النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فوجدَ النّبِيَّ وَِّ جالساً حولهُ نساؤهُ واجماً ساكتاً.
فقالَ: لأقولنَّ شيئاً أضحكُ النّبِيَّ ◌ِّ.
فقالَ: يا رسولَ الله، لوْ رأيتَ بنتَ خارجةَ، سألتني النّفقةَ، فقمتُ إليها، فوجأتُ عنقها.
فضحكَ رسولُ الله ◌َّةِ، وقالَ: «هنَّ حولي كما ترى يسألنني النّفْقَةَ».
فقامَ أبو بكرٍ إلى عائشةَ يجأُ عنقها، وقامَ عمرُ إلى حفصةَ يجأُ عنقها، كلاهما يقولُ: تسألنَ
رسولَ اللهِ وَّ ما ليسَ عندهُ.
فنهاهما رسولُ الله ◌َيِّ.
فقلنَ: والله لا نسألُ رسولَ الله ◌َّهِ شيئاً أبداً ليسَ عندهُ.
ثُمَّ نزلتْ عليهِ هذهِ الآيةُ: ﴿ يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَحِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٨) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ
فَإِنَّاللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩].
فبدأَ بعائشةَ فقالَ: ((يا عائشةُ إنّ أريدُ أنْ أعرضَ عليكِ أمراً أحبُّ أنْ لا تعجلي فيهِ حتّى
تستشیري أبویكِ)).
قالتْ: وما هوَ يا رسولَ الله، فتلا عليها الآيةَ.
قالتْ: أفيكَ يا رسولَ الله أستشيرُ أبويَّ؟! بل أختارُ اللهَ ورسولُهُ والدّارَ الآخرة،
وأسألكَ أنْ لا تخبرَ امرأةً منْ نسائكَ بالّذي قلتُ.
قالَ: ((لا تسألني امرأةٌ منهنَّ إلّا أخبرتها، إنَّ اللهَ لمْ يبعثني معّاً ولا متعنّناً، ولكنْ بعثني
معلّاً ميسّراً)).
ثُمَّ خيّرَ نساءهُ فقلنَ مثلَ ما قالتْ عائشةُ (١).
في هذه القصة بيانُ كيفية تعامل النبي ◌ِّه مع مطالبة زوجاته بزيادةِ النفقةِ، في بدايةِ
(١) رواه مسلم [١٤٧٨].

١٠١
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله
الأمرِ بقي رسولُ الله ساكتاً صامتاً، لم يجبهنَّ بشيءٍ، كما قال جابر: ((فوجدَ النّبِيَّ وَّ جالساً
حولهُ نساؤهُ واجماً ساكتاً)).
هذا هو الأسلوبُ الأولُ الذي اتّخَذْه النبيُّ وَلَ لحلِّ هذه المشكلةِ، وهو أسلوبُ التغاضي
عن الأمرِ؛ وذلك لأن كثيراً من الخلافاتِ الزوجيّةِ لا تحلَّ بأسلوبِ الخصومةِ، ولا ينفعُ
معها الجدلُ، بل قد يزيدها الجدلُ تعقيداً.
والأمر الثاني الذي اتخذه النبيُّ ◌ََّ لحل هذه المشكلة هو: التخييرُ، فخيَّ نساءه بين البقاءِ
معه على الحالِ التي هو عليها أو مفارقتهنَّ، وهذا مما جاءت به الشريعةُ الإسلاميةُ أن يخيّر
الزوجُ زوجته بين البقاءِ عنده، أو مفارقته إذا طالبته بأمورٍ لا يستطيعُ الوفاءَ بها.
إن أسلوبَ التخييرِ الذي استعمله النبيُّ نَّه في معالجةِ تلكَ المشكلةِ الماديّةِ هو صورةٌ
مشرقةٌ من صورِ مبدأ الشورى في الحياةِ الزوجيّةِ.
وأمرَ رسولُ الله ◌َّ أزواجه بالتروّي، وعدم الاستعجالِ باتخاذِ القرارِ:
((إنّي ذاكرٌ لكِ أمراً فلا عليكِ أنْ لا تستعجلي)).
وهذا بخلافٍ ما عليه كثيرٌ من الأزواجِ من التهديدِ بالطلاقِ باستمرارٍ، فعندَ حدوثٍ
أيِّ خطأ من الزوجةِ يقولُ: سأطلّقكِ، سأطَلّقكِ، إذا قصّرتْ معه في شيءٍ قال: سأطلّقكِ،
إذا خرجتِ من البيتِ فأنتِ طالقٌ، إذا رفعتِ السماعةَ فأنتِ طالقٌ، إذا كلّمتِ فلانة فأنتِ
طالقٌ.
ومما يؤخذُ من هذه القصّةِ أن النبيَّ ◌َّه لم يلجأ إلى ضربٍ زوجاته أو إهانتهنّ، وإنما اتَّخَذَ
معهنَّ أسلوباً کریماً.
ولمّا قامَ أبو بكر وعمرُ؛ ليضربا عائشةَ وحفصةَ نهاهما عن ذلك؛ لأن المشاكلَ لا تحلُّ دائماً
بالضربِ، بل بالحوارِ والإقناعِ في الغالب.
ومن الأمور التي ينبغي أن تراعيها الزوجةُ:
أنها تنتقل أحياناً من بيت غنّى، وتدليلٍ، وترفيهِ إلى بيتِ زوجها الذي قد يكونُ قليلَ

