النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وأرشد الجار إلى عدم منعٍ جاره مما يحتاج إليه:
عنْ أبي هريرةَ رَّهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَّ قالَ: ((إذا استأذنَ أحدكمْ جارهُ أنْ يغرزَ خشبهُ
في جدارهِ، فلا یمنعهُ)).
فلمّا حدّثَ أبو هريرةَ طأطئوا رءوسهمْ.
فقالَ: ما لي أراكمْ عنها معرضينَ؟ والله لأرمينَّ بها بينَ أكتافكمْ. (١)
قال ابن رجب: ((ومذهبُ الإمام أحمدَ أن الجارَ يلزمه أن يمكّن جاره من وضعِ خشبةٍ
على جداره إذا احتاج إلى ذلك، ولم يضرَّ بجداره؛ لهذا الحديث الصحيح.
والجمهورُ حملوا الأمرَ في الحديثِ على النّدبِ، والنّهيَ على التّنزيهِ؛ جمعاً بينهُ وبينَ
الأحاديثِ الدّالّةِ على تحريمِ مالِ المسلمِ إلّا برضاهُ))(٢).
وقولِ أبي هريرة: ((ما لي أراكمْ عنها معرضينَ ((أيْ: عنْ هذهِ السّنّةِ، أوْ عنْ هذهِ المقالةِ(٣).
وجعل شفعة الجوار مندوباً إليها؛ لأجل حق الجوار:
كما قال رسول الله قال ◌َله: ((الجارُ أحقُّ بصقبهِ))(٤).
الصّقب بالسّينِ وبالصّادِ: القرب والملاصقة(٥).
والشفعة هي: ((استحقاقُ الشريكِ انتزاعَ حصّةِ شريكه من يدِ من انتقلتْ إليه إن كان
مثله، أو دونه، وبعوضٍ ماليٌّ بثمنه الذي استقرَّ عليه العقدُ)) (٦).
(١) رواه البخاري [٢٤٦٣]، ومسلم [١٦٠٩]، والترمذي [١٢٧٣]، واللفظ له.
(٢) جامع العلوم والحكم [ص ١٤٠].
(٣) فتح الباري [١١١/٥].
(٤) رواه البخاري [٢٢٥٨] عن أبي رافع رَضَلَّهُ عَنْهُ.
(٥) النهاية [٧٥/٣].
(٦) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل [٢/ ٣٦٢].

١٨١
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومن حوله
الجارُ أولى النّاسِ بالجارِ
بالبرِّ والإحسانِ يتحفهُ
إنْ لمْ يؤمّنهُ بوائقهُ
طابَ النّبيُّ لأهلِ جيرتِهِ
قولاً وفعلاً صانَ حقّهمُ
بلْ يقبلُ المختارُ دعوتهُ
متحمّلاً منهُ أذيّتهُ
وأذيّةَ الجيرانِ حرّمها
ومنَ السّعادةِ جيرةُ الصّلحا
لكنَّ جارَ السّوءِ نبغضهُ
إِنَّ التّهادي بينهمْ صلةٌ
أهدِ الطّعامَ لهُ، ولوْ مرقاً
وأحقُّ أنْ يرعى حمى الدّارِ
والحفظِ في جهرٍ وإسرارِ
فليحذرِ التّعذيبَ في النّارِ
جاراً راعي حرمةً الجارِ
وكذاكَ إيصاءٌ بتكرارِ
منْ غيرِ إحواجِ لإصرارِ
صبراً يغالبُ كلَّ صبّارٍ
فأذيّةُ المؤذي منَ العارِ
وجوارُ أخيارٍ وأطهارِ
ونعوذُ عوذاً منهُ بالباري
فابذلْ عطاءكَ دونَ إقتارِ
وتحرَّ منْ دارٍ إلى دارِ

١٨٣
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله
تعامل النبي والخلة مع الضيوف والمستضيفين
أولاً: النبي ◌َّ مضيفاً:
قد كانَ النبيُّ ◌َّ أجودَ الناسِ، وأكرمهم، وأوسعهم إعطاءً، وأحسنهم سخاءً؛ لاسيما
في مواسمِ الخيرِ؛ يقول ابن عباس رَعَنْهَا: « كانَ رسولُ الله ◌ِّ﴿ أجودَ النّاسِ بالخيرِ، وكانَ
أجودَ ما یکونُ في شهرِ رمضانَ)).
إِنَّ جبريلَ عَِّالسَّلامُ كانَ يلقاهُ في كلِّ سنةٍ في رمضانَ حتّى ينسلخَ فيعرضُ عليهِ
رسولُ اللهِوَّه القرآنَ، فإذا لقيهُ جبريلُ كانَ رسولُ اللهِوََّ أجودَ بالخيرِ منَ الرّيحِ
المرسلةِ(١).
(المرسلة) أي: المطلَقَة، يعني أنّهُ في الإسراع بالجودِ أسرع منَ الرّيح(٢).
وقال أنس بن مالك رَوَلّ ◌َنهُ: « كانَ رسولُ الله ◌َّل أحسنَ النّاسِ، وكانَ أجودَ النّاسِ،
وكانَ أشجعَ النّاسِ))(٣).
وإن من أخصِّ خصائص الأجواد: إكرام الضيفانِ، ((والعربُ لم تكنْ تعدُّ الجودَ إلا قرى
الضيفِ، وإطعامَ الطعامِ؛ ولا تعدُّ السّخيَّ من لم یکن فیه ذلك؛ حتى إن أحدهم ربما سار في
طلب الضيفِ الميلَ، والميلين)) (٤).
وهذه أم المؤمنين خديجة رََّنهَا؛ وهي أعلم الناس به؛ تصفه؛ فتقول: ((فوالله إنّك
(١) رواه البخاري [٦]، ومسلم [٢٣٠٨].
(٢) فتح الباري [٣١/١].
(٣) رواه البخاري [٢٨٢٠]، ومسلم [٢٣٠٧].
(٤) روضة العقلاء لابن حبان [ص٢٥٩].

