النص المفهرس
صفحات 21-40
٢٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ [الأنبياء: ٨٧ -٩٠]. وكان ◌َّ شديد اللجوء إلى الله، كثيرَ الدعاءِ والتضرّع، وخاصة في الملّات؛ ففي يوم بدر اشتدت مناجاته لربه، ومناشدته إياه أن ينصره ومن معه من المسلمين؛ فعن عمرَ بنِ الخطّابِ رَّهُ قال: لَّا كانَ يومُ بدرٍ استقبلَ نبيُّ الله ◌ََّ القبلةَ، ثمَّ مدَّ يديهِ، فجعلَ يهتفُ بربّهِ: ((اللهمَّ أنجزْ لي ما وعدتني، اللهمَّ آتٍ ما وعدتني، اللهمَّ إنْ تُهلكْ هذهِ العصابةَ منْ أهلِ الإسلامِ؛ لا تعبدْ في الأرضِ))، فما زالَ يهتفُ بربّهِ ماذًّا يديهِ، مستقبل القبلةِ حتّى سقطَ رداؤهُ عنْ منكبيهِ، فأتاهُ أبو بكرٍ ، فأخذَ رداءهُ، فألقاهُ على منكبيهِ، ثمَّ التزمهُ منْ ورائِهِ، وقالَ: (يا نبيَّ الله، كفاكَ مناشدتكَ ربّكَ؛ فإنّهُ سينجزُ لكَ ما وعدكَ))(١). ٣. خشوعهمْ وبكاؤهمْ عندَ ذكرِ اللّه عَوَجَلَّ: فأثنى الله عَجَلَّ على الأنبياءِ الذين ذكروا في سورة مريم بقوله سبحانه: ﴿أُوْلَّكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ءَآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةٍ إِبْزَهِيمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْنَبَيْنَاْ إِذَانُثْلَى عَلَيْهِمْءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبِّكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وكانَ رسولُ اللهِ وَّ أَخشى الناس لله، وكانَ يقولُ: ((والله إنّ لأرجو أنْ أكونَ أخشاکمْ لله وأعلمكمْ بما أتّقي)) (٢). وكان مَّه يقول: ((يا مقلّبَ القلوبِ ثبّتْ قلبي على دينكَ))(٣). ٤. الاقتداءُ بهديهمْ في قوَةِ العلمِ بِاللهِ عََّجَلَّ: فأنبياء الله ورسله صلى الله عليهم وسلم، قد أورثهم هذا العلم تمام الإيمان واليقين به سبحانه، فهم أعلم الناس بالله. (١) رواه مسلم [١٧٦٣]. (٢) رواه البخاري [٢٠]، ومسلم [١١١٠]، - واللفظ له - عن عائشة رَضَلَُّعَنْهَا. (٣) رواه الترمذي [٣٥٢٢] عن أم سلمة رَُّعَنْهَا، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٤٨٠١]. ٢١ الباب الأول: قدوة للعالمین والعبد كلما كان أعلم بربه كلما كان أشد تعظيماً له وإخباتاً وعبادةً وخوفاً وإخلاصاً ومحبةً. قال ابنُ القيّم رَحِمَةُاللَّهُ: ((لا سبيلَ إلى السعادةِ والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرةِ إلا على أيدي الرّسلِ، ولا سبيلَ إلى معرفة الطيّب والخبيثِ على التفصيلِ إلا من جهتهم، ولا ينالُ رضا الله البتّةَ إلا على أيديهم. فالطّبُ من الأعمالِ، والأقوالِ، والأخلاق ليسَ إلا هديهم، وما جاؤوا به. فهمُ الميزانُ الراجحُ الذي على أقوالهم، وأعمالهم، وأخلاقهم توزنُ الأقوالُ، والأخلاقُ، والأعمالُ، وبمتابعتهم يتميّزُ أهلُ الهدى من أهلِ الضلال. فالضرورةُ إلیهم أعظمُ من ضرورة البدنِ إلی روحه، والعینِ إلی نورها، والرّوحِ إلى حياتها، فأيُّ ضرورةٍ وحاجةٍ فُرِضَتْ، فضرورةُ العبدِ وحاجتهُ إلى الرّسلِ فوقَها بکثیرِ. وما ظنّكَ بمنْ إذا غابَ عنكَ هديه، وما جاءَ به طرفةَ عينٍ، فسدَ قلبكَ، وصارَ كالحوتِ إذا فارقَ الماءَ، ووضعَ في المقلاةِ. فحالُ العبدِ عند مفارقةٍ قلبه لما جاءَ به الرّسل كهذه الحالِ، بل أعظمُ، ولكن لا يحسُّ بهذا إلا قلبٌ حيٌّ، وما لجرحِ بميّتٍ إِيلامُ. وإذا كانتْ سعادةُ العبدِ في الدارين معلقةً بهدي النبيِّ ێ﴾، فيجب على كلّ من نصحَ نفسهُ، وأحبَّ نجاتها، وسعادتها أن يعرفَ من هديه، وسیرتِهِ، وشأنِهِ ما يخرجُ به عن الجاهلين به، ويدخلُ به في عدادِ أتباعهِ، وشیعتِهِ، وحزبه. والناسُ في هذا بين مستقلٍّ، ومستكثرٍ، ومحرومٍ، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضلِ العظيمِ)) (١). (١) زاد المعاد [٦٩/١]. ٢٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لماذا نقتدي بالنبي ێالآ؟ ١. لأن حياته هي حياة أكمل الناس: اختارهُ الله عَهَجَلَّ عن علمٍ وحكمةٍ، واصطفاهُ على البشرِ؛ فكانَ لا بدَّ أن نتعرّفَ على هذه الحياةِ المباركةِ التي صنعتْ على عينِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَ؛ لعلّها أن تكون نبراساً لحياتنا، ونجاةً لأمتنا. ٢. طاعةٌ لأمرِ اللّه عََّجَلَّ: بالاقتداءِ به، والتأسّي بهديه، قال الله عََّجَلَّ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْاللَّهَ وَاُلْيَوْمُ الْآَخِرَ وَذَكَرَاللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهٍِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. ٣. لعصمة الله عَزَّوَجَلَّ لهُ: لحفظِ الله عَوَجَلَّ لهُ، وعصمته له من الزّللِ، ولو وقعَ منه الخطأُ لم يقرَّ علیه، فحريٌّ بمن هذه صفاته أن يقتدى به، وتدرسَ حیاتهُ، ویتعرّفَ علی هدیه. ٤. في حياتهِ وَّ العبرُ: لأنَّ في دراسةِ حياتِهِ أكبرَ العظاتِ والعبرِ؛ سواءٌ ما يتعلّقُّ بالإيمانِ والتوحيد، أو فيما يتعلّقُ بأخلاقه وسلوكه، أو بهديه ومنهجه، وصبره في الدعوةِ، والصراعِ مع الباطلِ وأهله. ٥. الاقتداءُ بالنّبِيِّ وَّ شرطُ الفلاحِ والنّصرِ: فإذا لم نتأسَّ برسولِ اللهِ يَّه في أقواله وأفعاله وشمائله، ولم نقتفِ أثرهُ؛ فلن نفلحَ أبداً، ولن ننتصرَ أبداً. ٦. النّبِيُّ ◌َّه قدوةٌ في كلِّ أحوالهِ: ألم يجعلِ اللّه عَلَّ من النبيِّ الرجلَ؟ ومن النبيِّ الزوجَ؟ ومن النبيِّ الأخَ؟ ومن النبيِّ ٢٣ الباب الأول: قدوة للعالمين الصديقَ؟ ومن النبيِّ الحاكمَ؟ ومن النبيِّ القائدَ؟ ألم يجعلِ الله عَلَّ شخصيّةَ النبيِّ قدوةً لنا في كل أحواله؟ معرفةُ سيرة النّبِيِّ ◌ِِّ ضرورةٌ للاقتداءِ بهِ: فلا بدَّ إذاً من وقفةٍ متأنّيّةٍ عند جانبِ الاقتداءِ لتعرف كيف تهتدي بهديهِ؟ كيفَ تتّبعُ سنّتْهُ؟ كيف يكونُ النبيُّ ◌َّ أسوةً لك؟ لا بد لذلك من الاطلاع على جوانب من حياته وسيرته ومواقفه وعلاقاته بأصناف الناس على اختلاف أجناسهم وأحوالهم. ٢٥ الباب الأول: قدوة للعالمین جوانبُ الاقتداء بالنبيِّ وَ الحالة. إن المتأمّلَ في سيرةِ النبيِّ ◌َّه يجدُ أنها حوتْ جميعَ مكارمِ الأخلاقِ التي تواطأً عليها فضلاءُ، ونجباءُ البشرِ، ونبلاؤهم. فهوَ ◌َِّ قدوةٌ في الخلقِ الحسنِ: قال الله سُبْحَانَهُوَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. فكانَ خلقهُ وَِّ القرآنَ(١)، يرضى لرضاهُ، ويغضبُ لغضبه، لم يكنْ فاحشاً، ولا متفحّشاً(٢)، ولا صخّاباً في الأسواقِ، ولا يجزي بالسّيّئَةِ السّيّئَةَ، ولكنْ يعفو و (٣) ويصفحُ(٣). وعنْ صفيّة بنت حييٍّ رَ عَتها قالتْ: ((ما رأيتُ أحداً أحسن خلقاً منْ رسول الله وَلِّ))(٤). وقالَ أَنْسٌُّ رَّهُ: ((والله لقدْ خدمتهُ تسعَ سنينَ، ما علمتهُ قالَ لشيءٍ صنعتهُ: لمَ فعلتَ كذا وكذا؟ أوْ لشيءٍ تركتهُ: هلّ فعلت كذا وكذا))(٥). وقالَ أنسٌُّ رََّّ عَنهُ أيضاً: كانَ رسولُ الله ◌َّ﴿ مِنْ أحسنِ النّاسِ خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجةٍ، فقلتُ: والله لا أذهبُ، وفي نفسي أنْ أذهبَ لما أمرني بهِ نبيُّ الله ◌َّهِ، فخرجتُ حتّى أمرَّ على صبيانٍ، وهمْ يلعبونَ في السّوقِ، فإذا رسولُ الله ◌َّ قِدْ قبضَ بقفايَ منْ ورائي، (١) رواه مسلم [٧٤٦] عن عائشة رَضَلَّعَنْهَا. (٢) رواه البخاري [٣٥٥٩]، ومسلم [٢٣٢١] عن عبد الله بن عمرو رَّعَنّهما. (٣) رواه الترمذي [٢٠١٦] عن عائشة رَضَلَُّ عَنْهَا. (٤) رواه الطّبرانيُّ في الأوسط [٦٥٧٨] بإسنادٍ حسن كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري [٥٧٥/٦]. (٥) رواه البخاري [٢٧٦٨]، ومسلم [٢٣١٠]. ٢٦ تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ قالَ: فنظرتُ إليهِ وهوَ يضحكُ، فقالَ: ((يا أنيسُ، أذهبتَ حيثُ أمرتكَ؟))، قالَ: قلتُ: نعمْ أنا أذهبُ يا رسولَ الله(١). وقدوةٌ في الحلم، والعفو: قال الله عَجَلَّ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْكُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وعنْ أنسِ بنِ مالكِ رَّعَنْهُ قالَ: «كنتُ أمشي معَ النّبِّوَّةِ، وعليهِ بردٌّ نجرانيٌّ غليظُ الحاشيةِ، فأدركهُ أعرابيٌّ، فجذبهُ جذبةً شديدةً حتّى نظرتُ إلى صفحةِ عاتِقِ النّبِيِّ ◌َّ قِدْ أثّرتْ بِهِ حاشيةُ الرّداءِ؛ منْ شدّةِ جذبتِهِ، ثمَّ قالَ: مرْلي منْ مالِ الله الّذي عندكَ، فالتفتَ إليهِ، فضحكَ، ثمَّ أمرَ لهُ بعطاءٍ))(٢). وقدوةٌ في الحیاءِ: عنْ أبي سعيد الخدريِّ رَهُعَنْهُ قالَ: ((كانَ النّبيُّ ◌َّ أشدَّ حياءً منَ العذراءِ في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرههُ عرفناهُ في وجهِهِ))(٣). وقدوةٌ في الشّفقةِ والرّحمةِ : قال الله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وعنْ أبي ذرِّ رَتهُ قالَ: صلّى رسولُ الله ◌َّ ليلةً، فقراً بآيةٍ حتّى أصبحَ یرکُ بها، ويسجدُ بها: ﴿إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: ١١٨]، فلمّا أصبحَ قلتُ: يا رسولَ الله، ما زلتَ تقرأُ هذهِ الآيَةَ حتّى أصبحتَ تركعُ بها، وتسجدُ بها. قالَ: ((إنّ سألتُ ربّي عَلَ الشّفاعةَ لأمّتي، فأعطانيها، وهيَ نائلةٌ إنْ شاءَ اللهُ منْ لا يشركُ بالله عََّجَلَّ شيئاً)) (٤). (١) رواه مسلم [٢٣١٠]. (٢) رواه البخاري [٣١٤٩]، ومسلم [١٠٥٧]. (٣) رواه البخاري [٦١٠٢]، ومسلم [٢٣٢٠]. (٤) رواه أحمد [٢٠٨٢١]، وحسنه شعيب الأرناؤوط. ٢٧ الباب الأول: قدوة للعالمين وعنْ مالكِ بنِ الحويرثِ رَوَهُ قال: أتيتُ النّبيَّ ◌َّ في نفرٍ منْ قومي، فأقمنا عندهُ عشرينَ ليلةً، وكانَ رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا؛ قالَ: ((ارجعوا، فكونوا فيهمْ، وعلّموهمْ، وصلّوا، فإذا حضرتْ الصّلاةُ؛ فليؤذّنْ لكمْ أحدكمْ، وليؤمّكمْ أكبرکمْ))(١). وقدوةٌ في المحافظةِ على حسنِ العهدِ: عنْ عائشةَ رَوْلَهُعَنْها قالتْ: ما غرتُ على أحدٍ منْ نساءِ النّبِيِّ وَّ ما غرتُ على خديجةَ، وما رأيتها، ولكنْ كانَ النّبِيُّ وَّه يكثرُ ذكرها، وربّما ذبحَ الشّاةَ، ثمَّ يقطّعها أعضاءً، ثمَّ يبعثها في صدائقِ خديجةَ، فربّما قلتُ لهُ: كأنّهُ لمْ يكنْ في الدّنيا امرأةٌ إلّا خديجةُ، فيقولُ: ((إنّها كانتْ، وكانتْ، وكانَ لي منها