١٠٢
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
ذاتِ اليدِ، قد يكونُ طالباً، أو موظّفاً مستوراً، فيجبُ على الزوجةِ أن تراعيَ الفارقَ، وهذا
قدرُ الله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ
بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢].
فكونُ البنتِ كانتَ عندَ أهلها مدلّلةً، وأن أباها كان يشتري لها كلَّ يومٍ، وأنّهُ وأنّهُ، لا
يعني أنها الآنَ إذا انتقلتْ إلى بيتٍ زوجها ترهقهُ شططاً.
والمطالبةُ بزيادةِ النفقاتِ، والإكثارُ من الطلباتِ أمرٌ محرجٌ جدّاً للزوج لاسيما إذا كانَ
فقيراً، وقد تدفعُ الزوجَ الذي عنده ضعفٌ في الإيمانِ إلى الطّرقِ المحرّمةِ في الکسبِ؛ فيضُّ
بنفسه وأسرته عن طريقِ السعيٍ وراءَ الكسبِ المحرّمِ كالرّشوةِ، والسرقةِ، وغير ذلك،
فيعرّضُ نفسهُ للفصلِ من العملِ، أو السّجنِ، فيخسرُ دينهُ ودنياهُ.
وفي المقابلِ ينبغي على الزوجِ أن يقدّرَ أن المرأةَ كانتْ في بيتِ نعمةٍ، فكل ما يستطيع أن
يأتي به إليها من الأشياءِ المباحةِ شرعاً؛ فليوفّرهُ لها.
ومن المشاكلِ التي حصلتْ في بيت النبوّةِ ما حصل من الاتفاق بين بعض زوجاته؛
للاحتیال علیه:
عنْ عائشةَ رَ عَنْهَا قالتْ: كَانَ رسولُ الله ◌َّهِ يجِبُّ الحلواءَ والعسلَ، فكانَ إذا صلّى
العصرَ؛ دارَ علی نسائِهِ فیدنو منھنَّ.
وكانَ رسولُ اللهِوَل﴿ يشربُ عسلاً عندَ زينبَ بنتِ جحشٍ، ويمكثُ عندها.
فقلتُ: أما والله لنحتالنَّ لهُ.
فتواصيتُ أنا وحفصةُ على أيْتنا دخلَ عليها؛ فلتقل لهُ: أكلتَ مغافيرَ (١)، إنيّ أجدُ منكَ
ریحَ مغافیرَ.
وكانَ رسولُ اللهِوَلِّ يشتدُّ عليهِ أنْ يوجدَ منهُ الرّيحُ.
فدخلَ على إحداهما، فقالتْ لهُ ذلكَ، قالَ: ((لا، ولكنّي كنتُ أشربُ عسلاً عندَ زينبَ
بنتِ جحش، فلنْ أعودَ لهُ، وقدْ حلفتُ، لا تخبري بذلكَ أحداً)).
(١) وهوَ صمغ حلو لهُ رائحة كريهة ينضحهُ شجر يقال لهُ: العرفط

١٠٣
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
فنزلتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَالَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) قَدْ فَضَ
اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَنْكُمْ وَهُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ، حَدِيثًا فَلَمَّا
نَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ, وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِّ فَلَمَّا نَبَأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نََّنِىَ
اٌلْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ٣) إِن نَنُوبَا إِلَى الَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ
وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينِّ وَالْمَلِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُّ لْ عَسَى رَبُُّ إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنَكُنَّ
مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَتٍ قَئِنَاتٍ تَّبَاتٍ عَبِدَاتٍ سَِّحَتٍ ثَبِبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ١-٥](١).
﴿وَإِن تَطَهَرَا عَلَيْهِ ﴾ أي: أنّهما تعاونتا حتّى حرّمَ رسول الله وََّ على نفسه ما حرّمَ.
وقد اتخذ النبي مع نسائه أسلوبَ الهجرِ، فبعدَ حادثةِ المطالبة بالنفقة وقصةِ العسل،
اعتزل النبي نساءه شهراً.
قال ابنُ حجرٍ: ((يحتمل أنْ يكون مجموع هذهِ الأشياءِ كانَ سبباً لاعتزالهنَّ. وهذا هوَ
اللّائق بمكارم أخلاقه ◌َّةٍ، وسعة صدره وكثرة صفحه، وأنَّ ذلك لم يقع منهُ حتّى تكرّرَ
موجبه منهنَّ، صلى الله عليه وسلم ورضيَ عنهنَّ)).
فعنْ عبدِ الله بنِ عبّاسٍ رَنّ ◌َ أنه سأل عمر بن الخطاب فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ منِ
المرأتانِ مِنْ أزواجِ النّبِيِّ ◌ََّاللَّانِ قَالَ اللهُ عَّوَجَلَّ لهما: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا :
[التحريم: ٤].
فقالَ: واعجبي لكَ يا ابنَ عبّاسٍ، عائشةُ وحفصةٌ.
ثُمَّ استقبلَ عمرُ الحديثَ يسوقهُ.
فقال: كنّا معشرَ قريشِ قوماً نغلبُ النّساءَ، فلمّا قدمنا المدينةَ وجدنا قوماً تغلبهمْ نساؤهمْ،
فطفقَ نساؤنا يتعلّمنَ منْ نسائهمْ.
قالَ: وكانَ منزلي في بني أميّةَ بنِ زيدٍ بالعوالي، فتغضّبتُ يوماً على امرأتي، فإذا هيَ
تراجعني، فأنكرتُ أنْ تراجعني. [أيْ: تراددني في القول وتناظرني فيهِ].
(١) رواه البخاري [٦٩٧٢]، ومسلم [١٤٧٤].

١٠٤
تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
فقالتْ: ما تنكرُّ أنْ أراجعكَ، فوالله إنَّ أزواجَ النّبِّ ◌َّ ليراجعنهُ، وتهجرهُ إحداهنَّ
اليومَ إلى اللّيلِ. [فيهِ: أنَّ النّبِيّ ◌َّ أَخذَ بسيرةِ الأنصار في نسائهمْ وترك سيرة قومه].
فانطلقتُ، فدخلتُ على حفصةَ، فقلتُ: أتراجعينَ رسولَ الله وَله.
فقالتْ: نعمْ.
فقلتُ: أتهجرهُ إحداكنَّ اليومَ إلى اللّيلِ.
قالتْ: نعمْ.
قلتُ: قدْ خابَ منْ فعلَ ذلكَ منكنَّ وخسرَ، أفتأمنُ إحداكنَّ أنْ يغضبَ اللهُ عليها
لغضبٍ رَسولِهِ مَّ﴾، فإذا هيَ قدْ هلكتْ؟
لا تراجعي رسولَ اللهِوَّهَ، ولا تسأليهِ شيئاً، وسليني ما بدا لكِ، ولا يغرّنّكِ أنْ كانتْ
جارتكِ هيَ أوسمَ، وأحبَّ إلى رسولِ الله ◌َلال منكِ، يريدُ عائشةَ.
قالَ: وكانَ لي جارٌّ منَ الأنصارِ فكنّا نتناوبُ النّزولَ إلى رسولِ الله ◌َِّ، فِينزلُ يوماً،
وأنزلُ يوماً، فيأتيني بخبرِ الوحي وغيرهِ، وآتيهِ بمثلِ ذلكَ، وكنّا نتحدّثُ أنَّ غسّانَ تنعلُ
الخيلَ لتغزونا.
فنزلَ صاحبي، ثمَّ أتاني عشاءً، فضربَ بابي ثمَّ ناداني، فخرجتُ إليهِ فقالَ: حدثَ أمرٌ
عظیمٌ.
قلتُ: ماذا؟! أجاءتْ غسّانُ؟
قالَ: لا، بل أعظمُ منْ ذلكَ وأطولُ، طلّقَ النّبِيُّ ◌َّ نساءُهُ.
فقلتُ: قدْ خابتْ حفصةُ وخسرتْ، قدْ كنتُ أظنُّ هذا كائناً.
حتّى إذا صلّيتُ الصّبحَ شددتُ عليَّ ثيابي، ثمَّ نزلتُ، فدخلتُ على حفصةً وهي تبكي.
فقلتُ: أطلّقكنَّ رسولُ الله ◌ِ؟
فقالتْ: لا أدري، ها هوَ ذا معتزلٌ في هذهِ المشربةِ.