١٨٤
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
لتصلُ الرّحمَ، وتصدقُ الحديثَ، وتحملُ الكلَّ وتكسبُ المعدومَ، وتقري الضّيفَ، وتعينُ
على نوائبٍ الحقِّ))(١).
((الكلّ)) هوَ منْ لا يستقلّ بأمرهِ، فيدخل فيه: الإنفاقُ على الضّعيف، واليتيمِ، والعيال،
وغير ذلكَ.
((وتكسب المعدوم)) أي: الفقير؛ لأنَّ المعدوم لا يكسب، ومعناها: تعطي النّاس ما لا
يجدونهُ عند غيرك. (٢)
فذكرتْ خديجةُ رَ عَنْهَا من جملةِ أخلاق النبيِّ وَّ: (قرى الضيف)
وقد كانَ النبيُّ ◌َّه من أحسنِ الناس إكراماً لضيفه، ومعاملةً لوفده.
وتجلّى أدبه وَّةِ، وحسنُ تعامله مع الناس سواءٌ أضافهم إلى طعامٍ؛ أم أضافوه.
وعن جابر بن عبد الله رَّعَنْهَا قال: «ما سئل رسول الله،وَلِّ شيئاً فقالَ: لا))(٣).
ومعناهُ: ما سئلَ شيئاً منْ متاع الدّنيا فقال: لا. ففيه: بيانُ عظیمِ سخائِهِ، وغزارة
جوده وَالجي (٤).
وفعلتَ ما لا تفعلُ الكرماءُ
وإذا سخوت بلغت بالجودِ المدی
وأخبرَ بَّ أن الله كريمٌ يحبُّ الكرم:
عن سهلٍ بِنِ سعدٍ رَّهُ: أنَّ النبيَّ ◌َّه قالَ: ((إنَّ الله كريمٌ يحبُّ الكرمَ، ويحبُّ معاليَ
الأخلاقِ، ويكرهُ سفسافها))(٥).
ولذا قال عمرو بنُ الحارثِ: ((ما تركَ رسولُ اللهِوَِّ عندَ موتهِ درهماً، ولا ديناراً، ولا
(١) رواه البخاري [٤]، ومسلم [١٦٠].
(٢) فتح الباري [٢٥/١].
(٣) رواه البخاري [٦٠٣٤]، ومسلم [٢٣١١].
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ٧١].
(٥) رواه الحاكم في المستدرك [١٥٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٨٠١].

١٨٥
الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَهُ عَيْهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
عبداً، ولا أمةً، ولا شيئاً، إلّا بغلتهُ البيضاءَ، وسلاحهُ، وأرضاً جعلها صدقةً))(١). بل توفّيّ
ودرعهُ مرهونةٌ عندَ يهوديٍّ بثلاثينَ صاعاً منْ شعيرِ(٢).
كان النبي ◌َّ- يجعل إكرام الضيف من علامات الإيمان:
فقالَ وَّهِ: ((منْ كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ؛ فليكرمْ ضيفهُ))(٣).
إكرامه: تلقّيه بطلاقة الوجه، وتعجيل قراه، والقيامُ بنفسهِ في خدمته.
قال الشاعر:
أضاحكُ ضيفي قبلَ إنزالِ رحلهِ
فيخصبُ عندي والمحلُّ جديبُ
وما الخصبُ للأضيافِ أنْ يكثرَ القرى
ولكنّما وجهُ الکریمِ خصيبُ
ومدح النبي وَثّل من يقري الضيف، وجعله من خيرة الناس:
فعن ابنِ عبّاسٍ رَنْه)، قالَ: خطبَ رسولُ اللهِوَ له يومَ تبوكَ؛ فقالَ:
((ما في النّاسِ مثلُ رجلٍ أخذَ بعنانِ فرسهِ، فيجاهدُ في سبيلِ الله، ويجتنبُ شرورَ النّاسِ؛
ومثلُ رجلٍ بادٍ في غنمِهِ، يقري ضيفهُ، ويؤدّي حقّهُ))(٤).
وبيِّن ◌َّه أن الضيافة حقٌّ على كل مسلم:
فقالَ: ((ليلةُ الضّيفِ حقٌّ على كلِّ مسلم؛ فمنْ أصبحَ بفنائِهِ؛ فهوَ عليهِ دينٌ؛ إنْ شاءَ
اقتضى، وإنْ شاءَ تركَ))(٥).
(١) رواه البخاري [٢٧٣٩].
(٢) رواه البخاري [٢٩١٦]، ومسلم [١٦٠٣] عن عائشة رَضُّعَنْهَا.
(٣) رواه البخاري [٦٠١٨]، ومسلم [٤٧] عن أبي هريرة رََّنْهُ.
(٤) رواه أحمد [١٩٨٨]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٢٥٩].
(٥) رواه أبو داود [٣٧٥٠]، وابن ماجة [٣٦٧٧]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٢٠٤].

١٨٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أي: فمن أصبح الضيف بفنائه؛ فهو دينٌّ على صاحبِ الدارِ، فإن شاءَ الضيفُ؛ طلبَ
حقّه.
قالَ الخطّابِيُّ: ((ولم يزلْ قرى الضيفِ، وحسنُ القيامِ عليهِ؛ من شيمِ الكرامِ، وعاداتِ
الصالحينَ، ومنعُ القرى مذمومٌ على الألسنِ، وصاحبه ملوٌ))(١).
وقد قالَ النبيُّ ◌ََّ لعثمانَ بن مظعونٍ رَتُ: ((إنَّ لضيفكَ عليكَ حقّاً)(٢).
وعنْ عقبةَ بنِ عامرٍ رَنهُ قالَ: قلنا يا رسولَ الله! إنّكَ تبعثنا؛ فننزلُ بقومٍ؛ فلا يقروننا؛
فما تری؟
فقالَ لنا رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنْ نزلتمْ بقومٍ، فأمروا لكمْ بما ينبغي للضّيفِ؛ فاقبلوا؛ فإنْ لمْ
يفعلوا؛ فخذوا منهمْ حقَّ الضّيفِ الّذي ينبغي لهمْ)(٣).
وهذا الحديثُ محمولٌ على المضطرّينَ، فإنَّ ضيافتهمْ واجبةٌ، فإذا لمْ يضيفوهمْ؛ فلهمْ أَنْ
یأخذوا حاجتهمْ.
وقيل: إنَّ المرادَ أنَّ لكمْ أنْ تأخذوا منْ أعراضهمْ بألسنتكمْ، وتذكروا للنّاسِ لؤمهمْ
(٤).
وبخلهم .
وبيّن ◌ّ مقدار الضيافة، وحدودها:
عنْ أبي شريحِ رَلهُ، قالَ: قال رسولَ الله ◌َّ: «منْ كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ
فليكرمْ ضيفهُ جائزتهُ))(٥).
قالَ: وما جائزتهُ يا رسولَ الله؟
(١) عون المعبود [١٠ / ١٥٤].
(٢) رواه أبو داود [١٣٦٩] عن عائشة رَّعَنْهَا، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٤٦].
(٣) رواه البخاري [٢٤٦١]، ومسلم [١٧٢٧].
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢ / ٣٢].
(٥) أي: منحتهُ وعطيّتُهُ.

