النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفي رواية لمسلم قالَ سعدُ بنُ عبادةَ: يا رسولَ الله لوْ وجدتُ معَ أهلي رجلاً لمْ أمسّهُ حتّى
آتيَ بأربعةِ شهداءَ؟
قالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((نعمْ)).
قالَ: كلّا والّذي بعثكَ بالحقِّ إنْ كنتُ لأَعاجلهُ بالسّيفِ قبلَ ذلكَ.
قالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((اسمعوا إلى ما يقولُ سيّدكمْ! إنّهُ لغيورٌ، وأنا أغيرُ منهُ، والله أغيرُ
منّي)).
قالَ القاري: ((فيهِ: اعتذار منهُ ◌َِّ لسعدٍ، وأنَّ ما قالهُ سعد قالهُ لغيرتِهِ))(١).
وقوله: (كلّا والّذي بعثك بالحقِّ إنْ كنت لأعاجلهُ بالسّيفِ) قَالَ الماورديّ، وغيره:
((ليسَ قوله هذا ردّاً لقولِ النّبِيِّ وََّ، ولا مخالفةً منْ سعدِ بنِ عبادةِ لأمرِ ◌ََّ، وإنّما معناهُ
الإخبارُ عنْ حالةِ الإنسانِ عند رؤيته الرّجلَ عند امرأته، واستيلاءِ الغضبِ عليهِ، فإنّهُ
حينئذٍ يعاجلهُ السّيفَ، وإنْ كانَ عاصياً)(٢).
وعنْ أبي الدّر داءِ رَتْهُ قالَ: كانتْ بينَ أبي بكرٍ، وعمر محاورةٌ، فأغضبَ أبو بكرٍ عمرَ،
فانصرف عنهُ عمرُ مغضباً.
فاتّبعهُ أبو بكرٍ يسألهُ أنْ يستغفرَ لهُ، فلمْ يفعلْ، حتّى أغلقَ بابهُ في وجهِهِ.
قالَ أبو الدّرداءِ: كنتُ جالساً عندَ النّبِّ ◌َّ إِذْ أَقبلَ أبو بكرٍ آخذاً بطرفٍ ثوبهِ حتّى أبدى
عنْ رکبتهِ.
فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((أمَّا صاحبكمْ، فقدْ غامر))(٣).
فسلّمَ، وقالَ: إِنّ كانَ بيني، وبينَ ابنِ الخطّابِ شيءٌ، فأسرعتُ إليهِ، ثمَّ ندمتُ، فسألتهُ
أنْ يغفرَ لي، فأبى عليَّ، فأقبلتُ إليكَ.
(١) مرقاة المفاتيح [٥/ ٢١٦٣].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠ / ١٣١].
(٣) أيْ: خاصم. النهاية [٣٨٤/٣].

٤٠١
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فقالَ: ((يغفرُ الله لكَ يا أبا بكرٍ، يغفرُ الله لكَ يا أبا بكرٍ، يغفرُ الله لكَ يا أبا بكرٍ))(١).
و کان یکرمهم ويأمر أصحابه بذلك:
عن جابرِ بنِ عبدِ الله ◌ََّنَّهَا قال: دخلَ جريرُ بنُ عبد الله البجلي [وكان سيّد قومه] رََّ عَنْهُ
على رسولِ الله ◌َّه وعندهُ أصحابه، فضنَّ الناسُ بمجالسهمْ، فلم يوسّعْ لهُ أحدٌ.
فأخذَ رسولُ اللهِوَّ رداءه، فألقاه إليه، وقال: ((اجلسْ عليها)).
فتلقّاهُ جريرٌ بنحره ووجهه، فقبّلهُ، ووضعه على عينيهِ، وقال: أكرمك الله كما أكرمتني،
ثمَّ وضعه على ظهرِ رسول الله ◌َیّ.
فقال رسول الله ◌َّة: ((منْ كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ، فإذا أتاهُ كريمُ قومٍ؛ فليكرمهُ))(٢).
وعنِ ابنِ عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّ: ((إذا أتاكمْ كريمُ قومٍ فأكرموهُ)(٣).
وكان يحسنُ إليهم حتى وإن كانوا في الأسرِ حفظاً لمكانتهم وطمعاً في إسلامهم:
عن أبي هريرةَ رَّعَنْهُ قال: بعثَ رسولُ اللهِوَّه خيلاً قبلَ نجدٍ، فجاءتْ برجلٍ منْ بني
حنيفةَ لا يشعرونَ منْ هوَ حتّى أتوا بهِ رسولَ الله ◌َّه فقالَ: «أتدرونَ منْ أخذتمْ؟ هذا تمامٌ
بنُ أثالِ الحنفيُّ [وكان سيّد أهلِ اليمامةِ] أحسنوا إسارهُ).
فربطوهُ بساريةٍ منْ سواري المسجدِ.
ورجعَ رسولُ الله ◌َّه إلى أهلِهِ فقالَ: ((اجمعوا ما كانَ عندكمْ منْ طعام، فابعثوا بهِ إلیهِ،
وأمرَ بلقحتهِ (٤) أنْ يغدى عليهِ بها ويراحٌ)).
فجعلَ لا يقعُ منْ ثمامةَ موقعاً.
(١) رواه البخاري [٣٦٦١]، وقد سبق.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك [٧٧٩١]، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا السياق، وقال العراقي في
تخريج أحاديث الإحياء: وإسناده جيد.
(٣) رواه ابن ماجة [٣٧١٢] وحسنه الألباني بالشواهد في الصحيحة [١٢٠٥].
(٤) الناقة ذات اللبن.

٤٠٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فخرجَ إليهِ رسولُ الله ◌َّةِ، فقالَ: ((ماذا عندكَ يا ثمامةُ؟».
فقالَ: عندي يا محمّدُ خيرٌ: إنْ تقتلْ تقتلْ ذا دم، وإنْ تنعمْ تنعمْ على شاكرٍ، وإنْ كنتَ
تريدُ المالَ؛ فسلْ تعطَ منهُ ما شئتَ.
فتركهُ رسولُ الله ◌َِّ حتّى كانَ بعدَ الغدِ، فقالَ: ما عندك يا ثمامةُ.
فأعاد عليه مقالته.
فتركهُ رسولُ الله ◌َّهِ، حتّى كانَ منَ الغدِ، فقالَ له كما قال له في اليومِ الأوّلِ، فأعاد عليه
ثمامةُ مقالته.
فقالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((أطلقوا ثمامةَ)).
فانطلقَ إلى نخلِ قريبٍ منَ المسجدِ، فاغتسلَ، ثمَّ دخلَ المسجدَ، فقالَ: أشهدُ أنْ لا إلهَ
إلّا الله، وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدهُ ورسولهُ.
يا محمّدُ، والله ما كانَ على الأرضِ وجهٌ أبغضَ إليَّ منْ وجهكَ، فقدْ أصبحَ وجهكَ أحبَّ
الوجوهِ إليّ، والله ما كانَ منْ دينٍ أبغضَ إليَّ منْ دينكَ، فأصبحَ دینكَ أحبَّ الدّينِ إليّ، والله
ما كانَ منْ بلدٍ أبغضُ إليَّ منْ بلدكَ، فأصبحَ بلدكَ أحبَّ البلادِ إليّ.
وإنَّ خيلكَ أخذتني، وأنا أريدُ العمرةَ، فماذا ترى.
فبشّرهُ رسولُ اللهِوَّةِ، وأمرهُ أنْ يعتمرَ.
فلّا قدمَ مكّةَ قالَ لهُ قائلٌ : صبوتَ.
قالَ: لا، ولكنْ أسلمتُ معَ محمّدٍ رسولِ اللهِوَّةِ، ولا والله لا يأتيكمْ منْ اليمامةِ حبّةُ
حنطةٍ حتّى يأذنَ فيها النّبيُّ ◌ٍَّ(١).
من فوائد الحديث:
فيهِ: الاغتسالُ عندَ الإسلامِ.
(١) رواه البخاري [٤٣٧٢]، ومسلم [١٧٦٤]، وما بين المعقوفتين زيادة من السيرة النبوية [٦٣٨/٢] لابن هشام.

٤٠٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّالَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وفيهِ: أنَّ الإحسانَ يزيلُ البغضَ، ويثبّتُ الحبَّ.
وفيهِ: أنَّ الكافرَ إذا أرادَ عملَ خيٍ، ثمَّ أسلمَ شرعَ لهُ أنْ يستمرَّ في عملِ ذلكَ الخيرِ.
وفيهِ: الملاطفةُ بمنْ يرجى إسلامهُ منَ الأسارى إذا كانَ في ذلكَ مصلحةٌ للإسلامِ، ولا
سيّما منْ يتبعهُ على إسلامِهِ العددُ الكثيرُ(١).
فلما أسلم حسنَ إسلامهُ، ونفعَ الله بِهِ الإسلامَ كثيراً، وقامَ بعدَ وفاةِ رسولِ الله ◌َّه مقاماً
حميداً حينَ ارتدّتِ اليمامةُ معَ مسيلمةَ، وذلكَ أنّهُ قامَ فيهمْ خطيباً، وقالَ:
((يا بني حنيفةً! أينَ عزبتْ عقولكمْ، بِسمِ اللهِالرَّ الرَّحِ ﴿حَمَ ا تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللّهِ
اٌلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ١ -٣]، أينَ هذا منْ : یا ضفدعُ
يا ضفدعين، نقّي كما تنقّينَ، نصفكِ في الماءِ، ونصفكِ في الطّينِ، لا الشّرابَ تكدّرينَ، ولا
الماءَ تمنعينَ ... لنا نصفُ الأرض، ولقريشِ نصفها. ولكن قريشاً قوم يعتدون ... الخ ممّا كانَ
بهذي بهِ مسيلمةَ)).
فأطاعهُ معهمْ ثلاثةَ آلافٍ، وانحازوا إلى المسلمينَ، ففتَّ ذلكَ في أعضادٍ مسيلمة(٢).
وكان ◌َلّ لا يردّهم عن لقائه:
عنْ جريرِ رَلهُ قالَ: ما حجبني النّبِيُّ ◌َِّ منذُ أسلمتُ، ولا رآني إلّا تبسّمَ في وجهي.
ولقدْ شكوتُ إليهِ أنّ لا أثبتُ على الخيلِ، فضربَ بيدهِ في صدري، وقالَ: ((اللهمَّ ثبّتُهُ
واجعلُ هادياً مهدّاً))(٣).
من فوائد الحديث:
فيهِ: أن الرجلَ الوجيهَ في قومه له حرمةٌ، ومكانةٌ على من هو دونه؛ لأن جریراً كان سيّدَ
قومهِ.
(١) فتح الباري [٨٩/٨].
(٢) الروض الأنف [٤ / ٤١٨]
(٣) رواه البخاري [٣٠٣٦]، ومسلم [٢٤٧٥].

٤٠٤
تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفيهِ: أن لقاءَ الناسِ بالتبسّم، وطلاقة الوجهِ من أخلاقِ النبوّةِ، وهو منافٍ للتكبِّرِ،
وجالبٌ للمودّةِ.
وفيهِ: فضلُ الفروسيّةِ، وإحكام ركوب الخيلِ، وأن ذلكَ مّ ينبغى أن يتعلّمه الرجلُ
الشريفُ والرئيسُ.
وفيهِ: أنه لا بأسَ للعالم والإمامِ إذا أشارَ إلى إنسان في مخاطبته، أو غيرها أن يضعَ عليه
يدهُ، ويضربَ بعضَ جسده، وذلك من التواضع، وفيه استمالةُ النفوس.
وفيهِ: بركة دعوة النبي ◌َّ؛ لأنه قد جاءَ في هذا الحديث أنه ما سقطَ بعد ذلكَ من
الخيلِ(١).
وكان يثني على صفاتِ الخير التي فيهم:
قالَ جريرٌ: لمّا دنوتُ منَ المدينةِ أنختُ راحلتي، ثمَّ حللتُ عيبتي(٢)، ثمَّ لبستُ حّتي،
ثُمَّ دخلتُ.
فإذا رسولُ اللهِوَّه يخطبُ، فرماني النّاسُ بالحدقِ(٣).
فقلتُ لجليسي: يا عبدَ الله ذكرني رسولُ الله ◌َّ؟
قالَ: نعمْ ذكركَ آنفاً بأحسنِ ذکرٍ.
وقالَ: ((يدخلُ عليكمْ منْ هذا البابِ، أوْ منْ هذا الفجِّ منْ خيرِ ذي يمنٍ، إلّا أنَّ على
وجههِ مسحةَ ملكٍ)»(٤).
قالَ جريرٌ: فحمدتُ الله عَرَجَلَّ على ما أبلاني (٥).
(١) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [١٩٤/٥].
(٢) مستودع الثياب والصندوق الذي يحفظ فيه كل شيء نفیس.
(٣) التحديق: شدة النظر.
(٤) أثر من الجمال؛ لأنهم يصفون الملائكة بالجمال، وكان جرير سيداً مطاعاً مليحاً طوالا بديع الجمال. عمدة القاري
[١٨٦/٢].
(٥) رواه أحمد [١٨٦٩٨]، وصححه الألباني في الصحيحة [٣١٩٣].

