النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦٠ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولما استشهد بمؤتة واسی أهله في مصيبتهم وتكفل بشؤونهم: فعنْ عبدِ الله بنِ جعفرٍ قالَ: بعثَ رسولُ اللهِوَِّ جيشاً استعملَ عليهمْ زيدَ بنَ حارثةَ، وقالَ: ((فإنْ قتلَ زيدٌ، أوِ استشهدَ فأميركمْ جعفرٌ، فإنْ قتلَ أو استشهدَ فأمیر کمْ عبدُ الله بنُ رواحةً». فأتى خبرهمْ النّبِيّ ◌ََّ، فخرجَ إلى النّاسِ، فحمد الله وأثنى عليهِ، وقالَ: ((إنَّ إخوانكمْ لقوا العدوّ، وإنَّ زيداً أخذَ الرّايةَ، فقاتلَ حتّى قتلَ أوِ استشهدَ، ثمَّ أخذَ الرّایةَ بعدهُ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فقاتلَ حتّى قتلَ أوِ استشهدَ، ثمَّ أخذَ الرّايةَ عبدُ الله بن رواحةً، فقاتلَ حتّى قتلَ أوِ استشهدَ، ثمَّ أخذَ الرّايةَ سيفٌ منْ سيوفِ الله خالدُ بنُّ الولیدِ ففتحَ الله علیهِ)). فأمهلَ ثمَّ أمهلَ آلَ جعفرِ ثلاثاً أنْ يأتيهمْ ثُمَّ أتاهمْ(١). فقالَ: ((لا تبكوا على أخي بعدَ اليومِ أوْ غدٍ، ادعوا لي بني أخي)»(٢). قالَ: فجيءَ بنا كأنّا أفرغٌ(٣). فقالَ: «ادعوا إليَّ الحلّاقَ)). فجيءَ بالحلّاقِ، فحلقَ رءوسنا(٤). ثمَّ قالَ: ((أمَّا مُحمّدٌ فشبيهُ عمّنا أبي طالبٍ، وأمّا عبدُ الله فشبيهُ خلقي وخلقي)). ثمَّ أخذَ بيدي، فأشالها، فقالَ: ((اللهمَّ اخلفْ جعفراً في أهلهِ، وباركْ لعبدِ الله في صفقةِ یمینهِ))، قالها ثلاثَ مرارٍ. فجاءتْ أمّنا فذكرتْ لهُ يتمنا، وجعلتْ تفرحُ لهُ(٥). (١) أيْ: تركَ أهله بعد وفاته يبكونَ ويحزنونَ عليهِ ثلاثاً. (٢) وهمْ عبد الله، وعون، ومحمّد، أولاد جعفر. (٣) الفرخَ صغير ولد الطّير، ووجه التّشبيه أنَّ شعرهمْ يشبه زغب الطّير وهوَ أوّل ما يطلع منْ ريشه. (٤) وإنّما حلقَ رءوسهمْ لما رأى منِ اشتغال أمّهمْ أسماء بنت عميس عنْ ترجيل شعورهمْ بما أصابها منْ قتل زوجها في سبيل الله، فأشفقَ عليهمْ منَ الوسخ والقمل. (٥) أفرحه إذا غمّه وأزال عنه الفرح. ١٦١ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومَن حوله فقالَ: ((العيلةَ تخافينَ عليهمْ، وأنا وليّهمْ في الدّنيا والآخرةِ؟))(١). و کان يحمل الصغار ویمسحُ على رؤوسهم ويدعو لهم: عن عبد الله بن جعفرِ أنه قالَ: لَوْ رأيتني وقثمَ وعبيدَ الله ابنيْ عبّاسٍ، ونحنُ صبيانٌ نلعبُ، إِذْ مرَّ النّبِيُّ ◌ََّ على دابّةٍ، فقالَ: ((ارفعوا هذا إليَّ))، فحملني أمامهُ، وقالَ لقثمَ: ((ارفعوا هذا إليَّ))، فجعلهُ وراءهُ. قالَ: ثمَّ مسحَ على رأسي ثلاثاً، وقالَ كلّما مسحَ: ((اللهمَّ اخلفْ جعفراً في ولدهِ))(٢). ومن عنايته بَّل بأقاربه وانشغاله بأحوالهم: حزنه إذا أصيب أحدٌ منهم بمكروهٍ، فلما توفّي عمّه حمزة ومثّلَ به؛ حزن حزناً شديداً؛ لفراقه، ولما أصابه. عنْ أبي هريرةَ رَّ ◌َّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ وقفَ على حمزةَ حينَ استشهدَ، وقدْ مِثْلَ بِهِ، فنظرَ إلى أمرٍ لمْ ينظرْ إلى أمرٍ أوجعَ لقلبِهِ منهُ فقالَ: ((رحمكَ اللهُ، إنْ كنتَ لوصولاً للرّحم، فعولاً للخيراتِ، ولولا حزنُ منْ بعدكَ عليكَ؛ لسّني أنْ أدعكَ حتّى تحشرَ منْ أفواهِ شتّی، وایمُ الله لأمثّلنَّ بسبعينَ منهمْ مكانكَ)». فنزلَ جبريلُ والنّبِيُّ نَّه واقفٌ بعدُ بخواتيمِ سورةِ النّحلِ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ وَلَيِنِ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَّبِينَ ﴾ [النحل: ١٢٦]. فكفّرَ رسولُ اللهِ وَّهِ، وأمسكَ عمّا أرادَ(٣). وكان ◌َّر كثيراً ما يدعو لأقاربه، فمن ذلك: دعاؤه للعباس ولأولاده: فعنِ ابنِ عبّاسٍ رَوَّعَنْهَا قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّه للعبّاسِ: ((إذا كانَ غداةَ الاثنينِ؛ فأتني أنتَ، وولدكَ؛ حتّى أدعوَ لكَ بدعوةٍ ينفعكَ الله بها وولدكَ)). (١) رواه أحمد [١٧٥٣]، وصححه الألباني في أحكام الجنائز [ص١٦٦]. (٢) رواه أحمد [١٧٦٣]. وحسنه الألباني في أحكام الجنائز [ص١٦٨]. (٣) رواه الحاكم [٤٨٩٤]، والطبراني في المعجم الكبير [٣/ ١٤٣] بسند فيه ضعف كما ذكر الحافظ في الفتح [٣٧١/٧]. ١٦٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغدا وغدونا معهُ، وألبسنا كساءً ثمَّ قالَ: «اللهمَّ اغفرْ للعبّاسِ، وولدهِ مغفرةً ظاهرةً وباطنةً لا تغادرُ ذنباً، اللهمَّ احفظهُ في ولدِهِ))(١). ((مغفرةً ظاهرةً وباطنةً)) أيْ: ما ظهرَ منْ الذّنوبِ، وما بطنَ منها. ((لا تغادرُ)) أيْ: لا تتركُ تلكَ المغفرةُ ذنباً غيرَ مغفورٍ. ((اللهمَّ احفظهُ في ولده)) أيْ: أكرمهُ وراعٍ أمرهُ كيْ لا يضيعَ في شأنٍ ولده(٢). دعاؤه لعلي بن أبي طالب: فعنْ عليٍّ رَهُ عَنهُ قالَ: لَّا توفَّ أبو طالبٍ أتيتُ النّبِيَّوَّ، فقلتُ: إنَّ عمّكَ الشّيخَ قدْ ماتَ. قالَ: ((اذهبْ، فوارهِ، ثمَّ لا تحدثْ شيئاً حتّى تأتيني)). قالَ: فواريتهُ، ثمَّ أتيتُهُ. قالَ: ((اذهبْ، فاغتسلْ، ثمَّ لا تحدثْ شيئاً حتّى تأتيني)). قالَ: فاغتسلتُ، ثمَّ أتيتُهُ. قالَ: فدعا لي بدعواتٍ ما يسرّني أنَّ لي بها حمرَ النّعمِ وسودها(٣). دعاؤه لابن عباس: عنِ ابنِ عبّاسٍ رَّهَا قالَ: ضمّني النّبِيُّ ◌َّه إلى صدرهِ، وقال: ((اللهمَّ علّمهُ الحكمةَ))(٤). وفي رواية عنه: أنَّ النّبِيّ ◌َّه دخلَ الخلاءَ، فوضعتُ لهُ وضوءاً. قالَ: ((منْ وضعَ هذا؟)). فأخبرَ. فقالَ: ((اللهمَّ فقّههُ في الدّينِ)) (٥). (١) . رواه الترمذي [٢٧٦٢]، وحسنه الألباني. (٢) تحفة الأحوذي [١٠ / ١٧٨]. (٣) رواه أحمد [٨٠٩] وصححه الألباني في أحكام الجنائز [ص ١٣٤]. (٤) رواه البخاري [٣٧٥٦]. (٥) رواه البخاري [١٤٣]، ومسلم [٢٤٧٧]. ١٦٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله ورواه أحمد (٣٠٢٤) وزاد: ((وعلّمه التأويل». وكان يعلمهم الأدعيةَ النافعة: عنِ العبّاسِ بنِ عبدِ المطّلبِ رَّعَنْهُ قالَ: قلتُ: يا رسولَ الله، علّمني شيئاً أسألهُ الله عَّوَجَلَّ. قالَ: ((سلِ الله العافيةَ)). فمكثتُ أَيّاماً، ثمَّ جئتُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، علّمني شيئاً أسألهُ اللهَ. فقالَ لي: ((يا عبّاسُ، يا عمَّ رسولِ الله، سلِ الله العافيةَ في الدّنيا والآخرةِ))(١). فأمرهُ مَّ للعبّاسِ بالدّعاءِ بالعافيةِ بعدَ تكريرِ العبّاسِ سؤالهُ بأنْ يعلّمهُ شيئاً يسألُ الله بِهِ دليلٌ جليٍّ بأنَّ الدّعاءَ بالعافيةِ لا يساويهِ شيءٌ منَ الأدعيةِ، ولا يقومُ مقامهُ شيءٌ منَ الكلامِ الّذي يدعى بهِ ذو الجلالِ والإكرامِ. وقدْ كانَ رسولُ اللهِ وَلَه ينزلُ عمّهُ العبّاسَ منزلةَ أبيهِ، ويرى لهُ منَ الحقِّ ما يرى الولدُ لوالدهِ. ففي تخصيصهِ بهذا الدّعاءِ، وقصرهِ على مجرّدِ الدّعاءِ بالعافيةِ تحريكٌ لهممِ الرّاغبينَ على ملازمتهِ، وأنْ يجعلوهُ منْ أعظمٍ ما يتوسّلونَ بِهِ إلى ربِّهِمْ سُبْحَانَهُوَعَالَى، ويستدفعونَ بهِ في كلِّ ما يهمّهمْ(٢). و کان یعوده في مرضه: عنْ أمِّ الفضلِ رََّهَ أنَّ النّبِيَّ ◌َّهِ دخلَ على العبّاسِ وهوَ يشتكي، فتمنّى الموتَ. فقالَ: ((يا عبّاسُ يا عمَّ رسولِ الله، لا تتمنَّ الموتَ؛ إنْ كنتَ محسناً تزدادُ إحساناً إلى إحسانكَ خيرٌ لكَ، وإنْ كنتَ مسيئاً فإنْ تؤخّرْ تستعتبْ خيرٌ لكَ، فلا تتمنَّ الموتَ))(٣). (١) رواه الترمذي [٣٥١٤] وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٣٨]. (٢) تحفة الأحوذي [٩/ ٣٤٨]. (٣) رواه أحمد [٢٦٣٣٣]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [٣٣٦٨]. ١٦٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يشجّعهم على الخير، ويحثّهم عليه: كان النبيِ وَلّ يحثَّ آل بيته رَّهُ على فعلِ الطاعاتِ، ويشجّعهم على التزوّد من الخيرات. ففي حديث حجة النبي ◌َّه قال جابر: ثمَّ أفاضَ رسولُ اللهِوَّه إلى البيتِ، فصلّى بمكّةً الظّهرَ، ثمَّ أتى بني عبدِ المطّلبِ وهمْ يسقونَ على زمزمَ، فقالَ: ((انزعوا بني عبدِ المطّلبِ، فلولا أنْ يغلبكمْ النّاسُ علی سقایتکمْ؛ لنزعتُ معکمْ)). فناولوهُ دلواً فشربَ منهُ(١). ((بني عبد المطّلب)): المقصود أولاد العبّاس وجماعته؛ لأنَّ سقاية الحاجّ كانتْ وظيفته. ((وهمْ يسقونَ)): أيُ: مَرَّ عليهمْ وهمْ ينزعونَ الماء منْ زمزم، ويسقونَ النّاس. ((فقالَ انزعوا»: أيٍ: الماء والدّلاء. دعا لهمْ بالقوّةِ على النّزع والاستقاء أيْ: إنَّ هذا العمل عمل صالح مرغوب فيهِ؛ لكثرةِ ثوابه، والظاهر أنّهُ أمر استحباب لهمْ. ((فلولا أنْ يغلبكمْ النّاس على سقايتكمْ)) أيْ: لولا مخافة كثرة الازدحام عليكمْ بحيثُ تؤدّي إلى إخراجكمْ عنهُ رغبة في النّزع. وقالَ النّوويّ: معناهُ لولا خوفي أنْ يعتقد النّاس ذلكَ منْ مناسك الحجّ؛ فيزدحمونَ عليهِ بحيثُ يغلبونكمْ، ويدفعونكمْ عنِ الاستقاء؛ لاستقيت معكمْ؛ لكثرةٍ فضيلة هذا الاستقاء(٢). ومع قرابتهم له لم يكن يحابيهم في أمور الدين: عن أنسٍ رَّهُ أَنَّ رجالاً منْ الأنصارِ استأذنوا رسولَ اللهِوَّهِ، فقالوا: ائذنْ لنا؛ فلنتركْ لابنِ أختنا عبّاسٍ فداءهُ(٣). (١) رواه مسلم [١٢١٨]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [٨/ ١٩٤]. (٣) لأن العباس كان قد أسر ببدر، وكان المشركون قد أخرجوه معهم. ١٦٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله فقالَ: ((لا تدعونَ منهُ درهماً))(١). وقولهم عن العباس: (ابنِ أختنا) لأنّهُمْ أخوال أبيهِ عبد المطّلب، فإنَّ أمّ عبد المطّلب منهمْ، فهي سلمى بنت عمرو بن أحيحة وهيَ منْ بني النّجّار. وإنّما قالوا ابن أختنا؛ لتكونَ المنّة عليهمْ في إطلاقه بخلافٍ ما لوْ قالوا عمّك لكانتْ المنّة عليهِ وَّةِ، وهذا منْ قوّة الذّكاء، وحسن الأدب في الخطاب(٢). قال ابن حجر: ((وروى ابن عائذ في المغازي أنَّ عمر لمّا وليَ وثاق الأسرى شدَّ وثاق العبّاس، فسمعهُ رسول الله وَلّه يئنُّ فلمْ يأخذهُ النّوم، فبلغَ الأنصار، فأطلقوا العبّاس، فكأنَّ الأنصار لَّا فهموا رضا رسول الله وَله بفكٌّ وثاقه؛ سألوهُ أَنْ يتركوا لهُ الفداء؛ طلباً لتمامِ رضاهُ، فلمْ يحبهمْ إلى ذلكَ))(٣). وإنّما امتنعَ رَِّ مِنْ إجابتهمْ؛ لئلا يكونَ في الدّين نوع محاباة (٤). ومن ذلك أيضاً: أن أول دم وضعه ګ من دماء الجاهلية کان من دماء أقاربه، وأول ربا وضعه کان ربا عمه العباس. وذلك حين قام ◌َل﴿ خطيباً بعرفة فقال: ((ألا كلُّ شيءٍ منْ أمرِ الجاهليّةِ تحتَ قدميَّ موضوعٌ (٥)، ودماءُ الجاهليّةِ موضوعةٌ(٦). وإنَّ أوّلَ دم أضعُ منْ دمائنا: دمُ ابنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ كانَ مسترضعاً في بني سعدٍ فقتلتهُ هذيلٌ. وربا الجاهليّةِ موضوعٌ، وأوّلُ رباً أضعُ: ربانا ربا عبّاسِ بنِ عبدِ المطّلبِ فإنّهُ موضوعٌ كلّهُ))(٧). (١) رواه البخاري [٢٥٣٧]. (٢) فتح الباري [٥/ ١٦٨]. (٣) فتح الباري [٧/ ٣٢٢] (٤) فتح الباري [١٦٨/٥]. (٥) المرادُ بالوضعِ: الرّدُّ والإبطالُ. (٦) أيْ: لا قصاصَ فيها ولا ديةَ ولا كفّارةَ. (٧) رواه مسلم [١٢١٨]. ١٦٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واسمُ هذا الابنِ إياسُ بنُ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطّلبِ، كانَ هذا الابنُ المقتولُ طفلاً صغيراً يجبو بينَ البيوتِ، فأصابهُ حجرٌ في حربٍ كانتْ بينَ بني سعدٍ وبني لیثِ بنِ بکرِ. ففي هذهِ أنَّ الإمام وغيره ممّنْ يأمر بمعروفٍ أوْ ينهى عنْ منكر ينبغي أنْ يبدأ بنفسهِ، وأهله، فهوَ أقرب إلى قبول قوله، وإلى طيب نفس منْ قربَ عهده بالإسلامِ(١). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٨٢/٨]. ١٦٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله تعامل النبي وَ الجلاء مع جيرانه قد استفاضت نصوصُ السنة في بیانِ رعایةٍ حقوقِ الجارِ، والوصايةِ بهِ، وصیانةِ عرضه، والحفاظِ على شرفه، وسترِ عورته، وسدِّ خلّته، وغضِّ البصرِ عن محارمه، والبعد عن كل ما یریبه، ويسيءُ إلیه. وكان ◌َّهنعمَ الجارُ قولاً وفعلاً، وامتثالاً لأمر الله تعالی حین قرن حقَّ الجار بحقّه سبحانه في قوله: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَ يْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَاُلْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَِّ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالَا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى﴾ أي: الجار القريب الذي له حقّانِ حقُّ الجوارِ، وحقُّ القرابةِ، فله على جاره حقٍّ وإحسانٌ راجع إلى العرف. ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ أي: الذي ليس له قرابةٌ. وكلما كان الجارُ أقربَ باباً كان آكدَ حقّاً، فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهديّةِ، والصدقةِ، والدعوةِ واللطافةِ بالأقوالِ، والأفعالِ، وعدم أذيّته بقولٍ أو فعلٍ. ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ﴾ قيل: الرفيق في السفر، وقيل: الزوجة، وقيل الصاحب مطلقاً، ولعله أولى، فإنه يشملُ الصاحبَ في الحضرِ والسفرِ، ويشملُ الزوجةَ(١). ولقد كان للنبي ◌َّ في المدينةِ جيرانٌ من الأنصارِ ومن المهاجرين أيضاً. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن من جيران رسول الله وَ له من الأنصار: سعد بن عبادةَ، وعبدَ الله بنَ عمرو بنِ حرامٍ (والد جابر)، وأبا أيوبِ الأنصاري، وأسعدَ بنَ زرارةَ. (١) تفسير السعدي [١/ ١٧٧]. ١٦٨ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ابن حجر: «وروى ابن سعد في طبقات النّساء منْ حديث أمّ سلمة قالتْ: «كانَ الأنصار يكثرونَ إلطاف رسول الله مَلِّ، سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وعمارة بن حزم، وأبو أيّوب، وذلكَ لقربِ جوارهمْ منْ رسول الله وَلٍّ))(١). وقد افتخر بنو النجار بهذا الجوارِ في أشعارهم، فكانت جواريهم تضربُ بالدّفِّ، وتتغنّى بذلك. عنْ أنسِ بنِ مالكِ رَّهُ أَنَّ النّبِيَّ وَِّ مَرَّ ببعضِ المدينةِ، فإذا هوَ بجوارٍ يضربنَ بدفّهنَّ ويتغنّينَ ويقلنَ: نحنُ جوارٍ منْ بني النّجّارِ يا حبّذا محمّدٌ مِنْ جَارِ فقالَ النّبِيُّ ◌ََّ: ((يعلمُ الله إنّ لأحبّكنَّ))(٢). ولقد أثنت عائشة على هؤلاء الجيران فقالتْ: كانَ لرسولِ اللهَِّه جيرانٌ منَ الأنصارِ، جيرانُ صدقٍ، كانتْ لهمْ منائحُ، وكانوا يمنحونَ رسولَ اللهِ ◌ِّ مِنْ ألبانهمْ، فيسقينا (٣). (منائح) جمع منيحة، والمنيحة: أن يعطيَ الرجلُ غيره ناقةً أو شاةً، ينتفعُ بحلبها، ووبرها، وصوفها، زمناً، ثم يردّها إلى صاحبها(٤). ومن جيرانه بالمدينةِ غيرِ بني النجار بعضُ المهاجرين منهم: أبو بكر، وعلي، والعباسُ، وغيرهم. وأما في مكة فكان له جيرانٌ على عكس جيرانه في المدينة يؤذونه، ويسبّونهُ: قالَ ابنُ إسحاقَ: وكانَ النّفْرُ الَّذِينَ يؤذونَ رسولَ اللهِ وَّه أبا لهبٍ، والحكمَ بنَ العاصِ (١) طبقات ابن سعد [١٦٣/٨]، فتح الباري [٢٠٦/٥]. وفي إسناده الواقدي، وهو كذاب. (٢) رواه ابن ماجه [١٨٩٩] وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة [١٥٤١]. (٣) رواه البخاري [٢٥٦٧]، ومسلم [٢٩٧٢]. (٤) عمدة القاري [٦٩/٢٠]. ١٦٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله ابنِ أميّةَ، وعقبةَ بنَ أبي معيطٍ، وعديّ بنَ حمراءَ الثّقفيّ، وابنَ الأصداءِ الهذليّ، وكانوا جيرانهُ، لَمْ يسلمْ منهمْ أحدٌ إلّا الحكمُ بنُ أبي العاصِ. فكانَ أحدهمْ يطرحُ عليهِ وَلَّرَحمَ الشّاةِ وهوَ يصلّي، فكانَ رسولُ الله ێ يقفُ بهِ على بابهِ ثمّ يقولُ: ((يا بني عبدِ منافٍ أيّ جوارٍ هذا؟!))(١). وقد حضَّ النبيُّ ◌ََّ على احترامِ الجوارِ ورعايةِ حقِّ الجارِ، وأنه لعظيم حقّه كادَ أن يكونَ من الورثة. عنْ عائشةَ رَّعَنْهَا عَنِ النّبِّوَ أنه قالَ: «ما زالَ يوصيني جبريلُ بالجارِ حتّى ظننتُ أنّهُ سيورّثهُ))(٢). وعنْ رجلٍ منَ الأنصارِ قالَ: خرجتُ منْ أهلي أريدُ النّبِيّ ◌َِّ، فإذا أنا بهِ قائمٌ، ورجلٌ معهُ مقبلٌ عليهِ، فظننتُ أنَّ لهُ حاجةً. قالَ: والله لقدْ قامَ رسولُ الله ◌َّه حتّى جعلتُ أرثي لرسولِ الله ◌َّ؛ مِنْ طولِ القيامِ. فلّا انصرفَ قلتُ: يا رسولَ الله! لقدْ قامَ بكَ الرّجلُ حتّى جعلتُ أرثي لكَ منْ طولِ القيامِ. قالَ: ((ولقدْ رأيتهُ؟)). قلتُ: نعمْ. قالَ: ((أتدري منْ هوَ؟)). قلت: لا. قالَ: ((ذاكَ جبريلُ عَيْهِ لَلَمُ ما زالَ يوصيني بالجارِ حتّى ظننتُ أنّهُ سيورّثهُ)) (٣). أي: ظننت أنه سيبلغني عن الله الأمر بتوريث الجارِ الجارَ. (١) تهذيب سيرة ابن هشام [١٢١/١]. (٢) رواه البخاري [٦٠١٤]، ومسلم [٢٦٢٤]. (٣) رواه أحمد [١٩٤٥٩]، بإسناده صحيح. ١٧٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحتى في حجة الوداع، لم ينسَ النبي ◌َّ أن يوصيَ أصحابه بالجار خيراً، فعن أبي أمامة رََّنهُ قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَّه وهوَ على ناقتِهِ الجدعاءِ في حجّةِ الوداعِ يقولُ: ((أوصيكمْ بالجارِ))، حتّى أكثرَ. فقلتُ: إنّهُ ليورّثهُ(١). وجعل إكرام الجار من علامات الإيمان. عن أبي شريحِ العدويِّ قالَ: سمعتْ أذنايَ، وأبصرتْ عينايَ، حينَ تكلّمَ النّبيُّ ◌َّ فقالَ: ((منْ كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ، فليكرمْ جارهُ))(٢). وقد سئل راوي الحديث: عطاءِ الخراسانيِّ، ما حقُّ الجار على الجار؟ فقالَ: ((إذا استعانكَ أعنتهُ، وإذا استقرضكَ أقرضتهُ، وإذا افتقرَ عدتَ عليهِ، وإذا مرضَ عدتهُ، وإذا أصابهُ خيرٌ هنّأَتهُ، وإذا أصابتهُ مصيبةٌ عزّيتُهُ، وإذا ماتَ اتّبعتَ جنازتهُ. ولا تستطلْ عليهِ بالبناءِ؛ فتحجبُ عنهُ الرّيحَ إلّا بإذنِهِ، ولا تؤذهِ بقتارٍ قدركَ إلّا أنْ تغرفَ لهُ منها. وإنِ اشتريتَ فاكهةً فاهدِ لهُ، فإنْ لمْ تفعلْ فأدخلها سرّاً، ولا يخرجْ بها ولدكَ؛ ليغيظَ بها ولدهُ))(٣). فحفظ الجار منْ كمالِ الإيمان، وكانَ أهل الجاهليّة يحافظونَ عليهِ، ويحصل امتثال الوصيّة بِهِ بإيصالِ ضروب الإحسان إليهِ بحسبِ الطّاقة، كالهديّةٍ، والسّلام، وطلاقة الوجه عندَ لقائِهِ، وتفقّد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليهِ، وكفّ أسباب الأذى عنهُ على اختلاف أنواعه حسّة كانتْ أوْ معنويّة (٤). (١) رواه الطبراني في المعجم الكبير [١١٨/٧]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٢٥٤٨]. (٢) رواه البخاري [٦٠١٩]، ومسلم [٤٨]. وعند مسلم: «فليحسنْ إلی جاره)). (٣) جامع العلوم والحكم [١/ ٣٥٠]. (٤) فتح الباري [١٠/ ٤٤٢]. ١٧١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله وقد نفى الإِيمان عمن لا یکفُّ شّه عن جاره: عنْ أبي شريحِ رَلُ أَنَّ النّبِيَّ نَّه قالَ: (والله لا يؤمنُ، والله لا يؤمنُ، والله لا يؤمنُ)). قيلَ: ومنْ يا رسولَ الله؟ قالَ: ((الّذي لا يأمنُ جارهُ بوائقهُ))(١). والبوائق جمع بائقة، وهيَ: الدواهي والشرور. وفي هذا الحديثِ: تأكيدُ حقِّ الجارِ؛ لقسمِهِ وَِّ على ذلكَ، وتكريرهِ اليمينَ ثلاثَ مرّاتٍ. وفيهِ: نفيُ الإيمانِ عمّنْ يؤذي جارهُ بالقولِ، أَوْ بالفعلِ، ومرادهُ الإيمانُ الكاملُ. ولا شكَّ أنَّ العاصِيَ غيرُ كاملِ الإيمانَ(٢). وقدْ نفى وَِّ الإيمان عمّنْ لمْ يأمن جاره بوائقه، وهيَ مبالغةٌ تنبئ عنْ تعظيم حقِّ الجارِ، وأنَّ إضراره منَ الكبائر(٣). بل أخبر وَّ أنه محرومٌ من دخول الجنة: فعنْ أبي هريرةَ رَّعَنُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ: ((لا يدخلُ الجنَّةَ منْ لا يأمنُ جارهُ بوائقهُ))(٤). وبيّن ◌َ لّ أن أذيّةَ الجار أشد تحريماً من أذيّة غيره: فعن المقدادَ بنَ الأسودِ رَّهُ أَنَّ رسولُ الله ◌ََّ قالَ لأصحابهِ: ((ما تقولونَ في الزّنا؟)). قالوا: حرّمهُ الله ورسولهُ؛ فهوَ حرامٌ إلى يومِ القيامةِ. فقالَ لهم: ((لأنْ يزنيَ الرّجلُ بعشرةِ نسوةٍ أيسرُ عليهِ منْ أنْ يزنيَ بامرأةٍ جارهِ». ثم قالَ: ((ما تقولونَ في السّرقةِ؟». (١) رواه البخاري [٦٠١٦]، وأحمد [٧٨١٨]. زادَ أحمد، قالوا: وما بوائقه؟ قالَ: ((شّرهُ)). (٢) فتح الباري [٤٤٤/١٠]. (٣) فتح الباري [١٠/ ٤٤٢]. (٤) رواه مسلم [٤٦]. ١٧٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: حرّمها الله ورسولهُ؛ فهيَ حرامٌ. قالَ: (لأنْ يسرقَ الرّجلُ منْ عشرةِ أبياتٍ أيسرُ عليهِ منْ أنْ يسرقَ منْ جارهِ))(١). وذلك لأن من حقِّ الجارِ على الجار أن لا يخونه في أهله، فإن فعل ذلك، کان عقاب تلك الزّنيةِ يعدلُ عذابَ عشر زنيات(٢). وجعل إيذاءَ الجار موجباً للعنة الله ولعنة الناس: فعنْ أبي هريرةَ رَّ ◌َنهُ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النّبِّ ◌َّه يشكو جارهُ، فقالَ: ((اذهبْ فاصبرْ))، فأتاهُ مرّتينٍ أوْ ثلاثاً. فقالَ: ((اذهبْ فاطرحْ متاعكَ في الطّريقِ)). فطرحَ متاعهُ في الطّرِيقِ. فجعلَ النّاسُ يمرّون، ويسألونهُ، فيخبرهمْ خبرهُ، فجعلَ النّاسُ يلعنونهُ: فعلَ الله بِهِ، وفعلَ، وفعلَ. فجاءَ إليهِ جارهُ، فقالَ لهُ: ارجعْ فإنك لن ترى منّي شيئاً تكرههُ. (٣) وفي رواية: فجاءَ جاره إلى النّبِّ وَّل فقالَ: يا رسولَ الله ما