١٨٧
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَُّعَلَّهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
قالَ: ((يومهُ وليلتهُ، والضّيافةُ ثلاثةُ أيّام، فما كانَ وراءَ ذلكَ فهوَ صدقةٌ عليهِ. ولا يحلُّ
لرجلٍ مسلمٍ يقيمُ عندَ أخيهِ حتّى يؤثمهُ».
قالوا: يا رسولَ الله! وكيفَ يؤثمهُ؟
قالَ: ((يقيمُ عندهُ؛ ولا شيءَ لهُ يقرِيهِ بِهِ))(١).
فإن للضيف حقّاً على من نزلَ به، وهو ثلاثُ مراتبَ: حقٌّ واجبٌ، وتمامٌ مستحبٌّ،
وصدقةٌ من الصدقاتِ.
فالحقُّ الواجبُ: يومٌّ وليلةٌ، والمستحبُّ ثلاثة أيام، وما كان فوق ذلك فهو صدقة.
والضيفُ الذي يجب إكرامه، وله حقٌّ على المضيف: هو الضيفُ المسافرُ، القادمُ من بلدٍ
آخرَ.
فيجبُ على من ينزلُ عليه أن يطعمه، ويكرمه، فإن لم يفعلْ؛ فلهُ حقٌّ في ماله.
وأما الزائرُ من البلدِ نفسه؛ فلا شكَّ أن إطعامه وإكرامه يدخلُ في عمومِ الأمرِ بإطعامِ
الطعامِ، والإحسانِ إلى الناسِ، ولكنّه ليسَ هو الضيفَ الذي أوجبَ النبيُّ ◌َّ إِكرامه،
وجعل له حقّاً في مال المضيف.
ولا يجوزُ الإثقالُ على المضيفِ؛ بأن يقيم الضيفُ عنده أكثرَ من ثلاثة أيام؛ لأن النبي
ـلم
وَسَـ
قال: ((ولا يحلُّ لهُ أنْ يثوى عندهُ حتّى يحرجهُ)) (٢).
أيْ: لا يجوزُ للضيفِ أن يقيمَ عند صاحبِ البيتِ بعدَ ثلاثةِ أیامٍ، من غيرِ استدعاءِ من
صاحبِ البيتِ.
وفي أوقات المخمصة والشّدّة؛ يتجلّى إكرامه ◌َّيّ للضيف:
عنِ المقدادِ بنِ عمرٍو رََّّهُ قالَ: جئت أنا، وصاحبٌ لي؛ قدْ کادتْ تذهبُ أسماعنا،
وأبصارنا منَ الجوعِ، فجعلنا نتعرّضُ للنّاسِ، فلمْ يضفنا أحد(٣).
(١) رواه البخاري [٦٠١٩]، ومسلم [٤٨].
(٢) رواه البخاري [٦١٣٥] عن أبي شريح رَّ ◌َنْهُ.
(٣) هذا محمول على أنَّ الّذينَ عرضوا أنفسهمْ عليهمْ كانوا مقلَّن ليسَ عندهمْ شيء يواسونَ بِهِ.

١٨٨
تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فأتينا النّبِيَّ ◌ََّ، فقلنا: يا رسولَ الله! بنا جوٌ شديدٌ؛ فتعرّضنا للنّاسِ، فلمْ يضفنا أحدٌ،
فأتيناك.
فذهبَ بنا إلى منزلهِ، فإذا ثلاثةُ أعنزِ؛ فقالَ النّبيُّ ◌ََّ: ((احتلبوا هذا اللّنَ بيننا)).
قالَ: فكنّا نحتلبُ، فيشربُ كلُّ إنسانٍ منّا نصيبهُ، ونرفعُ النّبِّ ◌َّ نصيبهُ.
فيجيءُ منَ اللّيلِ، فيسلّمُ تسليماً لا يوقظُ نائماً، ويسمعُ اليقظانَ.
ثُمَّ يأتي المسجدَ، فیصلّي، ثمَّ یأتي شرابهُ، فيشربُ.
فأتاني الشّيطانُ ذاتَ ليلةٍ، وقدْ شربتُ نصيبي؛ فقالَ: محمّدٌ يأتي الأنصارَ، فيتحفونهُ،
ويصيبُ عندهمْ، ما بِهِ حاجةٌ إلى هذهِ الجرعةِ، فأتيتها، فشربتها.
فلمّا أنْ وغلتْ في بطني(١)، وعلمتُ أنّهُ ليسَ إليها سبيلٌ؛ ندّمني الشّيطانُ، فقالَ: ويحكَ
ما صنعتَ؟! أشربتَ شرابَ محمّدٍ، فيجيءُ فلا يجدهُ، فيدعو عليكَ؛ فتهلكُ، فتذهبُ دنياكَ
وآخرتكَ.
وعليَّ شملٌ إذا وضعتها على قدميَّ خرجَ رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرجَ قدمايَ،
وجعلَ لا يجيئني النّومُ.
وأمّا صاحبايَ؛ فناما، ولمْ يصنعا ما صنعتُ.
فجاءَ النّبِيُّ ◌َّهِ؛ فسلّمَ كما كانَ يسلّمُ، ثمَّ أتى المسجدَ، فصلّى، ثمَّ أتى شرابهُ، فكشفَ
عنهُ، فلمْ يجِدْ فيهِ شيئاً، فرفعَ رأسهُ إلى السّماءِ.
فقلتُ: الآنَ يدعو عليَّ، فأهلكُ.
فقالَ: ((اللهمَّ أطعمْ منْ أطعمني، وأسقِ منْ أسقاني!)).
فعمدتُ إلى الشّملةِ، فشددتها عليَّ، وأخذتُ الشّفرةَ، فانطلقتُ إلى الأعنزِ أيّها أسمنُ،
(١) الوغولُ: الدّخول في الشيّء. النهاية [٢٠٩/٥]