٤٠٥
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله وَ ل﴿ وفدُ طّئ، وفيهم زيدُ الخيل وهو سيّدهم،
فلما انتهوا إليه كلّمهم، وعرضَ عليهم الإسلامَ، فأسلموا، وحسنَ إسلامهم.
وقال رسول الله ◌َّ: «ما ذكرَ لي رجلٌ منَ العربِ بفضلٍ ثُمَّ جاءني إلّا رأيتهُ دونَ ما يقالُ
فيهِ إلّا زيدَ الخيلِ فإنّهُ لمْ يبلغْ كلَّ ما فيهِ)).
ثم سمّاه زید الخیر، وقطع له فيداً(١) وأرضین معه، و کتب له بذلك.
فخرج من عندِ رسول الله وَ له راجعاً إلى قومه، فقال رسول الله وَالَ: ((إن ینجُ زيدٌ من
حمّی المدینةِ)).
فلما انتهى إلى ماءٍ من مياهِ نجدٍ يقالُ له: فردة، أصابتهُ الحمّى بها، فماتَ، فلما أحسَّ
بالموت أنشدَ:
وأتركُ في بيتٍ بفردةِ منجِدٍ
أمرتحلٌ قومي المشارقَ غدوةً
عوائدُ منْ لَمْ يبرَ منهنَّ يجهد
ألا ربَّ يومٍ لوْ مرضتُ لعادني
وقالَ لأشجِّ عبدِ القيسِ - وكانَ وافدَ قبيلة عبدِ القيسِ وقائدهمْ ورئيسهم -: ((إنَّ فيكَ
خصلتينِ يحبّهما الله: الحلمُ، والأناةُ))(٢).
قال النووي: ((أمّا الحلمُ فهو العقلُ، وأما الأناةُ فهي التثبّتُ، وترك العجلة.
وسببُ قولِ النّبِيِّ وََّ ذلكَ لهُ: ما جاءَ أنَّ الوفدِ لَّا وصلوا إلى المدينةِ بادروا إلى
النّبِّ ◌َِّ، وأقامَ الأشجُّ عندَ رحالهمْ فجمعها، وعقلَ ناقتهُ، ولبسَ أحسنَ ثيابهِ، ثمَّ أقبلَ
إلى النّبِيِّ ◌َّ .
فقرّبهُ النّبِيُّ ◌َّه وأجلسهُ إلى جانبهِ، وقالَ لهُ: ((إنَّ فِيكَ خصلتينِ يحبّهما الله: الحلمُ
والأناةُ)) (٣).
(١) اسم مكان بشرقي سلمى أحد جبال طيئ، وهو الذي ينسبُ إلیه حمی فیدٍ.
(٢) رواه مسلم [١٧] عن ابن عباس رَّعَنْم].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١/ ١٨٩].

٤٠٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وربّما دخل النبيُّ ګ؛ في جوار بعضهم وحمايته:
فإنّ رسولَ الله ◌َّهلَّا انصرفَ عنْ أهلِ الطّائفِ، ولمْ يحيبوهُ إلى ما دعاهمْ إليهِ منْ تصديقهِ،
ونصرتهِ صارَ إلى حراءٍ.
ثمّ بعثَ إلى الأخنسِ بن شريقٍ؛ ليجيرهُ، فقالَ: أنا حليفٌ، والحليفُ لا يجيرُ.
فبعثَ إلى سهيلِ بنِ عمِرٍو، فقالَ: إنّ بني عامر لا تجيرُ على بني كعبٍ.
فبعثَ إلى المطعمِ بنِ عديٍّ، فأجابهُ إلى ذلكَ.
فذهبَ إليه رسول الله صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ، فباتَ عنده تلكَ الليلةَ، فلما أصبحَ خرِجَ معه هو
وبنوهُ ستّةً، أو سبعةً متقلّدي السيوفِ جميعاً، فدخلوا المسجدَ.
وقال لرسولِ الله ◌َّ: طفْ. واحتبوا بحمائلِ سيوفهم في المطافِ.
فأقبل أبو سفيان إلى مطعمٍ، فقال: أمجيرٌ، أو تابعٌ؟
قال: لا ، بل مجیرٌ.
قال: إذاً لا تخفرُ.
فجلس معه حتی قضی رسول الله ێ طوافه، فلما انصرفَ انصرفوا معه، وذهب أبو
سفیان إلی مجلسه.
قال: فمكثَ أياماً، ثم أذنَ له في الهجرةِ.
فلّا هاجرَ رسول اللهِ وَّه إلى المدينةِ توفّيَ المطعمُ بنُ عديٍّ بعده بيسيرٍ، فقال حسّانُ بنُ
ثابتٍ: والله لأرثينّه.
فقال فيما قال:
منَ الناسِ أبقى مجدهُ اليومَ مطعما
فلوْ كانَ مجدٌّ يخلدُ اليومَ واحداً
عبادكَ ما لبّى ملبٍّ، وأحرما
أجرتَ رسولَ الله منهم، فأصبحوا

٤٠٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وقحطانُ، أو باقي بقيّةِ جرهما
فلو سئلتْ عنهُ معدٌّ بأسرها
وذمّتهِ يوماً إذا ما تذمّما
لقالوا: هوَ الموفي بخفرةِ جارهِ
على مثلهِ منهم أعزَّ، وأكرما
فما تطلعُ الشمسُ المنيرةُ فوقهم
ولهذا قال النبيُّ ◌َّ يوم بدرٍ عن الأسارى: ((لوْ كانَ المطعمُ بنُ عديٌّ حيّاً، ثمَّ كلّمني في
هؤلاءِ النّنى، لتركتهمْ لهُ))(١).
وإذا دعاه بعضهم إلى طعامٍ أجاب دعوته:
عنْ أنس بن مالكِ رَّهُ: أَنَّ النّبِيّ ◌ََّ جاءَ إلى سعدِ بنِ عبادةَ، فجاءَ بخبزِ وزيتٍ،
فأكلَ، ثمَّ قالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((أفطرَ عندكمْ الصّائمونَ، وأكلَ طعامكمْ الأبرارُ، وصلّتْ علیکمْ
الملائكةُ)) (٢).
((أفطرَ عندكمْ الصّائمونَ)) خبرٌّ بمعنى الدّعاءِ بالخيرِ والبركة، لأَنَّ أفعالَ الصائمينَ تدُّ
على اتّساعِ الحالِ، وكثرةِ الخيرِ إذ من عجزَ عن نفسه، فهو عن غيره أعجزُ.
((وأكل طعامكمْ الأبرارُ)) صائمين، ومفطرين، فمفادُ هذه الجملةِ أعمُّ ممّا قبلها.
((وصلّتْ عليكمْ الملائكةُ) أي: استغفرتْ لكم.
وفيهِ: أنه يندبُ لمن أفطر عنده صائمٌ أن يدعوَ له بذلك بناءً على أنَّ الجملةَ دعائيّةٌ، وهو
أقربُ من جعلها خبريّةً(٣).
وكان النبيُّ ◌َّ يزورهم، ويأكلُ عندهم:
عنْ قيسٍ بِنِ سعدٍ رَ عَنّا قَالَ: زارنا رسولُ الله ◌َّه في منزلنا.
فقالَ: ((السّلامُ عليكمْ ورحمةُ الله)).
فردَّ سعدٌ ردّاً خفيّاً. [أيْ: بحيثُ لا يسمع رسول الله ◌َّ]
ے
(١) رواه البخاري [٣١٣٩].
(٢) رواه أبو داود [٣٨٥٤]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٢٢٦].
(٣) فيض القدير [٥٤/٢].

