النص المفهرس
صفحات 61-80
٦٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يهوديٍّ، فقالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: « إنّكِ لابنةُ نبِيٍّ، وإنَّ عمّكِ لنبيٌّ، وإنّكِ لتحتَ نبيٌّ، ففيمَ تفخرُ علیك؟))(١). ((وإنّك لابنةُ نبيٍّ)) أيْ: هارونُ بنُ عمرانَ عَيْهِالسَلَامُ، ((وإنَّ عمّك لنبيٌّ)) أيْ: موسى ابنُ عمر انَ عَلَيْهِالسَّلَامُ(٢). بل كان يواسي زوجته إن رآها حزينةً أو مريضةً: فعندما حاضتْ عائشةُ وهي في الحجِّ دخلَ عليها وهي تبكي، فقالَ: «ما لكِ أنفستِ؟»، قالت: نعمْ، قالَ: ((إنَّ هذا أمرٌ كتبهُ اللهُ على بناتِ آدمَ، فاقضي ما يقضي الحاجُّ غيرَ أنْ لا تطوفي بالبیتٍ .. )). فلما قضيتُ الحجَّ، أمرَ عبدَ الرّحمنِ، فأعمرني منَ التّنعيمِ، مكانَ عمرتي الّتي نسكتُ(٣). ومن الأمورِ التي ينبغي على الأزواج أن يراعوها مع زوجاتهم: ما تتعرّض له زوجاتهم من تغيّرِ لطباعهنَّ؛ بسببِ الحيضِ والنفاسِ والولادةِ، وما يحدثُ لهنَّ من تعبٍ، وضيقِ، وألمٍ. بل عندما يستشعرُ الزوجُ هذه الحالاتِ ويقدّرها لزوجته؛ فإن الزوجةَ تكونُ مدينةً له بذلكَ الجميلِ. وإذا مرضتْ زوجته وَلّ رقاها، ومسح بيده الحانية عليها: عن عائشةَ رَعَنْهَا أَنَّ النّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يعوّذُ بعضَ أهلِهِ يمسحُ بيدِهِ اليمنى(٤)، ويقولُ: ((اللهمَّ ربَّ النّاسِ، أذهبْ الباسَ، اشفهِ وأنتَ الشّافي، لا شفاءَ إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادرُ سقاً))(٥). (١) رواه الترمذي [٣٨٢٩]، وصححه الألباني في صحيح الترمذي [٣٠٥٥]. (٢) تحفة الأحوذي [١٠ / ٢٦٨]. (٣) رواه البخاري [٣١٦]، ومسلم [١٢١١]. (٤) أي: تفاؤلا بزوال الوجع، مع ما فيه من حنان وعطف (٥) رواه البخاري [٥٧٤٣]، ومسلم [٢١٩١]. ٦١ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَهُ عَيْهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومَن حوله فالزوجُ إذا تلمّس مواضعَ الألم من زوجته وحنا عليها، ووضعَ يده على مكانِ الألم من زوجته؛ كان لذلك عظيمُ الأثرِ في نفسِ المرأةِ وإن لمْ يذهبِ الأَلمُ، وإن بقيَ الداءُ، لكنّها تشعرُ أنه يحسُ بها، وبآلامها. وقد عابتْ إحدى النساء زوجها - كما في قصةِ حديثٍ أمِّ زرع- بقولها: ((ولا یولجُ الكفَّ؛ ليعلم البثّ))(١). ((أي: لا يمدُّيده؛ ليعلمَ ما هي عليهِ من الحزنِ فيزيله، ... والمرادُ بالبثِّ الحزنُ، ويطلقُ البثُّ أيضاً على الشكوى، وعلى المرضِ .. فأرادت أنه لا يسألُ عن الأمرِ الذي يقعُ اهتمامها به، فوصفتهُ بقلةِ الشفقةِ عليها))(٢). فهي تعيبه بذلك! فالمواساة بين الزوجين عند حلول کربٍ، أو نزول مرضٍ مطلوبٌ. ولكنَّ بعضَ الأزواجِ لا يراعي هذه الحالاتِ، ويريدُ أن تكونَ المرأةُ صحيحةً سليمةً دائماً، فإذا مرضتْ؛ ذهبَ بها إلى بيتِ أهلها، وتركها حتى تشفى؛ لأنه لا يطيق مجالستها وهي على هذه الحالِ. ومن مواساته وقالا: مسحه لدموع زوجته صفيّة بيده لَّا مرض جملها في طريق السفر. عنْ صفيّةَ بنتِ حِيٍّ ◌َهَا أَنَّ النّبِيّ ◌َّ حِجَّ بنسائِهِ، فلّا كانَ في بعضِ الطّرِيقِ؛ نزلَ رجلٌ، فساقَ بهنَّ، فأسرعَ، فقالَ النّبيُّ ◌َّ: ((كذاكَ سوقكَ بالقواريرِ، يعني النّساءَ))، فبينا هِمْ يسيرونَ بركَ بصفيّةَ بنتِ حييٍّ جملها، وكانتْ منْ أحسنهنَّ ظهراً، فبكتْ، وجاءَ رسولُ اللهِ ﴿ ﴿ه حينَ أخبرَ بذلكَ، فجعلَ يمسحُ دموعها بيدهِ(٣). فمسحُ الدموعِ بيدِ الزوجِ فيه مواساةٌ كبيرةٌ، وتقديرٌ لعواطفٍ ومشاعرِ الزوجةِ، مع أن سببَ البكاءِ أمرٌ هيّنٌّ، إذ بكتْ بسببٍ بروك جملها الذي كان يعدُّ من أحسنِ الجمالِ، ومع ذلك لم يحقّرِ النبيُّ وَِّ مشاعرَ صفيةً وعواطفها. (١) رواه البخاري [٥١٨٩]، ومسلم [٢٤٤٨] عن عائشة رَضَ لَّهُعَنْهَا بطوله. (٢) فتح الباري [٩/ ٢٦٣]. (٣) رواه أحمد [٢٦٣٢٥]، وصححه الألباني في الصحيحة [٣٢٠٥]. ٦٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فالزوجةُ تمرُّ أحيانًا بأزماتٍ، أو مشكلاتٍ، وتحتاجُ إلى تطبيب خاطرها ببسمةٍ حانيةٍ، ونبرةٍ صافيةٍ، تحتاجُ إلى من يخفّفُ عنها ما هي فيه حتى تشعر أنها ليستْ وحدها تواجهُ هذه الأزماتِ والمشكلاتِ. قد تفقدُ المرأةُ قريباً لها - أباً، أمّاً، أخاً - فتحتاجُ إلى من يصبّرها، ويذكّرها بفضيلةِ الصيِ، ويواسيها، ولكن قد يكونُ هذا الخلقُ غائباً عنْ بعضِ الناسِ، فتجده لا يبالي بما تتعرّضُ له زوجته من مصائبَ، ولا بما یقعُ عليها من مشاكلَ. بل قد تجدُ من يحقّرُ مصيبتها، ويسخرُ منها، ويستهزئ بما يحصلُ لها. عنْ أبي هريرةَ رَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ: «اللهمَّ إنّ أحرّجُ حقَّ الضّعيفينِ: اليتيمِ، والمرأةٍ)) (١). ((أحرّج)) أيْ: أضيّق على النّاس في تضييع حقّهما، وأشدّدُ عليهمْ في ذلكَ، والمقصود إشهاده تعالى في تبليغ ذلكَ الحکم إلیھمْ(٢). وقد بلغَ من رفقه ◌َّ بزوجاته، وحسن عشرته لهنَّ: أن ترفع زوجته صوتها عليه فيحتمل ذلك منها. عنِ النّعمانِ بِنِ بشيرٍ رََّنْهَا قالَ: جاءَ أبو بكرٍ يستأذنُ على النّبِّ ◌ََّ، فسمعَ عائشةَ، وهيَ رافعةٌ صوتها على رسولِ الله ◌َّهِ، فأذنَ لهُ فدخلَ، فقالَ: يا ابنةَ أمِّ رومانَ، وتناولها، أترفعينَ صوتكِ على رسولِ الله وَِّ؟! فحالَ النّبِيُّ وَّ بينهُ وبينها، فلمّا خرجَ أبو بكرٍ، جعلَ النّبِيُّ ◌َلَّ يقولُ لها يترضّاها: ((ألا ترينَ أنّي قدْ حلتُ بينَ الرّجلِ وبينكِ))، ثمَّ جاءَ أبو بكرٍ، فاستأذنَ عليهِ، فوجدهُ يضاحكها، فأذنَ لهُ فدخلَ، فقالَ لهُ أبو بكرٍ: يا رسولَ الله أشركاني في سلمكما، كما أشر كتماني في حربكما(٣). بل ربما راجعتهُ إحداهنَّ في الأمر، وهجرته إلى الليل، ويحتمل ذلك منها، كما قالَ (١) رواه ابن ماجة [٣٦٧٨] وصححه الألباني في الصحيحة [١٠١٥]. (٢) حاشية السندي على سنن ابن ماجة [٧/ ٨٣]. (٣) رواه أحمد [١٧٩٢٧] وصححه الألباني في الصحيحة [٢٩٠١]. ٦٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَاللَّهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله عمر: كنّا معشرَ قريشِ نغلبُ النّساءَ، فلّا قدمنا على الأنصارِ إذا قومٌ تغلبهمْ نساؤهمْ، فطفقَ نساؤنا يأخذنَ منْ أدبِ نساءِ الأنصارِ، فصخبتُ عليَّ امرأتي فراجعتني، فأنكرتُ أنْ تراجعني. [أيْ: تراددني في القول وتناظرني فيهِ]، فقالتْ: ما تنكرُ أنْ أراجعكَ، فوالله إِنَّ أزواجَ النّبِيِّ وَّ ليراجعنهُ، وتهجرهُ إحداهنَّ اليومَ إلى اللّيلِ، فانطلقتُ، فدخلتُ على حفصةَ، فقلتُ: أتراجعينَ رسولَ الله ◌َلَ؟ فقالتْ: نعمْ، فقلتُ: أتهجرهُ إحداكنَّ اليومَ إلى اللّيلِ، قالتْ: نعمْ ... الحديث(١). وفيه: أن شدةَ الوطأةِ على النساءِ مذمومٌ؛ لأن النبي ◌َِّ أَخذَ بسيرةِ الأنصارِ في نسائهم، وتركَ سیرةً قومه. وفيه: الصبرُ على الزوجاتِ والإغضاءُ عن خطأهنَّ، والصفحُ عما يقعُ منهنَّ من زللٍ في حقِّ المرءِ، دونَ ما يكونُ من حقِّ الله تعالى))(٢). وقد بلغ من حسن معاشرة الرسولِ مآ﴾ لنسائه: أنه کان یقوم بمساعدتهن في تدبير شؤون المنزل. عنَ الأسودِ قالَ: سألتُ عائشةَ: ما كانَ النّبِيُّ ◌َّ يصنعُ في بيته؟ قالتْ: ((كانَ يكونُ في مهنةِ أهلِهِ، فإذا حضرتِ الصّلاةُ خرِجَ إلى الصّلاةِ))(٣). ((في مِهنةِ أهلِهِ))، يعني: خدمةَ أهلِهِ، أَيْ: عملهمْ، وخدمتهمْ، وما يصلحهمْ (٤). وقدْ وقعَ تفسيرُ هذه الخدمةِ في رواياتٍ أخرى بقولها: «ما كانَ إلّا بشراً منَ البشر؛ يفلي ثوبه، ويحلبُ شاته، ويخدم نفسهُ)) (٥). (١) رواه البخاري [٨٩] ومسلم [١٤٧٩] عن ابن عباس رَّعَنَّه]. (٢) فتح الباري [٩/ ٢٩١]. (٣) رواه البخاري [٦٧٦]. (٤) طرح التثريب [٥٣/٩]. (٥) رواه البخاري في الأدب المفرد [٥٤١]، والترمذي في الشمائل [٣٤٣]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٤٩٩٦]. ٦٤ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعند أحمد [٢٤٣٨٢] عنها: ((كانَ يخِيطُ ثوبهُ ويُخَصفُ نعلهُ ويعملُ ما يعملُ الرّجالُ في بيوتهمْ))، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٤٩٣٧]. ((يَفلي ثوبه)) أي: ينظر في الثوب هل فيه شيءٌ من الأذى والوسخِ. ((يخَصفُ نعلهُ)) أيْ: يخرزها طاقةً على الأخرى، منَ الخصفِ وهوَ الضّمُّ والجمعُ(١). ومن الناسِ الآنَ من يحمّلُ زوجته أعباءً وأحمالاً فوقَ طاقتها، وربما يراها متعبةً، أو مريضةً، فلا يكترث لذلك، ولا يساعدها في شئونِ المنزلِ، وليس هذا من حسن العشرة. و کان ګ يساعد زوجته في ركوبها على الدابة: فلما أرادتْ صفيّةُ أن تركبَ البعيرَ، - قال أنسُ -: فرأيتُ النّبيّ ◌َّه يحوّي لها وراءهُ بعباءةٍ - يعني: يحيطها ويشملها بها، ثمَّ يجلسُ عندَ بعيرهِ، فيضعُ ركبتهُ، وتضعُ صفيّةُ رجلها على ر کبته حتّی تر کبَ(٢). فرسولُ الله ◌ِ لّه يضعُ لها ركبته؛ لتصعدَ عليها وتركبَ، وهذا غاية التواضعِ والرحمةِ والإحسان في معاملة الزوجةِ. وقد كان رَّ يهتمُّ بنظافته ورائحته الطيبة: فكانَ إذا دخلَ بيته بدأ بالسواكِ، حتى لا تشمَّ منه زوجه رائحةً متغيرة. عنْ شريح بن هانئ قالَ: سألتُ عائشةَ، قلتُ: بأيِّ شيءٍ كانَ يبدأُ النّبِيُّ ◌َّ إذا دخلَ بيتهُ؟ قالتْ: بالسّواكِ(٣). ((والحكمة في ذلكَ: أَنّهُ ربّما تغيّرتْ رائحة الفم عند محادثة النّاس، فإذا دخلَ البيت كانَ منْ حسن معاشرة الأهلَ إزالةُ ذلكَ))(٤). (١) النهاية [١٠٠/٢]. (٢) رواه البخاري [٢٨٩٣]، ومسلم [١٣٦٥]. (٣) رواه مسلم [٢٥٣]. (٤) حاشية السيوطي على سنن النسائي [١/ ١٠]. ٦٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله وكان يحرصُ على نظافة فمه، وأسنانه كلما استيقظَ من نومه، فعنْ عائشةَ: ((أَنَّ النّبِيَّ ◌َِّ كانَ لا يرقدُ منْ ليلٍ، ولا نهارٍ، فيستيقظُ؛ إلّا تسوّكَ قبلَ أنْ يتوضّأَ)(١). وهذا يدلُّ على استحبابٍ تعاهدِ السواكِ؛ لما يكرهُ من تغيّرِّ رائحةِ الفمِ بالأبخرة، والأطعمة، وغيرها(٢). قال ابن القيم: ((وكانَ بِّه يحبُّ السّواكَ، وكانَ يستاكُ مفطراً، وصائماً، ويستاكُ عندَ الانتباهِ منَ النّومِ، وعندَ الوضوءِ، وعندَ الصّلاةِ، وعندَ دخولِ المنزلِ، وكانَ يستاكُ بعودِ الأراكِ))(٣). وهذا أمرٌّ مهمٌّ للغايةِ في الحياةِ الزوجيةِ، ويكفي أن نعلم أن من أحدٍ أسبابٍ قضایا الطلاقِ المرفوعةِ في المحاكم اليوم: عدمَ اهتمامِ أحدِ الزوجينِ بنظافةِ الفم والأسنانِ. فكان رسول الله وَّه يحرصُ على أن لا تظهرَ منه إلا الريحُ الطيبة: عن عائشةَ رَ عَنْهَا قالتْ: ((كانَ رسولُ اللهِوَه يشتدُّ عليهِ أنْ يوجدَ منهُ الرّيحُ)) (٤). أيٍ: الغيرُ الطّيّبِ، وفي رواية عنِ ابن عبّاس ◌َنْهَا: ((وكانَ أشدَّ شيء عليهِ أنْ يوجد منهُ رِيحٌ سَّىٌ)) (٥). و کانَ من أخلاقه التطيّبُ، يحبّهُ، ویکثرُ منه، بل هو إحدى محبوباته الدنيويّة کما في الحديث: ((حُبِّبَ إليَّ منَ الدّنيا: النّساءُ، والطّيبُ، وجعلتْ قرّةُ عيني في الصّلاةِ))(٦). بل إنه وَ ل﴿ تركَ بعضَ المباحاتِ، كالثّومِ والبصلِ ونحوهما، لرائحتها الكريهةِ. أين هذا ممن يدخلُ بيته ويأتي إلى زوجته ورائحةُ الدّخانِ تنبعثُ منه، وهي ربما تكون (١) رواه أبو داود [٥٧]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [٤٨٥٣]. (٢) المفهم [١٣٦/٣]. (٣) زاد المعاد [١/ ١٦٧]. (٤) رواه البخاري [٦٩٧٢]، ومسلم [١٤٧٤]. (٥) المعجم الأوسط [٨٧٦٤]. (٦) رواه النسائي [٣٩٣٩] عن أنس بن مالك رَعنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٣١٢٤]. ٦٦ تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ قد تطيّبتْ له بأجملِ الأطيابِ، فتنبعثُ منها الروائحُ الزكيّةُ، أما هو: فتنبعثُ منه الروائحُ الکریہُ! وكان ◌َّه يتجمّلُ لنسائه، ويرجّلُ شعره، ويهتمُّ به: وأمر بذلك أصحابه فقال: ((منْ كانَ لهُ شعرٌ؛ فليكرمهُ))(١). ((أيْ: فليزيّنُهُ، ولينظّفُهُ: بالغسلِ، والتّدهين، والتّرجيل، ولا يتركهُ متفرّقاً؛ فإنَّ النّظافةَ وحسنَ المنظرِ محبوبٌ .. ))(٢). فينبغي على الزّوجِ أن يتجمّل، ويتنظّف لزوجته، قال ابن عباس رَ عَنْهَا: «إنّ لأحبُّ أنْ أتزيّنَ للمرأةِ كما أحبُّ أنْ تتزيّنَ لي المرأةُ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُرُوفِ وَلِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]))(٣). فكان ◌َلّ يرجّلُ شعره ويمشطه: فعنْ سهل بن سعدٍ الأنصاريَّ رَهُ أَنَّ رجلاً اطّلِعَ منْ جحرٍ في بابِ رسولِ الله ◌َّ، ومعَ رسولِ اللهِلَّهِ مدرَّى(٤) يرجّلُ بهِ رأسهُ ... (٥). وأحياناً يجعل زوجته ترجّلُ له شعره، فعنْ عائشةَ رَوَ عَنْهَا قالت: كان النّبيَّ ◌ََّ إِذا اعتكفَ يدني إليَّ رأسهُ فأرجّلهُ(٦). وتغسل له رأسه أيضاً، قالت عائشة رَّ عَنْهَا: «كنتُ أغسلُ رأسَ رسولِ الله وَلَه وأنا حائضٌ))(٧). (١) رواه أبو داود [٤١٦٣] عن أبي هريرة رََّنهُ، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٦٤٩٣]. (٢) عون المعبود [٩/ ١١٨٣]. (٣) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره [٤/ ٥٣٢]. (٤) المدرى: شيء يعمل من حديد أو خشبٍ على شكل سنّ من أسنان المشطِ وأطول منه يسّرح به الشّعر المتلبّد، ويستعمله من لا مشط له. النهاية [٢٦٠/٢] (٥) رواه البخاري [٥٩٢٤]، ومسلم [٢١٥٦]. (٦) رواه البخاري [٢٠٢٩]، ومسلم [٢٩٧]. (٧) رواه البخاري [٣٠١]، ومسلم [٢٩٧]. ٦٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله فرعايته ◌َّ لجميعِ وسائلِ النظافةِ أمرٌ واضحٌ غايةَ الوضوح في سيرته، وقد ندبَ إلى ذلكَ جِمِيعَ أمّته، فحثّهم على سننِ الفطرةِ؛ ليكونَ الإنسانُ على أحسنِ حالٍ، وأجملِ هيئةٍ. و کان ﴾ سهلاً هيّناً ليّناً في التعامل مع زوجته: فإذا هویتْ شيئاً لا محذور فيه تابعها علیه. عنْ جابرِ بن عبد الله ◌َنْهَ في وصف حجّةِ رسولِ اللهِوَلَ أَنَّ عائشةَ رَعَنْهَا قالتْ: ((يا رسولَ الله إنّي أجدُ في نفسي أنّي لمْ أطفْ بالبيتِ حتّى حججتُ))، قال جابرُ: ((وكانَ رسولُ الله ◌َّه رجلاً سهلاً، إذا هويتْ الشّيءَ تابعها عليه))(١). ((رجلاً سهلاً)) أيْ: سهل الخلق، كريمَ الشّمائلِ، لطيفاً ميسّراً في الخلق، كما قالَ الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٤]. أما اليوم: فكثيراً ما لا تجد بين الزوجينِ إلا الجدالَ، والخصامَ، والنّكد، والمشاكسة في کل شيءٍ. وكان يقرُّ أهله على النظر إلى اللهو المباح: عنْ عائشةَ رَتْهَا قالتْ: كَانَ رسولُ اللهِوَِّ جالساً، فسمعنا لغطاً وصوتَ صبيانٍ، فقامَ رسولُ الله ◌َّةِ، فإذا الحبشةُ يلعبونَ بحرابِهِمْ، فقالَ: ((يا عائشةُ تعالي فانظري))، فجئتُ، فوضعتُ لَحْيِيَّ على منكبٍ رسولِ اللهِوََّ، فجعلتُ أنظرُ إليهم ما بينَ المنكبِ إلى رأسهِ، فقالَ لي: ((أما شبعتِ، أما شبعتِ؟))