لقيتُ منَ النّاسِ !!. قالَ: ((وما لقيتَ منهمْ؟)). قالَ: يلعنوني. قالَ: ((قدْ لعنكَ الله قبلَ النّاسِ)). قالَ: فإنّي لا أعودُ. (١) رواه أحمد [٢٣٣٤٢]. وصححه الألباني في الصحيحة برقم [٦٥]. (٢) فيض القدير [٣٢٩/٥]. (٣) رواه أبو داود [٥١٥٣] وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٥١٥٣]. ١٧٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله فجاءَ الّذي شكاهُ إلى النّبِّ ◌َّه فقالَ لهُ: ارفعْ متاعكَ؛ فقدْ كفيتَ(١). وبيّن يام أن كثرة العبادة لا تغني عن صاحبها شيئاً إذا كان يؤذي جيرانه: فعنْ أبي هريرةَ رَّعَّهُ قالَ: قَالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّ فلانةَ يذكرُ منْ كثرةٍ صلاتها، وصيامها، وصدقتها، غيرَ أنّها تؤذي جيرانها بلسانها؟ قالَ: ((هيَ في النّارِ)). قالَ: يا رسولَ الله! فإنَّ فلانةَ يذكرُ منْ قلّةِ صيامها، وصدقتها، وصلاتها، وإنّها تصدّقُ بالأثوارِ منَ الأقطِ، ولا تؤذي جيرانها بلسانها؟ قالَ: ((هيَ في الجنّةِ))(٢). والأثوار: جمع ثورٍ، وهي قطعةٌ من الأقطِ، وهو لبن جامد مستحجرٌ(٣). والوصية بالجار تشمل المسلمَ، وغير المسلم: عنْ مجاهدٍ أنَّ عبدَ الله بنَ عمرٍو ذبحتْ لهُ شاةٌ في أهلِهِ، فلما جاءَ قالَ: أهدیتمْ جارنا اليهوديِّ، أهديتمْ لجارنا اليهوديِّ؟ سمعتُ رسولَ الله ◌ََّ يقولُ: ((ما زالَ جبريلُ يوصيني بالجارِ حتّى ظننتُ أنّهُ سيورّتْهُ»(٤). قال ابن حجر: ((واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصّديق والعدوّ، والغريب والبلديَّ، والنّافعَ والضّارَّ، والقريبَ والأجنبيَّ، والأقربَ داراً والأبعدَ. ولهُ مراتب بعضها أعلى منْ بعض، فأعلاها منِ اجتمعتْ فيهِ الصّفات الأول كلّها، ثمَّ أكثرها وهلمَّ جرّاً إلى الواحد. (١) رواه الطبراني [٣٥٦] عن أبي جحيفة رَّ عنه، وقال الألباني: (صحيح لغيره)). صحيح الترغيب والترهيب [٢٥٥٨]. (٢) رواه أحمد [٩٢٩٨]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [٢٥٦٠]. (٣) النهاية [١/ ٦٥٣]. (٤) رواه الترمذي [١٩٤٣]، وصححه الألباني. ١٧٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعكسه منِ اجتمعتْ فيهِ الصّفات الأخرى كذلكَ، فيعطي كلُّ حقّه بحسبٍ حاله، وقدْ تتعارض صفتانِ، فأكثر، فیرجّح، أوْ يساوي))(١). وقد عدَّ النبيُّ ◌َّ الجار الصالح من سعادة الإنسان: عنْ نافعِ بنِ عبدِ الحارثِ رَ عَّهُ قَالَ: قالَ رسولُ اللهِوَلَه: « منْ سعادةِ المرءِ: الجارُ الصّالحُ، والمركبُ الهنيءُ، والمسكنُ الواسعُ))(٢). وعن سعد بن أبي وقاص رََّّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: «أربعٌ منَ السّعادةِ: المرأةُ الصّالحةُ، والمسكنُ الواسعُ، والجارُ الصّالحُ، والمركبُ الهنيءُ. وأربعٌ منَ الشّقاوةِ: الجارُ السّوءُ، والمرأةُ السّوءُ، والمسكنُ الضّيقُ، والمركبُ السّوء))(٣). وكان يستعيذ بالله من جار السّوءِ، فكان يقول في دعائه: ((اللهمَّ إنّ أعوذُ بكَ منْ جارٍ السّوءِ في دارِ المقامةِ؛ فإنَّ جارَ الباديةِ يتحوّلُ))(٤). ويأمر أصحابه بذلك فيقول: ((تعوّذوا بالله منْ جارِ السّوءِ في دارِ المقامِ، فإنَّ جارَ الباديةِ يتحوّلُ عنكَ))(٥). وبيّن أن خير الجيران خيرهم لجاره: عنْ عبدِ الله بنِ عمرٍ وَ رََّنْهَا قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّ: «خیرُ الأصحابِ عندَ الله خیرهمْ لصاحبهِ، وخيرُ الجيرانِ عندَ الله خيرهمْ لجارهِ)(٦). ((خيرهمْ لجارهٍ): أيْ أكثرهمْ إحساناً إليهِ ولوْ بالنّصيحةِ. فليسَ حقُّ الجوارِ كفَّ الأذى فقطْ، بلِ احتمالُ الأذى، ولا يكفي احتمالُ الأذى، بلْ (١) فتح الباري [١٠/ ٤٤٢]. (٢) رواه أحمد [١٤٩٤٧] وصححه الألباني في صحيح الجامع [٣٠٢٩]. (٣) رواه ابن حبان [٤٠٣٢]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٨٢]. (٤) رواه الحاكم [١٩٥١]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [١٢٩٠]. (٥) رواه النسائي [٥٥٠٢]، وحسنه الألباني في الصحيحة [١٤٤٣]. (٦) رواه الترمذي [١٨٦٧]، وصححه، الألباني في صحيح الجامع [٣٢٧٠]. ١٧٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَّالَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله لا بدَّ منَ الرّفِقِ، وإسداءِ الخيرِ والمعروفِ، ومن ذلك: أنْ يبدأَ جارهُ بالسّلامِ، ويعودهُ في المرضِ، ويعزّيهُ عندَ المصيبةِ، وبهنّتْهُ عندَ الفرح، ويشاركهُ السّرورَ بالنّعمةِ، ويتجاوزَ عنْ زلّاتِهِ، ويغضَّ بصرهُ عنْ محارمِهِ، ويحفظَ عليهِ دارهِ إنْ غابَ، ويتلطّفَ بولدهِ، ويرشدهُ إلى ما يجهلهُ منْ أمرٍ دینِهِ ودنياهُ(١). وبيّن أن الجار كلما كان أقرب كان حقه أعظم: عَنْ عائشةَ رَّعَنْهَا، قلتُ: يا رسولَ الله إنَّ لي جارينِ، فإلى أيهما أهدي. قالَ: ((إلى أقربهما منكِ باباً) (٢). والحكمة فيهِ أنَّ الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره منْ هديّة وغيرها فيتشوّف لها، بخلافٍ الأبعد، وأنَّ الأقرب أسرعُ إجارة لما يقع لجارهِ منَ المهّات، ولا سيّما في أوقات الغفلة(٣). وقد اختلف العلماءُ في حد الجار: فذهبَ الشّافعيّةُ والحنابلةُ إلى أنَّ حدَّ الجوارِ أربعونَ داراً منْ كلِّ جانبٍ، مستدلّينَ بحديثٍ: ((حقُّ الجارِ أربعونَ داراً هكذا، وهكذا، وهكذا)) (٤). وذهبَ المالكيّةُ إلى أنَّ الجارَ هوَ الملاصقُ منْ جهةٍ منَ الجهاتِ، أوِ المقابلُ لهُ بينهما شارعٌ ضيّقٌ لا يفصلهما فاصلٌ كبيرٌ كسوقٍ أوْ نهرٍ متّسعِ، أوْ منْ يجمعهما مسجدٌ أوْ مسجدانِ لطيفان متقاربانٍ. وذهبَ أبو حنيفةً إلى أنَّ الجارَ هوَ الملاصقُ فقطْ؛ لأنَّ الجارَ منَ المجاورةِ، وهيَ الملاصقةُ حقيقةً. قال ابن حجر: ((واختلفَ في حدّ الجوار: فجاءَ عنْ عليّ رَعَنُّ «منْ سمعَ النّداء فهوَ جار)). (١) إحياء علوم الدين [٢/ ٢١٣]. (٢) رواه البخاري [٢٢٥٩]. (٣) فتح الباري [١٠/ ٤٤٧]. (٤) رواه أبو يعلى عن أبي هريرة كما في إتحاف المهرة [٥٠٩٨]، وضعفه الألباني في إرواء الغليل [١٦٥٩]. ١٧٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيلَ: ((منْ صلّى معك صلاة الصّبح في المسجد فهوَ جار)). والأقرب: أن حدَّ الجوار يرجع فيه إلى العرف؛ فما عدَّ عرفاً أنه جارٌ فهو جارٌ. قال ابنُ قدامة: ((الجارُ هوَ المقاربُ، ويرجعُ في ذلكَ إلى العرفِ))(١). وحثَّ على إهداء الجيران لبعضهم ولو بالشيء اليسير: عنْ أبي هريرةَ رََّّهُ عَنِ النّبِيِّنَّ قالَ: ((يا نساءَ المسلماتِ، لا تحقرنَ جارٌ جارتها، ولوْ فرسنَ شاةٍ))(٢). والمقصودُ بالفرسن في الحديث: حافرُ الشاة. وهذا النّهيُ عنْ الاحتقار نهيٌّ للمعطيةِ المهديةِ، ومعناهُ: لا تمتنعْ جارة منَ الصّدقة والهديّةِ لجارتها؛ لاستقلالها، واحتقارها الموجودَ عندها، بلْ تجودُ بما تيسّرَ، وإنْ كانَ قليلاً كفرسنٍ شاة، وهوَ خير منَ العدم. وذكر الفرسن على سبيل المبالغة. ويحتملُ أنْ يكونَ النّهيُ إنّما وقعَ للمهدى إليها، وأنّها لا تحتقرُ ما يهدى إليها ولوْ كانَ قليلاً. وفي الحديث: الحضُّ على التّهادي ولوْ باليسيرِ؛ لأنَّ الكثير قدْ لا يتيسّر كلَّ وقت، وإذا تواصلَ اليسير صارَ كثيراً، وفيهِ استحباب المودّة وإسقاط التّكلّف(٣). وإنما خصَّ النساءَ بالنهي؛ لأن النساءَ يكثرُ منهنَّ الاحتقارُ للمهدى، أو المهدي، ولأنهنَّ أكثرُ اتصالاً بالجيرانِ من الرجال؛ بحكم المکثِ والقرار. وحثّ على تعاهد الجيران بالطعام: عنْ أبي ذرِّ رَضْلَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((يا أبا ذرٍّ، إذا طبختَ مرقةً فأكثرْ ماءها، وتعاهدْ جيرانكَ))(٤). (١) ينظر: فتح الباري [٤٤٧/١٠]، والمغني [٥٧٨/٦]، الموسوعة الفقهية الكويتية [٢١٧/١٦]. (٢) رواه البخاري [٢٥٦٦] ومسلم [١٠٣٠]. (٣) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم [٧/ ١٢٠]، فتح الباري [١٩٨/٥]، [٤٤٥/١٠]. (٤) رواه مسلم [٢٦٢٥]. ١٧٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومن حوله وفي لفظ آخر قال: ((إنَّ خليلِي ◌ِّ أوصاني إذا طبختَ مرقاً فأكثرْ ماءهُ، ثمَّ انظرْ أهلَ بيتٍ منْ جيرانكَ، فأصبهمْ منها بمعروفٍ))(١). وكم من الناسِ من يغفلُ عن هذا الأمرِ، فلا يتعاهدُ جيرانه بالطعامِ، مع أنه قد يصنعُ ما يزيدُ على حاجتهِ، ثم يرمي باقيه في القمامةِ، وفي جيرانه منْ قد يبيتُ على الطّوى لا يجدُ ما يسدُّ جوعتهُ. وهذا منافٍ لحقِّ الجيرةِ، وأدبِ المروءةِ، فعن