلكَ! والله لقدْ رأيتنا معَ رسولِ اللهِ وَلَه بالخندقِ، وأخذتنا ريحٌّ شديدةٌ وقٍّ (٢)، فصلىّ رسولُ اللهِوَلَه مِنَ اللّيلِ هويّاً، ثمَّ التفتَ إلينا، فقالَ: ((ألا رجلٌ يأتيني بخبرِ القومِ، جعلهُ الله معي يومَ القيامةِ)). فسكتنا، فلمْ يحبهُ منّا أحدٌ. ثمَّ صلّى رسولُ الله ◌َّه هويّاً منَ اللّيلِ، ثمَّ التفتَ إلينا، فقالَ: «ألا رجلٌ يأتينا بخبرِ القومِ، جعلهُ الله معي يومَ القيامةِ؟)). (١) ينظر: السيرة النبوية [١/ ٤٨٢] لابن هشام. (٢) القر: البرد. ٤٣٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَلّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فسكتنا، فلمْ يحبهُ منّا أحدٌ. ثمّ قالَ: ((ألا رجلٌ يأتينا بخبرِ القومِ، جعلهُ الله معي يومَ القيامةِ؟)). فسكتنا، فلمْ يحبهُ منّ أحدٌ، معَ شدّةِ الخوفِ، وشدّةِ الجوعِ، وشدّةِ البردِ. فقالَ: (قمْ يا حذيفةُ، فأتنا بخبرِ القومِ). فلمْ أجدْ بِدّاً إِذْ دعاني باسمي أنْ أقومَ. قالَ: يا حذيفةُ، اذهبْ، فادخلْ في القومِ، فانظرْ ما يفعلونَ، ولا تحدثنَّ شيئاً حتّى تأتينا. فلما ولّيتُ منْ عندهِ، جعلتُ كأنّما أمشي في حمّامِ حتّى أتيتهمْ. فدخلتُ في القومِ، والرّيحُ وجنودُ الله تفعلُ ما تفعلُ، لا تقرّ لهُمْ قدرٌ، ولا نارٌ، ولا بناءٌ. فقامَ أبو سفيانَ بنُ حربٍ، فقالَ: يا معشر قريشٍ، لينظرْ امرؤٌ منْ جليسهُ. فقالَ حذيفةُ: فأخذتُ بيدِ الرّجلِ الّذي إلى جنبي، فقلتُ: منْ أنتَ؟. قالَ: أنا فلانُ بنُّ فلانٍ. ثمَّ قالَ أبو سفيانَ: يا معشرَ قريشٍ، إنّكمْ والله ما أصبحتمْ بدارِ مقامٍ، لقدْ هلكَ الكراعُ، وأخلفتنا بنو قريظةَ، بلغنا منهمْ الّذي نكرهُ، ولقينا منْ هذِهِ الرّيحِ ما ترونَ، والله ما تطمئنُ لنا قدرٌ، ولا تقومُ لنا نارٌ، ولا يستمسكُ لنا بناءٌ، فارتحلوا؛ فإنّ مرتحلٌ. ثمَّ قامَ إلى جملِهِ وهوَ معقولٌ، فجلسَ عليهِ، ثمَّ ضربهُ، فوثبَ على ثلاثٍ، فما أطلقَ عقالهُ إلّا وهوَ قائمٌ. فوضعتُ سهماً في كبدِ القوسِ، فأردتُ أنْ أرميهُ، فذكرتُ قولَ رسولِ الله وَّ: ((لا تحدثْ شيئاً حتّى تأتيني))، ولوْ رميتهُ لأصبتُهُ. قالَ حذيفةُ: ثمَّ رجعتُ إلى رسولِ الله وَّهِ، وأنا أمشي في مثلِ الحَّامِ. فلما أتيتهُ، فأخبرتهُ بخيرِ القومِ، وفرغتُ، قررتُ. [أيْ: بردت]. ٤٣٤ تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ فألبسني رسولُ الله ◌َّ مِنْ فضلِ عباءةٍ كانتْ عليهِ يصلّي فيها، فلمْ أزلْ نائماً حتّى أصبحتُ. فلمّا أصبحتُ قالَ: ((قمْ يا نومانُ))(١). قوله: ((جعلتُ كأنّما أمشي في حمّامِ حتّى أتيتهمْ)). يعني: أنّهُ لمْ يجد البردَ الّذي يجدهُ النّاس، ولا منْ تلكَ الرّيحِ الشّديدةِ شيئاً؛ بلْ عافاه الله منهُ ببركةِ إجابته للنّبيِّ ◌َِّ، وذهابه فيما وجّههُ لهُ، ودعائِهِ مَّ لهُ. واستمرَّ ذلكَ اللّطفُ بِهِ، ومعافاته منَ البرد حتّى عادَ إلى النّبِّ ◌ََّ، فلمّا رجعَ، ووصلَ عادَ إليهِ البردُ الّذي يجدهُ النّاس، وهذهِ منْ معجزاتِ رسولِ اللهِ وَاهِ. ولفظة الحّام عربيّة، وهوَ مذكّر مشتقّ منْ الحميم، وهوَ: الماء الحارّ(٢). ((فكانَ اختيارُ حذيفةَ بنِ اليمانِ رَتُلهذه المهمّةِ الشاقّةِ والخطيرةِ، وفي ذلك الجوّ المتأزّم، شديدِ البلاء، عظيمِ المحنِ، كان اختياراً عن علمٍ من رسول الله وَّ بقدراتِ، ومواهب حذيفة رَضِاللَّهُ عَنْهُ. فقد اجتمعتْ فيه صفاتُ الفدائيِّ المغامرِ العليمِ بمهمّته، ودخل بينَ الأحزابِ في شدّةٍ الظلامِ، وشدّةِ البردِ دخولَ الفدائيِّ الذي تكتنفه المخاطرُ من جمیعِ الجهاتِ، وهو لا يبالي، فكان ثابتَ اليقينِ، راسخَ الإيمانِ، زكيَّ الفؤاد، متماسك الشخصيّة، خبيراً في تصریفٍ الأمورِ إذا تأزّمتْ، سريعَ البادرة)(٣). و کان پ یظھرُ ویبیّنُ مکانتھم بين أصحابه: عنْ أنس بن مالكٍ رَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌ََّ أَخذَ سيفاً يومَ أحدٍ، فقالَ: ((منْ يأخذُ منّي هذا؟». (١) رواه مسلم [١٧٨٨]، وأحمد [٢٢٨٢٣]، وهذا السياق مجموعٌ من روايتيهما. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ١٤٦]. (٣) محمد رسول الله [٤/ ١٩٧] لمحمد صادق عرجون، بتصرف يسير. ٤٣٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَلّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فبسطوا أيديهمْ كلُّ إنسانٍ منهمْ يقولُ: أنا أنا. قالَ: ((فمنْ يأخذهُ بحقّهِ؟». فأحجمَ القومُ. فقالَ سماكُ بنُ خرشةَ أبو دجانةَ: أنا آخذهُ بحقّهِ. فأخذهُ، ففلقَ بِهِ هامَ المشركينَ(١). وكان ◌َّ يثني عليهم بما فيه من الصّفات المتميزة: عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَنهُ أنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ: ((أرحمُ أمْتي بأمّتي أبو بكرٍ. وأشدّهمْ في دینِ الله عمرُ. وأصدقهمْ حياءً عثمانُ. وأقضاهمْ عليُ بنُ أبي طالبٍ. وأقرؤهمْ لكتابِ الله أُّ بنُ کعبٍ. وأعلمهمْ بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ. وأفرضهمْ زیدُ بنُ ثابتٍ. ألا وإنَّ لكلِّ أمّةٍ أميناً، وأمينُ هذِهِ الأمّةِ أبو عبيدةَ بنُ الجَّاحِ)) (٢). ومن ذلك ثناؤه على سلمةَ بنِ الأکوعِ على ما قام به: عن سلمةَ بنِ الأكوعِ رَهُ قال: قدمنا الحديبيةَ معَ رسولِ اللهِوَّهَ، ونحنُ أربعَ عشرةَ مائةً، وعليها خمسونَ شاً لا ترويها. (١) رواه مسلم [٢٤٧٠]. (٢) رواه الترمذي [٣٧٩١]، وابن ماجة [١٥٥]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٨٩٥]. ٤٣٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقعدَ رسولُ اللهِ وٍَّ على جبا الرّكيّةِ(١)، فإمّا دعا، وإمّا بصقَ فيها، فجاشتْ فسقينا، واستقینا. ثمَّ إِنَّ رسولَ الله وَِّ دعانا للبيعةِ في أصلِ الشّجرةِ. فبايعتهُ أوّلَ النّاسِ، ثمَّ بایع، وبایعَ. حتّى إذا كانَ في وسطٍ منَ النّاسِ قالَ: ((بایعْ يا سلمةُ)). قلتُ: قدْ بايعتكَ يا رسولَ الله في أوّلِ النّاسِ. قالَ: ((وأيضاً)). قالَ: ورآني رسولُ الله ◌َّه عزلاً - يعني بغير سلاح - فأعطاني رسولُ اللهِ وَّ حجفةً أوْ درقةً(٢). ثُمَّ بايعَ حتّى إذا كانَ في آخرِ النّاسِ قالَ: ((ألا تبايعني يا سلمةُ؟». قلتُ: قدْ بايعتكَ يا رسولَ الله في أوّلِ النّاسِ، وفي أوسطِ النّاسِ. قالَ: ((وأيضاً)). فبايعتهُ الثّالثَ(٣). ثُمَّ قالَ لي: «يا سلمةُ أينَ حجفتكَ، أَوْ درقتكَ الّتي أعطيتكَ؟)). قلتُ: يا رسولَ الله لقيني عمّي عامرٌ عزلاً، فأعطيتهُ إيّاها. فضحكَ رسولُ الله ◌َّهِ، وقالَ: ((إنّكَ كالّذي قالَ الأوّلُ: اللهمَّ أبغني حبيباً هوَ أحبُّ إليّ منْ نفسي)». (١) الجبا: هيَ ما حول البئر، وأمّا الرّكيّ: فهوَ البئر. شرح النووي على صحيح مسلم [١٢ / ١٧٥] (٢) هما شبيهتانِ بالترّسِ. (٣) قالَ ابن المنير: الحكمة في تكراره البيعة لسلمة أنّهُ كانَ مقداماً في الحرب، فأكّد عليهِ العقد احتياطاً. قال ابن حجر: أوْ لأنّهُ كانَ يقاتل قتال الفارس والرّاجل فتعدّدتْ البيعة بتعدّدِ الصّفة. فتح الباري [١١٩/٦]. ٤٣٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة ثمَّ إِنَّ المشركينَ راسلونا الصّلحَ، حتّى مشى بعضنا في بعضٍ واصطلحنا. فلمّا اصطلحنا نحنُ وأهلُ مكّةَ، واختلطَ بعضنا ببعضٍ، أتيتُ شجرةً، فکسحتُ شوكها(١)، فاضطجعتُ في أصلها. فأتاني أربعةٌ منَ المشركينَ منْ أهلِ مكّةَ، فجعلوا يقعونَ في رسولِ الله ◌َلآ، فأبغضتھمْ، فتحوّلتُ إلى شجرةٍ أخرى. وعلّقوا سلاحهمْ، واضطجعوا. فبينما همْ كذلكَ إذْ نادى منادٍ منْ أسفلِ الوادي: يا للمهاجرينَ قتلَ ابنُ زنيمٍ. فاخترطتُّ سيفي، ثمَّ شددتُ على أولئكَ الأربعةِ وهمْ رقودٌ، فأخذتُ سلاحهمْ، فجعلتهُ ضغثاً في يدي(٢). ثُمَّ قلتُ: والّذي كرّمَ وجهَ محمّدٍ لا يرفعُ أحدٌ منكمْ رأسهُ إلّا ضربتُ الّذي فيهِ عيناهُ. ثمَّ جئتُ بهمْ أسوقهمْ إلى رسولِ الله ◌ِّد. وجاءَ عمّي عامٌ برجلٍ منَ العبلاتِ (٣) يقالُ لهُ مكرزٌ، يقودُهُ إلى رسولِ الله ◌ََّ على فرسٍ محفّفٍ في سبعينَ منَ المشركينَ(٤). فنظرَ إليهمْ رسولُ اللهِوَّه فقالَ: ((دعوهمْ، يكنْ لهمْ بدءُ الفجورِ وثناءُ)). فعفا عنهمْ رسولُ الله ◌َّهِ، وأنزلَ الله: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآيةَ كلّها. (١) أيْ: كنست ما تحتها منَ الشّوك. (٢) الضّغث: الحزمة. (٣) العبلات: منْ قريش، همْ أميّة الأصغر وأخواهُ نوفل وعبد الله بن شمس بن عبد منافٍ نسبوا إلى أمّ لهمْ منْ بني تمیم اسمها: عبلة بنت عبید. شرح النووي على صحيح مسلم [١٢ / ١٧٧]. (٤) أيْ: عليهِ تجفافٍ، وهوَ ثوب يلبسهُ الفرس ليقيهُ منَ السّلاح. شرح النووي على صحيح مسلم [١٢ / ١٧٧]. ٤٣٨ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ خرجنا راجعينَ إلى المدينةِ، فنزلنا منزلاً بيننا وبينَ بني لحيانَ جبلٌ، وهمُ المشركونَ. فاستغفرَ رسولُ اللهِوَّهلمنْ رقِيَ هذا الجبلَ اللّيلةَ، كأنّهُ طليعةٌ للنّبِّ ◌َّ وأصحابهِ. قالَ سلمةُ: فرقيتُ تلكَ الليلةَ مرّتينٍ، أَوْ ثلاثاً. ثُمَّ قدمنا المدينةَ. فبعثَ رسولُ اللهِ وَّ بظهرهِ معَ رباحٍ غلامِ رسولِ الله ◌ََّ، وأنا معهُ. وخرجتُ معهُ بفرسٍ طلحةً أندّيهِ معَ الظّهرِ(١)، فلما أصبحنا إذا عبدُ الرّحمنِ الفزاريُّ قدْ أغارَ على ظهرِ رسولِ اللهِ وََّ، فاستاقهُ أجمعَ، وقتلَ راعيهُ. فقلتُ: يا رباحُ خذْ هذا الفرسَ، فأبلغهُ طلحةَ بنَ عبيدِ الله، وأخبرْ رسولَ الله ◌َلاَ أَنَّ المشركينَ قدْ أغاروا على سرحهِ. ثمَّ قمتُ على أكمةٍ، فاستقبلتُ المدينةَ، فصرختُ ثلاثَ صرخاتٍ أسمعتُ ما بينَ لا بتیھا: یا صباحاهُ(٢)، یا صباحاهْ. ثُمَّ خرجتُ في آثارِ القومِ أرميهمْ بالنّبلِ وأرتجزُ أَقولُ: أنا ابنُ الأكوع واليومُ يومُ الرّضّعِ(٣) فألحقُّ رجلاً منهمْ، فأصُّ سهماً في رحلِهِ، حتّى خلصَ نصلُ السّهمِ إلى كتفهِ. قال: قلتُ: (١) ومعناهُ: أنْ يورد الماشية الماء فتسقى قليلاً، ثمَّ ترسل في المرعى، ثمَّ ترد الماء فترد قليلً، ثمَّ تردّ إلى المرعى. شرح النووي على صحيح مسلم [١٢ / ١٧٧]. (٢) هيَ كلمة تقال عند استنفارِ منْ كانَ غافلًا عنْ عدوّهِ، وكانتْ عادتهمْ يغيرونَ في وقت الصّباح، فكأنّهُ قالَ: تأهّبوا لما دهمکمْ صباحاً. وفيهِ إشعارٌ بأنّهُ كانَ واسع الصّوت جدّاً، ويحتمل أنْ يكون ذلكَ منْ خوارق العاداتِ. فتح الباري [٧/ ٤٦١]. (٣) الرّضّع: المراد بهمْ اللّئام أيْ: اليوم يوم هلاك اللّئام، والأصل فيهِ أنَّ شخصاً كانَ شديد البخل، فكانَ إذا أرادَ حلبَ ناقتهِ ارتضعَ منْ ثديها لئلا يحلبها فيسمعُ جيرانهُ أوْ منْ يمرُّ بِهِ صوتَ الحلبِ فيطلبونَ منهُ اللّبن، فقيلَ ذلك لكلِّ لئيمٍ. فتح الباري [٧/ ٤٦٢]. ٤٣٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَالله عَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة واليومُ يومُ الرّضّعِ خذها وأنا ابنُ الأكوعِ فوالله ما زلتُ أرميهمْ، وأعقرُ بهمْ، فإذا رجعَ إليَّ فارسٌ أتيتُ شجرةً، فجلستُ في أصلها، ثمَّ رميتهُ، فعقرتُ بهِ، حتّى إذا تضايقَ الجبلُ، فدخلوا في تضايقهِ علوتُ الجبلَ، فجعلتُ أردّيهِمْ بالحجارةِ. فما زلتُ كذلكَ أتبعهمْ حتّى ما خلق الله منْ بعيرٍ منْ ظهرِ رسولِ اللهِوَلَ إلّا خلّفتهُ وراءَ ظهري، وخلّوا بيني وبينهُ. ثُمَّ اتّبعتهمْ أرميهمْ، حتّى ألقوا أكثرَ منْ ثلاثينَ بردةً، وثلاثينَ رمحاً، يستخفّونَ. ولا يطرحونَ شيئاً إلّا جعلتُ عليهِ آراماً(١) منَ الحجارةِ يعرفها رسولُ الله ◌َّله وأصحابهُ. حتّى أتوا متضايقاً منْ ثنيّةٍ، فإذا همْ قدْ أتاهمْ فلانُ بنُ بدرِ الفزاريُّ، فجلسوا يتضحّونَ يعني: يتغدّونَ. وجلستُ على رأسِ قرنٍ(٢). قالَ الفزاريُّ: ما هذا الّذي أرى؟ قالوا: لقينا منْ هذا البرحَ (٣)، والله ما فارقنا منذُ غلسٍ يرمينا حتّى انتزعَ كلَّ شيءٍ في أیدینا. قالَ: فليقمْ إليهِ نفرٌ منكمْ أربعةٌ. فصعدَ إليَّ منهمْ أربعةٌ في الجبلِ. فلمّا أمكنوني منَ الكلامِ قلتُ: هل تعرفوني؟ قالوا: لا، ومنْ أنتَ؟ (١) آرام: هيَ الأعلام، وهيَ حجارة تجمع وتنصب في المفازة، يهتدى بها. النهاية [٤٠/١]. (٢) جبيل صغيِّرٌ. النهاية [٤/ ٥٤]. (٣) أيْ: شدّة.