٤٠٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ قيسُ: فقلتُ: ألا تأذنُ لرسولِ الله وَلـ
فقالَ: ذرهُ يكثرُ علينا منَ السّلامِ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((السّلامُ عليكمْ ورحمةُ الله)).
فردَّ سعدُ ردّاً خفيّاً.
ثُمَّ قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((السّلامُ عليكمْ ورحمةُ الله)).
فرجعَ رسولُ الله ◌َّهِ، واتّبعهُ سعدٌ، فقالَ: يا رسولَ الله، قدْ كنتُ أسمعُ تسليمكَ، وأردٌ
عليكَ ردّاً خفيّاً؛ لتكثرَ علينا منَ السّلام.
فانصرفَ معهُ رسولُ الله ◌َّةِ، فأمرَ لهُ سعدٌ بغسلِ(١) فوضعَ فاغتسلَ، ثمَّ ناولهُ ملحفةً
مصبوغةً بزعفرانٍ وورسٍ، فاشتملَ بها(٢).
ثمَّ رفعَ رسولُ اللهِوَ لَ يديهِ، وهوَ يقولُ: ((اللهمَّ اجعلْ صلواتكَ، ورحمتكَ على
آلِ سعدِ بنِ عبادةَ».
ثمَّ أصابَ منَ الطّعام، فلما أرادَ الانصرافَ قرّبَ إليهِ سعدٌ حماراً قدْ وطّأَ عليهِ بقطيفةٍ،
فركبَ رسولُ الله
فقالَ سعدٌ: یا قیسُ! اصحبْ رسولَ الله:
جَـ
قالَ قيسٌ: فقالَ رسولُ اللهِوَّ: ((اركبْ)).
فَأبيتُ، ثمَّ قالَ: ((إمّا أنْ تركبَ، وإمّا أنْ تنصرفَ)).
قالَ: فانصرفتُ(٣).
(١) ما يغسل بهِ منَ الخطميّ وغيره.
(٢) الملحفة: اللباس الذي فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه، و کل شيء تغطیت به فقد التحفت به، والورس:
نبت أصفر یصبغ به.
(٣) رواه أحمد [١٥٠٥٠]، وأبو داود [٥١٨٥]، وقال ابن حجر في الفتح [١٧٠/١١]: "سنده جيد"، وصحّح
إسناده ابنُ الملقن في البدر المنير [٢ / ٢٥٦]، وقال ابن كثير في تفسيره [٦/ ٣٧]: جيد قوي، وضعفه الألباني في
ضعيف أبي داود [٥١٨٥].

٤٠٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّالَه عَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
و کان پڼ يمازحهم:
عنْ أسيدِ بنِ حضيرٍ - وكان أسيد من عقلاء الأشراف، وذوي الرأي، وأحد النقباء
الاثني عشر ليلة العقبة - قالَ:
بينما هوَ يحدّثُ القومَ، وكانَ فيهِ مزاحٌ، بينا يضحكهمْ، فطعنهُ النّبيُّ ◌َّ في خاصرتِهِ
بعودٍ.
فقالَ: أصبرني(١).
فقالَ: ((اصطبرْ)).
قالَ: إنَّ عليكَ قميصاً، وليسَ عليَّ قميصٌ.
فرفعَ النّبِيُّ ◌ََّ عنْ قميصِهِ، فاحتضنهُ، وجعلَ يقبّلُ كشحهُ(٢)، وقالَ: إنّما أردتُ هذا يا
رسولَ الله(٣).
وہہتمُّ بمرضاهم على وجه الخصوص، ویکثُ زیارتهم:
عنْ عائشةَ رَتْهَا قالتْ: أصيبَ سعدٌ بن معاذ [سيّد الأوس] يومَ الخندقِ، رماهُ رجلٌ
منْ قريشٍ يقالُ لهُ حبّانُ بنُ العرقِةِ.
فضربَ النّبيُّ وَّ له خيمةً في المسجدِ؛ ليعودهُ منْ قريب(٤).
قالَ أبو بكرِ بنُ العربيِّ: «تكرارُ العيادةِ سنّةٌ؛ لما كانَ النّبِيُّ ◌َ﴿ يفعلُ بسعدِ بنِ معاذٍ حینَ
ضربَ لهُ خيمةٍ في المسجدِ؛ ليعودهُ منْ قریبٍ))(٥).
وكان يقوم على مداواته: عن جابر بن عبد الله رَّعَنَّ أنّهُ قالَ: رميَ يومَ الأحزابِ
(١) أيْ: أقدرني، ومكّنّي منِ استيفاء القصاص حتّى أطعنَ في خاصرتك كما طعنت في خاصرتي.
(٢) هوَ ما بين الخاصرة إلى الضّلع الأقصر منْ أضلاع الجنب. مرقاة المفاتيح [٢٩٦٨/٧]
(٣) رواه أبو داود [٥٢٢٤]، وصححه الألباني.
(٤) رواه البخاري [٤٦٣]، ومسلم [١٧٦٩].
(٥) تحفة الأحوذي [٣٨/٤].

٤١٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
سعدُ بنُ معاذٍ، فقطعوا أكحلهُ(١)، فحسمهُ رسولُ اللهِ وَ﴿ بالنّارِ، فانتفختْ یدهُ، فحسمهُ،
فانتفختْ يدهُ، فحسمهُ أخرى فانتفختْ يدهُ، فنزفهُ. فلما رأى ذلكَ قالَ: ((اللهمَّ لا تخرجْ
نفسي حتّى تقرَّ عيني منْ بني قريظةً)).
فاستمسكَ عرقهُ، فما قطرَ قطرةً حتّى نزلوا على حكمٍ سعدٍ ... فلمّا فرغَ منْ أمرهم انفتقَ
عرقهُ فماتَ(٢).
وكذلك كان يفعل مع سيّد الخزرج: سعد بن عبادة.
عنْ عبدِ الله بنِ عمَرَ رَََّّ أنّهُ قالَ: كنّا جلوساً معَ رسولِ اللهِوَلَهإِذْ جاءهُ رجلٌ منَ
الأنصارِ، فسلّمَ عليهِ، ثمَّ أدبرَ الأنصاريُّ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((يا أخا الأنصارِ، كيفَ أخي سعدُ بنُ عبادةَ؟».
فقالَ: صالحٌ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((منْ يعودهُ منکمْ؟)).
فقامَ، وقمنا معهُ، ونحنُ بضعةَ عشرَ، ما علينا نعالٌ، ولا خفافٌ، ولا قلانسُ، ولا
قمصٌ، نمشي في تلكَ السّباخِ(٣) حتّى جئناهُ.
فاستأخرَ قومهُ(٤) منْ حولِهِ حتّى دنا رسولُ اللهِ وَّةِ، وأصحابهُ الّذينَ معهُ.
فقالَ مَ: ((قدْ قضى؟))(٥).
قالوا: لا يا رسولَ الله.
(١) الأكحلُ: عرق في وسطِ الذّراعِ يكثرُ فصدُهُ. النهاية [١٥٤/٤]
(٢) رواه أحمد [١٤٣٥٩]، والترمذي [١٥٨٢]، وصححه الألباني في الإرواء [١٢١٣].
(٣) الأرض السبخة: هي التي يعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت. النهاية [٣٣٣/٢]
(٤) استأخر قومه إكراماً للوافد، وإنزالًا للناس منازلهم، وليتأنس بهم المريض، ويذهب عنه بعض الكلال الذي يحصل
له من طول ملازمة من عنده.
دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين [٤/ ٤٦٤]
(٥) فيه معنى الاستفهام، أي: أقد خرج من الدنيا، ظنَّ أنه قد مات، فسأل عن ذلك. عمدة القاري [١٠٤/٨].

