النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونهى عن تكليفهم من العمل فوق طاقتهم: عنْ أبي هريرةَ رَ عَنْهُ عنْ رسولِ الله ◌َّهِ أَنّهُ قالَ: «للمملوكِ طعامهُ، وكسوتهُ، ولا يكلّفُ منَ العملِ إلّا ما يطيقُ))(١). قال النووي: ((وأجمع العلماء على أنّهُ لا يجوز أنْ يكلّفهُ منَ العمل ما لا يطيقهُ، فإنْ كانَ ذلكَ لزمهُ إعانته بنفسهِ أوْ بغيرِهِ))(٢). وإذا مرض أحدُ خدمه عاده في مرضه ولو لم يكن مسلماً: عنْ أنسٍ رَّ ◌َُّ قالَ: كانَ غلامٌ يهوديٌّ يخدمُ النّبِيّ ◌َلَ فِمرضَ، فَأَتَاهُ النّبِيُّ ◌َّ يعودُهُ، فقعدَ عندَ رأسِهِ، فقالَ لهُ: ((أسلمْ)). فنظرَ إلى أبيهِ وهوَ عندهُ فقالَ: لهُ أطعْ أبا القاسمِّ، فأسلمَ. فخرجَ النّبِيُّ ◌َّه وهوَ يقولُ: ((الحمدُ لله الّذي أنقذهُ منَ النّارِ))(٣). فكان حريصاً على زيارة خادمه ودعوته والأخذ بيده إلى الخير. وإذا مات أحدٌ منهم، ولم يشهد جنازته؛ ذهب إلى قبره؛ ليصلي عليه: عن أبي هريرةَ رَتهُ أنَّ امرأةً سوداءَ كانتْ تقمُّ المسجدَ(٤)، ففقدها رسولُ اللهِلَّه وَسلم فسألَ عنها. فقالوا: ماتت. قالَ: ((أفلا كنتمْ آذنتموني؟)). قالَ: فكأنّهمْ صغّروا أمرها. (١) رواه مسلم [١٦٦٢]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ١٣٣]. (٣) رواه البخاري [١٣٥٦]. (٤) أيْ: تكنسهُ. ٢٤١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله فقالَ: ((دلّوني على قبرها)). فدلّوهُ، فصلّى عليها، ثمَّ قالَ: ((إنَّ هذهِ القبورَ مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإِنَّ اللّه عَجَلَّ ينوّرها لهمْ بصلاتي عليهمْ))(١). وفي رواية: ((فخرجَ بأصحابهِ فوقفَ على قبرها فكبّرَ عليها، والنّاسُ خلفهُ، ودعا ها، ثمَّ انصرفَ))(٢). لم ينشغلْ هذا القائدُ العظيمُ عن تفقّدِ حالِ امرأةٍ كانت تقمُّ المسجدَ. فما أعظمَ هذا القائدَ! وما أحسنَ عشرتهُ! من فوائد الحدیث: فيهِ: بيان ما كانَ عليهِ النّبِيُّ ◌ََّ مِنَ التّواضعِ والرّفق بأمّتِهِ. وتفقّد أحوالهمْ، والقيام بحقوقهمْ، والاهتمام بمصالحهمْ في آخرتهمْ ودنياهمْ. وفيهِ: فضلُ تنظيفِ المسجدِ. وفيهِ: السّؤالُ عنْ الخادمِ والصّديقِ إذا غابَ. وفيهِ: المكافأةُ بالدّعاءِ. وفيهِ: التّرغيبُ في شهودِ جنائزِ أهل الخيرِ. وفيهِ: ندبُ الصّلاة على الميّتِ الحاضرِ عندَ قبرهِ لمنْ لمْ يصلِّ علیهِ. وفيهِ: الإعلام بالموتِ(٣). و کان ګ يدعو خادمه: (١) رواه مسلم [٩٥٦]. (٢) رواه ابن ماجة [١٥٣٣] عن أبي سعيد الخدري رَُّ عَنهُ، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [١٢٤٤]. (٣) ينظر: فتح الباري [١/ ٥٥٣]، شرح النووي على صحيح مسلم [٢٥/٧]. ٢٤٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ أنس بن مالك رََّنُ قالَ: دخلَ النّبِيُّ ◌َّهِ علينا وما هوَ إلّا أنا وأمّي وأمُّ حرامٍ خالتي، فقالَ: ((قوموا فلأصلّيَ بكمْ)) - في غيرِ وقتٍ صلاةٍ -، فصلّى بنا، ثمَّ دعا لنا أهلَ البيتِ بكلِّ خيرٍ منْ خيرِ الدّنيا والآخرةِ. فقالتْ أمّي: يا رسولَ الله خویدمكَ ادعُ الله لهُ. قالَ: فدعالي بكلِّ خيرٍ، وكانَ في آخرِ ما دعا لي بهِ أنْ قالَ: ((اللهمَّ أكثرْ مالهُ، وولدهُ، وبارْ لهُ فیهِ». قال أنس: فإنّي لمنْ أكثرِ الأنصارِ مالاً، وحدّثتني ابنتي أمينةُ أنّهُ دفنَ لصلبي مقدمَ حجّاجِ البصرةَ بضعٌ وعشرونَ ومائةٌ(١). و کان یتفقّد خدمه، ویسأهم عن حاجاتهم: عنْ زيادِ بنِ أبي زيادٍ مولى بني مخزومٍ عنْ خادمٍ للنّبِّ وَّه رجلٍ أوْ امرأةٍ قالَ كانَ النّبيُّ ◌َله ممّا يقولُ للخادمِ: ((ألكَ حاجةٌ؟))