النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كسولٍ حقّاً في صدقاتِ المسلمين؛ وذلك ليدفعَ القادرين إلى العملِ، والكسبِ الحلالِ، فقالَ: ((لا تحلُّ الصّدقةُ لغنيٍّ، ولا لذي مرّةٍ(١) سويٍّ (٢))(٣). وقال عبد الله بن مسعود: ((إنّ لأمقتُ الرّجلَ أنْ أراهُ فارغاً ليسَ في شيءٍ منْ عملٍ الدّنيا، ولا عملِ الآخرةِ))(٤). وقال سفيانُ الثورِيُّ رَحِمَةُ لَهُ: «عليكَ بعملِ الأبطالِ: الكسبِ منَ الحلالِ، والإنفاقِ على العيالِ)) (٥). ويقول المثل العربيُّ: ((احفرْ بيراً، وطمَّ بيراً؛ ولا تعطّلْ أجيراً)(٦). أي: لابد أن تشغّل الشبابَ، وتعوّدهم على العمل، وألّا يأخذوا المالَ بلا مقابل، حتى لو اضطررتَ إلى أن تشغّلهم في عمل لا فائدةَ فيه، فتعويدهم على العمل والجدِّ وترك البطالة يعدُّ من أعظم الفوائد. يقول الشاعر: وصلِ الصّبحَ دائباً بالمساءِ اهجِرِ النّومَ في طلابِ العلاءِ رتبةَ العارفينَ والحكماءِ والتمسْ بالمسيرِ في كلِّ قطرٍ نافذاً في حشاشةِ الغبراءِ إِنَّ أمضى الرّجالِ منْ كانَ سهماً إنّما الأرضُ والفضاءُ كتابٌ فاقرءوهُ معاشرَ الأذكياءِ وبيّن لهم من هو المسكين الحقيقيُّ فقال: ((ليسَ المسكينُ الّذي يطوفُ على النّاسِ تردّهُ اللّقمةُ واللّقمتانِ، والتّمرةُ والتّمرتانِ)». قالوا: فما المسكينُ يا رسولَ الله؟. قالَ: ((الّذي لا يجدُ غنّى يغنيهِ، ولا يفطنُ لهُ؛ فيتصدّقَ عليهِ، ولا يقومُ فيسألُ النّاسَ))(٧). (١) أي: قوّةٍ. (٢) أي: صحيح البدن. (٣) رواه الترمذي [٦٥٢]، وأبو داود [١٦٣٤] عن عبد الله بن عمرو رَّ عنها، وصححه الألباني في الإرواء [٨٧٧]. (٤) رواه ابن أبي شيبة [٣٤٥٦٢]. (٥) حلية الأولياء [٣٨١/٦]. (٦) مجمع الأمثال [١/ ٢٣٠]. (٧) رواه البخاري [١٤٧٦] ومسلم [١٠٣٩] عن أبي هريرة رَ عَّهُ. ٣٤١ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة (ليسَ المسكينُ الّذي يطوفُ على النّاسِ)»، معناهُ: المسكين الكامل المسكنة الّذي هوَ أحقُّ بالصّدقةِ، وأحوج إليها ليسَ هوَ هذا الطّاف، بلْ هوَ الّذي لا يجد غنَّى يغنيهِ، ولا يفطنُ لهُ ولا يسأل النّاس، وليسَ معناهُ نفيَ أصل المسكنة عنِ الطّواف، بلْ معناهُ نفي كمال المسكنة(١). ومع ذلك أمرَ بإعطاء السائلِ، ولو شيئاً يسيراً: للسائل حقٌّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَفِيِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلِسَّآبِلِ وَالْحْرُومِ ﴾ [الذاريات: ١٥]، وقال لِلِسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: ٢٤-٢٥]. تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ فِيْ أَمَّوَهِمْ حَقٌ مَّعْلُومٌ قال السعدي: ((﴿وَفِيّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ﴾ واجبٌ، ومستحبٌّ ﴿لِسَّابِلِ وَالْحْرُومِ﴾، أيْ: للمحتاجينَ الذينَ يطلبونَ من الناسِ، والذين لا يطلبونَ منهم))(٢). لذا كانَ النبيُّ ◌َِّ يحِثَّ على إعطائه، ولو شيئا يسيراً. عنْ عبدِ الرّحمنِ بنِ بجيدٍ عنْ جدّتِهِ أمِّ بجيدٍ - وكانتْ مَّنْ بايعَ رسولَ الله ◌َّهِ- أنّها قالتْ: يا رسولَ الله، إنَّ المسكينَ ليقومُ على بابي، فما أجدُ لهُ شيئاً أعطيهِ إيّاهُ. فقالَ لها رسولُ الله ◌َّهِ: «إنْ لمْ تجدي شيئاً تعطينهُ إيّاهُ إلّا ظلفاً محرقاً، فادفعیهِ إليهِ في يدِ))(٣). وقوله: ((ظلفاً حرقاً)) قيدُ الإحراقِ مبالغةٌ في ردِّ السّائلِ بأدنى ما يتيسّرُ أَيْ: لا تردّيهِ محروماً بلا شيءٍ مهما أمكنَ حتّى إِنْ وجدتِ شيئاً حقيراً مثلَ الظّلفِ المحرقِ أعطيهِ إيّاهُ(٤). وفي رواية عنْ عمرو بنِ معاذٍ الأنصاريِّ قالَ: إنَّ سائلاً وقفَ على بابهمْ، فقالتْ لهُ جدّتهُ حوّاءُ: أطعموهُ تمراً. قالوا: ليس عندنا. (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢٩/٧]. (٢) تفسير السعدي [١/ ٨٠٨]. (٣) رواه أبو داود [١٦٦٧]، والترمذي [٦٦٥]، والنسائي [٢٥٧٤]، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [١٤٤٠]. (٤) تحفة الأحوذي [٢٦٨/٣]. ٣٤٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالتْ: فاسقوهُ سويقاً. قالوا: العجبُ لكِ، نستطيعُ أنْ نطعمهُ ما ليسَ عندنا. قالتْ: إنّي سمعتُ رسولَ الله ◌َّه يقولُ: ((لا تردّوا السّائلَ ولوْ بظلفٍ محرقٍ))(١). وكان ◌ٍَّ يسعى في تزويجٍ أهل الصلاحِ، والخير منهم: عنْ أبي برزة الأسلميِّ رَّ ◌َنهُ قالَ: كانتِ الأنصارُ إذا كانَ لأحدهمْ أيّمٌ لمْ يزوّجها حتّى يعلمَ هِلْ للنّبِّ وَّ فيها حاجةٌ أَمْ لا؟ فقالَ رسولُ الله ◌َّ لرجلٍ منَ الأنصارِ: «زوّجني ابنتكَ)). فقالَ: نعمَّ وكرامةٌ يا رسولَ الله، ونعمَ عيني. فقالَ: ((إنّي لستُ أريدها لنفسي)). قالَ: فلمنْ يا رسولَ الله؟ قالَ: ((جلیبیب)). فقالَ: يا رسولَ الله أشاورُ أمّها. فأتى أمّها، فقالَ: رسولُ اللهِ وَّه يخطبُ ابنتكِ. فقالتْ: نعمَّ، ونعمُ عيني. فقالَ: إنّهُ ليسَ يخطبها لنفسهِ، إنّما يخطبها جليبيبٍ. فقالتْ: أجليبيبٌ ابنهْ !! أجليبيبٌ ابنهْ !! أجليبيبٌ ابنهْ !! لا لعمرُ الله لا تزوّجهُ. فلّا أرادَ أنْ يقومَ؛ ليأتيَ رسولَ الله ◌َّه؛ ليخبرهُ بما قالتْ أمّها، قالتِ الجاريةُ: منْ خطبني إليكمْ؟ فأخبرتها أمّها. (١) رواه أحمد [٢٦٦٠٧] وحسّنه شعيب الرناؤوط. ٣٤٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة فقالتْ: أتردّونَ على رسولِ الله وَّل أمرهُ؟ ادفعوني؛ فإنّهُ لمْ يضيّعني. فانطلقَ أبوها إلى رسولِ الله وَِّ فأخبرهُ. قالَ: شأنكَ بها. فزوّجها جليبيباً. فخرجَ رسولُ الله ◌َّهفي غزوةٍ لهُ، فلمّا أفاءَ الله عليهِ قالَ لأصحابِهِ: «هلْ تفقدونَ منْ أحدٍ؟)). قالوا: نفقدُ فلاناً، ونفقدُ فلاناً. قالَ: ((انظروا هلْ تفقدونَ منْ أحدٍ؟». قالوا: لا. قالَ: ((لكنّي أفقدُ جليبيباً)). قالَ: فاطلبوهُ في القتلى. فطلبوهُ، فوجدوهُ إلى جنبٍ سبعةٍ قدْ قتلهمْ، ثمَّ قتلوهُ، فقالوا: يا رسولَ الله ها هوَ ذا إلى جنبٍ سبعةٍ قَدْ قتلهمْ ثمَّ قتلوهُ. فأتاهُ النّبِيُّ ◌ََّ فِقامَ عليهِ فقالَ: ((قتلَ سبعةً وقتلوهُ، هذا منّي وأنا منهُ، هذا منّي وأنا منهُ)) مرّتينِ أوْ ثلاثاً. ثمَّ وضعهُ رسولُ الله ◌َّل على ساعديهِ، وحفرَ لهُ ما لهُ سريرٌ إلّا ساعدا رسولِ الله اللّهِ ثمَّ وضعهُ في قبرهِ، ولمْ يذكرْ أنّهُ غسّلهُ. وحدّثَ إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي طلحةَ ثابتاً قالَ: هلْ تعلمْ ما دعا لها رسولُ اللهِ وَّ؟ قالَ: ((اللهمَّ صبَّ عليها الخيرَ صبّاً، ولا تجعلْ عيشها كدّاً كدّاً)). ٣٤٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ ثابتٌ: فما كانَ في الأنصارِ أيّمٌ أنفقَ منها (١). وعن عبدَ المطّلبِ بنَ ربيعةَ بنِ الحارثِ قالَ: اجتمعَ ربيعةُ بنُّ الحارثِ [ابنُ عمِ الرسولَِّ]، والعبّاسُ بنُ عبدِ المطّلبِ فقالا: والله لوْ بعثنا هذينِ الغلامينِ [المطلب بن ربيعة والفضلِ ابنِ عبّاسٍ] إلى رسولِ الله ◌َله، فكلّماهُ، فأمّرهما على هذهِ الصّدقاتِ، فأدّيا ما يؤدّي النّاسُ، وأصابا ممّا یصیبُ النّاسُ. فبينما هما في ذلكَ جاءَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ، فوقفَ عليهما، فذكرا لهُ ذلكَ. فقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ: لا تفعلا، فوَ الله ما هوَ بفاعلٍ. فانتحاهُ ربيعةُ بنُّ الحارثِ فقالَ: والله ما تصنعُ هذا إلّا نفاسةً منكَ علينا، فوالله لقدْ نلتَ صهرَ رسولِ اللهِ وَّةِ، فما نفسناهُ عليكَ. قالَ عليٌّ: أرسلوهما. فانطلقا. فألقى عليٌّ رداءهُ، ثمَّ اضطجعَ عليهِ، وقالَ: أنا أبو حسنِ القرمُ، والله لا أريمُ مكاني حتّى يرجعَ إليكما ابناكما بحورِ ما بعثتها بِهِ إلى رسولِ الله وَيَ(٢). قالَ: فلما صلّى رسولُ الله ◌َّهِ الظّهرَ سبقناهُ إلى الحجرةِ، فقمنا عندها، حتّى جاءَ، فأخذَ بآذاننا، ثمَّ قالَ: ((أخرجا ما تصرّرانٍ)). ثمَّ دخلَ ودخلنا عليهِ وهوَ يومئذٍ عندَ زينبَ بنتِ جحشٍ. فتواكلنا الكلامَ، ثمَّ تكلّمَ أحدنا، فقالَ: يا رسولَ الله أنتَ أبرُّ النّاسِ، وأوصلُ النّاسِ، وقدْ بلغنا النّكاحَ، فجئنا؛ لتؤمّرنا على بعضِ هذهِ الصّدقاتِ، فنؤدّيَ إليكَ كما يؤدّي النّاسُ، ونصيبَ كما يصيبونَ. (١) رواه أحمد [١٩٢٨٥]، وقال شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، ومن أول