ولدٌ))(٢). وقدوةٌ في التّواضعِ: قال الله سُبْحَانَهُوَعَالَى لنبيّهِوَله: ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، يعني: لِيِّنْ جانبكَ، وارفقْ بهم. أمرهُ الله تَبَارَكَ وَعَلَى بالتواضع، واللّينِ، والرّفقِ لفقراء المؤمنين، وغيرهم من المسلمين. فكان يمرُّ على الصبيانِ، فيسلّمُ عليهم(٣)، وكانتِ الجاريةُ تأخذُ بيدهِ، فتنطلقُ به حيثُ شاءتْ(٤)، وكانَ يخصفُ نعلهُ، ويرقعُ ثوبهُ(٥)، ويحلبُ شاته(٦)، ويجالسُ المساكين(٧)، ويمشي مع الأرملةِ واليتيمِ في حاجتهما (٨)، ويجيبُ دعوةَ من دعاه ولو إلى أيسِر شيءٍ، ويعودُ المريضَ، ويشهدُ الجنازةَ، ويركبُ الحمارَ، ويجيبُ دعوةَ العبدِ (٩). (١) رواه البخاري [٦٢٨]، ومسلم [٦٧٤]. (٢) رواه البخاري [٣٨١٨]، ومسلم [٢٤٣٥]. (٣) رواه البخاري [٦٢٤٧]، ومسلم [٢١٦٨] عن أنس بن مالك رَُّعَنْهُ. (٤) رواه أحمد [١١٥٣٠]، وعلّقه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه جازماً به، وصحّحه الألباني في تحقيق المشكاة [٥٨٠٩]. (٥) رواه أحمد [٢٤٢٢٨] عن عائشة رَّ عَنْهَا، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٥٦٤٧]. (٦) رواه أحمد [٢٥٦٦٢] عن عائشة رَاللهُعَنْهَا، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٥٦٤٦]. (٧) ينظر: صحيح مسلم [٢٤١٣]. (٨) رواه النسائي [١٤١٤] عن عبد الله بن أبي أوفى رََّنهُ، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٦٣٩٠]. (٩) ينظر: مدارج السالكين [٣٢٨/٢]. ٢٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقدوةٌ في الشّجاعة: عنْ عليٍّ بن أبي طالب رَ عَنْهُ قالَ: ((لّا حضرَ البأسُ يومَ بدرِ اتّقينا برسولِ الله ◌ِ﴾ وكانَ منْ أشدِّ النّاسِ ما كانَ، أوْ لمْ يكنْ أحدٌ أقربَ إلى المشركينَ منهُ))(١). وعند مسلم [١٧٧٦] عن البراء بن عازب قالَ: ((كنّا والله إذا احمرَّ البأسُ نتَقي بهِ، وإنَّ الشّجاعَ منّا للّذي يحاذي بهِ -يعني النّبِيَّ ◌َّ). وعنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَعَّهُ قالَ: ((كانَ رسولُ اللهِوَّه أحسنَ النّاسِ، وكانَ أجودَ النّاسِ، وكانَ أشجعَ النّاسِ، ولقدْ فزعَ أهلُ المدينةِ ذاتَ ليلةٍ، فانطلقَ ناسٌٌ قبلَ الصّوتِ، فتلقّاهُمْ رسولُ الله ◌َّهراجعاً، وقدْ سبقهمْ إلى الصّوتِ، وهوَ على فرسٍ لأبي طلحةَ عري [أي: بلا سرج] في عنقهِ السّيفُ، وهوَ يقولُ: ((لمتراعوا، لمْتراعوا». قالَ: «وجدناهُ بحراً، أوْ إنّهُ لبحرٌ)). قالَ: وكانَ فرساً يبطّأُ)(٢). وهذا من جملةِ معجزاته ◌َّ كونهُ ركبَ فرساً قطوفاً بطيئاً، فعاد بحراً لا يسابق، ولا يجارى. وقدوةٌ في الجودِ والكرمِ: عنْ ابنِ عبّاسٍ رَعَنْهَا قَالَ: (( كانَ رسولُ الله ◌َّ أَجودَ النّاسِ، وكانَ أجود ما يكونُ في رمضانَ حينَ يلقاهُ جبريلُ، وكانَ يلقاهُ في كلِّ ليلةٍ منْ رمضانَ، فيدارسهُ القرآنَ، فلرسولُ الله ◌َّه أجودُ بالخيرِ منَ الرّيحِ المرسلةِ)(٣). وعنِ جابر بن عبد الله رَعَنْهَ قال: ((ما سُئلَ النّبِيُّ نَّه عنْ شيءٍ قطُّ، فقالَ: لا))(٤). وعن أنس بن مالك رَتُ قالَ: ((ما سئلَ رسولُ اللهِوَِّ على الإسلام شيئاً إلّا أعطاهُ»، قالَ: ((فجاءهُ رجلٌ، فأعطاهُ غنماً بينَ جبلينٍ، فرجعَ إلى قومِهِ، فقالَ: يا قومٍ، أسلموا؛ فإنَّ محمّداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقةَ))(٥). (١) رواه