١٠٥
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
فأتيتُ غلاماً لهُ أسودَ فقلتُ: استأذنْ لعمرَ.
فدخلَ ثمَّ خرجَ إليَّ فقالَ: قدْ ذكرتكَ لهُ فصمتَ.
فانطلقتُ حتّى انتهيتُ إلى المنبرِ، فجلستُ، فإذا عندهُ رهطٌ جلوسُ يبكي بعضهمْ،
فجلستُ قليلاً ثمَّ غلبني ما أجدُ.
ثُمَّ أتيتُ الغلامَ فقلتُ: استأذنْ لعمرَ.
فدخلَ، ثمَّ خرجَ إليَّ، فقالَ: قدْ ذكرتكَ لهُ، فصمتَ.
فولّيتُ مدبراً، فإذا الغلامُ يدعوني، فقالَ: ادخل؛ فقدْ أذنَ لكَ.
فدخلتُ، فسلّمتُ على رسولِ اللهِوَّةٍ، فإذا هوَ متّكىٌّ على رملِ حصيرِ (١)، قدْ أثّرَ في
جنبهِ، متّكىٌّ على وسادةٍ منْ أدمِ حشوها ليفٌ.
فسلّمتُ عليهِ، ثمَّ قلتُ وأنا قائمٌ: طلّقتَ نساءكَ؟
فرفعَ رأسهُ إليَّ وقالَ: ((لا)).
فقلتُ: اللهُ أكبرُ.
ثمَّ قلتُ وأنا قائمٌ أستأنسُ (٢): لوْ رأيتنا يا رسولَ الله وكنّا معشر قريشٍ قوماً نغلبُ
النّساءَ، فلما قدمنا المدينةَ؛ وجدنا قوماً تغلبهمْ نساؤهمْ، فطفقَ نساؤنا يتعلّمنَ منْ نسائهمْ،
فتغضّبتُّ على امرأتي يوماً، فإذا هيَ تراجعني، فأنكرتُ أنْ تراجعني.
فقالتْ: ما تنكرُ أنْ أراجعكَ فوالله إنَّ أزواجَ النّبِّ ◌َّ ليراجعنهُ، وتهجرهُ إحداهنَّ اليومَ
إلى اللّيلِ.
فقلتُ: قَدْ خابَ منْ فعلَ ذلكِ منهنَّ وخسرَ، أفتأمنُ إحداهنَّ أنْ يغضبَ اللهُ عليها
لغضبِ رسولِهِ وَلِّ؛ فإذا هيَ قدْ هلكتْ؟
(١) أي: حصير منسوج بالسّعف.
(٢) أي: أقول قولا أستكشف به: هل ينبسط لي أم لا؟

١٠٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فتبسّمَ رسولُ الله ◌َّ.
ثمَّ قلتُ: لوْ رأيتني، ودخلتُ على حفصةَ، فقلتُ: لا يغرّنّكِ أنْ كانتْ جارتكِ هيَ
أوضاً منكِ، وأحبَّ إلى النّبِّ وَِّ منكِ.
فتبسّمَ أخرى.
فجلستُ حينَ رأيتهُ تبسّمَ.
فقلتُ: أستأنسُ يا رسولَ الله.
قالَ: ((نعمْ)).
فلمْ أزل أحدّثهُ حتّى تحسّرَ الغضبُ عنْ وجهه، وحتّى كشّرَ فضحكَ، وكانَ منْ أحسن
النّاس ثغراً وَلِ.
فجلستُ، فرفعتُ رأسي في البيتِ، فوالله ما رأيتُ فيهِ شيئاً يردُّ البصرَ إلّا أهباً (١) ثلاثةً.
فقلتُ: ادعُ اللهَ يا رسولَ الله أنْ يوسّعَ على أمّتكَ فقدْ وسّعَ على فارسَ والرّومِ، وهُمْ لا
يعبدونَ اللهَ.
فاستوى جالساً ثمَّ قالَ: «أفي شكٍّ أنتَ يا ابنَ الخطّابِ؟ أولئكَ قومٌ عجّلتْ لهمْ طيّاتهمْ
في الحیاةِ الدّنيا».
فقلتُ: استغفرْ لي يا رسولَ الله.
وكانَ أقسمَ أنْ لا يدخلَ عليهنَّ شهراً منْ شدّةٍ موجدتِهِ عليهنَّ حتّى عاتبهُ اللهُ عَّوَجَلَ (٢).
وعن أنس بن مالكٍ رَّعَنْهُ قالَ: آلى رسولُ الله ◌َِّ مِنْ نسائِهِ، فأقامَ في مشربةٍ تسعاً
وعشرينَ ليلةً، ثمَّ نزلَ.
فقالوا: يا رسولَ الله آليتَ شهراً.
(١) جمع إهاب، وهوَ الجلد قبل الدّباغ
(٢) رواه البخاري [٢٤٦٨]، ومسلم [١٤٧٩].