١٨٩
الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
فأذبحها لرسولِ اللهِوَّه، فإذا هيَ حافلةٌ، وإذا هنَّ حفّلٌ كلّهنَّ(١)، فعمدتُ إلى إناءٍ
لاَلٍ مُحمّدٍ وَّ ما كانوا يطمعونَ أنْ يحتلبوا فيهِ، فحلبتُ فيهِ حتّى علتهُ رغوةٌ، فجئتُ إلى
رسولِ الله ◌ِالچ۔
فقالَ: أشربتمْ شرابكمْ اللّيلةَ.
قلتُ: يا رسولَ الله اشربْ، فشربَ ثمَّ ناولني.
فقلتُ: يا رسولَ الله اشربْ، فشربَ ثمَّ ناولني.
فلمّا عرفتُ أَنَّ النّبِيّ ◌َلّ قَدْ رويَ، وأصبتُ دعوتهُ، ضحكتُ حتّى ألقيتُ إلى الأرضِ.
فِقالَ النّبِيُّ وَِّ: ((إحدى سوآتَكَ يا مقدادُ))(٢). فقلتُ: يا رسولَ الله كانَ منْ أمري كذا
و کذا، وفعلتُ کذا.
فقالَ النّبِيُّ وَِّ: ((ما هذهِ إلَّا رحمةٌ منَ الله، أفلا كنتَ آذنتني، فنوقظَ صاحبینا، فیصیبانٍ
منها؟)).
قالَ، فقلتُ: والذي بعثكَ بالحقِّ ما أبالي إذا أصبتها، وأصبتها معكَ منْ أصابها منَ
النّاسِ(٣).
((ضحكتُ حتّى ألقيتُ إلى الأرضِ)) معناهُ: أنّهُ كانَ عنده حزن شديد خوفاً منْ أنْ يدعو
عليهِ النّبِيّ ◌َّ؛ لكونِهِ أذهبَ نصيب النّبِيِّ وَّهِ، وتعرّضَ لأذاهُ.
فلمّا علمَ أَنَّ النّبِيّ ◌َّ قَدْ رويَ، وأجيبتْ دعوته؛ فرحَ وضحكَ حتّى سقطَ إلى الأرض؛
منْ كثرة ضحكه؛ لذهابٍ ما كانَ بهِ منَ الحزن، وانقلابه سروراً بشربِ النّبِّ وَِّ، وإجابة
دعوته لمنْ أطعمهُ وسقاهُ، وجريان ذلكَ على يد المقداد، وظهور هذهِ المعجزة، ولتعجّبهِ منْ
قبح فعله أوّلاً، وحسنه آخراً(٤).
(١) أي: اجتمع اللبن الكثير في ضرعها، وهذهِ منْ معجزات النّبوّة، وآثار بركته وَله .
(٢) أيْ: إنّك: فعلت سوأة منَ الفعلات، ما هيَ؟
(٣) رواه مسلم [٢٠٥٥].
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤ / ١٥].

١٩٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان ◌َّه يجالس ضيوفه ويضحكُ معهم ويتبسط معهم في الحديث:
عَنْ ثوبانَ رَ عَنْهُ مولى رسولِ اللهِّهِ قالَ: نزلَ بنا ضيفٌ بدويٌّ، فجلسَ بهِ رسولُ اللهِ﴾،
أمامَ بیوتِهِ.
فجعلَ يسألهُ عنِ النّاسِ كيفَ فرحهمْ بالإسلامِ، وكيفَ حدبهم في الصّلاةِ، فما زالَ يخبرهُ
منْ ذلكَ بالّذي يسرّهُ حتّى رأيتُ وجهَ رسولِ الله نضراً.
حتّى إذا انتفخَ النّهارُ، وحانَ أكُلُ الطّعامِ، دعاني، فأشارَ إليَّ مستخفياً لا يألوا: ((أنِ ائتِ
بيتَ عائشةَ رَعَنْهَ، فأخبرها أنَّ لرسولِ الله ◌َّ ضيفاً)).
قالتْ: والّذي بعثكَ بالهدى، ودينِ الحقِّ ما أصبحَ في بيتنا شيءٌ يأكلهُ أحدٌ منَ النّاسِ.
فردّني إلى نسائِهِ، كلّهنَّ يعتذرنَ بما اعتذرتْ بِهِ عائشةٌ رَّعَنْهَا، حتّى رأيتُ لونَ
رسولِ الله ◌َلا كسفَ.
وكانَ البدويُّ عاقلاً، ففطنَ، فما زالَ البدويُّ يعارضُ رسولَ اللهِ وَّةِ، حتّى قالَ: إِنّا
أهلُ الباديةِ معانونَ في زماننا، لسنا كأهلِ الحضرِ، إنّما يكفي أحدنا القبضةُ منَ التّمرِ يشربُ
عليها الشّربةُ منَ اللّبنِ، فذلكَ الخصبُ(١)، فمرّتْ عندَ ذلكَ عنزٌ لنا قدِ احتلبتْ، كنّا نسمّيها
ثمراءَ، فدعا بها رسولُ اللهِ وَّةِ، باسمها وقالَ: ((ثمرا، ثمرا».
فأقبلتْ إليهِ تحمحمُ، فأخذَ برجلها، ومسحَ ضرعها وقالَ: ((باسمِ الله)).
فحفلتْ، فدعاني بمحلبٍ لنا، فأتيتهُ بِهِ، فحلبَ وقالَ: ((باسمِ الله))، فملأهُ.
ثُمَّ قالَ: ((ادفعْ باسمِ الله)).
فدفعتُ إلى الضّيفِ فشربَ منهُ شربةً ضخمةً، ثمَّ أرادَ أنْ يضعهُ، فقالَ لهُ رسولُ الله ◌ِّ:
((علَّ)(٢)، فعادَ ثمَّ أرادَ أنْ يضعهُ، فقالَ لهُ رسولُ الله: ((علَّ))، فكرّرَ حتّى امتلاً، وشربَ ما شاءَ اللهُ.
(١) أي: إذا وجد تمر وعليه ماء أو لبن، فهذا أعلى شيء، وهذا هو الخصب. وفيه حسن خلق هذا البدوى وحصافة
عقله وفطانته و طیب کلامه.
(٢) من العللُ: وهو الشّبِ بعد الشّرّب. النهاية [٥٥٩/٣].