٤١١
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فبكى النّبيُّ وَّةِ، فلمّا رأى القومُ بكاءَ النّبِّ ◌َّ بكوا.
فقالَ: ((ألا تسمعونَ، إنَّ الله لا يعذّبُ بدمعِ العينِ، ولا بحزنِ القلبِ، ولكنْ یعذّبُ بهذا
-وأشارَ إلى لسانِهِ - أوْ یرحمُ))(١).
من فوائد الحديث:
فيهِ: السؤالُ عنِ المريضِ.
فیهِ: استحبابُ عيادةِ المريضِ.
وفيهِ: عيادةُ الفاضلِ للمفضولِ.
وفيهِ: عيادةُ الإمامِ والقاضي والعالِ أتباعهُ.
وفيهِ: عيادةُ الإمامِ والعالمِ المريضَ معَ أصحابه.
وفيهِ: ما كان عليه الصحابةُ رَّهُ من الزّهِدِ في الدنيا، والتقلّل منها، واطّراحٍ فضولها،
وعدم الاهتمامِ بفاخرِ اللباسِ، ونحوه.
وفيهِ: جوازُ المشي حافياً(٢).
وكان النبيُّ ◌َّ يشاورُ ذوي الهيئاتِ، ويأخذ بمشورتهم:
ففي بدرٍ طلبَ مشورةَ سادةِ الأنصارِ:
عنْ أنس بن مالكٍ رَضَعَهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَّ شاورَ حينَ بلغهُ إقبالُ أبي سفيانَ.
فتكلّمَ أبو بكرٍ، فأعرضَ عنهُ.
ثمَّ تكلّمَ عمرُ، فأعرضَ عنهُ.
فقامَ سعدُ بنُّ عبادةَ فقالَ: إِّانا تريدُ يا رسولَ الله؟ والّذي نفسي بيدهِ لوْ أمرتنا أنْ
(١) رواه البخاري [١٣٠٤] ومسلم [٩٢٤].
(٢) ينظر: فتح الباري [١٧٦/٣]، شرح النووي على صحيح مسلم [٦/ ٢٢٧].

٤١٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نخيضها البحرَ؛ لأخضناها، ولوْ أمرتنا أنْ نضربَ أكبادها إلى بركِ الغمادِ(١)؛ لفعلنا.
قالَ: فندبَ رسولُ اللهِ وَّهِ النّاسَ، فانطلقوا حتّى نزلوا بدراً(٢).
فسرَّ رسولُ الله ◌َّه بقول سعدٍ، ونشّطهُ ذلك.
قالَ العلماء: إنّما قصدَ رَّه اختبار الأنصار؛ لأنّهُ لمْ يكنْ بايعهمْ على أنْ يخرجوا معهُ للقتالِ
وطلب العدوِّ، وإنّما بايعهمْ على أنْ يمنعوهُ مَّنْ يقصدهُ، فلمّا عرضَ الخروجَ لعيرٍ أبي سفيان
أرادَ أنْ يعلمَ أنّهمْ يوافقونَ على ذلكَ، فأجابوهُ أحسنَ جوابٍ بالموافقةِ التّامّة في هذهِ المرّة،
وغيرها.
وفيهِ: استشارةُ الأصحابِ، وأهلِ الرّأيٍ، والخبرة(٣).
وفي يوم الخندقِ أرسلَ رسولُ اللهِوَلَه إلى سعدِ بن معاذٍ، وسعدِ بنِ عبادةَ يشاورهما
فيما أراد أن يعطيهُ يومئذٍ عيينةَ بنَ حصنٍ من تمرِ المدينةِ، وذلك بعدَ أن جاءتْ قريشٌ في
عشرةِ آلافٍ، وجاء عيينةُ بن حصن في غطفانَ، ومنْ معهمْ، وتوجّهَ حييُّ بن أخطبَ إلى بني
قريظةَ، فلمْ يزلْ بهمْ حتّى غدروا، وبلغَ المسلمينَ غدرهمْ، فاشتدَّ بهمُ البلاءُ.
فأرادَ النّبِيُّ ◌َّ أَنْ يعطيَ عيينَةَ بنَ حصنٍ، ومنْ معهُ ثلثَ ثمارِ المدينةِ؛ لينصرفَ بمنْ معهُ
منْ غطفانَ، ويخذّلَ الأحزابَ.
فأرسلَ رسولُ الله ◌َّه إلى سعدِ بنِ معاذ، وسعدِ بنِ عبادةَ دونَ سائِرِ الأنصارِ؛ لأنهما
كانا سيّديْ قومهما، فكان سعدُ بنُ معاذٍ سيّداً للأوسِ، وكان سعدُ بن عبادةَ سيّداً للخرزج،
فشاورهما في ذلكَ.
قال ابنُ القيّم رَحِمَةُ لَهُ: «ولّا طالتْ هذهِ الحالُ على المسلمينَ - أي: حصارُ المسلمين يومَ
الخندقِ - أرادَ رسولُ الله ◌َّهِ أَنْ يصالحَ عيينةَ بنَ حصنٍ، والحارثَ بنَ عوفٍ رئيسيْ غطفانَ
على ثلثِ ثمارِ المدينةِ، وينصرفا بقومهما، وجرتِ المراوضةُ على ذلكَ.
(١) هوَ اسمُ موضعٍ باليمنِ. وقيلَ هوَ موضعٌ وراءَ مكّةَ بخمس ليالٍ. النهاية [١٢١/١].
(٢) رواه مسلم [١٧٧٩].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ١٢٤].