ابن عباس رَُّعنه قال: سمعت النبي ◌َّ- يقول: ((ما آمنَ بي: منْ باتَ شبعانَ، وجارهُ جائعٌ إلى جنبهِ، وهوَ یعلمُ بِهِ))(٢). وإليهِ قبلي ينزلُ القدرُ ناري ونارُ الجارِ واحدةٌ أنْ لا يكونَ لبابهِ سترُ ماضرَّ جاراً لي أجاورهُ حتّى يواريَ جارتي الخدرُ أغضي إذا ما جارتي برزتْ ومن حثّهَ وََّ على تعاهد الجيران بالطعام، ما جاء عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَوَّعَنْهُ قالَ: قالتْ أمُّ سليمٍ: اذهبْ إلى نبيِّ الله ◌َّهِ، فقلْ لهُ: إِنْ رأيتَ أنْ تغدّى عندنا فافعلٌ. قالَ: فجئتهُ فبلّغتهُ. فقالَ: ((ومنْ عندي)). قلتُ: نعمْ. فقالَ: (انهضوا)). قالَ: فجئتُ، فدخلتُ على أمّ سليمٍ، وأنا لدهشِّ لمنْ أقبلَ معَ رسولِ الله. فقالتْ أمُّ سليمٍ: ما صنعتَ يا أنسُ؟ !. فدخلَ رسولُ الله ◌َِّ على أثرِ ذلكَ، قالَ: ((هلْ عندكِ سمرٌ؟)). (١) رواه مسلم [٤٧٥٩]. (٢) رواه الطبراني [٧٥١]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥٥٠٥]. ١٧٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالتْ: نعمْ، قدْ كانَ منهُ عندي عكّةٌ فيها شيءٌ منْ سمنٍ. قالَ: ((فأتِ بها)). فجئتهُ بها ففتحَ رباطها، ثمَّ قالَ: ((بسمِ الله، اللهمَّ أعظمْ فيها البركةَ)). فقالَ: اقلبيها، فقلبتها، فعصرها نبيُّ الله وَِّ، وهوَ يسمّي. قالَ: فأخذتُ نقعَ قدرٍ، فأكل منها بضعٌ وثمانونَ رجلاً. ففضلَ فيها فضلٌ، فدفعها إلى أمِّ سليمٍ فقالَ: ((كلي، وأطعمي جيرانكٍ))(١). و کان یقبل دعوة جيرانه ويصطحب معه زوجته: عنْ أنس بن مالكٍ رَََّّنهُ: أنَّ جاراً لرسولِ الله وَِّ فارسيّاً كانَ طيّبَ المرقِ، فصنعَ لرسولِ الله ◌َّ ثَمَّ جاءَ يدعوهُ. فقالَ: ((وهذهِ)) لعائشةَ. فقالَ: لا. فقالَ رسولُ اللهِ وَهُ: (لا). فعادَ يدعوهُ، فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وهذهِ)). قالَ: لا. قالَ رسولُ اللهِ وَلَهُ: (لا). ثُمَّ عادَ يدعوهُ، فقالَ رسولُ الله وَّ: ((وهذهِ)). فقالَ في الثّالثةِ: نعمْ، فقاما يتدافعانِ حتّى أتيا منزلهُ(٢). (فقاما یتدافعان)) معناهُ: يمشي کلّ واحد منهما في أثر صاحبه. (١) رواه أحمد [١٣١٣٥] وصححه شعيب الأرناؤوط. (٢) رواه مسلم [٢٠٣٧]. ١٧٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله قالوا: ولعلَّ الفارسيّ إنّما لمْ يدعُ عائشة رَعَنْها أوّلاً لكونِ الطّعام كانَ قليلاً، فأرادَ توفيره على رسول الله گالجاهل. قال النووي: (كرةَ وَّ الاختصاص بالطّعامِ دونها، وهذا منْ جميل المعاشرة، وحقوق المصاحبة، وآداب المجالسة المؤكّدة))(١). وكان يحتملُ من جيرانه: عنْ أمِّ سلمةَ رَتْها قالتْ: بينما أنا معَ رسولِ اللهِوَّه في لحافٍ، إِذْ دخلتْ شاةٌ لجارٍ لنا، فأخذتْ قرصةً لنا. [القرصةُ: منَ الخبزِ]. فقمتُ إليها، فأخذتهُ منْ بینِ حيبها. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما كانَ ينبغي لكِ أنْ تعنّفيها، إنّهُ لا قليلَ منْ أذى الجارِ))(٢). أي: أذى الجار لجاره غير مغفور وإن كانَ قليلا، فهوَ وان كانَ قليل القدر، لكنه کثیرُ الوزرِ(٣). فاحتمالُ أذى الجارِ، ومقابلةُ إساءته بالإحسانِ من أرفعِ الأخلاقِ، وأعلى الشّيمِ. قال الحسنُ: ((ليسَ حسنُ الجوارِ كفَّ الأذى، ولكنَّ حسنَ الجوارِ احتمالُ الأذى)) (٤). وجعل كلام الجيران مقياس معرفة الرجل المحسنٍ من المسيء: عنْ عبدِ الله بن مسعود رَنهُ قالَ: قَالَ رجلٌ لرسولِ الله وَّ: كيفَ لي أنْ أعلمَ إذا أحسنتُ وإذا أسأتُ؟. قالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((إذا سمعتَ جيرانكَ يقولونَ أنْ قدْ أحسنتَ؛ فقدْ أحسنتَ. وإذا سمعتهمْ يقولونَ قدْ أسأتَ؛ فقدْ أسأتَ))(٥). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [٢٠٩/١٣] (٢) رواه الطبراني في الكبير [٢٥٨/٢٣ رقم ٥٣٥]، وابن الأعرابي في معجمه [٣٥٣]، وقال الهيثمي في المجمع [١٧٠/٨]: رجاله ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع [٢٠٧٧]. (٣) التيسير بشرح الجامع الصغير [٢/ ٥٠٢] للمناوي. (٤) جامع العلوم والحكم [ص ١٤١]. (٥) رواه ابن ماجه [٤٢٢٣]، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع [٦١٠].