١٩١
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله
ثُمَّ حلبَ فيهِ وقالَ: ((باسمِ الله))، وملأهُ ثمَّ قالَ: ((أبلغْ هذا عائشةَ، فلتشربْ منهُ ما بدا
لها)).
ثُمَّ رجعتُ إليهِ، فحلبَ فيهِ وقالَ: ((باسم الله))، فملأهُ، ثمَّ أرسلني إلى نسائهِ، كلّما شربتِ
امرأةٌ ردّني إلى الأخرى، وقالَ: ((باسمِ الله))، حتّى ردّهنَّ كلّهنَّ.
ثمَّ رددتُ إلیهِ.
فقالَ: ((ارفعْ إليّ))، فرفعتَهُ فقالَ: ((باسم الله)، فشربَ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ أعطاني، فلمْ ألُّ أنْ
أضعَ شفتيَّ على درجِ القدحِ، فشربتُ شراباً أحلى منَ العسلِ، وأطيبَ منَ المسكِ، وقالَ:
((اللهمَّ باركِ لأهلها فيها)). يعني: العنز(١).
وإذا لم يجدِ النبيُّ ◌َّ ما يقري به الضيفَ؛ دفعه إلى بعض أصحابه؛ ليقريهُ.
عنْ أبي هريرةَ رَّعَنْهُ أَنَّ رجلاً أتى النّبِيَّ وَِّ، فقالَ إنّ مجهودٌ.
فأرسلَ إلى بعضٍ نسائِهِ؛ فقالتْ: والّذي بعثكَ بالحقِّ ما عندي إلّا ماءٌ.
ثُمَّ أرسلَ إلى أخرى، فقالتْ مثلَ ذلكَ، حتّى قلنَ كلّهنَّ مثلَ ذلكَ: لا والّذي بعثكَ
بالحقِّ ما عندي إلّا ماءٌ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((منْ يضيفُ هذا اللّيلةَ رحمهُ اللهُ؟)).
فقالَ رجلٌ منَ الأنصارِ: (أنا).
فانطلقَ بِهِ إلى امرأتهِ فقالَ: أكرمي ضيفَ رسولِ الله
علىاله
فقالتْ: ما عندنا إلّا قوتُ صبياني.
فقالَ: هيّئَي طعامكِ، وأصبحي سراجكِ، ونوّمي صبيانكِ إذا أرادوا عشاءً.
فإذا دخلَ ضيفنا فأطفئُ السّراجَ، وأريهِ أنّا نأكلُ، فإذا أهوى ليأكلَ، فقومي إلى السّراجِ
حتّی تطفئیهِ.
(١) رواه الآجري في كتاب الشريعة [١٠٤٨]، وصحّحه الألباني في الصحيحة [١٩٧٧] وخولف في ذلك.

١٩٢
تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فهيّأتْ طعامها، وأصبحتْ سراجها، ونوّمتْ صبيانها؛ ثمَّ قامتْ كأنّها تصلحُ سراجها،
فأطفأتهُ، فجعلا يريانِهِ أنّهما يأكلانِ، فباتا طاویینٍ(١).
فلّا أصبحَ غدا إلى رسولِ اللهِوَّهِ؛ فقالَ: ((ضحكَ الله اللّيلةَ، أَوْ عجبَ منْ فعالكما))؛
فأنزلَ اللهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَِكَ هُمُ
اُلْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩](٢).
من فوائد الحدیث:
فيه: ما كانَ عليهِ النّبِيُّ ◌َّةِ، وأهلُ بيته منَ الزّهدِ في الدّنيا، والصّيرِ على الجوع، وضيقِ
حالِ الدّنيا.
وفيهِ: أنّهُ ينبغي لكبيرِ القوم أنْ يبدأ في مواساة الضّيفِ ومنْ يطرقهمْ بنفسِهِ؛ فيواسيهِ منْ
مالِهِ أوّلاً بما يتيسّر إنْ أمكنهُ، ثمَّ يطلب لهُ على سبيل التّعاون على البرِّ والتّقوى منْ أصحابه.
وفيهِ: المواساةُ في حالِ الشّدائِدِ.
وفيهِ: فضيلةُ إكرامِ الضّيفِ وإيثارهِ.
وفيهِ: منقبةٌ لهذا الأنصاريِّ وامرأتهِ رَ عَنْهَا.
وفيهِ: الاحتيالُ في إكرامِ الضّيفِ إذا كانَ يمتنع منهُ رفقاً بأهلِ المنزل؛ لقولهِ: ((أطفئي
السّراج، وأربهِ أنّا نأكل))، فإنّهُ لوْ رأى قلّة الطّعام، وأنّهما لا يأكلانِ معهُ؛ لامتنعَ منَ الأكل(٣).
وكان ◌َّ يكرمُ ضيفه؛ وإن كان كافراً:
عنْ أبي هريرةَ رَّهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَلَ ضافهُ ضيفٌ وهوَ كافرٌ؛ فأمرَ لهُ رسولُ اللهَوَّل
بشاةٍ؛ فحلبتْ، فشربَ حلابها، ثمَّ أخرى فشربهُ، ثمَّ أخرى، فشربهُ حتّى شربَ حلابَ
سبعٍ شیاهٍ.
(١) أي: جائعین.
(٢) رواه البخاري [٣٧٩٨]، ومسلم [٢٠٥٤].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤ / ١٢].