٤١٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فاستشارَ السّعدينِ في ذلكَ، فقالا: يا رسولَ الله إنْ كانَ الله أمركَ بهذا، فسمعاً وطاعةً،
وإنْ كانَ شيئاً تصنعهُ لنا، فلا حاجةً لنا فيهِ.
لقدْ كنّا نحنُ وهؤلاءِ القومِ على الشّركِ بالله، وعبادةِ الأوثانِ، وهمْ لا يطمعونَ أنْ يأكلوا
منها ثمرةً إلّا قرَّى، أوْ بيعاً، فحينَ أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا لهُ، وأعزّنا بك نعطيهمْ
أموالنا؟
والله لا نعطيهمْ إلّ السّيفَ.
فصوّبَ رأيهما، وقالَ: ((إنّما هوَ شيءٌ أصنعهُ لكمْ، لما رأيتُ العربَ قَدْ رمتكمْ عنْ قوسٍ
واحدةٍ))(١).
وكذلك فعلَ أميرُ المؤمنين عمرُ رَّعَّهُ:
عنْ عبدِ الله بنِ عبّاسِ أنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ رَوَهُ خرجَ إلى الشّأمِ حَتّى إذا كانَ بسرغَ لقيهُ
أمراءُ الأجنادِ أبو عبيدةَ بنُ الجرّاح، وأصحابهُ، فأخبروهُ أنَّ الوباءَ قدْ وقعَ بأرضِ الشّأمِ.
قالَ ابنُ عبّاسٍ : فقالَ عمرُ ادعُ لي المهاجرينَ الأوّلینَ، فدعاهمْ، فاستشارهمْ، وأخبرهمْ
أنَّ الوباءَ قدْ وقعَ بالشّأم، فاختلفوا، فقالَ بعضهمْ: قدْ خرجتَ لأمرٍ، ولا نرى أنْ ترجعَ
عنهُ، وقالَ بعضهمْ: معكَ بقيّةُ النّاسِ، وأصحابُ رسولِ الله وَّةِ، ولا نرى أنْ تقدمهمْ على
هذا الوباءِ.
فقالَ: ارتفعوا عنّي.
ثمَّ قالَ: ادعوا لي الأنصارَ، فدعوتهمْ، فاستشارهمْ، فسلكوا سبيلَ المهاجرينَ، واختلفوا
کاختلافھمْ، فقالَ: ارتفعوا عنّي.
ثُمَّ قالَ: ادعُ لِي مِنْ كانَ ها هنا منْ مشيخةِ قريشٍ منْ مهاجرةِ الفتحِ، فدعوتهمْ، فلمْ
يختلفْ منهمْ عليهِ رجلانِ، فقالوا: نرى أنْ ترجعَ بالنّاسِ، ولا تقدمهمْ على هذا الوباءِ،
فنادى عمرُ في النّاسِ: إنّ مصبّحٌ على ظهرٍ، فأصبحوا علیهِ.
(١) زاد المعاد [٢٤٠/٣]، وانظر: السيرة النبوية [٢٢٣/٢] لابن هشام.

٤١٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ أبو عبيدةَ بنُ الجرّاحِ: أفراراً منْ قدرِ الله؟
فقالَ عمرُ: لوْ غيركَ قالها يا أبا عبيدةً!
نعمْ نفرٌّ منْ قدرِ الله إلى قدرِ الله، أرأيتَ لوْ كانَ لكَ إِبلٌ هبطتْ وادياً لهُ عدوتانِ [أي:
جانبان] إحداهما خصبةٌ، والأخرى جدبةٌ أليسَ إنْ رعيتَ الخصبةَ رعيتها بقدرِ الله، وإنْ
رعيتَ الجدبةَ رعيتها بقدرِ الله؟
قالَ: فجاءَ عبدُ الرّحمنِ بنُ عوفٍ، وكانَ متغيّباً في بعضِ حاجتِهِ، فقالَ: إنَّ عندي في
هذا علماً، سمعتُ رسولَ الله ◌َّ يقولُ: ((إذا سمعتمْ بِهِ بأرضٍ؛ فلا تقدموا عليه، وإذا وقعَ
بأرضٍ وأنتمْ بها فلا تخرجوا فراراً منهُ)).
قالَ: فحمدَ الله عمرُ، ثمَّ انصرفَ(١).
فائدة:
من الطّرق الوقائيّةِ من العدوى في السّنّةِ النبويّة: النّهيُ عن الخروجِ من الأرضِ الموبوءةِ،
أو الدخولِ إليها.
ويعرفُ هذا الإجراءُ في الطبِّ الحديثِ بالحجرِ الصّحّيِّ، ويعدُّ الحجرُ الصّحّيُّ من طرق
الوقايةِ التي سبقَ الإسلامُ إليها.
وقد توصّلَ العلماءُ في الطبِّ الحديثِ أن حصرَ المرضِ في مكان محدودٍ يتحقّقُ بإذنِ الله
بمنعِ الخروجِ من الأرضِ الموبوءةِ.
فالنّهيُ عن الخروجِ من الأرضِ الموبوءةِ يمثّلُ حجراً صحّاً سبق إليه الإسلامُ الطبَّ
بمئاتِ السنينِ، كما أنَّ منعَ الدخولِ إلى الأرض الموبوءةِ يعدُّ إجراءً وقائيّاً سبقَ إليه
(٢)
الإسلام(٢).
(١) رواه البخاري [٥٧٢٩]، ومسلم [٢٢١٩].
(٢) الوقاية الصحّيّة في الإسلام دراسة حديثية للدكتور علي بن جابر وادع الثبيتي. مجلة البحوث الإسلامية
[٣٧١/٧١-٣٧٢].

٤١٥
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
و کان یحفظُ لذوي الهيئاتِ جمیلهم، ویکافئھم علیه:
عنْ جبيرِ بن مطعمِ رَةُ أَنَّ النّبِيَّ ◌َّ قالَ في أسارى بدرٍ: «لوْ كانَ المطعمُ بنُ عديٌّ
حيّاً، ثمَّ كلّمني في هؤلاءِ النّنى؛ لتركتهمْ لهُ))(١).
وذلك مكافأة له على معروفه تجاهَ النبيِّ ◌َّ لَّا دخلَ في جوارِ المطعمِ بنِ عديٌّ بعدَ
رجوعه منَ الطائفِ لّا كان بمكّةً كما تقدم.
وقد كافأَ صفوانَ بنَ أميةَ، وتألّفَ قلبه بعد غزوةِ حنينٍ بعدما استعارَ منه الأدرعَ.
عنْ صفوانَ بنِ أمّيّةَ رَتُ أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ استعارَ منهُ يومَ خيبرَ أدراعاً.
فقالَ: أغصباً يا محمّدُ.
فقالَ: ((بلْ عاريةٌ مضمونةٌ)).
قالَ: فضاعَ بعضها، فعرضَ عليهِ رسولُ اللهِوَلِّ أَنْ يضمنها لهُ، فقالَ: أنا اليومَ
يا رسولَ الله في الإسلامِ أرغبُ(٢).
ثم عوّضهُ رسولُ الله ◌ِ ﴿ يومَ حنين: عنِ ابنِ شهابٍ قالَ: غزا رسولُ الله ◌َّ غزوةَ الفتح
فتحِ مكّةَ، ثمَّ خرجَ رسولُ اللهِوَلَه بمنْ معهُ منَ المسلمينَ، فاقتتلوا بحنينٍ، فنصرَ الله دينهُ
والمسلمينَ.
وأعطى رسولُ الله ◌َلَه يومئذٍ صفوانَ بنَ أميّةَ مائَةً منَ النّعمِ، ثمَّ مائةً، ثمَّ مائَةً.
قالَ ابنُ شهابٍ: حدّثني سعيدُ بنُّ المسيّبِ أنَّ صفوانَ قالَ: والله لقدْ أعطاني رسولُ الله ◌َّ
ما أعطاني، وإنّهُ لأبغضُ النّاسِ إليّ، فما برحَ يعطيني حتّى إنّهُ لأحبُّ النّاسِ إليَّ(٣).
وكافأ عبد الله بن أبي بن سلول، عنْ جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َوَنَّهَ قالَ: أتى رسولُ الله ◌َ
عبدَ الله بنَ أبيِّ بعدَ ما أدخلَ حفرتهُ، فأمرَ بهِ، فأخرجَ، فوضعهُ على ركبتيهِ، ونفثَ علیهِ منْ
ريقهِ، وألبسهُ قميصهُ، فالله أعلمُ، وكانَ كسا عبّاساً قميصاً.
(١) رواه البخاري [٣١٣٩].
(٢) رواه أبو داود [٣٥٦٢]، وأحمد [١٤٨٧٨]، واللفظ له، وصحّحه الألباني في الإرواء [١٥١٣].
(٣) رواه مسلم [٢٣١٣].