، فجعلتُ أقولُ: لا؛ لأنظرَ منزلتي عندهُ(٢). ((وفيه: حسنُ خلقِهِ الكريمِ، وجميلُ معاشرته لأهلِهِ))(٣). وقال ابن بطال: ((فيه: ما كان عليه النبي عَلَّلَامُ من الخلق الحسنِ، وما ينبغي للمرءِ أن يمتثلهُ مع أهله؛ من إيثاره مسارهم، فيما لا حرج عليهم فيه))(٤). (١) رواه مسلم [١٢١٣]. (٢) رواه الترمذي [٣٦٩١] وصححه الألباني، وأصله في البخاري [٤٥٥]، ومسلم [٨٩٢]. (٣) عمدة القاري [٧/ ٧٧]. (٤) شرح صحيح البخاري [٢/ ٥٤٨]. ٦٨ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي رواية: ((فجعلتُ أنظرُ إلى لعبهمْ، حتّى كنتُ أنا الّتي أنصرفُ عنِ النّظرِ إليهمْ))(١). وفي رواية: ((قلت: يا رسولَ الله لا تعجل، فقامَ لي، ثمَّ قالَ: ((حسبك؟))، قلت: لا تعجل، قالت: وما بي حبُّ النّظرِ إليهمْ، ولكنْ أحببتُ أنْ يبلغَ النّساءَ مقامهُ لي، ومكاني منهُ))(٢). ((وفيه: أن تفسيرَ حسنِ المعاشرةِ هو: الموافقةُ، والمساعدة على الإرادةِ غير المحرّمةِ، والصبرُ على أخلاقِ النساءِ في غيرِ المحرّمِ من اللهوِ، وإن كان الصابرُ كارهاً لما يحبّهُ أهله))(٣). ولم يكن ◌ّله يمانع من سماع زوجته الغناءَ المباح في العيد: عنْ عائشةَ قالتْ: دخلَ رسولُ الله ◌َِّ، وعندي جاريتانِ تغنّیانِ بغناءِ بعاثٍ . -هو یوم جرى فيه قتالٌ بين الأوس والخزرج، فاضطجعَ على الفراشِ، وحوّلَ وجههُ، فدخلَ أبو بكرٍ، فانتهرني، وقالَ: ((مزمارُ الشّيطانِ عندَ رسولِ اللهِوَلَ!))، فأقبلَ عليهِ رسولُ الله ◌َّ فقالَ: ((دعهما))، فلمّا غفلَ غمزتهما، فخرجتا، وكانَ يومَ عيدٍ (٤). قال ابن حجر رَحِمَةُاللَّهُ: ((وفي هذا الحديثِ منْ الفوائدِ: مشروعيّة التّوسعة على العيالِ في أيّامِ الأعيادِ بأنواعٍ ما يحصلُ لهمْ به بسطُ النّفس، وترويحُ البدن منْ كلفِ العبادةِ ... وفيهِ الرّفقُ بالمرأةِ واستجلاب مودّتها)) (٥). فكانَ النبيُّ ◌َلِّ يرخّصُ لهم في أوقاتِ الأفراحِ، كالأعيادِ والنكاحِ في الضربِ بالدفوفِ، والتغنّي مع ذلك بهذه الأشعارِ، وما كان في معناها. ولمّا فُتحتْ بلادُ فارسَ والرومِ؛ ظهرَ للصحابةِ ما كانَ أهلُ فارسَ والروم قد اعتادوه من الغناءِ الملحّنِ بالإيقاعاتِ الموزونةِ على طريقةِ الموسيقى، بالأشعارِ التي توصفُ فيها (١) رواه مسلم [٨٩٢]. (٢) رواه النسائي في الكبرى [٨٩٥١]، وصححه الألباني في الصحيحة [٣٢٧٧]. (٣) شرح صحيح البخارى [٢٩٨/٧] لابن بطال. (٤) رواه البخاري [٩٥٠]، ومسلم [٨٩٢]. (٥) فتح الباري [٤٤٣/٢]. ٦٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله المحرّماتُ من الخمورِ، والصّورِ الجميلةِ المثيرةِ للهوى الكامنِ في النفوسِ، بآلات اللهوِ المطربة، فأنكروا ذلك كله، ونهوا عنه، وغّظوا فيهِ. وهذا يدلُّ على أنهم فهموا أن الغناءَ الذي رخّصَ فيه النبيُّ ◌َّ لأصحابه لم یکن هذا الغناءَ، ولا آلاته هي هذه الآلاتِ، وأنه إنما رخّص فيما كان في عهده مما يتعارفه العربُ بآلاتهم. فأما غناءُ الأعاجمِ بآلاتهم: فلم تتناولهُ الرّخصةُ، وإن سمّيَ غناءً، فبينهما من التباينِ ما لا يخفى على عاقلٍ؛ فإنَّ غناءَ الأعاجمِ بآلاتها يثيرُ الهوى، ويغيّرُ الطباعَ، ويدعو إلى المعاصي، فهو رقیةُ الزّنا. وغناءُ الأعرابِ المرخّصُ به ليسَ فيه شيءٌ من هذه المفاسدِ بالكلّيّة البتّةَ. فمن قاسَ أحدهما على الآخرِ؛ فقدْ أخطأَ أقبحَ الخطأِ وقاسَ مع ظهور الفرقِ بين الفرعِ والأَصلِ، فقياسه من أفسدِ القياسِ، وأبعده عن الصوابِ(١). فاللهو الذي أباح النبيُّ وَّ لزوجته استماعه هو اللهوُ البريءُ، والمتعةُ المباحةُ. ولم يقتصرْ هديه ◌ِّ مع زوجته على ذلك، بل كان يسرّب إلى عائشة جوارٍ، فيلعبنَ معها باللّعبِ، وكان ◌َّلا يتحاشى تنفير هؤلاء الضيوف. فعنْ عائشةَ رَّعَنْها قالتْ: كنتُ ألعبُ بالبناتِ عندَ النّبِّوَّةِ، وكانَ لي صواحبُ يلعبنَ معي، فكانَ رسولُ الله ◌َّه إذا دخلَ يتقمّعنَ منهُ(٢)، فيسّربهنَّ إليَّ فيلعبنَ معي(٣). قال النووي: ((وهذا منْ لطفِهِ وَّ﴿ وحسنِ معاشرته)) (٤). وقد كانتْ أمُّ المؤمنين عائشةُ تلعب بالبنات واللعب ذوات الأشكال، وكان رسول الله گال﴾ يمازحها ويضحك معها. (١) انظر: فتح الباري [٧٨/٦] لابن رجب. (٢) أي: يتغيّبنَ منهُ، ويدخلنَ منْ وراء السّتر. (٣) رواه البخاري [٦١٣٠]، ومسلم [٢٤٤٠]. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ٢٠٥]. ٧٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ عائشةَ رََّّعنها قالتْ: قدمَ رسولُ اللهِ وَّهِ مِنْ غزوة تبوكَ أَوْ خيبرَ، وفي سهوتها (١) سترٌّ، فهبّتْ ريحٌ، فكشفتْ ناحيةَ السّتِرِ عنْ بناتٍ لعائشةَ لعبٍ، فقالَ: «ما هذا يا عائشةُ؟))، قالتْ: بناتي، ورأى بينهنَّ فرساً لهُ جناحانِ منْ رقاعِ، فقالَ: ((ما هذا الّذي أرى وسطهنَّ؟))، قالتْ: فرسِ، قالَ: ((وما هذا الّذي عليهِ؟))، قالتْ: جناحانِ، قالَ: ((فرسُ لهُ جناحانٍ!»، قالتْ: أما سمعتَ أنَّ لسليمانَ خيلاً لها أجنحةٌ؟، فضحكَ حتّى رأيتُ نواجذهُ(٢). فكمْ أدخلتْ تلك الضّحكةُ منهِّ من السرورِ على قلبٍ زوجته، وكم كانَ لتلك المداعبةِ من الأثرِ الحسنِ على مشاعرها. بل إنه ◌َِّ حثَّ الأزواجَ على هذا الأمرِ؛ لأنه يستدعي الوئام ويجلبُ المسرّةَ إلى القلوبِ؛ فقال لجابر بن عبد الله لّ تزوج: ((هلّ جاريةً تلاعبها وتلاعبكَ، أَوْ تضاحكها وتضاحككَ))(٣). وقال: ((كلُّ شيءٍ ليسَ منْ ذكرِ الله عَجَلَّ فهوَ لهوٌ، إلا أربعَ خصالٍ: مشيُّ الرّجلِ بينَ الغرضينِ [الغرض: هو ما يقصده الرّماة بالإصابة]، وتأديبهُ فرسهُ، وملاعبةُ أهلِهِ، وتعلّمُ السّباحةِ)) (٤). فالملاعبةُ، والمضاحكةُ بين الزوجين تملأُ القلوبَ مسرّةً، والبيتَ أنساً ومحبّةً؛ فتقوى الرابطةُ الزوجيّةُ، وتتعمّقُ الألفةُ والمودّةُ، والمحبّةُ بين الزوجينِ. ((فالمداعبة والمزحُ، والملاعبة هي التي تطيّبُ قلوبَ النساء))(٥). وكانَ عمرُ بنُ الخطابِ رََّنُ - مع شدّته وصلابته- يقول: ((ينبغي للرّجلِ أنْ يكونَ في أهلهِ مثلَ الصّبيِّ، فإذا التمسَ ما عندهُ وجدَ رجلاً))(٦). (١) السّهوة: بيتٌ صغيِّرُ منحدرٌ في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة. وقيل هو كالصّفّة تكون بين يدىِ البيت. وقيل: شبيه بالرّفِّ أو الطاقِ يوضع فيه الشيءُ. النهاية [٢/ ١٠٤٧] (٢) رواه أبو داود [٤٩٣٢]، وصححه الألباني. (٣) رواه البخاري [٢٠٩٧]، ومسلم [٧١٥]. (٤) رواه الطبراني في الكبير [١٧٨٥]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [١٢٨٢]. (٥) موعظة المؤمنين [ص١٦٨]. (٦) المجالسة وجواهر العلم [٤٣٠/٣]. ٧١ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومَن حوله وقال ثابتُ بنُ عبيد: ((كان زيدُ بنُ ثابتٍ من أفکهِ الناسِ في بيته، فإذا خرجَ، كانَ رجلاً من الرجالِ))(١). ووصفتْ أعرابيّةٌ زوجها وقدْ ماتَ، فقالتْ: ((والله لقدْ كانَ ضحوكاً إذا ولجَ، سِكِّيتاً إذا خرجَ، آكلاً ما وجدَ، غيرَ سائلِ عمّا فقدَ))(٢). وكثيرٌ من الناسِ يضحكُ ويبتسمُ في وجوهِ أصحابه وزملائه، فإذا ما دخل البيتَ اختفتْ تلكَ الابتساماتُ؛ ليصبحَ عابسَ الوجهِ، مقطّباً جبينهُ. ولم يقتصر الأمر على المضاحكةِ، بل كان يسابق زوجته في الجري: عنْ عائشةَ رََّنْهَا قالتْ: خرجتُ معَ النّبِّ وَّه في بعضِ أسفارهِ، وأنا جاريةٌ لمْ أحملِ اللّحمَ، ولمْ أبدنْ، فقالَ للنّاسِ: ((تقدّموا))، فتقدّموا، ثمّ قالَ لي: ((تعالِيُّ؛ حتّى أسابقكِ»، فسابقتهُ، فسبقتهُ، فسكتَ عنّي حتّى إذا حملتُ اللّحمَ وبدنتُ، ونسيتُ، خرجتُ معهُ في بعضِ أسفارهِ، فقالَ للنّاسِ: ((تقدّموا))، فتقدّموا، ثمَّ قالَ: ((تعالِيُّ؛ حتّى أسابقكِ))، فسابقتهُ، فسبقني، فجعلَ يضحكُ، وهوَ يقولُ: ((هذهِ بتلكَ))(٣). والمعنى: تقدّمي عليكِ في هذهِ النّوبة في مقابلةِ تقدّمكِ عليَّ في النّوبة الأولى. فالنبيُّ الكريمُ وَّ مع مشاغله الكثيرةِ، يراعي حاجةَ الزوجةِ إلى الترفيهِ، ويفعلُ هذا الأمرَ الذي يأنفُ بعضنا اليومَ من فعله، حتى ولو كان خالياً في البِرِّ !! بل قد يتحرّجُ البعضُ من المشي مع زوجته، فضلاً عن مسابقتها. وكانَ إذا صحبَ أهله معه في السفرِ سامرهُنَّ، وتبادل معهنّ أطراف الحديث: عنْ عائشةَ قالتْ: ((كانَ رسولُ اللهِوَّه إذا خرجَ؛ أقرعَ بينَ نسائِهِ فطارتْ القرعةُ على عائشةَ وحفصةَ، فخرجتا معهُ جميعاً، وكانَ رسولُ الله ◌َّهِ إِذا كانَ باللّيلِ سارَ معَ عائشةَ (١) شرح السنة للبغوي [١٣/ ١٨٣]. (٢) موعظة المؤمنين ص [١٠٦]. (٣) رواه أحمد [٢٥٧٤٥] واللفظ له، وأبو داود [٢٥٧٨]، وابن ماجة [١٩٧٩]، وصححه الألباني في الصحيحة [١٣١]. ٧٢ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتحدّثُ معها، فقالتْ حفصةُ لعائشةَ: ألا تركبينَ اللّيلةَ بعيري، وأركبُ بعيركِ فتنظرينَ وأنظرُ؟ قالتْ: بلى، فركبتْ عائشةُ على بعيرِ حفصةَ، وركبتْ حفصةُ على بعيرِ عائشةَ، فجاءَ رسولُ الله ◌َّه إلى جملِ عائشةَ وعليهِ حفصةُ، فسلّمَ ثمَّ سارَ معها حتّى نزلوا، فافتقدتهُ عائشةُ، فغارتْ، فلما نزلوا؛ جعلتْ تجعلُ رجلها بينَ الإذخرِ، وتقولُ: يا ربِّ سلّطْ عليّ عقرباً أوْ حيّةً تلدغني، رسولكَ، ولا أستطيعُ أنْ أقولَ لهُ شيئاً)) (١). وهذا الّذي فعلتهُ وقالتهُ حملها عليهِ فرط الغيرة على رسول الله وَّة، وأمر الغيرة معفوّ عنهُ. ومن كمال شفقته ◌َّ على أهله في السفرِ أنه كان يوصي الحاديَ أن يخفّف رفقاً بهنَّ. عنْ أنس بن مالك رَوَّهُ قالَ: كانَ رسولُ اللهِوَّه في بعضِ أسفارهِ، وغلامٌ أَسودُ يقالُ لهُ أنجشةُ يحدو، فقالَ لهُ رسولُ الله ◌َّ: ((يا أنجشةُ، رويدكَ سَوْقاً بالقواريرِ))(٢). ((سوقاً) أي: ارفقْ في سوقك بالقواريرِ، يعني ضعفة النّساء. قالَ العلماء: سمّيَ النّساءُ قواريرَ؛ لضعفٍ عزائمهنَّ تشبيهاً بقارورةِ الزّجاج لضعفها، وإسراع الانكسار إليها. والمرادُ بهِ: الرّفقُ في السّير؛ لأنَّ الإبلَ إذا سمعت الحداءَ أسرعتْ في المشي واستلذّتهُ، فأزعجتِ الرّاكبَ، فنهاهُ عنْ ذلكَ؛ لأنَّ النّساء يضعفنَ عند شدّة الحركة، ويخافُ ضررهنَّ وسقوطهنَّ(٣). وكان ◌َّ يقرُّ المزاح بین نسائه، ویتبسّم لذلك: قالتْ عائشة رَوَ عَنْهَا: زارتنا سودةُ يوماً، فجلسَ رسولُ الله ◌َلا بيني وبينها، إحدى رجليهِ في حجري، والأخرى في حجرها، فعملتُ لها حريرةً [حساء مطبوخ من الدّقيق (١) رواه البخاري [٥٢١١]، ومسلم [٢٤٤٥]. (٢) رواه البخاري [٦١٦١]، ومسلم [٢٣٢٣]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٨١/١٥]. ٧٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومن حوله والدّسم والماء](١)، فقلتُ: كلي، فأبتْ، فقلتُ: والله لتأكلنَّ، أَوْ لأَلطّخنَّ وجهكِ، فأبتْ، فأخذتُ منَ القصعةِ شيئاً، فلطّختُ بهِ وجهها، فضحكَ النّبِيَِّ، فوضع فخذه لها، وقال السودة: الطخي وجهها، فلطّختْ وجهي، فضحك النّبي ◌َّ أيضاً، فإذا عمرُ يقولُ: يا عبدَ الله بنَ عمرَ، يا عبدَ الله بنَ عمرَ، فقالَ لنا رسولُ الله ◌َّ: ((قوما فاغسلاً وجوهكما؛ فلاَ أحسبُ عمرَ إلّا داخلاً)) (٢). ولو حدثَ مثل هذا في هذا الزمانِ من امرأتين، وزوجهما جالسٌٌ بينهما؛ فربما طلقهما جهلاً منه بهدي النبيِّ وٍَّ في معاملة زوجاته، حيثُ كان يداعبهنَّ ويضاحكهنَّ. وفي هذا الحديثِ: تفاعلُ النبيِّ وَّ مع جوِّ المرحِ، وعدلُ النبي ◌ِّ في المرحِ والمباسطِةِ. فمعَ أنّه ◌ِّه يحبُّ عائشةَ أكثرَ من غيرها، لم يجعلهُ ذلك يميل إليها في الظاهر، بل ساعدَ زوجته الأخرى سودةً لتلطّخَ وجهَ عائشةَ بالطعام، وحصلَ ما أراده النبي وَّ، وساد المجلس جوٌّ من المرح والضّحكِ والسّرور. ومن ملاطفته وفكاهته ◌َّ مع زوجاته: حديثُ كلثومِ بن المصطلق قالَ: كانتْ زينبُ تفلي رسولَ اللهِوَّهِ، وعندهُ امرأةٌ عثمانَ بنِ مظعونٍ ونساءٌ منَ المهاجراتِ، وهنَّ يشتكينَ منازلهنَّ أنّهنَّ يخرجنَ منها، ويضيِّقُ عليهنَّ فيها(٣)، فتكلّمتْ زينبُ، وتركتْ رأسَ رسولِ الله وَّةِ، فقالَ رسولُ اللهِوَّةِ: ((إنّكِ لستِ تكلّمِينَ بعينيكِ، تكلّمي، واعملي عملكِ))، فأمرَ رسولُ اللهِوَّه يومئذٍ أنْ يورّثَ منَ المهاجرينَ النّساءُ(٤). وفي هذا حسنُ ممازحته ◌َّ لزوجته. (١) النهاية [١/ ٩٣١] (٢) رواه النسائي في السنن الكبرى [٨٩١٧] وأبو بكر الشافعي في الفوائد [١١٢]، وقال العراقي في تخريج الإحياء [١٦٨٢/٤]: ((إسناده جيد))، وحسنه الألباني في الصحيحة [٣١٣١]. (٣) كانوا إذا ماتَ زوج المرأة أخذ الورثة الدار، وتخرج المرأة منها وهيَ غريبة في دار الغربة، فلا تجد مكاناً آخر. عون المعبود [٢٣١/٨] (٤) رواه أحمد [٢٦٥١٠] وحسنه شعيب الأرناؤوط، وأصل الحديث في سنن أبي داود [٣٠٨٠]، وقد صححه الألباني في صحيح أبي داود [٣٠٨٠]. ٧٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يستمع لفكاهة وطرائف زوجاته: عنْ عائشةَ رََّعَنْهَا قالتْ: قلتُ يا رسولَ الله، أرأيتَ لوْ نزلتَ وادياً، وفيهِ شجرةٌ قدْ أكلَ منها، ووجدتَ شجراً لمْ يؤكل منها، في أيّها كنتَ ترتعُ بعيركَ؟ قالَ: ((في الّذي لمْ يرتعْ منها». تعني أنَّ رسولَ الله ◌َّه لمْ يتزوّجْ بكراً غيرها(١). ومن الأمثلة على الدّعابة اللطيفة: عنْ عائشةَ رََّنها قالتْ: رجعَ إليَّ رسولُ الله ◌َِّ ذاتَ يومٍ منْ جنازةٍ بالبقيعِ، وأنا أجدُ صداعاً في رأسي، وأنا أقولُ: وا رأساهْ، قالَ: ((بل أنا وا رأسَاهْ! ما ضرّكِ لوْ متِّ قبلي، فغسّلتكِ، وكفّنتكِ، ثمَّ صلّيتُ عليكِ، ودفنتكِ؟))، قلتُ: لكأنّي بكَ والله لوْ فعلتَ ذلكَ، لقدْ رجعتَ إلى بيتي، فأعرستَ فيهِ ببعضِ نسائكَ، فتبسّمَ رسولُ الله ◌َِّ، ثمَّ بدئ بوجعِهِ الّذي ماتَ فيهِ(٢). في كلِّ نائبةٍ يواسيها وبلطفهِ يرعى مشاعرها إِنَّ الّذي يرضيهِ يرضيها متجمّلاً منْ أجلها عطراً فيما يحلُّ لها، ويعطيها وعلى الّذي هويتْ يتابعها وإذا تجاريهِ يجاريها وعلى جلالتهِ يسابقها واليسر أصلٌ كامنٌ فيها إِنَّ السّماحةَ في شريعتهِ (١) رواه البخاري [٥٠٧٧]. (٢) رواه أحمد [٢٤٧٢٠]، وابن ماجة [١٤٦٥]، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [١٤٦٥]، وأصله في البخاري [٥٦٦٦]. ٧٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله الجانب الثاني: تربية النبي وَلِّ لنسائه؛ ليكنَّ قدوةً لنساءِ المؤمنين: ومع ذلك المزاح، وتلك المداعبات، والملاطفات كان رسول الله ﴾ ﴾ حريصاً على تربية نسائه؛ ليكنَّ المثلَ الأعلى لغيرهن، منطلقاً في ذلك من مسئوليّته عليهن وهو الزوج، وهو القائل: ((إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ، أحفظَ ذلكَ أمْ ضيّعَ؟ حتّى يسألَ الرّجلُ على أهلِ بيتِهِ)(١). وعنِ ابْنِ عمَ رَّهَا عَنِ النّبِيِّوَّ أَنّهُ قالَ: ((ألا كلّكمْ راع، وكلّكمْ مسئولٌ عنْ رعيّتِهِ، فالأميرُ الّذي على النّاسِ راعٍ وهوَ مسئولٌ عنْ رعيّتِهِ، والرّجلُ رَاعٍ على أهلِ بيتِهِ وهوَ مسئولٌ عنھمْ))(٢). فالرجلُ مسئولٌ عن تعليم زوجته، وإرشادها، وتوجيهها التوجيه الصحيح، وما شاعتِ المنكراتُ في حياة كثيرٍ من الزوجاتِ إلا بسبب تفريطِ الرجالِ في تعليمهنِ أمورَ دینھنَّ، وتقصیر هم في توفیتهنّ حقوقهنّ. كان ◌َله يربّ زوجاته على العبادةِ والتقرّب إلى الله بالنوافل: عنْ أم سلمةَ زوجَ النّبِّ ◌َ﴿ قالتْ: استيقظَ رسولُ الله ◌َّه ليلةً فزعاً يقولُ: ((سبحانَ الله ماذا أنزلَ اللهُ منْ الخزائنٍ، وماذا أنزلَ منَ الفتنِ، منْ يوقظُ صواحبَ الحجراتِ(٣)؛ لكيْ يصلّينَ، ربَّ كاسيةٍ في الدّنيا عاريةٍ في الآخرةِ)) (٤). فلما اطّلعَ رسولُ الله ◌َّه على ما فتحه الله تعالى في يومٍ واحدٍ من خزائنِ الثوابِ، وما أنزله من الفتنِ؛ قام من نومه فزعاً من دهشته؛ لكثرةِ الخير والشرِّ. وتعجّبَ من غفلةِ البشرِ عما يحدثُ حولهم من فتحِ خزائنِ الخيرِ، وفتحِ أبوابِ الفتنِ مما يدعو إلى الرغبةِ والرهبةِ، والجدَ في العبادةِ؛ ولذلكَ أمرَ بإيقاظِ زوجاته للصلاةِ. (١) رواه النسائي في السنن الكبرى [٩١٧٤] عن أنس بن مالك رَّهُ عَنهُ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة [١٦٣٦]. (٢) رواه البخاري [٨٩٣]، ومسلم [١٨٢٩]. (٣) يريدُ أزواجهُ. (٤) رواه البخاري [٧٠٦٩]. ٧٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأشارَ وَّه بذلكَ إلى أنه ينبغي لهنَّ أنْ لا يتغافلنَ عنِ العبادة، وأنْ لا يعتمدنَ على مجرّد كونهنَّ أزواجَ النّبِيّ ◌َِّ. وفي الحديث: إيقاظُ الرّجلِ أهلهُ باللّيلِ للعبادةِ لا سيّما عند آيَةٍ تحدثُ. وإذا دخلَ العشرُ الأواخرُ من رمضانَ أيقظهنَّ للقيام والعبادة: عنْ عائشةَ رَتْهَا قالتْ: (( كانَ النّبِيُّ ◌َّه إذا دخَلَ العشرُ شدَّ مئزرهُ، وأحيا ليلهُ، وأيقظَ أهلهُ))(١). وعنْ عليّ بن أبي طلب ◌ََّّعَنْهُ: ((أَنَّ النّبِيَّ ◌َ كانَ يوقظُ أهلهُ في العشرِ الأواخرِ منْ رمضانَ))(٢). ((فكان النبيُّ ◌َلَّ يوقظُ أهله في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ للصلاةِ بالليلِ، والذّكرِ، والدّعاءِ، وأما في سائر السنة فكانَ إيقاظه لهم للوترِ خاصّةً؛ فإنه من آكدُ السّننِ الرواتبِ)»(٣). فعنْ عائشةَ رَّعنها قالتْ: كانَ رسولُ الله ◌َّه يصلّي مِنَ اللّيلِ، فإذا أوترَ قالَ: ((قومي، فأوتري يا عائشةُ))(٤). ويربّيهِنَّ وََّ على الإخلاص لله في العبادة: عنْ عائشةَ رَّعنها قالتْ: كَانَ رسولُ اللهِوَّه إذا أرادَ أنْ يعتكفَ صلَّى الصّبحَ، ثمَّ دخلَ في المكانِ الّذي يريدُ أنْ يعتكفَ فِيهِ، فأرادَ أنْ يعتكفَ العشر الأواخرَ منْ رمضانَ فأمرَ فضربَ لهُ خباءٌ، فاستأذنتهُ عائشةُ أنْ تعتكفَ، فأذنَ لها فضربتْ فيهِ قبّةً، فسمعتْ بها حفصةُ، فضربتْ قِبّةً، وسمعتْ زينبُ بها فضربتْ قبّةً أخرى، فلما انصرفَ رسولُ الله ◌َّ منَ الغداةِ أبصرَ أربعَ قبابٍ، فقالَ: ((ما هذا؟!»، فأخبرَ خبرهنَّ، فقالَ: (آلبرَّ تردنَ)). وفي رواية: ((ما حملهنَّ على هذا؟ آلبُّ؟!))، فأمرَ بخبائِهِ فقوّضَ [أي: قلع وأزيلَ]، وقال: (١) رواه البخاري [٢٠٢٤]، ومسلم [١١٧٤]. (٢) رواه الترمذي [٧٢٥]، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي [٢٩٦/٢] (٣) فتح الباري [٦/ ٢٥١] لابن رجب. (٤) رواه البخاري [٥١٢]، ومسلم [٧٤٤]. ٧٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله ((انزعوها فلا أراها))، فنزعتْ، فلمْ يعتكفْ في رمضانَ، واعتكفَ في العشرِ الأوّلِ منْ شوّالٍ(١). فقالَ وَّل هذا الكلام إنكاراً لفعلهنَّ، وسببُ إنكاره أنّهُ خافَ أنْ يكنَّ غيرَ مخلصاتٍ في الاعتكاف، بل أردنَ القرب منهُ؛ لغیرتهنَّ علیهِ. قال ابن حجر رَحَةُاللَّهُ: («وكأنّهُ بِّهِ خشيَ أنْ يكون الحاملُ لهنَّ على ذلكَ المباهاةَ والتّنافسَ النّاشىَ عنِ الغيرة؛ حرصاً على القرب منهُ خاصّةً، فيخرج الاعتكاف عنْ موضوعه))(٢). وكان يعلّمُ زوجته الاستعاذةَ من الشرور: فعن عائشة رَّعَنْهَ قالت: أخذَ رسولُ الله ◌َّه بيدي، ثمَّ أشارَ إلى القمرِ، فقالَ: ((يا عائشةٌ استعيذي بالله من شرِّ هذا، فإنَّ هذا هوَ الغاسقُ إذا وقبَ))(٣). الغاسق هو: الظلمة، إذا وقب: غاب، ((وأكثر المفسرين أن الغاسق هو الليل))(٤). وإنّما أمرَ بالتّعوّذِ منَ اللّيلِ؛ لأنَّ الآفاتِ تنتشرُ فيه. وكون الغاسق هو الليل لا يعارض ما في الحديث من أنه القمر؛ لأن القمرَ آيَةُ الليل، ولا یوجدُ له سلطان إلا فيه(٥). وفي الحديثِ: بيانُ اهتمامِ النبيِّ وَّ بتعليم زوجته، حيثُ أخذَ بيدها، ثم أشارَ إلى مراده، ثم أمرها بالفعل، وبين لها السبب. ويعلّمهنَّ الأذكارَ النافعةَ كأذكار الصباح والمساء: عَنْ جويريةَ رََّتْهَا أَنَّ النّبِيَّ ◌َّ خِرِجَ منْ عندها بكرةً حينَ صلّى الصّبحَ، ثمَّ رجعَ بعدَ (١) رواه البخاري [٢٠٣٣]، ومسلم [١١٧٣]. (٢) فتح الباري [٤/ ٢٧٦]. (٣) رواه الترمذي [٣٢٨٨]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٩١٦]. (٤) بدائع الفوائد [٤٤٢/٢]. (٥) تفسير ابن كثير [٨ / ٥٣٦]. ٧٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ أضحى وهيَ جالسةٌ، فقالَ: ((ما زلتِ على الحالِ الّتي فارقتكِ عليها؟»، قالتْ: نعمْ، فقالَ: (لقدْ قلتُ بعدكِ أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مرّاتٍ، لوْ وزنتْ بما قلتِ منذُ اليومِ لوزنتهنَّ: سبحانَ الله وبحمده، عددَ خلقهِ، ورضا نفسهِ، وزنةَ عرشهِ، ومدادَ كلماتٍ))(١). أي: لو قوبلتِ الكلماتُ الأربعُ التي قلتها ثلاثَ مرّاتٍ، بما قلتِ من أوّلِ نهاركِ من الأذكارِ؛ لساوتهنَّ(٢). فقدْ يكون بعضُ الأذكار أفضلَ منْ بعضٍ؛ لعمومها، وشمولها، واشتمالها على جميع الأوصافِ الذّاتيّةِ والفعليّةِ، فيكونُ القليلُ منْ هذا النّوعِ أفضلَ منَ الكثير منْ غيرِهِ(٣). فدلها وأرشدها تخفيفاً لها وتكثيراً لأجورها، من دون تعبٍ ولا نصبٍ. وكان يرشدهنَّ للأفضلِ والأيسرِ في العبادة: عنْ عائشةَ رَوَ عَنْهَا أنّها قالتْ: كنتُ أحبُّ أنْ أدخلَ البيتَ، فأصلّيَ فِيهِ، فأخذَ رسولُ الله ◌ِله بيدي، فأدخلني في الحجرِ، فقالَ: ((صلّي في الحجرِ إذا أردتِ دخولَ البيتِ؛ فإنّما هوَ قطعةٌ مِنْ البيتِ))(٤). في هذا الحديثِ: كيفَ أنَّ النبيَّ وَّ أَخذَ بيدِ زوجته، ثم بيِّنَ لها أن الحجرَ من البيتِ، فمن أرادَ أن يصلّيَّ داخلَ الكعبةِ؛ فليصلِّ في الحجرِ. وكان يأمرُ أهله بالاقتصاد في العبادة وعدم التشديد على النفس: فعنْ أنس بن مالك رَ عَنْهُ قالَ: دخلَ رسولُ اللهِوََّ المسجدَ، فإذا حبلٌ ممدودٌ بينَ السّاريتينِ، فقالَ: ((ما هذا الحبلُ؟))، قالوا: هذا حبلٌ لزينبَ، تصلّ، فإذا كسلتْ، أَوْ فترتْ؛ أمسكتْ بهِ، فقالَ: ((حلّوهُ، ليصلِّ أحدكمْ نشاطهُ، فإذا كسلَ أَوْ فترَ فليقعدْ))(٥). (١) رواه مسلم [٢٧٢٦]. (٢) شرح أبي داود [٤١٤/٥] للعيني. (٣) حاشية السيوطي والسندي على سنن النسائي [٧٨/٣]. (٤) رواه الترمذي [٨٠٢]، والنسائي [٢٩١٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٣٧٩٢]. (٥) رواه البخاري [١١٥٠]، ومسلم [٧٨٤]. ٧٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله قال النووي: ((فيهِ: الحثّ على الاقتصاد في العبادة، والنّهيُ عنِ التّعمّقِ، والأمرُ بالإقبالِ عليها بنشاطٍ، وأنّهُ إذا فترَ فليقعدْ حتّى يذهب الفتور))(١). ولما ذكرت له عائشة حال امرأة تقوم الليل ولا تنام، كره ذلك: عن عروةُ بنُ الزّبيرِ أنَّ عائشةَ زوجَ النّبِيِّ ◌َّ أخبرتهُ أنَّ الحولاءَ بنتَ تويتٍ مرّتْ بها وعندها رسولُ الله ◌َّةٍ، فقلتُ: هذهِ الحولاءُ بنتُ تويتٍ وزعموا أنّها لا تنامُ اللّيلَ، فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((لا تنامُ اللّيلَ؟! خذوا منَ العملِ ما تطيقونَ، فوَ الله لا يسأمُ اللهُ حتّى تسأموا))(٢). أرادَ وَلّه بقولهِ: ((لا تنام اللّيل)) الإنكار عليها، وكراهة فعلها وتشديدها على نفسها(٣). وكان يحثّهن على المداومة على الأعمال الصالحة، وإن كانت قليلة: عنْ عائشةَ رَّعَنْهَا قالتْ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: («أحبُّ الأعمالِ إلى الله تعالى أدومها وإنْ قلَّ)). قالَ القاسمُ بنُّ محمّدٍ: ((وكانتْ عائشةُ إذا عملتِ العملَ لزمتهُ))(٤). قالَ ابن الجوزيّ: ((إنّما أحبَّ الدّائم المعنيينِ: أحدهما: أنَّ الّارك للعملِ بعد الدّخول فيهِ كالمعرضِ عنه. والثّاني: أنَّ مداوم الخير ملازم الخدمة، وليسَ منْ لازمَ الباب في كلّ يوم وقتاً ما، كمنْ لازمَ يوماً كاملاً، ثمَّ انقطعَ(٥). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [٦/ ٧٣]. (٢) رواه البخاري [٤٣]، ومسلم [٧٨٥]، واللفظ له. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٦/ ٧٣]. (٤) رواه البخاري [٦٤٦٥]، ومسلم [٧٨٣]، واللفظ له. (٥) فتح الباري [١٠٣/١].