قصة الغزوة في صحيح مسلم [٢٤٧٢]. (٢) أيْ: بجوابٍ ذلكَ. ٣٤٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فسكتَ طويلاً حتّى أردنا أنْ نكلّمهُ، وجعلتْ زينبُ تلمعُ(١) علينا منْ وراءِ الحجابِ أنْ لا تكلّماهُ. ثمَّ قالَ: ((إنَّ الصّدقةَ لا تنبغي لآلِ محمّدٍ، إنّما هيَ أوساخُ النّاسِ، وإنّها لا تحلَّ لمحمّدٍ ولا لآلٍ محمّدٍ. ادعوا لي محميةَ بنَ جزءٍ))، وهوَ رجلٌ منْ بني أسدٍ كانَ رسولُ الله ◌َّ استعملهُ على الأخماسِ، ونوفلَ بنَ الحارثِ بنِ عبدِ المطّلبِ. قالَ: فجاءاهُ، فقالَ لمحميةَ: ((أنكحْ هذا الغلامَ ابنتكَ للفضلِ بنِ عبّاسٍ)) فأنكحهُ. وقالَ لنوفلِ بنِ الحارثِ: ((أنكحْ هذا الغلامَ ابنتكَ)» - لي، فأنكحني. وقالَ لمحميةَ: ((أصدقْ عنهما منَ الخمسِ كذا وكذا)(٢). ويظهر ذلك أيضاً في قصة تزويجه الفقير الذي لا يجد الصداق من الواهبة نفسها. عنْ سهلِ بنِ سعدٍ رض الله عنه أنَّ امرأةً جاءتْ رسولَ الله ◌َّهِ، فقالتْ: يا رسولَ الله، جئتُ لأهبَ لكَ نفسي، فنظرَ إليها رسولُ الله ◌َّةِ، فصعّدَ النّظرَ إليها، وصوّبِهُ، ثمَّ طأطأً رأسهُ. فلما رأتِ المرأةُ أنّهُ لمْ يقضِ فيها شيئاً؛ جلستْ. فقامَ رجلٌ منْ أصحابِهِ، فقالَ: يا رسولَ الله، إنْ لمْ يكنْ لكَ بها حاجةٌ فزوّ جنيها. فقالَ: «هلْ عندكَ منْ شيءٍ؟)). فقالَ: لا والله يا رسولَ الله. قالَ: ((اذهبْ إلى أهلكَ، فانظرْ: هلْ تجدُ شيئاً؟)). فذهبَ، ثمَّ رجعَ، فقالَ: لا والله يا رسولَ الله، ما وجدتُ شيئاً. (١) يقال: ألمعَ ولمعَ إذا أشارَ بثوبهِ أوْ بيدهِ. (٢) رواه مسلم [١٠٧٢]، وقد سبق. ٣٤٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((التمسْ ولوْ خاتماً منْ حديدٍ)). فذهبَ، ثمَّ رجعَ، فقالَ: لا والله يا رسولَ الله، ولا خاتماً منْ حديدٍ، ولكنْ هذا إزاري. قالَ سهلٌ: ما لهُ رداءٌ فلها نصفهُ. فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: «ما تصنعُ بإزاركَ؟ إنْ لبستهُ لمْ يكنْ عليها منهُ شيءٌ وإنْ لبستهُ لْ يكنْ عليكَ شيءٌ)). فجلسَ الرّجلُ حتّى طالَ مجلسهُ، ثمَّ قامَ، فرآهُ رسولُ الله ◌َّ مولّياً، فأمرَ بهِ، فدعيَ، فلمّا جاءَ قالَ: ((ماذا معكَ منَ القرآنِ؟». قالَ: معي سورةُ كذا، وسورةُ كذا، وسورةُ كذا. عدّها. قالَ: ((أتقرؤهنَّ عنْ ظهرِ قلبكَ؟». قالَ: نعمْ. قالَ: ((اذهبْ فقدْ ملّكتكها بما معكَ منْ القرآنِ))(١). من فوائد الحدیث: فيهِ: دليل لجوازٍ هبة المرأة نفسها للنبي وَّةٍ، وأن ذلك من خصائصه لا يجوز لغيره، كما قالَ الله: ﴿ وَأْرَةَ مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَِّّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وفيهِ: جوازُ النّظر لمنْ أرادَ أنْ يتزوّج امرأةٍ، وتأمّلهُ إيّاها. وفيهِ: استحبابُ عرضِ المرأة نفسها على الرّجل الصّالح؛ ليتزوّجها. وفيهِ: أنّهُ يستحبُّ لمنْ طلبتْ منهُ حاجةٌ لا يمكنهُ قضاؤها أنْ يسكت سكوتاً يفهم السّائل منهُ ذلكَ، ولا يخجلهُ بالمنعِ إلّا إذا لمْ يحصل الفهم إلّا بصريحِ المنع فيصرّح. وفيهِ: دليلٌ على أنّهُ يستحبُّ ألّا ينعقد النّكاح إلّا بصداقٍ لأنّهُ أقطع للنّزاعِ، وأنفع للمرأةِ (١) رواه البخاري [٥٠٣٠]، ومسلم [١٤٢٥]. ٣٤٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة منْ حيثُ إنّهُ لوْ حصلَ طلاق قبل الدّخول وجبَ نصف المسمّى، فلوْ لمْ تكنْ تسمية لمْ يجب صداق، بلْ تجب المتعة، فلوْ عقدَ النّكاح بلا صداق صحَّ قالَ الله تعالى: ﴿لَّاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وفيهِ: جوازُ كونِ الصّداق قليلاً وكثيراً مَّا يتموّل إذا تراضى بهِ الزّوجانِ؛ لأنَّ خاتم الحديد في نهاية منَ القلّة. وفيهِ: جوازُ اتخاذ خاتم الحديد. وفيهِ: جوازُ الحلف منْ غير استحلاف ولا ضرورة. وفيهِ: جوازُ تزويج المعسر وتزوّجه. وفيهِ: نظرُ کبیر القوم في مصالحھمْ، وهدایته إيّاهمْ إلى ما فیہِ الرّفق بهمْ. وفيهِ: جوازُ أخذِ الأجرةِ على تعليمِ القرآن(١). و کان يحثّهم على التكافل المالي فيما بينهم: عنْ أبي موسى الأشعري ◌َّعَُّ قالَ: قالَ النّبِيُّ ◌َ: «إنَّ الأشعريّينَ إذا أرملوا في الغزوِ(٢)، أوْ قلَّ طعامُ عيالهمْ بالمدينةِ، جمعوا ما كانَ عندهمْ في ثوبٍ واحدٍ، ثُمَّ اقتسموهُ بينهمْ في إناءٍ واحدٍ بالسّويّة، فهمْ منّي وأنا منهمْ))(٣). من فوائد الحدیث: فيه: فضيلة الأشعريّينَ. وفيهِ: فضيلة الإيثار والمواساة، وفضيلة خلط الأزواد في السّفر، وفضيلةُ جمعها في شيء عند قلّتها في الحضر، ثمَّ يقسم(٤). (١) ينظر: فتح الباري [٢١٤/٩]، شرح النووي على صحيح مسلم [٢١٤/٩]. (٢) أي: فنيَ طعامهمْ. (٣) رواه البخاري [٢٤٨٦] ومسلم [٢٥٠٠]. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٦/ ٦٢]. ٣٤٨ تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ ويشبهُ ذلك اليومَ أو قريبٌ منه ما يسمّى: بـ الصناديق التعاونيّة التي تقيمها بعضُ القبائلِ، والأسرِ، والعائلاتِ، ویتمُّ فيها جمعُ اشتراكاتٍ من أفرادها كلّ حسب قدرته، ثم يصرفُ هذا المالُ في المحتاجين. تنبيه: في كثيرٍ من البلادِ الإسلاميّة توجدُ صناديقُ تكافلِ اجتماعيٍّ تابعةٌ للمؤسّساتِ، والهيئاتِ، المختلفة. لكن للأسفِ الشديدِ يقومُ المسئولون فيها بوضع أموالِ الصناديقِ في البنوك الربويّة، ومساعدة المحتاجين من أموال الربا! فيخشى أن يحقّ عليهم قولُ الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَسِّئَّكُم بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا (١٢) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: ١٠٣ -١٠٤]. فصارَ بحمدِ الله غيرَ موفّقٍ بنى مسجداً للهِ منْ غيرِ حلّهِ لكِ الويلُ لا تزني، ولا تتصدّقي كمطعمةِ الأيتامِ منْ كِّ فرجها وكان يرشدهم إلى الأمور التي تساعد في القضاء على الفقر، ومنها: • صلة الرحم: عنْ أنسِ بنِ مالكِ رَهُ قالَ: سمعتُ رسولَ الله ◌ََّ يقولُ: «منْ أحبَّ أنْ يبسطَ لهُ في رزقهِ، وينسأً(١) لهُ في أثرهِ؛ فليصلْ رحمهُ))(٢). فائدة: سئلَ شيخُ الإسلامِ ابن تيميّةَ عنِ الرّزقِ: هلْ يزيدُ أَوْ ينقصُ؟ وهلْ هوَ ما أكلَ أوْ ما ملکهُ العبدُ؟ فأجابَ: ((الرّزقُ نوعانِ: أحدهما: ما علمهُ الله أنّهُ يرزقهُ، فهذا لا يتغيّرُ. (١) أي: يؤخّر. (٢) رواه البخاري [٢٠٦٧] ومسلم [٢٥٥٧]. ٣٤٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة والثّاني: ما كتبهُ، وأعلمَ بِهِ الملائكةَ، فهذا يزيدُ، وينقصُ بحسبِ الأسبابِ، فإنَّ العبدَ يأمرُ الله الملائكةَ أنْ تكتبَ لهُ رزقاً، وإنْ وصلَ رحمهُ زادهُ الله على ذلكَ. والأسبابُ الّتي يحصلُ بها الرّزقُ هيَ منْ جملةِ ما قدّرهُ الله، وكتبهُ، فإنْ كانَ قدْ تقدّمَ بأنّهُ يرزقُ العبدَ بسعيهِ واكتسابهِ ألهمهُ السّعيَ والاكتسابَ، وذلكَ الّذي قدّرهُ لهُ بالاكتسابِ لا يحصلُ بدونِ الاكتسابِ، وما قدّرهُ لهُ بغيرِ اكتسابٍ کموتِ موروثهِ یأتیه به بغیر اكتساب. والسّعيُ سعيان: سعيٌّ فيما نصبَ للرّزقِ؛ كالصّناعةِ، والزّراعةِ، والتّجارةِ. وسعيٌّ بالدّعاءِ، والتّوكّلِ، والإحسانِ إلى الخلقِ ونحوِ ذلكَ؛ فإنَّ الله في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخیهِ(١). • ترك المعاصي: عنْ ثوبانَ رََّّهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّ الرّجلَ ليحرِمُ الرّزقَ بالذّنبِ یصیبۀ))(٢). وعنْ عبدِ الله بنِ عمرَ رَنَّهَا قالَ: أقبلَ علينا رسولُ اللهِوَّةِ، فقالَ: «يا معشرَ المهاجرينَ، خمسٌٌ إذا ابتليتمْ بهنَّ، وأعوذُ بالله أنْ تدركوهنَّ: لمْ تظهرِ الفاحشةُ في قوم قطُّ حتّى يعلنوا بها إلّا فشا فيهمُ الطّاعونُ، والأوجاعُ الّتي لمْ تكنْ مضتْ في أسلافهمْ الّذينَ مضوا. ولمْ ينقصوا المكيالَ، والميزانَ إلّا أخذوا بالسّنينَ، وشدّةِ المئونةِ، وجورِ السّلطانِ عليهِمْ. ولمْ يمنعوا زكاةَ أموالهمْ إلّا منعوا القطرَ منَ السّماءِ، ولولا البهائمُ لَمْ يمطروا. (١) مجموع الفتاوى [٥٤١/٨، ٥٤٠]. (٢) رواه ابن ماجة [٩٠]، وحسّنه العراقي كما في مصباح الزجاجة [١٥/١]، وشعيب الأرناؤوط في تحقيق ابن حبان [٨٧٢]، وصححه الحاكم في المستدرك [١٨١٤]، والمنذري في الترغيب والترهيب [٣٧٣٣]، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع [١٤٥٢]. ٣٥٠ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولمْ ينقضوا عهدَ الله، وعهدَ رسولهِ إلّا سلّطَ الله عليهمْ عدوّاً منْ غيرهمْ، فأخذوا بعضَ ما في أيديهمْ، وما لمْ تحكمْ أئمّتهمْ بكتابِ الله، ويتخيّروا ممّا أنزلَ الله إلّا جعلَ الله بأسهمْ بینھمْ»(١). وعنِ ابنِ مسعودٍ رَ عَنْهُ عَنِ النّبِّ ◌َ أنّهُ قَالَ: «ما أحدٌ أكثرَ منَ الرّبا إلّا كانَ عاقبةٌ أمرهِ إلى قلّةٍ))(٢). • والمتابعة بين الحج والعمرة: قال ◌َّ: ((تابعوا بينَ الحجِّ والعمرةِ؛ فإنّهما ينفيانِ الفقرَ والذّنوبَ كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد))(٣). • وترك سؤال الناس: عنْ أبي كبشةَ الأَنْمَارِيِّ رَّهُ أنّهُ سمعَ رسولَ الله ◌ََّ يقولُ: («ثلاثةٌ أقسمُ عليهنَّ: ما نقصَ مالُ عبدٍ منْ صدقةٍ. ولا ظلمَ عبدٌ مظلمةً فصبرَ عليها إلّا زادهُ الله عزّاً. ولا فتحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ إلّا فتحَ الله عليهِ بابَ فقرٍ)) (٤). • والتوكّل على الله في طلب الرزق: عنْ عمرَ بنِ الخطّابِ رَّهُ عَنِ النّبِّ ◌َّ أَنّهُ قَالَ: «لوْ أَنّكمْ كنتمْ توكّلونَ على الله حقَّ توكّلِهِ؛ لرزقتمْ كما يرزقُ الطّرُ تغدو خماصاً [أي: جياعاً]، وتروحُ بطاناً)(٥). (لوْ أَنْكمْ كنتمْ توكّلونَ على الله حقَّ توكّلِهِ)) بأنْ تعلموا يقيناً أنْ لا رازق إلّا الله، وأنْ لا معطيَ، ولا مانعَ إلّا هوَ، ثمَّ تسعونَ في الطّلبِ بوجهٍ جميلٍ، وتوكّلٍ(٦). (١) رواه ابن ماجة [٤٠١٩]، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٧٨]. (٢) رواه ابن ماجة [٢٢٧٩]، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٥٥١٨]. (٣) رواه النسائي [٢٦٣٠] عن عبد الله بن عباس رَ عَنْهَ)، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٢٨٩٩]. (٤) رواه الترمذي [٢٣٢٥]، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٣٠٢٤]. (٥) رواه الترمذي [٢٣٤٤]، وابن ماجة [٤١٦٤]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥٢٥٤]. (٦) تحفة الأحوذي [٧/ ٧]. ٣٥١ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة ومع ذلك لم يكنْ وَّ يخافُ على أمّته من الفقر بقدر ما كان يخشى عليهم من التنافس على الدنیا: عن عمرو بنَ عوفٍ رََّعَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّل بعثَ أبا عبيدةَ بنَ الجرّاحِ إلى البحرينِ يأتي بجزیتھا. وكانَ رسولُ الله ◌ِّهِ صالحَ أهلَ البحرينِ، وأمّرَ عليهمْ العلاءَ بنَ الحضرميِّ. فقدمَ أبو عبيدةَ بمالٍ منْ البحرینِ. فسمعتِ الأنصارُ بقدوم أبي عبيدةَ، فوافوا [أتوا] صلاة الفجرِ معَ النّبيِّ وََّ، فلّا انصرفَ تعرّضوا لهُ. فتبسّمَ رسولُ الله ◌َِّ حِينَ رآهمْ. ثمَّ قالَ: ((أظنّكمْ سمعتمْ أنَّ أبا عبيدةَ قدمَ بشيءٍ؟)). قالوا: أجلْ يا رسولَ الله. قالَ: ((فأبشروا، وأمّلوا ما يسرّكمْ، فوَ الله ما الفقرَ أخشى عليكمْ، ولكنّي أخشى أنْ تبسطَ علیکمْ الدّنیا کما بسطتْ على منْ كانَ قبلکمْ، فتنافسوها کما تنافسوها، وتهلککمْ كما أهلکتھمْ))(١). قالَ ابن بطّال: «فيهِ: أنَّ زهرة الدّنيا ينبغي لمنْ فتحتْ عليهِ أنْ يحذرَ منْ سوءِ عاقبتها، وشرِّ فتنتها، فلا يطمئنَّ إلى زخرفها، ولا ينافسَ غيره فيها))(٢). وعن أبي الدّر داءِ رَ عَنْهُ: خرج علينا رسولُ الله ◌َِّ، ونحنُ نذكرُ الفقرَ، ونتخوّفهُ، فقالَ: ((آلفقرَ تخافونَ؟ والّذي نفسي بيدهِ لتصبّنَّ عليكمُ الدّنيا صبّاً، حتّى لا يزيغَ قلبَ أحدكمْ إزاغةً إلّا هيه، وايمُ الله لقدْ تركتكمْ على مثلِ البيضاءِ ليلها ونهارها سواءٌ)(٣). (١) رواه البخاري [٤٠١٥]، ومسلم [٢٩٦١]. (٢) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [١٠ / ١٥٥]. (٣) رواه ابن ماجة [٥]، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع [٩]. ٣٥٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لا يزيغ)) منَ الإزاغة بمعنى الإمالة عنِ الحقِّ. ((إلّا هيهِ)) (هيَ) ضمير الدّنيا، والهاء في آخره للسّكتِ، وهوَ فاعل يزيغ. أي: أنه لا شيء يزيغُ قلبَ أحدكم إلا الدنيا(١). هيَ الدّنيا بأهليها تدورُ هيَ الأرزاقُ قدْ قسمتْ عليهمْ وقسّمتِ المصائبُ والبلايا أبرُّ النّاسِ أرحمهمْ جميعاً يرى الفقراء فيحزنُ إِذْ رآهمْ ويدعو للنّدى حتّى إذا ما يقاسمهمْ إذا جاءوا غذاهُ ويبعثهمْ إذا لمْ يلقَ زاداً ويصبرُ مثلهمْ، ويزيدُ صبراً تمرُّ أهلّةٌ شهرٌ، فشهرٌ لهُ ولأهلهِ تمرٌ وماءٌ ونحنُ إذا مضى يومٌ علينا تنوّعتِ الصّنوفُ، فهلْ شكرنا بها الميسورُ يسعى والفقيرُ يصيبهمُ القليلُ، أَوِ الكثيرُ فلا يعفى الكبيرُ، ولا الصّغيرُ رسولُ الله، وهوَ بها جديرٌ وهمْ منْ حولهِ جمٌّ غفيرُ كفوهمْ قامَ يعلوهُ السّرورُ ويؤثرهمْ بهِ، وهوَ الأثيرُ إلى أصحابهِ، وهمُ كثيرُ إذا قلَّ الطّعامُ هوَ الصّبورُ وما في بيتهِ نارٌ تنيرُ على هذا تتابعتِ الشّهورُ بغيرِ تفكّهٍ فيهِ نثورُ وتلكَ على موائدنا تدورُ؟ (١) حاشية السندي على سنن ابن ماجة [٦/١]. ٣٥٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة تعامل النبي ◌ّخلا مع الأغنياء ألقينا الضوءَ فيما مضى على جوانبَ من تعامله وَّ مع الفقراءِ. حيثُ كانَ وَّل يطعمهمْ مّا عنده أحياناً. وأحياناً يصطحبهم إلى بيته. وأحياناً يأمرُ بالصدقة عليهم. وأحياناً يعرضُ على أصحابه استضافتهم. وأحياناً يدعو الله لهم أن يغنيهم من فضله، وأن ييسّرَ لهم أمورهم. وأحياناً يصبّرهم، ويسلّهم، ويذكّرهم بأن هذه الدنيا فانيةٌ، وأن الآخرة هي الباقية. وأحياناً يذكرُ لهم فضلَ الجوعِ، وفضلَ الصبرِ على الفقرِ لمن ابتلي به. وأحياناً يرشدهم إلى العمل والتكسب، ونحو ذلك. أما إخوانهم الأغنياء: فهم طبقةٌ مهمّةٌ من طبقاتِ المجتمعِ، ولهم دورهم الفعّال فيه. فالمالُ له دورٌ فعّالٌ في الحياةِ الاجتماعيّةِ اليوميّةِ، بل هو شريانُ الحياةِ المادّية. قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَ لَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمَا وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا وَأُكْسُوهُمْ وَقُولُواْلَهُمْ قَوْلًا مَّغُرُوفًا﴾ [النساء: ٥]. أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها(١). (١) تفسير ابن كثير [٢ /٢١٤] ٣٥٤ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد امتنَّ الله تعالى علينا بالمالِ، قال تعالى: ﴿يَبَنِيّ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَرِى سَوْءَ تِكُمْ وَرِيِشَأْ وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. والرّيشُ: المتاعُ، والأموالُ (١). وقال سفيان الثوريُّ رَحِمَةُاللهُ: «لأنْ أخلّفَ عشرةَ آلافِ درهم أحاسبُ عليها أحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أحتاجَ إلى النّاسِ))(٢). والنبيُّ ◌َّه قدِ اتّبعهُ الأغنياءُ، والفقراءُ، وقد كان من الصحابةِ كثيرٌ من الأغنياءِ كأبي بكرٍ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وعثمانَ بنِ عفانَ، وسعدِ بنِ الربيعِ، وأبي طلحةَ، وغيرهم كثيرٌ. فكيفَ كان النبيُّ ◌َّ يتعاملُ معهم؟ شهد بفضل ذوي الفضل منهم في خدمة هذا الدين: عنْ أبي الدّر داءِ رََّنهُ قالَ: كانتْ بينَ أبي بكرٍ وعمر محاورةٌ، فأغضبَ أبو بكرٍ عمرَ، فانصرفَ عنهُ عمرُ مغضباً. فاتّبعهُ أبو بكرٍ يسألهُ أنْ يستغفرَ لهُ، فلمْ يفعلْ، حتّى أغلق بابهُ في وجههِ. فأقبلَ أبو بكرٍ إلى رسولِ الله وَل . قالَ أبو الدّرداءِ: كنتُ جالساً عندَ النّبِيِّ ◌َ﴿ إِذْ أقبلَ أبو بكرٍ آخذاً بطرفِ ثوبهِ حتّى أبدى عنْ ر کبتهِ. فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((أمّا صاحبكمْ، فقدْ غامرَ)). فسلّمَ، وقالَ: إنّي كانَ بيني وبينَ ابنِ الخطّابِ شيءٌ، فأسرعتُ إليهِ، ثمَّ ندمتُ، فسألتهُ أنْ يغفرَ لي، فأبى عليَّ. فأقبلتُ إليكَ. (١) تفسير الطبري [١٢/ ٣٦٤]. (٢) حلية الأولياء [٦/ ٣٨١]. ٣٥٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فقالَ: «يغفرُ الله لكَ يا أبا بكرٍ، يغفرُ الله لكَ يا أبا بكرٍ ، يغفرُ الله لكَ يا أبا بكرٍ))، ثلاثاً. ثمَّ إِنَّ عمرَ ندمَ، فأتى منزلَ أبي بكرٍ فسألَ: أَثّمَ أبو بكرٍ. فقالوا: لا. فأتى إلى النّبِيِّ وَّ فسلّمَ، فجعلَ وجهُ النّبِيِّ نَِّ يَتمعّرُ، حتّى أشفقَ أبو بكرٍ، فجثا على ر کیتیه. فقالَ: يا رسولَ الله والله أنا كنتُ أظلمَ، والله أنا كنتُ أظلمَ. فَقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((إنَّ الله بعثني إليكمْ، فقلتمْ كذبتَ، وقالَ أبو بكرٍ صدقَ، وواساني بنفسِهِ ومالِهِ، فهلْ أنتمْ تاركو لي صاحبي، فهلْ أنتمْ تاركو لي صاحبي؟». فما أوذيَ بعدها(١). وعنْ أبي هريرةَ رَّ ◌َنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّ: «ما نفعني مالٌّ قطُّ ما نفعني مالُ أبي بکرٍ)). فبكى أبو بكرٍ وقالَ: هلْ أنا، ومالي إلّا لكَ يا رسولَ الله (٢). وفي هذا غايةِ التأدّب من الصّدّيقِ، وتواضعهِ في حضرةِ النبيِّ وَِّ، فقد جعلَ نفسهُ کالعبد للنبي وقَالّ. فهو يقولُ: ليس مالي فقط لك، بل أنا أيضاً لكَ. ولا عجبَ، فالنّبيُّ وَل أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وهذا من أخلاقه الحسنة رَُّ عَنهُ، وقد بذلَ مالهُ في سبيل الله، وواسى بنفسه رسولَ الله عَلَه فعرف النبيُّ ◌َّ له ذلك، وقال مشيداً به، ومذكّراً للأمة بفضل الصديق: «ما نفعني مالٌ قطّ ما نفعني مالُ أبي بكرٍ ». (١) رواه البخاري [٣٦٦١]، وقد سبق. (٢) رواه الترمذي [٣٦٦١]، وابن ماجة [٩٤]، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٥٨٠٨]. ٣٥٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فوائد الحديث: فيهِ: مراعاةُ التّأدّبِ والتّواضعِ في حضرته صلّى الله تعالى عليهِ وسلّمَ. وفيهِ: أنَّ من الأخلاق الحسانِ: شكر المنعمِ على الإحسانِ، والدعاءَ له (١). وعنْ عبدِ الرّحمنِ بنِ سمرةَ رَوَّعَنْهُ قالَ: جاءَ عثمانُ بنُ عفّانَ إلى النّبِّ ◌َ﴿ بَألفِ دينارٍ في ثوبِهِ حينَ جهّزَ النّبِيُّ ◌ََّ جِيشَ العسرةِ، فصبّها في حجرِ النّبِّ ◌َّ. فجعلَ النّبِيُّ نَّه يقلّبها بيدهِ، ويقولُ: ((ما ضرَّ ابنَ عفّانَ ما عملَ بعدَ اليومِ)) يردّدها مراراً(٢). ومع انتفاعه ◌َّله بمالهم في الدعوة إلى الله، إلا أنه كان يحبُّ أن ينفقَ على القربِ، والطاعات من ماله الخاصِّ. ففي قصة الهجرةِ قالتْ عائشةٌ رَّ عَنْهَا: لقلَّ يومٌّ كانَ يأتي على النّبِيِّ ◌ََّ إلّا يأتي فيهِ بيتَ أبي بكرٍ أحدَ طرفيِ النّهارِ. فلّا أذنَ لهُ في الخروج إلى المدينةِ لمْ يرعنا إلّا وقدْ أتانا ظهراً، فخبّرَ بهِ أبو بكرٍ ، فقالَ: ما جاءنا النّبِيُّ ◌َّهِ فِي هذِهِ السّاعةِ إلّا لأمرٍ حدثَ. فلّا دخلَ عليهِ، قالَ لأبي بكرٍ: ((أخرجْ منْ عندكَ)). قالَ: يا رسولَ الله إنّما هما ابنتايَ، يعني: عائشةَ، وأسماءً. قالَ: ((أشعرتَ أنّهُ قَدْ أذنَ لي في الخروجِ؟». قالَ: الصّحبةَ يا رسولَ الله. قالَ: ((الصّحبةَ)). قالَ: يا رسولَ الله، إنَّ عندي ناقتينِ أعددتهما للخروج، فخذْ إحداهما. (١) حاشية السندي على سنن ابن ماجة [١/ ٨٥]، التيسير بشرح الجامع الصغير [٢ / ٥٧]. (٢) رواه الترمذي [٣٧٠١]، وأحمد [٢٠١٠٧]، وحسنه الألباني في تحقيق المشكاة [٦٠٦٤]. ٣٥٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَّالَّ عَلَيهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة قالَ: ((قدْ أخذتها بالثّمنِ))(١). قال ابن حجر: «زادَ ابن إسحاق قالَ: لا أركب بعيراً ليسَ هوَ لي. قالَ: فھوَ لك. قالَ: لا، ولكنْ بالثّمنِ الّذي ابتعتها بِهِ(٢). وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند الطّبرانيِّ فقالَ: ((بثمنها يا أبا بكر)). فقالَ: بثمنها إِنْ شئت))(٣). فائدة: سئلَ بعضُ أهلِ العلمِ: لمَ لمْ يقبلها إلّا بالثّمنِ، وقَدْ أنفقَ أبو بكرٍ عليهِ منْ مالِهِ ما هَوَ أكثرُ منْ هذا فقبلَ؟ فأجاب: إنّما ذلكَ لتكونَ هجرتهُ إلى الله بنفسهِ ومالهِ رغبةً منْهُ عَلَيْهِالتَامُ في استكمالِ فضلٍ الهجرةِ، والجهادِ على أتمِّ أحوالهما (٤). وكان وَلّ يزورهم، ويأكل عندهم، ويرشدهم لأفضل وجوه الصدقة: عن أنس بنَ مالكِ رَنهُ قال: كانَ أبو طلحةَ أكثرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالاً منْ نخلٍ، وكانَ أحبُّ أموالهِ إليهِ بيرحاءَ، وكانتْ مستقبلةَ المسجدِ، وكانَ رسولُ الله ◌َّ يدخلها، ويشربُ منْ ماءٍ فیھا طيّبٍ. قالَ أنسُ: فلما أنزلتْ هذهِ الآيةُ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قامَ أبو طلحةَ إلى رسولِ الله وَّه فقالَ: يا رسولَ الله، إنَّ الله تباركَ وتعالى يقولُ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإِنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بير حاءُ، وإنّها صدقةٌ لله أرجو برّها، وذخرها عندَ الله، فضعها يا رسولَ الله، حيثُ أراكَ الله. (١) رواه البخاري [٢١٣٨]. (٢) السيرة النبوية [١٣/٣] لابن هشام، فتح الباري [٢٣٥/٧]. (٣) فتح الباري [٢٣٥/٧] (٤) الروض الأنف [٤/ ١٣١] باختصار. ٣٥٨ تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: «بخ(١)، ذلكَ مالٌّ رابحٌ، ذلكَ مالٌّ رابحٌ، وقدْ سمعتُ ما قلتَ، وإنّي أرى أنْ تجعلها في الأقربينَ)). فقالَ أبو طلحةَ: أفعلُ يا رسولَ الله. فقسمها أبو طلحةَ في أقاربهِ وبني عمّهِ، وكانَ منهمْ: حسّانُ، وأبيُ بنُ كعبٍ(٢). هكذا كان النبي وَّ، وينصحهم في المواضع المناسبة للصدقاتِ. من فوائد الحديث: فیهِ: استحباب الإنفاق ممّا يحبُّ. وفيهِ: مشاورةُ أهل العلم والفضل في كيفيّةِ الصّدقات، ووجوهِ الطّاعات، وغيرها. وفيهِ: أنَّ الصّدقةَ على الأقاربِ أفضلُ منَ الأجانب إذا كانوا محتاجينَ. وفيهِ: أنَّ القرابةَ يرعى حقّها في صلة الأرحام، وإنْ لمْ يجتمعوا إلّا في أب بعيدٍ؛ لأنَّ النّبيّ ◌َّهِ أَمرَ أبا طلحة أنْ يجعلَ صدقتهُ في الأقربينَ فجعلها في أبيّ بن كعب وحسّان بن ثابت، وإنّما يجتمعانِ معهُ في الجدِّ السّابعِ. وفيهِ: اتخاذُ الحوائطِ، والبساتينِ، ودخولُ أهل الفضل، والعلم فيها، والاستظلالُ بظلّها، والأكلُ منْ ثمرها، والرّاحة والتّنزّه فيها، وقدْ يكون ذلكَ مستحبّاً يترتّبُ عليهِ الأجرُ إذا قصدَ بهِ إجمام النّفس منْ تعبِ العبادةِ، وتنشيطها للطّاعةِ. وفيهِ: إباحةُ الشّربِ منْ دارِ الصّديقِ، ولوْ لمْ يكنْ حاضراً إذا علمَ طيبَ نفسه. وفيهِ: فضيلةُ لأبي طلحة؛ لأنَّ الآيَةَ تضمّنتِ الحثّ على الإنفاقِ منَ المحبوبِ، فترّی هوَ إلى إنفاق أحبِّ المحبوب، فصوّبَ نَ ◌ّه رأيه، وشكرَ عنْ ربّه فعله، ثمَّ أمرهُ أنْ يخصّ بها أهله، وكنّى عنْ رضاهُ بذلكَ بقولهِ: ((بخْ))(٣). (١) هي كلمة تقال عند المدح والرّضا بالشيء. النهاية [١/ ٢٥٠] (٢) رواه البخاري [١٤٦١]، ومسلم [٩٩٨]. (٣) فتح الباري [٣٩٨/٣]، شرح النووي على صحيح مسلم [٨٦/٧]. ٣٥٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة وفيهِ: أن إجمام النفس للعبادة يؤجرُ عليه الإنسان؛ لأن النبي ◌َّ كان يدخل على الأغنياء الأتقياء بساتينهم يستظلُّ بظلّها، ويأكل من ثمارها، ويتنزّهُ فيها. تنبيهٌ: الصدقةُ على الأقاربِ أفضلُ من الصدقةِ على الأجانبِ إذا كانوا محتاجين؛ لأن بعض الناسِ يجاملونَ أقاربهم في الزكاةِ، فمثلاً يكونُ القريبُ مستورَ الحالِ، عنده ما يكفيهِ، فيريدُ قريبهُ المزّي أن يعطيهُ من الزكاةِ، وهناك فقيرٌ محتاجٌ معدمٌ ما عنده شيءٌ، لكنّهُ أجنبيٌّ عن المزكّي، ليس من أقاربه، فلا يعطيه شيئاً، وهذا لا يجوزُ؛ لأن الزكاة لا يجوز فيها محاباةٌ الأقارب. لكن إذا اجتمع عندك قريبٌ محتاجٌ، وأجنبيٌّ بعيدٌ عنك في النّسبِ محتاجٌ، فمن تقدّمُ؟ الجواب: تقدّمُ القريبَ المحتاجَ؛ ليجتمعَ لك أجرُ الصدّقةِ، وأجرُ الصّلةِ. عن سلمانَ بنِ عامٍ رَوَّهُ أَنَّ النّبِيَّ ◌َ قالَ: «الصّدقةُ على المسكينِ صدقةٌ، وهيَ على ذي الرّحمِ ثنتانِ صدقةٌ وصلةٌ))(١). ويزورهم وَّ في المرض، ويحثّهم على الوصية بأقلَّ من الثّلث: عنْ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ رَُّ قالَ: عادني النّبِيُّ ◌ََّ عامَ حجّةِ الوداعِ منْ مرضٍ أَشفيتُ منهُ على الموتِ. فقلتُ: يا رسولَ الله بلغَ بي منَ الوجعِ ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلّا ابنةٌ لي واحدةٌ، أفاتصدّقُ بثلثيْ مالي. قالَ: (لا)). قلتُ: فأتصدّقُ بشطرهِ. قالَ: ((لا)). قلتُ: الثّلثُ. (١) رواه الترمذي [٦٥٨]، والنسائي [٢٥٨٢]، وابن ماجة [١٨٤٤]، وحسنه الألباني في الإرواء [٨٨٣].