١٠٧
الباب الثاني: تعامل النبي صَّالَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
فقالَ: ((إنَّ الشّهرَ يكونُ تسعاً وعشرينَ))(١).
(آلى)) قال النووي: «ومعناهُ: حلفَ لا يدخل عليهنَّ شهراً، وليسَ هوَ منَ الإيلاء
المعروف في اصطلاح الفقهاء، ولا لهُ حکمه.
وأصل الإيلاء في اللّغة: الحلف على الشّيء، وصارَ في عرف الفقهاء مختصّاً بالحلفِ على
الامتناع منْ وطء الزّوجة))(٢).
ومن الدروسِ المستفادةِ من قصةِ اعتزالِ النبيِّ ◌َّ نساءهُ: أن أسلوبَ الهجرِ من أسالیبِ
معالجة المشكلاتِ الزوجيّة.
فقد استعملَ رسولُ اللهِوَّ هذا الأسلوبَ حيثُ أقسمَ أنْ لا يدخلَ عليهنَّ شهراً منْ
شدّةِ موجدتِهِ علیھنَّ.
والهجرُ عقوبةٌ نفسيّةٌ بالغةٌ، وهو منْ أبلغ العقوباتِ للزوجةِ، والهجرُ إما أن يكونَ في
المضجعِ وهو أشدُّ، وإما أن يكونَ خارجَ البيتِ، ومن رحمةِ النبيِّ وَّ بأزواجه أنه هجرهنَّ
خارجَ البيتِ.
من فوائد الحديث:
فيه: دخولُ الآباءِ على البناتِ ولوْ كانَ بغيرِ إذن الزّوجِ، والتّنقيبُ عنْ أحوالهنَّ لا سيّما
ما يتعلّقُ بالمتزوّجاتِ.
وفيهِ: تأديبُ الرّجلِ ابنتهُ وقرابتهُ بالقولِ؛ لأجلِ إصلاحها لزوجها.
وفيهِ: الصّبرُ على الزّوجاتِ، والإغضاءُ عنْ خطابهنَّ، والصّفحُ عّ يقع منهنَّ منْ زلل في
حقِّ المرء دون ما يكون منْ حقّ الله تعالى.
وفيهِ: أنَّ شدّةَ الوطأة على النّساء مذمومٌ؛ لأنَّ النّبِيَّ ◌َّ أَخذَ بسيرةِ الأنصار في نسائهمْ،
وترك سيرة قومه.
(١) رواه البخاري [١٩١١].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [٨٨/١٠].

١٠٨
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفيهِ: مشروعيّة الاستئذان على الإنسان وإنْ كانَ وحده؛ لاحتمالِ أنْ يكون على حالة
يكره الاطّلاع عليها.
وفيهِ: أنَّ المرءَ إذا رأى صاحبه مهموماً استحبَّ لهُ أنْ يحدّثهُ بما يزيلُ همّهُ، ويطيّبُ نفسهُ،
لقولِ عمر: (لأقولنّ شيئاً يضحكُ النّبِيّ ◌َ)(١).
(١) فتح الباري [٩/ ٢٩١].

١٠٩
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله
تعامل النبي وعَاللَّ مع أبنائه وبناته
كان النبيّ وَ ل﴿ أَبرّ الناس بأهله، وأشدّهم صلةً بذویه، ویتجلّ ذلك في تعامله ێ مع
أولاده؛ وما يبذله لهم من الرعايةِ، وحسن الإعالةِ.
وقد رزقَ وَلِّ عدداً من البنين والبنات:
فمن البنين ثلاثة؛ وهم: القاسمُ، وعبدُ الله، وإبراهيمُ.
وأما الطيب، والطاهر؛ فالصحيح أنهما لقبان لعبد الله(١).
وهؤلاء البنونَ وافتهمُ المنيّةُ وهم في سنِّ الطفولةِ.
فالقاسمُ: ماتَ بمكةَ؛ وهو ابنُ سنتينِ وأشهرٍ، وبه كان يكنى، وأمّه خديجةُ بنتُ خويلدٍ.
وعبدُ الله: ولدَ بعد النبوّةِ، وماتَ بمكةَ، وهو من خديجةَ.
وأمّا إِبراهيمٌ: فأمّهُ ماريةُ القبطيةُ، ولدَ بالمدينةِ في ذي الحجّةِ، سنةَ ثمانٍ، وماتَ بها سنةً
عشٍ، وهو ابنُ سبعةَ عشرَ شهراً؛ أو ثمانيةَ عشرَ شهراً.
وأما البناتُ؛ فرزقهُ الله أربعَ بناتٍ؛ هن: زينبُ، ورقيّةُ، وأمُّ كلثوم، وفاطمةٌ رَ عَنْظُنَ،
وهؤلاءِ البناتُ من أمِّ واحدةٍ، وهي خديجةٌ رَّعَنْهَا.
أما زينبُ: فهي أوّلُ من ولد من البناتِ، تزوّجها أبو العاصِ بنُ الرّبيع.
وأما رقية: فهي البنتُ الثانيةُ من بناتِ النّبِّ ◌َّ، وقد كانَ تَزّوجَ بها قبلَ الإسلامِ عتبةُ بنُ
أبي لهبٍ، وطلّقها ولم يكنْ دخلَ بها، ثم تزوّجها عثمانُ بنُ عفانَ رَتَللعنه، وهاجرت معه إلى
أرضِ الحبشةِ، الهجرتين جميعاً.
(١) انظر: زاد المعاد [١٠١/١].

١١٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مرضتْ ورسولُ الله يتجهّزُ إلى بدرٍ، فخلّفَ عليها رسولُ الله عثمانَ بن عفان، فتوقّيتْ
ورسولُ الله ببدرٍ في شهرِ رمضانَ.
وأمّا أمُّ كلثوم: فهي البنتُ الثالثةُ من بناتِ النبيِّ ◌َّةِ، تزوّجها عثمانُ بنُ عفّانَ بعد أختها
رقيةً، وماتتْ عندَهُ.
وأمّا فاطمةُ: فهي آخرُ بناتِ النبيِّهِ، وأحبّهنَّ إليهِ، ولدتْ سنةَ إحدى وأربعينَ من
مولده، وماتتْ بعده بستةِ أشهرٍ، وقد تزوّجها عليٌّ بنُ أبي طالبٍ رَ عَنْهُ.
فهؤلاء أولاد النبي وَّ.
كان ◌َّ يختار لهم الأسماء الحسنة:
ءِ
الناظر في أسماء أولاد النبي ◌َّ؛ يجدها كلها أسماء حسنةً جميلة، وقد كان النبي ◌َّ يحثّ
على الأسماء الحسنة، ويغيّرُ الأسماء القبيحة.
قال سفيان الثوري رَحِمَةُاللّهُ: ((كان يقال حق الولد على والده أن يحسن اسمه وأن يزوجه
إذا بلغ وأن يحججه وأن يحسن أدبه))(١).
وسمّی ابنه إبراهیم یوم ولادته:
عن أنس بن مالك رَّ ◌َنهُ قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: «ولدَ لي اللّيلةَ غلامٌ، فسمّيتُهُ باسمِ
أبي إبراهيمٍ .. ))(٢).
هديه ◌َاللّ في التعامل مع أبنائه، وبناته:
لقد رزقَ النبيُّ ◌َّ بأربع بناتٍ؛ وهن اللاتي عشنَ من بين أولاده، أمّا الذكورُ فقد توفّوا
وهم صغارٌ.
وكان مَّه يُحِبّهنَّ، ويكرمهنَّ، ويحتفي بهنَّ، وفي هذا درسٌ لمن رزقَ البناتِ وإن كثرَ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب العيال [١٧١].
(٢) رواه مسلم [٢٣١٥].

١١١
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله
عددهنَّ، عليه أن يظهرَ الفرحَ، والسرورَ، ويشكر الله سبحانه وتعالى على ما وهبه من
الذّرّية، وأن يعزم على حسنٍ تربيتهنَّ، وتأديبهن.
وقد قال رَّ: ((منِ ابتليَ منَ البناتِ بشيءٍ، فأحسنَ إليهنَّ؛ كنَّ لهُ ستراً منَ النّارِ))(١).
ومعنى الابتلاء هنا: الاختبار؛ أي: من اختبرَ بشيءٍ من البناتِ؛ لينظرَ ما يفعلُ، أيحسنُ
إليهن، أو يسيءُ؟ فمن أحسنَ إليهن؛ كن له ستراً من النارِ يومَ القيامة، يعني أن الله يحجبه
عن النار بإحسانه إلى البناتِ؛ لأن البنتَ ضعيفٌ، تحتاجُ إلى مزيد رعايةٍ وعنايةٍ.
ومن واجبِ الأبِ أن يزوّجَ ابنته الكفء من الرجال؛ صاحبَ الدينِ والخلق.
وقد زوّج النبي ◌َّل جميع بناته من خيرة الرجال.
فزوّج زينبَ رَتْهَا من أبي العاصِ بن الربيعِ القرشيِّ رَ عَنْهُ، وهو ابنُ خالتها هالةَ بنتِ
خويلٍ؛ وأبو العاصِ كانَ من رجالٍ مكةَ المعدودين؛ مالاً، وأمانةً، وتجارةً.
وكان قد فرّقَ الإِسلامُ بينَ زينبَ بنتِ رسولِ الله ◌ِّهِ، وبينَ أبي العاصِ بنِ الربيع؛ إلا أن
رسولَ الله ◌َّه كانَ لا يقدرِ على التفريقِ بينهما، فأقامتْ معه على إسلامها، وهو على شركه،
حتى هاجرَ رسولُ اللهِوَلَه إلى المدينةِ، وهي مقيمةٌ معه بمكةَ، لا يستطيع رسول الله ◌َّ أن
یستنقذها.
فلما سارتْ قريشٌ إلى بدرٍ سارَ معهم أبو العاص بنُ الربيعِ، فأصيبَ في الأسارى.
عنْ عائشةَ قالتْ: لمّا بعثَ أهلُ مكّةَ في فداءِ أسراهمْ؛ بعثتْ زينبُ في فداءِ أبي العاصِبمالٍ،
وبعثتْ فيهِ بقلادةٍ لها كانتْ عندَ خديجةَ، أدخلتها بها على أبي العاصِ.
فلّا رآها رسولُ الله ◌َّ؛ رقَّ لها رقّةً شديدةً.
وقالَ: ((إنْ رأيتمْ أنْ تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا عليها الّذي لها)).
فقالوا: نعمْ.
(١) رواه البخاري [٥٩٩٥]، ومسلم [٢٦٢٩] عن عائشة رَّعَنْهَا.

١١٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكانَ رسولُ اللهِوَّه أَخَذَ عليهِ أنْ يخلَّّ سبيلَ زينبَ إليهِ، وبعثَ رسولُ اللهِوَزِيدَ بنَ حارثةَ،
ورجلاً منْ الأنصارِ، فقال: ((كونا ببطنِ يأججَ حتّى تمرَّ بكما زينبُ، فتصحباها حتّى تأتيا بها))(١).
وقد أثنى النبي ◌َّ- على أبي العاص بنِ الربيع في مصاهرته خيراً، وقال: ((حدّثني
فصدقني؛ ووعدني فوقی لي)»(٢).
و کان قد وعدَ النبيّ (ێ ان یرجعَ إلی مکةَ بعد وقعةِ بدٍ، فیبعثَ إلیه بزینبَ ابنته، فوفی
بوعده، وفارقها مع شدةِ حبّه لها.
وزوّج النبيُّ نَّه رقيّةَ من عثمانَ بن عفانَ رَنهُ الخليفة الراشدَ، وكان من أبرزِ أخلاقه
وأشدّها تمكّناً من نفسه خلقُ الحياءِ، الذي تأصّلَ في كيانه، وكانَ النبيُّ ◌َلّ يحبه كثيراً،
ویوقّره، وقد بشّره بالجنةِ.
فلما توفّيتْ رقيةٌ رََّنه؛ زوّجُهُ النبيُّ ◌َّه بأختها أمّ كلثوم، وتوفّيت عنده.
وزوّج فاطمةَ رَفْعَنْها من عليٍّ بنِ أبي طالبٍ رَ عَهُ ابنِ عمه، وكان أولَ من آمن
برسول الله ◌َّه من الصبيانِ، وكان قد تربّى في حجره ◌َ لِّ قبلَ الإسلامِ، ولم يزلْ عليٌّ معَ
رسول الله وَّ حتى بعثه الله نبيّاً، وكان النبيُّ وَّه يحبّه، ويقرّبه، وقد بشّره بالجنة.
وكان النبي ◌َّل يشاور بناته في زواجهن:
فعن عطاء بن أبي رباح، قال: لّ خطبَ عليٌّ فاطمةَ رَّعَنْهَ، أتاها رسولُ الله ◌َّهِ، فقالَ:
((إنَّ عليّاً قدْ ذكركِ)). فسكتتْ، فخرجَ فزوّجها(٣).
وفي هذا أنه مَ ◌ّه اعتبر سكوتها رضاً بالزوجِ؛ وقد قال رَّ: ((لا تنكحُ البكرُ حتّى تستأذنَ)).
قالوا: يا رسولَ الله، و کیفَ إذنها؟
قالَ: ((أنْ تسكتَ)) (٤).
(١) رواه أبو داود [٢٦٩٢]، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود [٢٦٩٢].
(٢) رواه البخاري [٣١١٠]، ومسلم [٢٤٤٩] عن المسور بن مخرمة رَضْ لَّهُ عَنْهُ.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات [٨/ ٢٠]، وهو مرسل صحيح الإسناد.
(٤) رواه البخاري [٥١٣٦] ومسلم [١٤١٩] عن أبي هريرة رَُّ عَنْهُ.