٤١٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ سفيانُ بن عيينة: وقالَ أبو هارونَ: وكانَ على رسولِ الله ◌ِّ﴾ قميصانِ، فقالَ لهُ ابنُ
عبدِ الله: يا رسولَ الله، ألبسْ أبي قميصكَ الّذي يلي جلدكَ.
قالَ سفيانُ: فيرونَ أَنَّ النّبِيَّ ◌َّ ألبسَ عبدَ الله قميصهُ؛ مكافأةً لما صنعَ(١).
وكان يستعين بهم للقضاء على المنكرات:
عن جريرِ بنِ عبدِ الله البجليِّ ◌َنهُ قالَ: قَالَ لي النّبِيُّ ◌َّ: ((ألا تريحني منْ ذي الخلصةِ)).
وكانَ بيتاً في خثعمَ، يسمّى الكعبةَ اليمانيةَ(٢). فانطلقتُ في خمسين ومائةٍ فارسٍ منْ أحمسَ،
وكانوا أصحابَ خيلٍ، وكنتُ لا أثبتُ على الخيلِ.
فضربَ في صدري حتّى رأيتُ أثرَ أصابعهِ في صدري، وقالَ: ((اللهمَّ ثبّتُهُ واجعلهُ هادياً
مهدیّاً)).
فانطلقَ إليها، فكسرها، وحرّقها، ثمَّ بعثَ إلى رسولِ الله وَله.
فقالَ رسولُ جريرٍ: والّذي بعثكَ بالحقِّ ما جئتكَ حتّى تركتها كأنّها جملٌ أجربُ(٣).
قالَ: فباركَ في خيلِ أحمسَ، ورجالها - خمسَ مرّاتٍ - (٤).
وخصَّ جريراً بذلكَ لأنّها كانتْ في بلاد قومه، وكانَ هوَ منْ أشرافهمْ (٥).
وكلّفَ المغيرةَ بنَ شعبةً، وأبا سفيانَ بهدمِ الرّبّة، وثنٌّ كانَ بينَ ظهرانيِ الطّائفِ يسترُ،
ويهدى لهُ الهديُ كما يهدى لبيتِ الله الحرامِ(٦).
(١) رواه البخاري [١٣٥٠] - واللفظ له- ومسلم [٢٧٧٣] مختصراً.
(٢) وهوَ بيتٌ في اليمن كانَ فيهِ أصنامٌ يعبدونها. شرح النووي على صحيح مسلم [١٦/ ٣٥].
(٣) معناهُ مطلّي بالقطرانِ لما بِهِ منْ الجربِ، فصارَ أسود لذلكَ، يعني صارتْ سوداء منْ إحراقها. شرح النووي على
صحيح مسلم [١٦ / ٣٦].
(٤) رواه البخاري [٣٠٢٠]، ومسلم [٢٤٧٦].
(٥) فتح الباري [٨/ ٧٢].
(٦) زاد المعاد [٥٢٣/٣].

٤١٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّالَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وكان يؤلّفُ قلوبَ ذوي الهيئاتِ، فيزيدُ في أعطياتهم، ويقدّمهم على من وراءهم:
فبعد غزوةٍ حنينٍ بعدما أفاءَ الله على رسوله وَّ مِنَ الغنائمِ أعطى ذوي الهيئاتِ من
المؤلّفةِ قلوبهم، وحديثي الإسلامِ من قريشٍ أعطياتٍ كثيرةً:
عن رافعٍ بِنِ خديجِ رَهُ قالَ: أعطى رسولُ الله ◌َّ أبا سفيانَ بنَ حربٍ، وصفوانَ بنَ
أميّةَ، وعيينةَ بنَ حصنٍ، والأقرعَ بنَ حابسٍ، كلَّ إنسانٍ منهمْ مائةَ منَ الإبلِ، وأعطى عبّاسَ
بنَ مرداسٍ دونَ ذلكَ، فقالَ عبّاسُ بنُ مرداسٍ:
ــدٍ بينَ عيينةً، والأقرعِ
أتجعلُ نهبي، ونهبَ العبيـ
يفوقانِ مرداسَ في المجمعِ
فما كانَ بدرٌ، ولا حابسٌ
ومنْ تخفضِ اليومَ لا يرفعِ
وما كنتُ دونَ امرئٍ منهما
قالَ: فَأَتمَّ لهُ رسولُ اللهِوَِّ مائةً(١).
وهكذا كان يعاملهم النبيُّنَّهِ، وكانَ لهذهِ المعاملةِ أثرٌ كبيرٌ في نفوسهم، فمنهم منْ
أسلمَ، ومنهمْ من كفَّ شرّهُ.
وعنْ أبي سعيد الخدريِّ رَّ ◌َنهُ قالَ: بعثَ عليٌّ وهوَ باليمنِ إلى النّبِيِّ وَّ بذهيبةٍ في تربتها،
فقسمها بينَ الأقرعِ بنِ حابسٍ الحنظليِّ، ثمَّ أحدٍ بني مجاشعٍ، وبينَ عيينةَ بنِ بدرِ الفزاريِّ،
وبينَ علقمةَ بنِ علاثةَ العامريِّ، ثمَّ أحدٍ بني كلابٍ، وبينَ زيدِ الخيلِ الطّائِيِّ، ثمَّ أحدٍ بني
نبهانَ، فتغيّظتْ قريشٌ والأنصارُ، فقالوا: يعطيهِ صناديدَ أهلِ نجدٍ، ويدعنا!
قالَ: ((إنّما أتألّفهمْ)).
فأقبلَ رجلٌ غائرُ العينينِ، ناتئُ الجبينِ، كثُّ اللّحيةِ، مشرفُ الوجنتينِ، محلوقُ الرّأسِ،
فقالَ: يا محمّدُ اتَّقِ اللهَ.
فقالَ النّبِيُّ ◌ََّ: ((فمنْ يطيعُ الله إذا عصيتهُ؟ فيأمنني على أهلِ الأرضِ، ولا تأمنوني؟)).
فسألَ رجلٌ منَ القومِ قتلهُ - أراهُ خالدَ بنَ الوليدِ - فمنعهُ النّبيُّ ◌َّ . .
(١) رواه مسلم [١٧٥٧].