(٢). وكان يطلب من خادمه أن يسأله ما يشاء، فيجيبُ طلبه وإن عظم: عن ربيعةَ بنِ كعبٍ الأسلميِّ رَعَنْهُ قالَ: كنتُ أبيتُ معَ رسولِ اللهِوَِّ، فأتيتهُ بوضوئِهِ وحاجتهِ، فقالَ لي: ((سلْ)). فقلتُ: أسألكَ مرافقتكَ في الجنّةِ. قالَ: ((أوْ غيرَ ذلكَ)). قلتُ: هوَ ذاكَ. قالَ: ((فأعنّي على نفسكَ بكثرةِ السّجودِ))(٣). (١) رواه البخاري [١٩٨٢]، ومسلم [٦٦٠]. (٢) رواه أحمد [١٥٦٤٦] وصححه الألباني في صحيح الجامع [٤٨٣٦]. (٣) رواه مسلم [٤٨٩]. ٢٤٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَهُ عَيْهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله وفي رواية عنْ ربيعةَ قالَ: كنتُ أَخدمُ رسولَ الله ◌َله وأقومُ لهُ في حوائجهِ نهاري أجمعَ، حتّى يصلّيَ رسولُ الله ◌َّهِ العشاءَ الآخرةَ، فأجلسَ ببابهِ إذا دخلَ بيتهُ، أقولُ لعلّها أنْ تحدثَ لرسولِ اللهِ وَ﴾ حاجةٌ، فما أزالُ أسمعهُ يقولُ وََّ: «سبحانَ الله سبحانَ الله سبحانَ الله وبحمدِ) حتّى أملَّ، فأرجعَ، أوْ تغلبني عيني فأرقدَ. قالَ فقالَ لي يوماً لما يرى منْ خفّتي لهُ وخدمتي إيّاهُ: ((سلني يا ربيعةُ؛ أعطكَ)). قالَ: فقلتُ: أنظرُ في أمري يا رسولَ الله ثمَّ أعلمكَ ذلكَ. قالَ: ففكّرتُ في نفسي، فعرفتُ أنَّ الدّنيا منقطعةٌ زائلةٌ، وأنَّ لي فيها رزقاً سيكفيني ويأتيني، فقلتُ: أسألُ رسولَ الله وٍَّ لآخرتي، فإنّهُ منَ الله عَلَّ بالمنزلِ الّذي هوَ بهِ. قالَ: فجئتُ فقالَ: «ما فعلتَ یا ربيعةُ؟». فقلتُ: نعمْ يا رسولَ الله أسألكَ أنْ تشفعَ لي إلى ربّكَ فيعتقني منْ النّارِ. قالَ فقالَ: ((منْ أمركَ بهذا يا ربيعةُ؟)). قالَ فقلتُ: لا والله الّذي بعثك بالحقِّ ما أمرني بهِ أحدٌ، ولكنّكَ لَّا قلتَ: ((سلني أعطكَ))، وكنتَ منَ الله بالمنزلِ الّذي أنتَ بِهِ، نظرتُ في أمري وعرفتُ أنَّ الدّنيا منقطعةٌ وزائلةٌ، وأنَّ لي فيها رزقاً سيأتيني، فقلتُ أسألُ رسولَ الله وَّ لآخرتي. قالَ: فصمتَ رسولُ اللهِوََّ طويلاً ثمَّ قالَ لي: «إنّي فاعلٌ، فأعنّي على نفسكَ بكثرةٍ السّجودِ))(١). وأمر ◌َّ بإعطائهم حقوقهم، وأجورهم فورَ فراغهم من العمل: عنْ عبدِ الله بنِ عمرَ رَّعَنْهَا قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: «أعطوا الأجيرَ أجرهُ قبلَ أنْ يجفَّ عرقهُ))(٢). ((أعطوا الأجير)) أيْ: ينبغي المبادرةُ في إعطاء حقّه بعد الفراغ منْ الحاجة. (١) رواه أحمد [١٦١٤٣]، وحسّنه الألباني في إرواء الغليل [٢٠٩/٢]. (٢) رواه ابن ماجه [٢٤٤٣]، وصححه الألباني في الإرواء [٣٢٠/٥]. ٢٤٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((قبل أنْ يجفَّ عرقه)) الحاصل بالاشتغالِ بالحاجةِ(١). وحذّر من ظلم العاملِ، وعدم إعطائه حقّه: عن أبي هريرةَ رَّهُ عَنِ النّبِيِّ ◌ََّ قالَ: «قالَ الله: ثلاثةٌ أنا خصمهمْ يومَ القيامةِ : رجلٌ أعطى بي ثمَّ غدرَ، ورجلٌ باعَ حرّاً فأكلَ ثمنهُ، ورجلٌ استأجرَ أجيراً، فاستوفى منهُ، ولمْ يعطِ أجره))(٢). قالَ ابنُ التّينِ: هِوَ سُبْحَانَهُوَعَى خصمٌ لجميعِ الظّالمينَ إلّا أنّهُ أرادَ التّشديدَ على هؤلاءِ بالتّصریحِ. ((أعطى بي ثمَّ غدرَ)) أيْ: عاهدَ عهداً، وحلفَ عليهِ بالله، ثمَّ نقضهُ. ((ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفى منهُ ولمْ يعطِهِ أجرهُ)) هوَ في معنى منْ باعَ حرّاً وأكلَ ثمنهُ؛ لأنّهُ استوفى منفعتهُ بغيرِ عوضٍ وكأنّهُ أكلها، ولأنّهُ استخدمهُ بغيرِ أجرةٍ، وكأنّهُ استعبدهُ(٣). وحذّر النبي ◌َّ- من المقاصّة التي ستكون مع الخدم والعبيد يوم القيامة: عنْ عائشةَ رَعَنْهَا أَنَّ رجلاً قعدَ بينَ يديْ النّبِّ وَّه فقالَ: يا رسولَ الله إنَّ لي مملوكينَ يكذّبونني(٤)، ويخونونني ويعصونني، وأشتمهمْ وأضربهمْ، فكيفَ أنا منهمْ؟ (٥) قالَ: ((يحسبُ ما خانوكَ وعصوكَ وكذّبوك، وعقابكَ إِّاهُمْ، فإنْ كانَ عقابكَ إِیّاهِمْ بقدرِ ذنوبهمْ كانَ كفافاً لا لكَ ولا عليكَ، وإنْ كانَ عقابكَ إِّاهمْ دونَ ذنوبهمْ كانَ فضلاً لكَ، وإنْ كانَ عقابكَ إيّاهُمْ فوقَ ذنوبهمْ اقتصَّ لهُمْ منكَ الفضلُ)». قالَ: فتنحّى الرّجلُ، فجعلَ يبكي ويهتفُ. (١) حاشية السندي على سنن ابن ماجة [١٢٨/٥]. (٢) رواه البخاري [٢٢٢٧]. (٣) فتح الباري [٣٤٩/٦]. (٤) أي: يكذبون في إخبارهمْ لي. (٥) أيْ: كيفَ يكونُ حالي منْ أجلهمْ وبسببهمْ عندَ الله تعالى؟ ٢٤٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله فقالَ رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أما تقرأ كتابَ الله: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَنَةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَأُ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]؟)). فقالَ الرّجلُ: والله يا رسولَ الله ما أجدُ لي ولهؤلاءِ شيئاً خيراً منْ مفارقتهمْ، أشهدكمْ أنَّهُمْ أحرارٌ كلّهمْ(١). وعنْ أبي هريرةَ رَنْهُ قالَ: قَالَ أبو القاسمِّ: ((منْ قذفَ مملوكهُ بالزّنا؛ يقامُ عليهِ الحُّ يومَ القيامةِ إلّا أنْ يكونَ كما قالَ))(٢). وندب إلى العفو عن أخطائهم وزلّاتهم، ولو تكرّر ذلك منهم: عنْ عبدِ الله بنِ عمرَ بنِ الخطّابِ رَعَنْهَا أَنَّ رجلاً أتى رسولَ الله ◌َّةِ، فقالَ: يا رسولَ الله إنَّ لي خادماً يسيءُ ويظلمُ، أفأضربهُ؟ [وفي رواية: كم نعفو عن الخادم؟]. فصمتَ، ثمَّ أعادَ عليهِ الكلامَ فصمتَ، فلمّا كانَ في الثّالثةِ قالَ: ((اعفوا عنهُ في كلِّ يومٍ سبعينَ مرّةً))(٣). (فصمتَ عنهُ النّبيُّ وََّ) أَيْ: سكتَ، ولمْ يحبهُ. ولعلَّ السّكوتَ؛ لانتظارِ الوحي، وقيلَ: لكراهةِ السّؤالِ؛ فإنَّ العفوَ مندوبٌ إليهِ مطلقاً دائماً، لا حاجةَ فيهِ إلی تعیینِ عددٍ مخصوصٍ. ((قالَ: كلُّ يومٍ سبعينَ مرّةً) أيْ: اعفُ عنهُ كلَّ يومٍ سبعينَ عفوةً، والمرادُ بِهِ الكثرةُ دونَ التّحديدِ (٤). (١) رواه الترمذي [٣١٦٥]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [٢٢٩٠]. (٢) رواه البخاري [٦٨٥٨]، ومسلم [١٦٦٠]. (٣) رواه أبو داود [٥١٦٤]، والترمذي [١٩٤٩]، وأحمد [٥٦٠٣] وصححه الألباني في الصحيحة [٤٨٨]. (٤) تحفة الأحوذي [٦٩/٦]. ٢٤٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمر بالتلطّف في مناداة الخادم: وبلغَ من رحمةِ رسول الله وَّل أنه نهى عن مناداة العبد والأمة بـ (عبدي وأمتي)، وأبدلهم بلفظ رقيق لطيف، وهو أن يقولوا: فتاي وفتاتي. عنْ أبي هريرةَ رَّهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((لا يقولنَّ أحدكمْ: عبدي، فكلّمْ عبيدُ الله، ولكنْ ليقلْ: فتايَ، ولا يقلْ العبدُ: ربّي، ولكنْ ليقلْ: سيّدي) (١). ولفظ البخاري: ((لا يقلْ أحدكمْ: أطعمْ ربّكَ، وضّئْ ربّكَ، اسقِ ربّكَ، وليقلْ: سيّدي مولايَ، ولا يقلْ أحدكمْ: عبدي أمتي، وليقلْ: فتايَ، وفتاتي، وغلامي)). فيكره للسّيّدِ أنْ يقول لمملوكهِ: عبدي وأمتي، بل يقول، غلامي وجاريتي، وفتايَ وفتاتي؛ لأنَّ حقيقة العبوديّة إنّما يستحقّها الله تعالى، ولأنَّ فيها تعظيماً بما لا يليق بالمخلوقِ استعماله لنفسهِ. وكان إذا أرسل خادمه في شيء فأبطأ عليه لم يغضب منه ولم يعاتبه: عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَنهُ قال: كانَ رسولُ الله ◌َِّ مِنْ أحسنِ النّاسِ خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجةٍ، فقلتُ: والله لا أذهبُ، وفي نفسي أنْ أذهبَ لما أمرني بهِ نبيُّ الله ◌َله. فخرجتُ حتّى أمرَّ على صبيانٍ، وهمْ يلعبونَ في السّوقِ، فإذا رسولُ اللهِ وَ﴾ قِدْ قبضَ بقفايَ منْ ورائي. قالَ: فنظرتُ إليهِ وهوَ يضحكُ، فقالَ: ((يا أنيسُ، أذهبتَ حيثُ أمرتكَ؟)). قالَ: قلتُ: نعمْ أنا أذهبُ يا رسولَ الله (٢). و کان شدید التسامح مع خادمه: عنْ أنس بن مالكِ رَ عَنْهُ قالَ: قدمَ رسولُ اللهِ وَلَه المدينةَ ليسَ لهُ خادمٌ، فأخذَ أبو طلحةَ بيدي، فانطلقَ بي إلى رسولِ الله ◌َّهِ، فقالَ: يا رسولَ الله، إنَّ أنساً غلامٌ كيّسٌ؛ فليخدمكَ. (١) رواه البخاري [٢٥٥٢]، ومسلم [٢٢٤٩]، واللفظ له. (٢) رواه مسلم [٢٣١٠]، وقد سبق. ٢٤٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومن حوله قالَ أنسُ: فخدمتهُ في السّفرِ والحضِرِ (١) [فما قالَ لي أفّ قطُّ]، وما قالَ لي لشيءٍ صنعتهُ: لمَ صنعتَ هذا هكذا، ولا لشيءٍ لمْ أصنعهُ: لمَ لمْ تصنعْ هذا هكذا؟. وفي رواية: (ولا لشيءٍ تركتهُ: لمَ تركتهُ؟)(٢). عشرُ سنواتٍ، ليستْ أياماً، ولا شهوراً، إنه عمرٌ طويلٌ، فيه تقلّباتُ النفسِ، واضطرابها، ومع هذا لم ينهرهُ، ولم يزجره. من فوائد الحدیث: فیهِ: بيانُ کمالٍ خلقه ێ، وحسن عشرته وحلمه وصفحه. وفيهِ: ترك العتاب على ما فاتَ؛ لأنَّ هناكَ مندوحة عنهُ باستئنافِ الأمر بهِ إذا احتیجَ إلیهِ. وفيهِ: استئلاف خاطر الخادم بتركٍ معاتبته، وكلّ ذلكَ في الأمور الّتي تتعلّق بحظٍّ الإنسان، وأمّا الأمور اللّزمة شرعاً، فلا يتسامح فيها؛ لأنّها منْ باب الأمر بالمعروفِ، والنّهي عن المنكر(٣). وكان يدافع عن خادمه رغم التقصير : عنْ أنسِ بنِ مالكِ رَّهُ قالَ: خدمتُ النّبِيَّ ◌ََّ عشرَ سنينَ، فما أمرني بأمرٍ، فتوانيتُ عنهُ، أوْ ضيّعتهُ، فلامني. فإنْ لامني أحدٌ منْ أهلِ بيتهِ إلّا قالَ: ((دعوهُ؛ فلوْ قدّرَ، أوْ قالَ: لوْ قضيَ أنْ يكونَ؛ كانَ))(٤). (١) وفي رواية: تسع سنين، وفي أخرى عشر سنين، وحملَ على أن المدة تسع وبضعة أشهر، فمرّةً جبر الكسر، ومرة ألغاه. ينظر: فتح الباري [١٠/ ٤٦٠]. (٢) رواه البخاري [٢٧٦٨]، ومسلم [٢٣٠٩]. (٣) فتح الباري [١٠ /٤٦٠]، شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ٧١]. (٤) رواه أحمد [١٣٠٠٥]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥٢٧٥]. ٢٤٨ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمرَ من كان عنده خادمٌ أو عبدٌ لا يناسبه أن يسرّحه؛ حتى لا يكون اختلاف الطباع دافعاً لظلم الخادم: عنْ أبي ذرِّ رَوْلَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّةِ: ((منْ لاءمكمْ - أيْ: وافقكمْ- منْ مملوكیكمْ فأطعموهُ ممّا تأكلونَ، واكسوهُ ممّا تلبسونَ. ومنْ لمْ يلائمكمْ منهمْ؛ فبيعوهُ، ولا تعذّبوا خلقَ الله)) (١). وعلیه فمن كان عنده سائقٌ، أو خادمٌ لا یلائمه، ولیس بینھما توافقٌ؛ فلیتر که ولیسر حه؛ حتى لا يقع في ظلمه، والإضرار به. و کان یآل﴾ لا یضرب أحداً من خدمه: عنْ عائشةَ رَ عَنْهَا قالتْ: ما ضربَ رسولُ اللهِ﴾ خادماً لهُ، ولا امرأةً ولا ضربَ بيدهِ شيئاً(٢). و کان ینھی عن ذلك: قالَ أبو مسعودٍ البدرِيُّ رََّّعَنْهُ: كنتُ أضربُ غلاماً لي بالسّوطِ، فسمعتُ صوتاً منْ خلفي: ((اعلمْ أبا مسعودٍ))، فلمْ أفهمْ الصّوتَ منَ الغضبِ. قالَ: فلّا دنا منّي إذا هوَ رسولُ اللهِوَلَ﴿ فإذا هوَ يقولُ: ((اعلمْ أبا مسعودٍ، اعلمْ أبا مسعودٍ)). قالَ: فألقيتُ السّوطَ منْ يدي. فقالَ: ((اعلمْ أبا مسعودٍ أَنَّ الله أقدرُ عليكَ منكَ على هذا الغلامِ)). قالَ: فقلتُ: لا أضربُ مملوكاً بعدهُ أبداً (٣). وفي رواية: فقلتُ: يا رسولَ الله هوَ حرّ لوجهِ الله. (١) رواه أبو داود [٥١٦١]، وصححه الألباني في الإرواء [٢٣٥/٧]. (٢) رواه مسلم [٢٣٢٨]. (٣) رواه مسلم [١٦٥٩]. ٢٤٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله فقالَ: ((أما لوْ لِمْ تفعلْ؛ للفحتكَ النّارُ، أَوْ لمسّتَكَ النّارُ))(١). ((أقدر عليك منك عليه))، أيْ: أنَّ الله أشدُّ قدرة منْ قدرتك على غلامك(٢). قالَ النّوويّ: «فيهِ: الحثّ على الرّفق بالمملوكِ، والوعظ والتّنبيه على استعمال العفو، وكظم الغيظ، والحكم كما يحكم الله على عباده) (٣). إنه ليس من الشجاعةِ، ولا من القوةِ، ولا من الشهامةِ أن يظلمَ الإنسانُ من تحتَ يده من خدمٍ، أو عّالٍ، أو يتسلّطْ عليهم بيده، أو لسانه، أو يهينهم تحتَ رحمةٍ الحاجةِ التي جلبتهم من بلادهم، فإذا دعتكَ قدرتك على ظلمِ الناسِ؛ فتذكر قدرةَ الله عليك. إن هناك صوراً من الظلمِ والإهانةِ يعجُّ بها المجتمعُ في تعامله مع الخدمِ والعَّال، صوراً بعيدةً عن العدلِ والإنصافِ، ولكن رسولَ الله وَّ مع شجاعته لم يهنْ، ولم يضربْ إلا في حقٍّ، ولم يتسلّطْ على الضّعفاءِ الذين تحتَ يده من زوجةٍ، وخادمٍ. وجعل كفارة ضرب العبد عتقه: عنْ زاذانَ أبي عمرَ قالَ: أتيتُ ابنَ عمرَ وقدْ أعتقَ مملوكاً. قالَ: فأخذَ منَ الأرضِ عوداً، أوْ شيئاً، فقالَ: ما فيهِ منَ الأجرِ ما يسوى هذا إلّا أنّي سمعتُ رسولَ الله ◌َّه يقولُ: ((منْ لطمَ مملوكهُ، أوْ ضربهُ؛ فكفّارتهُ أنْ يعتقهُ))(٤). قالَ العلماء: في هذا الحديث الرّفق بالماليكِ، وحسن صحبتهمْ وكفّ الأذى عنهمْ. وأجمع المسلمونَ على أنَّ عتقه بهذا ليسَ واجباً، وإنّما هوَ مندوبٌ رجاءَ كفّارة ذنبه وإزالة إثم الظّلم عنهُ(٥). (١) رواه مسلم [١٦٥٩]. (٢) عون المعبود [١٤ / ٤٧]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ١٣٠]. (٤) رواه مسلم [١٦٥٧]. (٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ١٢٧]. ٢٥٠ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ معاويةَ بنِ سويدٍ قالَ: «لطمتُ مولَّى لنا، فهربتُ، ثمَّ جئتُ قبيلَ الظّهرِ، فصلّيتُ خلفَ أبي، فدعاهُ، ودعاني، ثمَّ قالَ: امتثلْ منهُ(١)، فعفا». ثمَّ قالَ: كنّا بني مقرّنٍ على عهدِ رسولِ اللهِوَّ لِيسَ لنا إلّا خادمٌ واحدةٌ، فلطمها أحدنا، فبلغَ ذلكَ النّبِيَّ وَّةِ، فقالَ: ((أعتقوها)). قالوا: ليسَ لهُمْ خادمٌ غيرها. قالَ: ((فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها؛ فليخلّوا سبيلها))(٢). وقوله: ((امتثلْ منه)) محمول على تطبيب نفس المولى المضروب، وإلّا فلا يجب القصاص في اللّطمة ونحوها، وإنّما واجبه التّعزير، لكنّهُ تبرّعَ، فأمكنهُ منَ القصاص فيها. وفيهِ: الرّفق بالموالي، واستعمال التّواضع (٣). وانظر: كيفَ تقرّرَ مسبّقاً عندَ الابنِ أن أباهُ سيعاقبه إذا ضربَ الخادمَ، أو أساءَ معاملته؟ ولذلك هربَ حين ضربه، ولم يعدْ إلا وقتَ الصلاة؛ علها تشفعُ له عندَ والده. وعنْ هلالِ بنِ يسافٍ قالَ: عجلَ شيخٌ، فلطمَ خادماً لهُ، فقالَ لهُ سويدُ بنُ مقرّنٍ: عجزَ عليكَ إلّا حرُّ وجهها (٤)؟ لقدْ رأيتني سابعَ سبعةٍ منْ بني مقرٍّ ما لنا خادمٌ إلّ واحدةٌ لطمها أصغرنا، فأمرنا رسولُ اللهِوَلِّ أَنْ نعتقها(٥). (١) أي: افعلْ بهِ مثل ما فعلَ بك. (٢) رواه مسلم [١٦٥٨]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ١٢٨]. (٤) أي: عجزتَ، ولم تجدْ أنْ تضربَ إلاّ صفحةَ وجهها. (٥) رواه مسلم [١٦٥٨]. ٢٥١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله وكانت آخر وصيةٍ أوصى بها النبيُّ ◌َّه قبل وفاته: الوصية بالصلاة، وبالخدم والعبيد. عنْ أنسِ بنِ مالكِ رَُعَنْهُ قالَ: كانتْ عامّةُ وصيّةِ رسولِ اللهِوَِّ حِينَ حضرتهُ الوفاةُ، وهوَ يغرغرُ بنفسِهِ: ((الصّلاةَ، وما ملكتْ أيمانكمْ))(١). ((الصّلاة)) أيٍ: الزموها، واهتمّوا بشأنها، ولا تغفلوا عنها. ((وما ملكتْ أيمانكمْ)) وصيّة بالعبيدِ والإماء أيْ: أدّوا حقوقهمْ، وحسن ملكتهمْ (٢). وعنْ عليّ بنِ أبي طالبٍ رَعَنْهُ قالَ: كانَ آخرُ كَلامِ النّبِّ وَّ: ((الصّلاةَ الصّلاةَ، اتّقوا الله فيما ملكتْ أيمانكمْ))(٣). (اتّقوا الله فيما ملكتْ أيمانكمْ)) قالَ في النّهاية (٧٨٩/٤): ((يريد الإحسان إلى الرّقيق، والتّخفيف عنهمْ، وقيلَ: أرادَ حقوق الزّكاة وإخراجها منْ الأموال الّتي تملكها الأيدي)». والأظهر أنّهُ أرادَ بما ملكتْ أيمانكمْ المماليك، وإنّما قرنهُ بالصّلاةِ؛ ليعلم أنَّ القيام بمقدارِ حاجتهمْ منَ الكسوة والطّعام واجبٌ على منْ ملكهمْ وجوبَ الصّلاة الّتي لا سعة في تركها. وقدْ ضمَّ بعض العلماء البهائم المستملكة في هذا الحكم إلى المماليك (٤). (١) رواه ابن ماجه [٢٦٩٧] وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [٢١٨٣]. (٢) حاشية السندي على سنن ابن ماجة [٣/ ٣٩٧]. (٣) رواه أبو داود [٥١٥٦]، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد [١١٨]. (٤) عون المعبود [٤٤/١٤]. ٢٥٢ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخواننا العمّالُ والخدمُ حوّا وآدمُ والدانِ لنا فيمَ التّكبّرُ يا أحبّتنا هذا النّبيُّ أبٌّ لخادمهِ متواضعٌ، كمْ قدْ مشى معهُ باللّطفِ يسألُ عنْ حوائجهمْ بسماحةٍ تعطى حقوقهمُ ويظلُّ يعفو عنْ إساءتهمْ يوماً تكاسلَ عنهُ خادمهُ وإذا ونى في فعلِ حاجتِهِ ما كانَ في يومٍ ليضربهمْ بلْ كفّهُ بالخيرِ جاريةٌ والدّينُ فيما بيننا رحمُ وتقى الإلهِ الفضلُ والكرمُ وجميعنا للطّينِ بعدُ نموا؟ بتعطّفِ الآباءِ متّسمُ ومعاً بغيرِ تكلّفٍ طعموا أكرمْ بهِ متفقّداً لهمُ أوصى بهمْ بالخيرِ أمّتهُ لا كالّذي للنّفسِ ينتقمُ فيعيدُ حاجتهُ، ويبتسمُ ما هاجهُ غضبٌ، ولا سأمُ فلهمْ لديهِ الصّفْحُ والكرمُ فكما تجودُ بمائها الدّيمُ الباب الثالث: تعاملُ النّبيِّ وَلِّه مع شرائح اجتماعية مخصوصة ٢٥٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة تعامل النبيِّ وَجُلّ مع ذوي العاهات خلق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى الخلقَ، وميّزَ بينهم: في أجسادهم، وألوانهم، وقدراتهم المختلفةِ، كما ميّز بينهم في صورهم، وأشكالهم. ومن الناسِ منِ ابتليَ بالحرمانِ من بعض النّعمِ الجسمانيّة التي أنعم الله سُبْحَانَهُ وَعَالَى بها على الآخرین. ويدخلُ في هذا أنواعٌ كثيرةٌ من المبتلينِ: كمن فقدَ بصرهُ، أو سمعه، أو فقدَ القدرةَ على تحريك طرفٍ من أطرافه أو أكثرَ. وكذلك من فقد جزءاً من عقله يجعله دون الإنسانِ السّويِّ. إن المجتمع لا يخلو من ذوي العاهات، وبعضهم أخفُّ من بعض في البلاء، فالأعورُ أخفُّ من الأعمى، والأعرجُ أخفُّ من الأشلِّ، فالأخفُّ بلاءً يتّعظُ بمن هو أشدُّ بلاءً، والصحيحُ يتّعظُ بالجميعِ. ثم ما من أحد إلا ولله عليه نعمٌ لا تحصى، فله الحمدُ على كل حالٍ، قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. حتى هؤلاء أصحاب العاهاتِ فإن الله تعالى يعوّضهم بشيءٍ آخر، فالأعمى مثلا تجده غالباً يتمتّعُ بذكاء شديدٍ، وحفظ متقنٍ، وسمع مرهفٍ. إن بعض الجهلة يقول: ما الفائدةُ من الاهتمام بذوي العاهات، ومعالجتهم، والإنفاق عليهم؟ نقول: إن هذا تفکیرُ من لا يؤمن بالله، ولا بالیوم والآخرِ، ومن لا يرجو ما عندَ الله، بل تفكيرُ من هو بعيدٌ عن معاني الإنسانيّةِ! ٢٥٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما الذين يؤمنون بالله واليوم الآخرِ، فيعلمون أن وجودَ أصحابِ العاهاتِ بيننا فيه حكمٌ عظيمةٌ، وفيهِ فائدةٌ للمبتلى، وعظةٌ للصحیحِ. ولقد كان للنبيِّ وَّ تعاملاتٌ كثيرةٌ مع منِ ابتلاهمُ الله عَلَّ بعاهاتٍ، وأمراضٍٍ مستديمة. فكان ◌َّه يحثّهم على الصبر، ويبشّرهم بالجنة: عنْ أنسِ بنِ مالكِ رَهُ قالَ: سمعتُ النّبِيَّ ◌ََّ يقولُ: ((إنَّ الله قالَ: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيهِ، فصبرَ، عوّضتهُ منهما الجنّةَ))(١). ((بحبيبتيهِ)) أي: عينيه؛ لأنّهما أحبُّ أعضاء الإنسان إليهِ؛ لما يحصل لهُ بفقدهما منَ الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته منْ خیرٍ ؛ فیسُ بهِ، أوْ شُّ؛ فيجتنبهُ. ((فصبرَ)) وفي رواية: ((منْ أذهبتُ حبيبتيهِ فصبرَ واحتسبَ، لَمْ أرضَ لهُ ثواباً دونَ الجنّةِ))(٢). والمراد أنّهُ يصبرَ مستحضراً ما وعدَ الله بهِ الصّابرَ منَ الثّوابِ، لا أنْ يصبرَ مجرّداً عنْ ذلكَ؛ لأنَّ الأعمالَ بالنّاتِ. وابتلاءُ الله عبدهُ في الدّنيا ليسَ منْ سخطه عليهِ، بلْ إمّا لدفع مكروه، أوْ لكفّارةِ ذنوب، أوْ لرفع منزلة. فإذا تلقى ذلكَ بالرّضا؛ تمَّ لهُ المراد، وإلّا يصيرُ كما جاءَ في حديث سلمان: (إنَّ مرض المؤمن يجعلهُ الله لهُ كفّارة، وإنَّ مرض الفاجر كالبعيرِ عقلهُ أهله ثمَّ أرسلوهُ، فلا يدري لمَ عقلَ، ولَمّ أرسلَ؟)(٣). ((عوّضته منهما الجنّة)) وهذا أعظم العوض؛ لأنَّ الالتذاذَ بالبصرِ يفنى بفناءِ الدّنيا، والالتذاذَ بالجنّةِ باقٍ ببقائها. (١) رواه البخاري [٥٢٢١]. (٢) الترمذي [٢٣٢٥]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٨١٤٠]. (٣) أخرجهُ البخاريّ في الأدب المفرد [٧٣٩] موقوفاً وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد [٣٧٩]. ٢٥٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة وهوَ شاملٌ لكلِّ منْ وقِعَ لهُ ذلكَ بالشرطِ المذكور(١). قال ابنُ بطال: «هذا الحديثُ حجةٌ في أن الصبرَ على البلاء ثوابه الجنةُ. ونعمة البصر على العبد - وإن كانتْ من أجلِّ نعم الله تعالى - فعوضُ الله عليها الجنةَ أفضلُ من نعمتها في الدنيا؛ لنفاذ مدة الالتذاذ بالبصر في الدنيا، وبقاء مدّة الالتذاذِ به في الجنة))(٢). وعنْ جابرِ بن عبد الله رَعَنْهَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّه: «يودُ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ حينَ يعطى أهلُ البلاءِ الثّوابَ لوْ أَنَّ جلودهمْ كانتْ قرضتْ في الدّنيا بالمقاريضِ»(٣). و کان گآټ يدعو لهم: عَنْ عائشةَ رََّتْهَا أَنَّ رسولَ اللهِ وَّه كانَ إذا أتى مريضاً، أوْ أتيَ بِهِ؛ قالَ: ((أذهبِ الباسَ ربَّ النّاسِ، اشفٍ وأنتَ الشّافي، لا شفاءَ إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادرُ سقمً) (٤). فائدة: قال الحافظ: ((قدْ استشكلَ الدّعاء للمريضِ بالشّفاءِ معَ ما في المرض منْ كفّارة الذّنوب، والثّواب كما تضافرتِ الأحاديث بذلكَ. والجواب: أنَّ الدّعاء عبادة، ولا ينافي الثّوابَ والكفّارة؛ لأنّهما يحصلانِ بأوّلِ مرض، وبالصّبرِ علیه. والدّاعي بين حسنتينِ: إمّا أنْ يحصل لهُ مقصوده، أوْ يعوّض عنهُ بجلبِ نفعٍ، أوْ دفع ضرِّ، وكلُّ منْ فضلِ الله تعالى)) (٥). وعن عطاءِ بنِ أبي رباح قالَ: قالَ لي ابنُ عبّاسٍ رَنْهَا: ألا أريكَ امرأةً منْ أهلِ الجنّةِ؟ (١) فتح الباري [١١٦/١٠]. (٢) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [٩/ ٣٧٧]. (٣) رواه الترمذي [٢٤٠٢]، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع [٨١٧٧]. (٤) رواه البخاري [٥٦٧٥]، ومسلم [٢١٩١]. (٥) فتح الباري [١٠/ ١٣٢]. ٢٥٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلت: بلى. قالَ: هذه المرأةُ أتتِ النّبِيَّ وَّهِ فقالتْ: إنّ أصرعُ، وإني أتكشّفُ، فادعُ الله لي! فقال النّبِيُّ ◌َّهِ: ((إنْ شئتِ صبرتِ ولكِ الجنّةُ، وإنْ شئتِ دعوتُ الله أنْ يعافيكِ)). فقالت: أصبرُ. ثم قالتْ: إنّي أتكشّفُ! فادعُ الله لي أنْ لا أتكشّفَ، فدعا لها (١). (إنّي أصرعُ) الصرعُ نوعانِ: أحدهما مرضٌ ناتجٌ عن خللٍ في كهرباء المخِّ، وله أسبابٌ بعضها معروفٌ، وبعضها غیرُ معروفٍ. والثاني: ناتجٌ عن مسِّ الجنِّ وصرعه للإنسان، فيصرعه، ويقيمه ويقعده، ویرميه، ويطرحه، ويسقطه، وغير ذلك من الأحوال العجيبة. وعلى كل حال فهو ابتلاءٌ شديدٌ، وللصابرِ عليه ثوابٌ عظيمٌ عند الله تعالى. (إنّ أتكشّفُ) من الشاقٌّ على نفسِ المرأةِ المسلمةِ أن تنكشفَ أمامَ الرجالِ الأجانبِ؛ لأنها قد تصرعُ في الطريقِ، أو في السوقِ، أو في أي مكانٍ عامٍّ، فالمصروُ لا يتحكّمُ في زمانٍ الصرع، ولا مكانه. فهي تصبرُ على تعب الصرع، لكنها لا تصبرُ على انكشافِ عورتها، مع أنها معذورةٌ؛ لأن الصرع ليس بيدها، فلله درّها! (فقالت: أصبرُ) كان أمامها خيارانِ: أن يدعوَ لها النبيُّ وَّةٍ، وتشفى، والثاني: أن تصبرَ، ولها الجنةُ، فاختارتِ الباقيَ على الفاني، اختارتْ على البديهةِ دون تفكيرٍ، أو تردّد، وهذا يدلُّ على شدّةٍ إيمانها، ورغبتها فيما عند الله. هذا بخلافٍ بعضِ الناسِ إذا ذكرَ له نعيمُ الجنة فكأنه لا يعنيهِ، أو لا علاقةَ له بهذا الأمرِ. قال ابن حجر: ((وفي الحديثِ: فضلُ منْ يصرعُ، وأنَّ الصّبرَ على بلايا الدّنيا يورث الجنّة، (١) رواه البخاري [٥٦٥٢]، ومسلم [٢٥٧٦]. ٢٥٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وأنَّ الأخذَ بالشّدّةِ أفضلُ منَ الأخذِ بالرّخصةِ لمنْ علمَ منْ نفسه الطّاقة، ولمْ يضعف عنِ التزام الشّدّةِ. وفيهِ: أنَّ علاج الأمراض كلّها بالدّعاءِ والالتجاء إلى الله أنجعُ وأنفعُ منَ العلاج بالعقاقيرِ، وأَنَّ تأثيرَ ذلكَ، وانفعالَ البدن عنهُ أعظمُ منْ تأثير الأدوية البدنيّة، ولكنْ إنّما ينجع بأمرينٍ: أحدهما: منْ جهة العليلِ وهوَ صدق القصد، والآخرُ منْ جهةِ المداوي وهوَ قوّةُ توجّههِ، وقوّةُ قلبه بالتّقوى، والتّوكّل، والله أعلم)) (١). وعنْ عثمانَ بنِ حنيفٍ رََّةُ أَنَّ رجلاً ضريرَ البصرِ أتى النّبِيَّ وَّهِ، فقالَ: ادعُ الله أنْ يعافيني. قالَ: ((إِنْ شئتَ دعوتُ، وإنْ شئتَ صبرتَ فهوَ خيرٌ لكَ)). قالَ: فادعهْ. قالَ: فأمرهُ أنْ يتوضّأَ، فيحسنَ وضوءهُ، ويدعوَ بهذا الدّعاءِ: اللهمَّ إنّي أسألكَ، وأتوجّهُ إليكَ بنبيّكَ محمّدٍ نبيِّ الرّحمةِ، إنّي توجّهتُ بكَ إلى ربّ في حاجتي هذهِ؛ لتقضى ليَ، اللهمَّ فشفّعهُ فيَّ(٢). تنبيه هامٌّ: ليس معنى الحديثِ التوسّلَ بذاتِ النبي وََّ، بل بدعائه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَةُاللَّهُ: ((الأعمى كان قد طلبَ من النبيِّ وََّ أن يدعوَ له كما طلبَ الصحابةُ منهُ الاستسقاءَ، وقوله: ((أتوجّهُ إليك بنبيّك محمدٍ نبيِّ الرحمة))، أي: بدعائه وشفاعته لي؛ ولهذا تمام الحديث: ((اللهم فشفعه فيَّ)(٣). (١) فتح الباري [١٠/ ١١٥]. (٢) رواه الترمذي [٣٥٧٨]، وابن ماجة [١٣٨٥] وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٢٧٩]. (٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [٢/ ٣٠٠].