١١٣
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومن حوله
فالبنتُ أمانةٌ في بيتِ والدها، ولا يحلُّ لوليّها أن يعقدَ لها على رجلٍ لا تريده.
و کان ګ لا یغالي في مھور بناته:
وقد زوّج النبي ◌ِّ بناته على اليسيرِ من الصداقِ.
فعنِ ابنِ عبّاسٍ رَنْهَا أنَّ عليّاً قال: تزوّجتُّ فاطمةَ رَّعَنْهَا.
فقلتُ: يا رسولَ الله ابنِ بي.
قالَ: ((أعطها شيئاً)).
قلتُ: ما عندي منْ شيءٍ.
قالَ: «فأينَ درعكَ الحطميَّةُ؟».
قلتُ: هي عندي.
قالَ: ((فأعطها إِيّاهُ))(١).
فهذا هو صداقُ بنتِ رسول الله ◌َّه وأصغرِ بناته، سيدة نساء أهل الجنة: درعٌ حطميّة.
(الحطميّة) نسبة إلى بطن من عبد القيس يقال لهم حطمة بن محارب كانوا يعملون
الدروع، وقيل: هيَ الّتي تحطّم السّيوف أيْ تكسّرها (٢).
وما يفعله بعضُ الناسِ في زماننا من التغالي في المهورِ، ليس من هدي رسول الله ێ، فلو
كانتِ المغالاةُ بمهورِ النساءِ مكرمةً؛ لسبق إليها رسولُ الله ◌ِّ . .
جهازه لابنته:
وعن علي بن أبي طالب رَّعَنْهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَ لَّا زوّجهُ فاطمةَ؛ بعثَ معها بخميلةٍ،
ووسادةٍ منْ أدِمِ(٣) حشوها ليفٌ، ورحيين، وسقاءٍ، وجرّتِين (٤).
(١) رواه أبو داود [٢١٢٥]، والنسائي [٣٣٧٥]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [١٨٤٩].
(٢) النهاية [١/ ٩٩٤].
(٣) أي: جلد.
(٤) رواه أحمد [٨٢١]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب [٣٣٠١].

١١٤
تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الخميلة: القطيفة، وهي كل ثوب له خمل من أيّ شيء كان (١).
من فوائد الحدیث:
استحبابُ التيسير في أمورِ الزواج؛ وأن يكونَ قدرَ الاستطاعةِ؛ فلا یتكلّفُ الزوجُ أو
الزوجةُ فوق طاقتها في تجهيزِ بيتِ الزوجيّةِ.
وخصّصَ لهما الرسولُ وَلِّ حجرةً خلفَ بيتٍ أم المؤمنين عائشةَ من جهة الشمال مقابل
بابٍ جبريلَ، وكان فيه خوخةٌ على بيتِ النبيِّ عليه الصلاة السلام يطلّ منها عليهما.
وفيه أيضاً: أنه ينبغي لوالد العروس أن يساهم في تكاليف الزواج، ولا يقول: كل
شيء على الزوج، والزوج اليومَ غالباً شاب حديث التخرّج، أو حديث التوظّف، وراتبه
بسيط، فيحتاج إلى المساعدة، والأب غالباً ما يكون أقدم في الوظيفة أو يكون تاجراً
ميسوراً، ونحو ذلك، فينبغي أن يساعد زوج ابنته، ولو في الأثاث وأدوات المطبخ كما
في هذا الحديث.
وكذلك وليمةُ زواج ابنته ◌َل كانت يسيرة.
عنْ بريدةَ قالَ: لَّا خطبَ عليٍّ فاطمةَ رضيَ الله تعالى عنهما، قالَ رسولُ اللهِوَهُ: ((إنّهُ لا
بدَّ للعرسِ منْ وليمةٍ)).
فقالَ سعدٌ: عليَّ كبشٌ، وقالَ فلانٌ: عليَّ كذا وكذا منْ ذرةٍ (٢).
والوليمةُ هي الطعامُ المتّخذُ للعرسِ، مشتقّةٌ من الولم، وهو الجمعُ؛ لأن الزوجين
يجتمعان(٣). وهي مستحبّةٌ عند جمهورِ العلماءِ.
والأفضلُ فعلُ وليمةِ النكاحِ بعد الدخولِ اقتداءً بالنبي ◌ِّ، ولا حرجَ من فعلها قبلَ
الدخولِ، أو عند العقدِ، أو بعده.
(١) النهاية [١٥٣/٢].
(٢) رواه أحمد [٢٢٥٢٦]، وقال ابن حجر في الفتح: ((وسنده لا بأس بهِ))، وحسنه الألباني في آداب الزفاف [١/ ٧٣].
(٣) ينظر: لسان العرب [٦٤٣/١٢].