١٩٣
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله
ثُمَّ إِنّهُ أصبحَ، فأسلمَ، فأمرَ لهُ رسولُ الله ◌َّ بشاةٍ، فشربَ حلابها، ثمَّ أمرَ بأخرى فلمْ
یستتمّها.
فقالَ رسولُ اللهِوَّ: ((المؤمنُ يشربُ في معَّى واحدٍ؛ والكافرُ يشربُ في سبعةِ أمعاءٍ))(١).
المؤمن يسمّى الله عَّوَجَلَّ إذا أكلَ، فيحصلُ له شيئان: البركةُ في الطعامِ، ودفعُ الشيطانِ
عنه؛ فيكونُ المتناولُ منه قليلا، فكأنَّ المؤمنَ قد أكل في معی واحدٍ.
والكافرُ لا يبارك له؛ لعدم التسميةِ، ويتناولُ الشيطانُ معه، فيذهبُ من الطعامِ كثيرٌ،
فكأنه قد أكل في سبعةِ أمعاء(٢).
والمرادُ أنَّ المؤمن يأكلُ بآدابِ الشّرع، فيأكل في معًى واحدٍ، والكافر يأكل بمقتضى
الشّهوةِ والشّرِهِ والنّهم، فيأكلُ في سبعةٍ أمعاءٍ (٣).
وقيل: المؤمنُ الحقيقيُّ يقتصر على البلغةِ من القوتِ، ويقنعُ بالیسیرِ منه، ويؤثرُ ببعض
قوته؛ والكافرُ على خلاف ذلك؛ لأنه يأكل أكلَ النّهمِ الحريصِ على الاستكثارِ من الأكل (٤).
وكان ◌َّ يقومُ على خدمة أضيافه:
ففي حديث جابر رَّعَّهُ يومَ الخندقِ لَّا دعا النبيَِّ، وقال له: طعيّمٌ لي، فقمْ أنتَ يا
رسولَ الله، ورجلٌ، أوْ رجلانِ!
قالَ: ((کمْ هوَ؟».
فذکرتُ لهُ.
قالَ: ((كثيرٌ طيّبٌ)).
فقالَ: ((قوموا)).
(١) رواه البخاري [٥٣٩٧]، ومسلم [٢٠٦٣].
(٢) كشف المشكل من حديث الصحيحين [١/ ٢٧١].
(٣) جامع العلوم والحكم [ص٤٢٨].
(٤) المنتقى شرح الموطأ [٣٢٦/٤].

١٩٤
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقامَ المهاجرون والأنصارُ، فلّا دخلَ جابر على امرأتهِ، قالَ: ويحكِ جاءَ النّبيُّ ◌َّه
بالمهاجرينَ، والأنصارِ، ومنْ معهمْ.
قالتْ: هلْ سألكَ؟
قلتُ : نعمْ.
فقالَ: ((ادخلوا، ولا تضاغطوا))، فجعلَ يكسرُ الخبزَ، ويجعلُ عليهِ اللّحمَ، ويقرّبُ إلى
أصحابهِ، ثمَّ ينزعُ، فلمْ يزلْ يكسرُ الخبزَ، ويغرفُ حتّى شبعوا، وبقيَ بقيّةٌ.
قالَ: ((كلي هذا، وأهدي فإنَّ النّاسَ أصابتهمْ مجاعةٌ!))(١).
وهؤلاء الأضياف؛ من المهاجرين، والأنصار إنما هم في الحقيقةِ أضيافُ رسول الله
وَسـ
وإن كانوا في بيت جابر؛ ذلك أن ما حدث من تكثير الطعام كان معجزةً لرسول الله ◌َّهِ؟
فكان أصلُ طعامٍ جابٍ إنما يكفي بضعةَ نفرٍ؛ وببركةِ النبي ◌ِّ كفى أهلَ الخندقِ.
فقيامه وَّ على خدمتهم حينئذٍ، وتوزيعُ اللحم، والطعام عليهم؛ كان من قبيل حسنِ
الضيافةِ لضيوفٍ جاءوه؛ لكن في بيت جابر رَضُّ عَنْهُ.
وربما كان يتأذّى ◌َّه من بعض سلوكيّات ضيوفه، فيستحيي من إحراجهم:
يقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْلَا تَدْ خُلُواْبُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ
غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنَّهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنَشِرُواْ وَلَا مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ
كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحِىء مِنكُمٌ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ، مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
فيأمرُ تعالى عباده المؤمنين بالتأدّب مع رسول الله وَّه، في دخولِ بيوته فقال: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَ نَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ﴾، أي: لا تدخلوها بغير
إذنٍ للدخولِ فيها؛ لأجل الطعام.
وأيضاً لا تكونوا ﴿نَظِرِينَ إِنَنهُ﴾، أي: منتظرين، ومتأنّين لانتظار نضجه، أو سعة
صدرٍ بعد الفراغ منه.
والمعنى: أنكم لا تدخلوا بيوت النبيِّ ◌ٍَّ إلا بشرطين: الإذنِ لكم بالدخولِ، وأن يكون
(١) رواه البخاري [٤١٠١]، ومسلم [٢٠٣٩].

١٩٥
الباب الثاني: تعامل النبي صَّالَّهُ عَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
جلوسكم بمقدارِ الحاجةِ؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأنْتَشِرُ واْ وَلَا
مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، أي: قبل الطعام، وبعده.
ثم بيِّنَ حكمة النهي، وفائدته؛ فقال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾، أي: انتظاركم الزائدَ على الحاجة،
﴿كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَ﴾، أي: يتكلّفُ منه، ويشقُّ عليه حبسكم إياه عن شئون بيته،
و اشتغاله فیه.
﴿فَيَسْتَحِْىء مِنكُمْ﴾ أن يقول لكم: ((اخرجوا)) كما هو جاري العادة، أن الناس
وخصوصاً أهل الكرم منهم يستحيون أن يخرجوا الناسَ من مساكنهم، ﴿وَ﴾ لكن ﴿آللَّهُ
لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ﴾.
فالأمرُ الشرعيُّ، ولو كان يتوهّمُ أن في تركه أدباً، وحياءً، فإن الحزمَ كلَّ الحزمِ اتباعُ الأمرِ
الشرعيِّ، وأن يجزمٍ أن ما خالفه ليس من الأدبِ في شيءٍ.
والله تعالى لا يستحي أن يأمركم بما فيه الخيرُ لكم، والرفقُ لرسوله ◌َّ كائناً ما كان(١).
فهذه صورٌ من أدبه وَّهِ إِذا أضاف أحداً.
ثانياً: النبي ◌َّ ضيفاً:
وأما عن أدبه ◌ِ لّه إذا حلَّ ضيفاً: فقد كان ◌َّ متواضعاً؛ يقبلُ الدعوةَ على الطعام؛ وإن
كانت شيئاً يسيراً:
فقال ◌َّ: (لو دعيتُ إلى ذراعٍ، أَوْ كراعٍ لأجبتُ))(٢).
والكراع من الدابة: هو ما دون الرّكبة من الساق(٣).
وخصَّ الذراع، والكراع بالذكر؛ ليجمع بين الحقير، والخطير؛ لأن الذّراع كانت أحبَّ
إليه من غيرها؛ والكراع لا قيمة له (٤).
(١) تفسير السعدي [١ / ٦٧٠].
(٢) رواه البخاري [٢٥٦٨].
(٣) النهاية [٢٩٧/٤].
(٤) فتح الباري [١٩٩/٥].

١٩٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ويجيبُ وَّ الدعوةَ؛ ولو من غلام:
فَعنْ أَنسِ رَعَنْهُ قالَ: دخلتُ معَ النّبِيِّ ◌ََّ على غلامِ لهُ خيّاطِ، فقدّمَ إليهِ قصعةً فيها
تريدٌ، وأقبلَ الغلام على عملِهِ، فجعلَ النّبِيُّ وَِّ يَتَبّعُ الدّاءَ(١)، فجعلتُ أتتبّعهُ، فأضعهُ بین
يديهِ، فما زلتُ بعدُ أحبُّ الدّاءَ(٢).
وفي هذا الحديث عدة من الفوائد:
ففيه: إباحة کسبِ الخيّاطِ.
وفيه: جوازُ أكلِ الشريفِ طعامَ من دونه؛ من محترفٍ، وغيره، وإجابة دعوته، وفيه:
مؤاكلةُ الخادم.
وفيه: بيانُ ما كان في النبي ◌َّ من التواضع، واللّطفِ بأصحابه، وتعاهدهم بالمجيء
إلى منازلهم.
وفيه: الإجابةُ إلى الطعام؛ ولو كان قليلاً.
وفيه: مناولةُ الضّيفانِ بعضهم بعضاً مما وضع بين أيديهم وإنما يمتنع من يأخذ من قدام
الآخر شيئا لنفسه أو لغيره.
وفيه: جوازُ ترك المضيف الأكلَ مع الضيفِ؛ لأن الخيّاطَ قدّمَ لهم الطعام، ثم أقبلَ على
عمله؛ فيؤخذ جواز ذلك من تقرير النبي وَّة، ويحتمل أن يكون الطعام كان قليلا؛ فآثرهم
به، ويحتمل أن يكون مكتفياً من الطعام، أو كان صائماً، أو كان شغلهُ قد تحتّم عليه تكميله(٣).
وكان ◌َلّه يجيبُ دعوةَ اليهودي؛ تأليفاً لقلبه:
عنْ أنس بن مالكِ رَهُ أَنَّ يهوديّاً دعا النّبيَّ ◌َّهِ إلى خبزِ شعيرٍ، وإهالةٍ سنخةٍ،
فأجابهُ (٤).
(١) وهوَ القرع.
(٢) رواه البخاري [٢٠٩٢]، ومسلم [٢٠٤١].
(٣) ينظر: فتح الباري [٥٢٩/٩]، شرح النووي على صحيح مسلم [٢٢٤/١٣].
(٤) رواه أحمد [١٣٧٨٩] وصححه شعيب الأرناؤوط.

١٩٧
الباب الثاني: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومَن حوله
الإهالةُ: الشّحمُ، أوْ ما أذيبَ منهُ، أوْ الزّيتُ، وكلَّ ما ائتدمَ بهِ.
السنخةِ: المتغيّرةُ الرّيحِ(١).
وفي الحديث: جواز إجابة دعوة الكتابي.
وإذا دعاه أحدٌ، فتبعه من ليس بمدعوِّ؛ استأذن له من صاحب الدعوة:
فعنْ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ رَنهُ قالَ: كَانَ رجلٌ منَ الأنصارِ يقالُ لهُ أبو شعيبٍ،
وكانَ لهُ غلامٌ لخّامٌ، فرأى رسولَ الله ◌َّهِ، فعرفَ في وجههِ الجوعَ.
فقالَ لغلامهِ: ويحكَ اصنعْ لنا طعاماً لخمسةِ نفرٍ، فإنّ أريدُ أنْ أدعوَ النّبيَّ ◌َّ خامسَ
خمسةٍ.
فصنعَ، ثُمَّ أتى النّبِيَّ ◌ََّ، فدعاهُ خامسَ خمسةٍ، واتّبعهمْ رجلٌ.
فلّا بلغَ البابَ؛ قالَ النّبِيُّ ◌َله: ((إنَّ هذا اتّبعنا، فإنْ شئتَ أنْ تأذنَ لهُ، وإنْ شئتَ رجعَ)).
قالَ: لا، بلْ آذنُ لهُ يا رسولَ الله (٢).
من فوائد الحديث:
فیه: أن من صنعَ طعاماً لغيره؛ فهو باخیارِ بین أن یرسله إليه، أو يدعوه إلى منزله.
وفيه: أن من دعا أحداً استحبَّ أن يدعوَ معه من يرى من أخصّائه، وأهلِ مجالسته.
وفيه: أن من تطفّلَ في الدعوةِ كان لصاحب الدعوةِ الاختیارُ في حرمانه، فإن دخل بغیر
إذنه کان له إخراجه(٣).
وربما قصد ◌َّل بعض أصحابه ليضيّفهُ ویطعمهُ:
عنْ أبي هريرةَ رََُّّ، قالَ: خرجَ رسولُ الله ◌َِّ ذاتَ يومٍ، فإذا هوَ بأبي بكرٍ وعمرَ.
(١) النهاية [١٩٩/١].
(٢) رواه البخاري [٢٤٥٦]، ومسلم [٢٠٣٦] واللفظ له.
(٣) ينظر: فتح الباري [٩/ ٥٦٠].