٤١٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فلّا ولّى قالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ منْ ضئضئ هذا قوماً يقرءونَ القرآنَ لا يجاوزُ حناجرهمْ،
يمرقونَ منَ الإسلامِ مروقَ السّهِمِ منَ الرّميّةِ، يقتلونَ أهلَ الإسلامِ، ويدعونَ أهلَ الأوثانِ،
لئنْ أدركتهمْ لأقتلنّهمْ قتلَ عادٍ))(١).
وعنْ أنسِ بنِ مالكِ رَّهُ أَنَّ ناساً منَ الأنصارِ قالوا لرسولِ اللهِوَّه حينَ أفاءَ الله على
رسولِهِ وَ ﴿ مِنْ أموالِ هوازنَ ما أفاءَ، فطفقَ يعطي رجالاً منْ قريشِ المائةَ منَ الإبلِ، فقالوا:
يغفرُ الله لرسولِ اللهِوَّ يعطي قريشاً، ويدعنا، وسيوفنا تقطرُ منْ دمائهمْ!
قالَ أنسٌِّ: فحدّثَ رسولُ اللهِوَّل بمقالتهمْ، فأرسلَ إلى الأنصارِ، فجمعهمْ في قبّةِ منْ
أدم، ولمْ يدعُ معهمْ أحداً غيرهمْ، فلّا اجتمعوا جاءهمْ رسولُ اللهِوَِّ، فقالَ: ((ما كانَ
حديثٌ بلغني عنكمْ؟)).
قالَ لهُ فقهاؤهمْ: أمّا ذوو آرائنا يا رسولَ الله فلمْ يقولوا شيئاً، وأمّا أناسٌ منّا حديثٌ
أسنانهمْ، فقالوا: يغفرُ الله لرسولِ اللهِ وَّه يعطي قريشاً، ويتركُ الأنصارَ، وسيوفنا تقطرُ منْ
دمائھمْ!
فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((إنّ أعطي رجالاً حديثٌ عهدهمْ بكفرٍ، أما ترضونَ أنْ يذهبَ النّاسُ
بالأموالِ، وترجعوا إلى رحالكمْ برسولِ الله ◌َّهِ؟ فوالله ما تنقلبونَ بِهِ خيرٌ ممّا ينقلبونَ بهِ)).
قالوا: بلی یا رسولَ الله، قدْ رضینا.
فقالَ لهُمْ: ((إنّكمْ سترونَ بعدي أثرةً شديدةً، فاصبروا حتّى تلقوا الله ورسولهُ، فإنّي على
الحوضِ)). [زاد مسلمٌ في رواية: قالوا: سنصبرُ]. قالَ أنسُ: فلمْ نصبرْ(٢).
من فوائد الحديث:
فيهِ: أنَّ للإمامِ صرفَ الخمس، وتفضيلَ النّاس فيهِ على ما يراهُ، وأنْ يعطيَ الواحد منهُ
الكثير، وأنّهُ يصرفهُ في مصالح المسلمينَ، ولهُ أنْ يعطيَ الغنيّ منهُ لمصلحةٍ.
(١) رواه البخاري [٧٤٣٢]، ومسلم [١٠٦٤].
(٢) رواه البخاري [٣١٤٧] ومسلم [١٠٥٩].

٤١٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وفيهِ: إعطاءُ المؤلفةِ قلوبهم؛ لتثبيتهم على الإسلامِ.
وفیهِ: تواضعُ النبيِّ ◌َلّ.
وفيهِ: إقامةُ الحجّةِ على الخصم، وإفحامه بالحقِّ عند الحاجة إليهِ.
وفيهِ: حسنُ أدبِ الأنصارِ في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياءِ، وبيان أنَّ الّذي نقلَ
عنهمْ إنّما كانَ عنْ شبّانهمْ، لا عنْ شيوخهمْ، وکهولهُمْ.
وفيهِ: مناقبٌ عظيمةٌ لهمْ؛ لما اشتملَ منْ ثناء الرّسول البالغ عليهمْ.
وفيهِ: أنَّ الكبيرَ ينبّهُ الصّغيرَ على ما يغفلُ عنهُ، ويوضّح لهُ وجه الشّبهة؛ ليرجع إلى الحقِّ.
وفيهِ: المعاتبةُ، واستعطافُ المعاتبِ، وإعتابه عنْ عتبه بإقامةِ حجّة منْ عتبَ عليهِ،
والاعتذارِ، والاعتراف.
وفيهِ: علمٌ منْ أعلام النّبوّة لقولهِ: ((ستلقونَ بعدي أثرةً))، فكانَ كما قالَ.
وفيهِ: أنَّ منْ طلبَ حقّه منَ الدّنيا لا عتبَ عليهِ في ذلكَ.
وفيهِ: مشروعيّةُ الخطبةِ عند الأمرِ الّذي يحدثُ سواءٌ كانَ خاصّاً، أمْ عامّاً.
وفيهِ: جوازُ تخصيصِ بعضِ المخاطبينَ في الخطبةِ.
وفيهِ: تسليةُ منْ فاتهُ شيءٌ منَ الدّنيا بما يحصل لهُ منْ ثوابِ الآخرةِ.
وفيهِ: الحضُّ على طلب الهدايةِ، والألفةِ، والغنى.
وفيهِ: تقديمُ جانبِ الآخرِ على الدّنيا، والصّبرُ عمّا فاتَ منها؛ ليدّخرَ ذلكَ لصاحبهِ في
الآخرة، والآخرةُ خير وأبقى(١).
وفي المقابل عندما يتبيّنُ للنبيِّ وَّ عدمَ الخير في بعض ذوي الهيئاتِ كان يعاملهم بما هم
أهله من الشّدّة.
عنْ عبدِ الله بن مسعودٍ رَّ ◌َّهُ قال: بينما رسولُ الله ◌َّه قائمٌ يصلّي عندَ الكعبةِ وجمعُ
قریش في مجالسھمْ.
(١) ينظر: فتح الباري [٨/ ٥١]، شرح النووي على صحيح مسلم [٧/ ١٥١].