١١٥
الباب الثاني: تعامل النبي صَ لُّ عَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله
والأمر في هذا واسعٌ، ومراعاة الإنسانِ ما جرى عليه عملُ أهلِ بلده أولى؛ لعدم وجود
نصّ شرعيٍّ يدلُّ على إيجابٍ أو استحبابٍ فعلها في وقت محدّدٍ.
دعاؤه لفاطمة وعلي عند الزواج:
فلما كانت ليلةُ البناءِ، قال النبي ◌ِّ لعلي: ((لا تحدثْ شيئاً حتّى تلقاني)).
فدعا رسولُ الله ◌َّه بماءٍ فتوضأَ فيهِ، ثم أفرغهُ على عليٍّ؛ فقال: «اللهمَّ باركْ فيهما، وباركْ
لهما في بنائهما))(١).
وفي الحديث: استحبابُ الدعاءِ بالبركة للزوجين، وقد دعا النبيُّ ◌َِّ لعبد الرحمن بن
عوف؛ فقال: ((باركَ الله لكَ))(٢).
رعاية النبي مَلّ لبناته بعد الزواج:
ولم تتوقّفْ رعايةُ النبيِّ ◌َل﴾ لبناته عند زواجهنَّ؛ بل استمرّت حتى بعد الزواج، فلم
يكن يشغله وَالّ عن بناته رَوَ عَنْظُنَّ شاغُلٌ؛ بل كان يفكّرُ بحالهنّ وهو في أصعبِ الظروفِ،
فعندما أراد النبيُّ وََّ الخروجَ لبدٍ؛ لملاقاةِ قريش، وصناديدها؛ كانت رقيةٌ رَّعَتِهَا مريضةً.
فأمر النبي ◌َّزوجها عثمانَ بن عفانَ رَّعَنهُ أن يتخلّفَ عن غزوةٍ بدرٍ، ويبقى في المدينة؛
ليمرّضها، وضربَ له بسهمه في مغانم بدرٍ، وأجره عند الله يومَ القيامة.
عنِ ابن عمر رَعَّهُ أنه قال لمن غمزَ في عثمانَ؛ لتغيّبه عن غزوة بدر: أمّا تغيّهُ عنْ بدرٍ؛
فإنّهُ كانَ تحتَهُ بنتُ رسولِ الله ◌َّهِ، وكانتْ مريضةً، فقالَ لهُ النّبِيُّ وََّ: ((إنَّ لكَ أجرَ رجلٍ
ممّنْ شهدَ بدراً، وسهمهُ))(٣).
وكان ◌َّه لا يتدخّل في الخلافات اليسيرة التي قد تحدث بينهن وبين أزواجهن:
عنْ سهلِ بنِ سعدٍ قالَ: جاءَ رسولُ الله ◌َّه بيتَ فاطمةَ؛ فلمْ يجدْ عليّاً في البيتِ.
(١) رواه الطبراني في الكبير [١١٥٣] وحسنه الألباني في آداب الزفاف [١/ ١٠١].
(٢) رواه البخاري [٥١٥٥]، ومسلم [١٤٢٧] عن أنس بن مالك رَّ عَنْهُ.
(٣) رواه البخاري [٣١٣٠]

١١٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ: ((أينَ ابنُ عمّكِ؟)).
قالتْ: كانَ بيني وبينهُ شيءٌ؛ فغاضبني، فخرجَ فلمْ يقلْ عندي(١).
فقالَ رسولُ اللهِ وَّه لإنسانٍ: ((انظرْ أينَ هوَ؟)).
فجاءَ فقالَ: يا رسولَ الله! هوَ في المسجدِ راقدٌ.
فجاءَ رسولُ الله ◌َّه وهوَ مضطجعٌ، قدْ سقطَ رداؤهُ عنْ شقّهِ، وأصابهُ ترابٌ.
فجعلَ رسولُ الله ◌َّ يمسحهُ عنهُ، ويقولُ: ((قمْ أبا ترابٍ، قمْ أبا ترابٍ!) (٢).
قال ابن حجر: ((وفي الحديث منْ الفوائد ... مدارة الصّهر، وتسكينه منْ غضبه))(٣).
فمن الملاحظ: أن النبي ◌َّه لم يستفسرْ من فاطمةَ عن الخلافِ الذي حصلَ بينها وبين
زوجها، ولم يطلبْ منها أن تسرد له سببَ المغاضبة التي حصلت بينهما، بل تغاضى عن
ذلك، وذهب إلى عليٍّ یسترضیه.
فكثيراً ما يكون تدخّل الأهل في المشاكل التي تحدث بين الزوجين سبباً لزيادتها
وتفاقمها.
وفيه: كرمُ خلقِ النبي ◌َّ؛ لأنه توجّه نحو عليٍّ؛ ليترضّاه، ومسح الترابَ عن ظهره؛
ليبسطهُ، وداعبه بالكنية المذكورة؛ ليؤنسه، ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته مع رفيعٍ منزلتها
عنده، ولم يراجعْ علياً في هذا الأمر، وهذا من حكمته گالات.
فيؤخذُ منه: استحبابُ الرفقِ بالأصهارِ، وتسكينِ غضبهم، وتركِ معاتبتهم إبقاءً
لمودّتهم.
قال ابن بطال: ((وفيه: أن أهل الفضلِ قد يقعُ بين الكبيرِ منهم وبين زوجته ما طبع عليه
البشرُ من الغضب، وقد يدعوه ذلك إلى الخروج من بيته ولا يعاب عليه.
(١) منْ القيلولة وهوَ نوم نصف النّهار.
(٢) رواه البخاري [٤٤١]، ومسلم [٢٤٠٩].
(٣) فتح الباري [١/ ٥٣٦].

١١٧
الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله
ويحتملُ أن يكون سببُ خروج عليّ خشيةَ أن يبدو منه في حالة الغضبِ ما لا يليقُ بجناب
فاطمةَ رَّعَنْهَا، فحسم مادّة الكلام بذلك إلى أن تسكنَ فورةُ الغضبِ من كل منهما))(١).
يستفاد كذلك من هذا الخبر أن الزوجَ يحسنُ منه تركُ البيت إذا أحسَّ أن حدّة النقاش
قد تؤدي إلى المزيد من المشاكل الأسرية.
كما أن مغادرة البيت في هذه الحالة قد يحدث معه شيءٌ من مراجعة النفس، واكتشافٍ
الأخطاءِ، وذلك ما قد يتعذّرُ في وجود الطرف الآخرِ.
ولم تخرجْ فاطمةٌ رََّتْها من بيت الزوجية، بل بقيتْ في بيتها، وهذا مما يهون من المشكلةَ
وأثرها، بخلاف ما لو خرجت إلى بيتٍ أبيها.
والواجبُ على الأهلِ أن يكونَ لهم دور فعّال في التوجيه، والنصيحةِ، وتصبير الزوجة،
وتوصیتها بحسن معاملةِ زوجها.
وإذا زارته إحدى بناته؛ أحسنَ استقبالها، واحتفى بقدومها:
عنْ عائشةَ رََّ عَنْهَ، قالتْ: ما رأيتُ أحداً أشبهَ سمتاً (٢)، ودلَّاً (٣)، وهدياً برسولِ الله في
قيامها، وقعودها منْ فاطمةَ بنتِ رسولِ الله وَّةٍ.
قالتْ: وكانتْ إذا دخلتْ على النّبِّ وَّةِ؛ قامَ إليها، فقبّلها، وأجلسها في مجلسهِ.
وكانَ النّبِيُّ ◌َّه إذا دخلَ عليها؛ قامتْ منْ مجلسها، فقبّلتُهُ، وأجلستهُ في مجلسها (٤).
وفي روايةٍ أبي داودَ: ((فأخذَ بيدها، وقبّلها)).
((فأخذ بيدها)»: أيْ تكريماً لها.
(١) فتح الباري [٥٨٨/١٠]
(٢) أي: في حسن هيئته ومنظره في الدّين وليس من الحسن والجمال. النهاية [٢/ ٩٨٨]
(٣) الدلُّ: الحالة التي يكونُ عليها الإنسانُ من السّكينة والوقار وحسن السّيرة والطّريقة واستقامةِ المنظر والهيئة. النهاية
[٣١٥/٢]
(٤) رواه أبو داود [٥٢١٧] والترمذي [٣٨٧٢]، وصححه الألباني.