١٩٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ: ((ما أخرجكما منْ بيوتكما هذهِ السّاعةَ؟)).
قالا: الجوعُ یا رسولَ الله.
قالَ: ((وأنا والّذي نفسي بيدهِ لأخرجني الّذي أخرجكما، قوموا))، فقاموا معهُ.
فأتى رجلاً منَ الأنصارِ (١)، فإذا هوَ ليسَ في بيتِهِ، فلما رأتهُ المرأةُ قالتْ: مرحباً وأهلاً.
فقالَ لها رسولُ اللهِوَّةِ: ((أينَ فلانٌ؟)).
قالتْ: ذهبَ يستعذبُ لنا منَ الماءِ(٢).
إذْ جاءَ الأنصاريُّ، فنظرَ إلى رسولِ الله ◌ِّهِ، وصاحبيهِ، ثمَّ قالَ: الحمدُ لله، ما أحدٌ اليومَ
أكرمَ أضيافاً منّي(٣)، فانطلقَ، فجاءهمْ بعذقِ فيهِ بسِّر، وتمرٌّ، ورطبٌّ، فقالَ: كلوا منْ هذهِ!(٤)
وأخذَ المديةَ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِوَلَ: «إيّاكَ والحلوبَ!)).
فذبحَ لهمْ، فأكلوا منَ الشّاةِ، ومنْ ذلكَ العذقِ، وشربوا.
فلّا أنْ شبعوا، ورووا قالَ رسولُ الله ◌َّهِ لأبي بكرٍ، وعمرَ: ((والّذي نفسي بيدهِ لتسألنَّ
عنْ هذا النّعيمِ يومَ القيامةِ(٥)؛ أخرجكمْ منْ بيوتكمْ الجوعُ، ثمَّ لم ترجعوا حتّى أصابكمْ هذا
النّعِيمُ))(٦).
من فوائد الحدیث:
فيهِ: ما كانَ عليهِ النّبيّ نَّه وكبار أصحابه رََّنْهُ مِنَ التّقّل منَ الدّنيا، وما ابتلوا بهِ منَ
الجوع، وضيق العيش في أوقات.
(١) هو أبو الهيثم بن التيهان كما في رواية الترمذي [٢٣٦٩].
(٢) أيْ: يأتينا بماءٍ عذب.
(٣) فيه: إظهار البشر، والفرح بالضيف فى وجهه، وحمد الله تعالى؛ وهو يسمع على حصول هذه النعمة.
(٤) وفيه: استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر بمشروب، أو فاكهة، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له؛ لاسيما إن
غلب على ظنه حاجته فى الحال إلى الطعام.
(٥) السؤال هنا سؤال تعداد النّعم، وإعلام بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها؛ لا سؤال توبيخ، وتقريع،
ومحاسبة، شرح النووي [١٣ / ٢١٣-٢١٤].
(٦) رواه مسلم [٢٠٣٨].

١٩٩
الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
وفيهِ: جواز ذكر الإنسان ما ينالهُ منْ ألم ونحوه، لا على سبيل التّشكّي وعدم الرّضا،
بلْ للّسليةِ والتّصبِّ، كفعلِهِ وَِّ هنا، ولالتماسِ دعاء أوْ مساعدة على التّسبّب في إزالة ذلكَ
العارض، فهذا كلّه ليسَ بمذمومٍ، إنّما يذمّ ما كانَ تشكّياً وتسخّطاً وتجزّعاً.
وفيهِ: استحباب إكرام الضّيف بهذا القول وشبهه، وإظهار السّرور بقدومهِ، وجعله
أهلاً لذلكَ، كلّ هذا وشبهه إكرام للضّيفِ.
وفيهِ: جوازُ سماع كلام الأجنبيّة ومراجعتها الكلام للحاجةِ.
وفيه: جوازُ إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمنْ علمتْ محقّقاً أنّهُ لا يكرههُ بحيثُ لا
يخلو بها الخلوة المحرّمة.
وفیهِ: جوازُ استعذابه وتطییبه.
وفيه: استحبابُ حمدِ الله تعالى عند حصول نعمة ظاهرة، وكذا يستحبّ عند اندفاع نقمة
كانتْ متوقّعة، وفي غير ذلكَ منَ الأحوال.
وفيه: استحبابُ إظهار البشر، والفرح بالضّيفِ في وجهه، وحمد الله تعالى، وهوَ يسمع
على حصول هذهِ النّعمة.
وفيه: الثّناءُ على ضيفه إنْ لمْ يخفْ علیهِ فتنة، فإنْ خافَ لم يثنِ علیهِ في وجهه.
وفيهِ: فضيلةُ هذا الأنصاريّ وبلاغته وعظيم معرفته؛ لأنّهُ أتی بكلام مختصر بديع في
الحسن في هذا الموطن رَضَ عَنْهُ.
وفيهِ: استحبابُ تقديم الفاكهة على الخبز واللّحم وغيرهما.
وفيهِ: استحبابُ المبادرة إلى الضّيف بما تيسّرَ، وإكرامه بعده بطعام يصنعهُ لهُ لا سيّما إِنْ
غلبَ على ظنّه حاجته في الحال إلى الطّعام، وقدْ يكون شديد الحاجة إلى التّعجيل وقدْ يشقّ
عليهِ انتظار ما يصنع لهُ لاستعجالهِ للانصرافِ.
وقدْ كرهَ جماعة منْ السّلف التّكلّف للضّيفِ، وهوَ محمول على ما يشقّ على صاحب
البيت مشقّة ظاهرة؛ لأنَّ ذلكَ يمنعهُ منَ الإخلاص، وكمال السّرور بالضّيفِ، وربّما ظهرَ
عليهِ شيء منْ ذلكَ فيتأذّى بهِ الضّيف.