١١٨
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وعنْ عائشةَ رَتها قالتْ: أقبلتْ فاطمةُ تمشي كأنَّ مشيتها مشيُ النّبِيِّ ◌َِّ، فقالَ
النّبِيُّ ◌َِّ: ((مرحباً بابنتي))، ثمَّ أجلسها، عنْ يمينِهِ، أوْ عنْ شمالِهِ .. الحديث(١).
وفي هذا الحديث: مكانةً فاطمةَ رَعَنْهَا من النبيِِّ؛ وشدةُ حبّه لها.
وفيه: احتفاؤه وَ له بها إذا لقيها.
فأين هذه المشاعرُ الشفافةُ من أولئك القساة، الذين يظنّون أن العبوس، والتجهّم من
علاماتِ الرجولةِ والقوامةِ مع الأبناءِ، ومع البناتِ خاصّةً؟!
وكان يربّ بناته على التقلّل من الدنيا، ويحثّهنَّ على الصدقة:
عنْ عبدِ الله بنِ عمَرَ رَعَنْهَا: أنَّ رسولَ الله وَّ أتى فاطمةَ رَعَنْهَا، فوجدَ على بابها ستراً،
فلمْ يدخل.
وقلّما كانَ يدخلُ، إلّا بدأَ بها.
فجاءَ علِيٌّ رَ عَنْهُ، فرآها مهتمّةً، فقالَ: ما لكِ؟
قالتْ: جاءَ النّبُّ پڼ إليّ، فلمْ يدخل.
فأتاهُ علِيٌّ ◌َ عَنْهُ، فقالَ: يا رسولَ الله إنَّ فاطمةَ اشتدَّ عليها أنّكَ جئتها، فلمْ تدخل
علیها.
قالَ: ((ما أنا والدّنيا، وما أنا والرّقمَ، إنّ رأيتُ على بابها ستراً موشيّا) (٢).
فذهبَ إلى فاطمةَ فأخبرها بقولِ رسولِ اللهِ وََّ، فقالتْ: قلْ لرسولِ الله وَّ: ليأمرني
فیهِ بما شاءَ.
فقالَ: ((قلْ لها، فلترسلْ بهِ إلى بني فلانٍ، أهلِ بيتٍ بهمْ حاجةٌ)) (٣).
(١) رواه البخاري [٣٦٢٤]، ومسلم [٢٤٥٠].
(٢) وهو المخطط بألوان شتى، والرقم: النّقش والوشي.
(٣) رواه البخاري [٢٦١٣] وأبو داود [٤١٤٩].

١١٩
الباب الثاني: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومَن حوله
قالَ المهلّب وغيره: ((كرهَ النّبِيّ ◌ََّ لابنتهِ ما كرهَ لنفسهِ منْ تعجيلِ الطّاتِ في الدّنيا لا
أنَّ سترَ الباب حرامٌ. وهوَ نظيرُ قولِهِ لها لَّا سألتهُ خادماً: ((ألا أدّك على خيرٍ منْ ذلكَ؟))
فعلّمها الذّكرَ عندَ النّومِ)) (١).
ویرشدهنَّ إلى الأفضل في أمور معاشهن، ومعادهن:
عَنْ عليٍّ رَّ ◌َنهُ، أَنَّ فاطمةَ رَ عَنْهَا، شكتْ ما تلقى في يدها منَ الرّحى، فأتتِ النّبِيَّ وَّ
تسألهُ خادماً (أيْ جارية تخدمها).
فلمْ تجدهُ، فذكرتْ ذلكَ لعائشةً.
فلمّا جاءَ أخبرتهُ.
قالَ: فجاءنا، وقدْ أخذنا مضاجعنا، فذهبنا لنقومَ.
فقالَ: ((على مكانكما))، فجلسَ بيننا حتّى وجدتُ بردَ قدميه على صدري(٢).
فقالَ: ((ألا أدلّكما على ما هوَ خيرٌ لكما منْ خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما، أوْ أخذتما
مضاجعكما، فكبّرا أربعاً وثلاثينَ، وسبّحا ثلاثاً وثلاثينَ، واحمدا ثلاثاً وثلاثينَ، فهذا خيرٌ
لكما منْ خادمِ))(٣).
وسببُ عدم إعطاءِ النبيِّ وَّ خادماً لهما؛ أنه اختار أن يوسّع على فقراء الصّفّة بما قدمَ
عليهِ؛ ورأى لأهلهِ الصّبرَ، بما لهمْ في ذلكَ منْ مزيد الثّواب.
وفيه: بيانُ إظهارِ غاية التعطّفِ والشفقةِ على البنتِ والصهرِ، ونهاية الاتحادِ برفع
الحشمةِ والحجابِ، حيث لم يزعجهما عن مكانهما؛ فتركهما على حالة اضطجاعهما، وبالغَ
حتى أدخلَ رجله بينهما، ومكث بينهما حتى علّمهما ما هو الأولى بحالهما من الذّكرِ، عوضاً
عما طلباهُ من الخادمِ.
(١) فتح الباري [٢٢٩/٥].
(٢) يحمل على أنّهُ فعلَ ذلكَ مبالغة منهُ في التّأنيس.
(٣) رواه البخاري [٣٧٠٥] ومسلم [٢٧٢٧].