أحمد [١٠٤٥]، وصححه شعيب الأرنؤوط. (٢) رواه البخاري [٢٩٠٨]، ومسلم [٢٣٠٧]. (٣) رواه البخاري [٦]، ومسلم [٢٣٠٨]. (٤) رواه البخاري [٦٠٣٤]، ومسلم [٢٣١١]. (٥) رواه مسلم [٣٣١٢]. ٢٩ الباب الأول: قدوة للعالمين وقدوةٌ في الخشية والخوف منَ الله: عنْ مطرّفٍ عنْ أبيهِ رَوَّ عَنْهُ قالَ: «رأيتُ رسولَ اللهِ وَّل يصلّي وفي صدرهِ أزيزٌ(١) کأزيزِ الرّحِى منَ البكاءِ، وٍَِّّ)) (٢). وعنِ ابنِ عبّاسٍ رَعَنْهَ قالَ: قالَ أبو بكرٍ رَنهُ: «يا رسولَ الله، قدْ شبتَ!»، فقالَ: ((شيّبتني هودٌ، والواقعةُ، والمرسلاتُ، وعمَّ يتساءلونَ، وإذا الشّمسُ كوّرتْ))(٣). وقدوةٌ في الزّهدِ في الدنيا والتَّنزّهِ عنْ مكاسبها : دخلَ عليهِ عمرُ رَّهُ وهو على حصيرِ ما بينهُ وبينهُ شيءٌ وتحتَ رأسهِ وسادةٌ منْ أدم [أي: جلد] حشوها ليفٌ، وعندَ رأسهِ أهبٌ (٤) معلّقةٌ، قال عمرُ: فرأيتُ أثرَ الحصير في جنبهِ؛ فبكيتُ، فقالَ: ((ما يبكيكَ؟))، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ كسرى، وقيصرَ فيما هما فيهِ، وأنتَ رسولُ الله، فقالَ: ((أما ترضى أنْ تكونَ لهمُ الدّنيا، ولنا الآخرةُ) (٥). وفي الوقتِ الذي كانَ يحثُّ أصحابه على الزهدِ في الدنيا، والتعلّق بالآخرةِ كان يحجُّ على رحلٍ رٌّ (٦)، وقطيفةٍ لا تكاد تساوي أربعة دراهمَ(٧). وقدوةٌ في الثّباتِ معَ اليقينِ بوعدِ الله: روى البخاري [٢٨٦٤]، ومسلم [١٧٧٦] عن أبي إسحاقَ عنْ البراءِ رََّ عَنْهُ قالَ لهُ رجلٌ: يا أبا عمارةَ ولَّيْتَمْ يومَ حنينٍ! قالَ: ((لا والله ما ولّى النّبِيُّ ◌َّةِ، ولكنْ ولّى سرعانُ النّاسِ (أوائلهم) فلقيهمْ هوازنُ بالنّبلِ، والنّبيُّ ◌َّهِ على بغلتِهِ البيضاءِ، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ آخذٌ بلجامها، والنّبِيُّ ◌َّه يقولُ: ((أنا النّبيُّ لا كذبْ، أنا ابنُ عبدِ المطّلبْ)). (١) الأزيز: صوت البكاء، وقيل: هو أن يجيش جوفه ويغلى بالبكاء، انظر: النهاية [٤٥/١]. (٢) رواه أبو داود [٩٠٤]، وصححه الألباني. (٣) رواه الترمذي [٣٢١٩]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٣٧٢٣]. (٤) جمع إهاب، وهو الجلد الذي لم يبدغ، انظر: النهاية [١/ ١٩٨]. (٥) رواه البخاري [٥٨٤٣]، ومسلم [١٤٧٩]. (٦) أي: خلقٍ بالٍ، انظر: النهاية [٤٧٩/٢]. (٧) رواه ابن ماجة [٢٨٩٠] عن أنس بن مالك رَ عَنهُ، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٦١٧] بمجموع طرقه وشواهده. ٣٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقدوةٌ في الصّبر على النّاسِ والعفوِ عنِ المسيىءٍ: وقد جاء وصفه في التّوراةِ: ((ليسَ بفظٍّ ولا غليظٍ ولا سخّابٍ بالأسواقِ، ولا يدفعُ السّئَةَ بالسّيّئَةِ ولكنْ يعفو ويصفحُ))(١). وقدوةٌ في كثرة الاستغفارِ والتّوبةِ: عنْ أبي هريرةَ رَنهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَلَ قالَ: ((والله إنّ لأستغفرُ اللهَ، وأتوبُ إليهِ في اليومِ أكثرَ منْ سبعينَ مرّةً))(٢). وهوَ قدوةٌ في العبادة: عَنْ عائشةَ رَّعَنْهَا أَنَّ نبِيَّ الله ◌َِّ كانَ يقومُ منَ اللّيلِ حَتّى تتفطّرَ [أي: تتشقّق] قدماهُ، فقالتْ عائشةُ: لم تصنعُ هذا يا رسولَ الله، وقدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدّمَ منْ ذنبكَ، وما تأخّرَ؟ قالَ: ((أفلا أحبُّ أنْ أكونَ عبداً شكوراً)(٣). وعنْ عبيدِ بنِ عميرِ رَّهُ أَنّهُ قالَ لعائشةَ رَعَنْهَا: «أَخبرينا بأعجبِ شيءٍ رأيتهِ منْ رسولِ اللهِوَّ)، قالَ: فسكتتْ، ثمَّ قالتْ: ((لّا كانَ ليلٌ منَ اللّيالي، قالَ: ((يا عائشةُ، ذريني أتعبّدُ اللّيلةَ لربي)، قلتُ: والله إنّي لأحبُّ قربكَ، وأحبُّ ما سرّكَ، قالتْ: فقامَ، فتطهّرَ، ثمَّ قامَ يصلّي، قالتْ: فلمْ يزل يبكي حتّى بلَّ حجرهُ، قالتْ: ثمَّبكى، فلمْ يزل يبكي حتّى بلَّ لحيتهُ، قالتْ: ثمَّبكى، فلمْ يزل يبكي حتّى بلَّ الأرضَ، فجاءَ بلالٌ يؤذنهُ بالصّلاةِ، فلمّا رآهُ يبكي، قالَ: يا رسولَ الله، لم تبكي، وقدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدّمَ وما تأخّرَ؟ قالَ: ((أفلا أكونُ عبداً شكوراً؟ لقدْ نزلتْ عليَّ اللّيلةَ آيةٌ، ويلٌ لمنْ قرأها، ولمْ يتفكّرْ فيها: ﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ وَأُخْتِلَفِ اُلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ اُلْأَلْبَبِ ﴾ [آل عمران: ١٩٠] الآيَةَ كلّها(٤). (١) رواه البخاري [٢١٢٥] عنْ عبدِ الله بن عمرو بنِ العاصِ رَعَنْظًا. (٢) رواه البخاري [٦٣٠٧]. (٣) رواه البخاري [٤٨٣٧]، ومسلم [٢٨٢٠]. (٤) رواه ابن حبان [٦٢٠]، وحسّنه الألباني في الصحيحة [٦٨]. ٣١ الباب الأول: قدوة للعالمین وفي شهرِ رمضانَ، كانَ هديه الإكثارَ من أنواع العباداتِ، يكثرُ فيه من الصدقةِ والإحسانِ، وتلاوةِ القرآنِ، والصلاةِ، والذّكرِ، والاعتكافِ. وفي التطوّع: كان ◌َّ يصوم حتى يقال: لا يفطرُ، ويفطرُ حتّى يقالَ: لا يصومُ، وما استكملَ صيامَ شهر غيرَ رمضان، وما كان يصومُ في شهرٍ أكثرَ ممّا يصومُ في شعبان(١)، و کان يتحرّى صيام يوم الاثنين والخميس(٢). وفي قراءة القرآن: كانت قراءته ترتيلاً، لا هذّاً ولا عجلةً، بل قراءةً مفسّرةً حرفاً حرفاً، وكان يقطّعُ قراءته آيَةً آيَةً، وكان يمُّ عندَ حروفِ المدِّ، فيمدُّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ویمدُّ ﴿الرَّحِيمِ﴾(٣)، وكانَ يستعيذُ بالله من الشيطانِ الرجيمِ في أوّلِ قراءته، فيقولُ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ))، وربّما كان يقول: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ الشّيطانِ الرّجيم من همزهِ ونفخهِ، ونفتِهِ))(٤)، وكان له ◌َّ حزب يقرؤه، ولا يخلُّ به. وكان يقرأ القرآن قائماً، وقاعداً، ومضطجعاً، ومتوضئاً، ومحدثاً، ولم يكنْ يمنعه من قراءته إلا الجنابة))(٥). وهوَ قدوة في ذكرهِ للهِ: فقد كانَ النبيُّ ◌َّ أَكَمَلَ الخَلْقِ ذكراً لله عَهَجَلَّ، وكان يذكر الله في كل أحيانه، قائماً وقاعداً، وماشياً وراكباً، وسائراً ونازلاً. ودعا إلى الاقتداء به في صلاته، وصيامه، وزواجهِ: فعن أنس بن مالكٍ رَّعَنْهُ قال: جاءَ ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النّبيِّ نَّه يسألونَ عنْ عبادةِ النّبِّ وَّةِ، فلّا أخبروا كأنّهمْ تقالّوها! [أي: اعتبروها قليلةً] فقالوا: وأينَ نحنُ منْ النّبِّ ◌ََّ؟ قَدْ غفرَ لهُ ما تقدّمَ منْ ذنبهِ، وما تأخّرَ. (١) رواه البخاري [١٩٦٩]، ومسلم [١١٥٦]. (٢) رواه الترمذي [٧٤٥]، والنسائي [٢٣٦١]، وابن ماجة [١٧٣٩] عن عائشة رَّ لَهُعَنْهَا، وصححه الألباني. (٣) ينظر: صحيح البخاري [٥٠٤٦]. (٤) رواه أبو داود [٧٧٥]، والترمذي [٢٤٢]، والنسائي [٨٩٩] عن أبي سعيد الخدري رَضُّعنه، وصححه الألباني. (٥) ينظر: زاد المعاد [١/ ٤٨٢]. ٣٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ أحدهمْ: أمّا أنا فإنّي أصلّ اللّيلَ أبداً، وقالَ آخرُ: أنا أصومُ الدّهرَ ولا أفطرُ، وقالَ آخرُ: أنا أعتزلُ النّساءَ، فلا أتزوّجُ أبداً. فجاءَ رسولُ اللهِوَّه إليهمْ، فقالَ: «أنتمْ الّذينَ قلتمْ كذا وكذا؟ أما والله إنّ لأخشاكمْ لله، وأتقاكمْ لهُ، لكنّي أصومُ وأفطرُ، وأصلّي وأرقدُ، وأتزوّجُ النّساءَ. فمنْ رغبَ عنْ سنّتي فليسَ منّي))(١). قال ابن حجر رَحمَةُاللّهُ: «قوله: «فمنْ رغبَ عنْ سنّتي؛ فليسَ منّي))، أي: منْ تركَ طريقتي، وأخذَ بطريقةٍ غيري فليسَ منّي. وطريقة النّبيّ وَّ الحنيفيّة السّمحة، فيفطرُ ليتقوّى على الصّوم، وينام ليتقوّى على القيام، ويتزوّج لكسرِ الشّهوة، وإعفاف النّفس، وتكثير النّسل. وفي الحديث: دلالة على تتبّع أحوال الأكابر؛ للتّأسّي بأفعالهمْ، وأنَّ منْ عزمَ على عمل برِّ، واحتاجَ إلى إظهاره حيثُ يأمنُ الرّياءَ؛ لمْ يكنْ ذلكَ ممنوعاً)(٢). قدوة في الحجّ: والحجُّ من أوضحِ عباداتِ الإسلامِ التي يتجلّى فيها اتباعُ النبيِّ ◌َِّ، والتأسّي بِهِ. وقد أمر ◌َّه بالاقتداء به في الحج بقوله: ((لتأخذوا مناسككمْ؛ فإنّ لا أدري لعلّ لا أحجُّ بعدَ حجّتي هذهِ))(٣). والاقتداء بالنبيِّ وَّ لا يقتصرُ على صفاته المعنويّةِ، بل يتعدّى ذلك؛ ليشملَ الاقتداءَ به في جوانب حياته العمليّةِ، فهديه في ذلك ﴾ أكملُ هدي، يقتدي به المسلمُ. ففي الطعام والشرابِ؛ لا يردُّ موجوداً، ولا يتكلّفُ مفقوداً. (١) رواه البخاري [٥٠٦٣]، ومسلم [١٤٠١]. (٢) فتح الباري [١٠٦/٩]. (٣) رواه مسلم [١٢٩٧]. ٣٣ الباب الأول: قدوة للعالمین ما قرّبَ إليه شيءٌ من الطيباتِ إلا أكله، ما عاب طعاماً قطُّ، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه(١). ويرى الهلالُ، ثم الهلالُ، ثم الهلالُ، ولا يوقد في بيته نارٌ(٢). وكان إذا قرّبَ إليه الطعامُ قال: ((بسمِ الله)، فإذا فرغَ من طعامه قال: ((اللهمَّ أطعمتَ وسقيتَ، وأغنيتَ وأقنيتَ، وهديتَ وأحييتَ، فلكَ الحمدُ على ما أعطيتَ))(٣). وإذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعوَ لهم(٤). يأكلُ ما تيسّرَ، فإن أعوزهُ صبرَ، حتى إنه ليربطُ على بطنه الحجر من الجوع، وكانَ لا يأنفُ من مؤاكلة أحدٍ صغيراً كان أو كبيراً، حرّاً أو عبداً، أعرابيّاً أو مهاجراً (٥). وفي النّومِ والاستيقاظ: كان ينامُ إذا دعته الحاجةُ إلى النومِ على شقّه الأيمن، ذاكراً الله تعالى، غيرَ ممتلئ البدنِ من الطعامِ والشرابِ. وكانَ إذا أرادَ أنْ ينامَ وضعَ يدهُ تحتَ رأسهِ ثمَّ قالَ: «اللهمَّ قني عذابكَ يومَ تبعثُ عبادكَ))(٦). وكان يستيقظ إذا صاح الصّارخُ، فيحمدُ اللهَ تعالى ويكبّرِه، ويهلّله ويدعوه، ثم يستاكُ، ثمَّ یقوم إلى وضوئه، ثم يقفُ للصلاة بین یدی ربّه، مناجیاً له بكلامه، مثنیاً علیه، راجياً له، راغباً راهباً. وكان ينامُ على الفراشِ تارةً، وعلى الحصيرِ تارةً، وعلى الأرضِ تارةً، وعلى السرير تارةً(٧). (١) ينظر: صحيح البخاري [٣٥٦٣]، وصحيح مسلم [٢٠٦٤]. (٢) ينظر: صحيح البخاري [٢٥٦٧]، وصحيح مسلم [٢٩٧٢]. (٣) رواه أحمد [١٦١٥٩]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٤٧٦٨]. (٤) ينظر: حديث عبدِ الله بنِ بسِر في صحيح مسلم [٢٠٤٢]. (٥) ينظر: زاد المعاد [١/ ١٤٧]. (٦) رواه الترمذي [٣٣٩٨] عن حذيفة بن اليمان رَُّعَنْهُ، وصححه الألباني. (٧) ينظر: زاد المعاد [١٥٥/١]، [٢٤٦/٤]. ٣٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدوة في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه : كان إذا تكلّم؛ تكلّمَ بكلامٍ مفصّلٍ مبيّنٍ يعدّه العادُّ، ليس بهذَّ مسرعٍ لا يحفظ، ولا منقطعِ تخلّله السكتاتُ بين أفراد الكلام، بل هدیه فيه أكملُ الهدي. وكان كثيراً ما يعيدُ الكلامَ ثلاثاً ليعقلَ عنهُ، وكانَ إذا سلّم سلّم ثلاثاً(٨). وكانَ طويلَ السكوتِ، لا يتكلمُ بشيءٍ في غيرِ حاجةٍ، ويتكلّم بجوامع الكلامِ، فصلٍ لا فضولٍ ولا تقصيرِ، وكانَ لا يتكلّمُ فيما لا يعنيهِ، ولا يتكلمُّ إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا کره الشيء؛ عرفَ في وجهه. وكان جلَّ ضحكه التبسّم، بل كلّه التبسّمُ، فكان نهايةُ ضحكه أن تبدوَ نواجذه. وكان يضحكُ مما يضحكُ منه، وهو مما يتعجّبُ من مثلِهِ، ويستغربُ وقوعه ويستندر (٩). وأمّا بكاؤه ێ، فكان من جنسٍ ضحكه، لم یکنْ بشھیقٍ، ورفع صوتٍ، كما لم یکنْ ضحكه بقهقهةٍ، ولكن كانتْ تدمعُ عيناه حتى تهملا، ويسمع لصدره أزيزٌ. وكان بكاؤهُ تارةً رحمةً للميّتِ، وتارةً خوفاً على أمّته وشفقةً عليها، وتارةً من خشية الله، وتارةً عندَ سماعِ القرآنِ، وهو بكاءُ اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ، مصاحبٌ للخوفِ، والخشيةِ. ولما ماتَ ابنه إبراهیمُ؛ دمعتْ عیناه وبکی رحمةً له، وبکی لمّا شاهد إحدى بناته ونفسها تفيضُ(١٠). وبكى لَّا قرأ عليه ابنُ مسعودٍ سورةَ النساءِ(١١). وبكى لما مات عثمان بن مظعون، وبكى لما كسفت الشمسُ، وصلى صلاة الكسوف، وجعلَ یبکي في صلاته، وجعل ينفخُ. وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته، وكانَ يبكي أحياناً في صلاة اللّيلِ(١٢). (٨) رواه البخاري [٩٤] عن أنس بن مالك رَّ عَنْهُ. (٩) ينظر: زاد المعاد [١/ ١٨٢]. (١٠) ينظر: مسند أحمد [٢١٢٧٢]، وهي أمامة، أو أميمة بنت زينب رَُّعَنْهَا. (١١) رواه البخاري [٤٥٨٢]، ومسلم [٨٠٠] من حديث ابن مسعود رَضَلَّهُ عَنْهُ. (١٢) ينظر: زاد المعاد [١٨٣/١]. ٣٥ الباب الأول: قدوة للعالمين قدوة في خطبته: كان إذا خطبَ؛ احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه حتى كأنّهُ منذرُ جیشٍ، لا يخطب خطبةً إلا افتتحها بحمد الله. وكان مدارُ خطبه على حمدِ الله، والثناءِ علیه بآلائه، وأوصافِ کماله ومحامده، وتعلیم قواعدِ الإسلامِ، وذكرِ الجنّة والنّارِ والمعادِ، والأمرِ بتقوى الله، وتبیینِ موارد غضبه، ومواقعٍ رضاه، فعلى هذا كانَ مدارُ خطبه. وكان يخطب في كلِّ وقتٍ بما تقتضيه حاجةُ المخاطبين ومصلحتهم، وكان يقصّرُ خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً، بحسبٍ حاجة الناسِ(١). وقدوة في المعاملات: كان أحسنَ النّاسِ معاملةً. باع رسولُ الله ◌َلّه واشترى، وآجر، واستأجر، وشاركَ غيره، ولما قدم عليه شريكهُ قالَ: أما تعرفني؟ قال: ((أما كنتَ شريكي؟ فنعمَ الشّريكُ كنتَ لا تداري، ولا تماري))(٢). وأهدى، وقبلَ الهديةَ، وأثابَ عليها، واستدانَ برهنٍ، وبغير رهنٍ، واستعارَ، واشترى بالثمنِ الحالِّ والمؤجّلِ. وكانَ إذا استلفَ سلفاً؛ قضى خيراً منه، وكان إذا استسلفَ من رجل سلفاً؛ قضاه إياه، ودعا له، فقال: ((باركَ اللهُ لكَ في أهلكَ ومالكَ، إنّما جزاءُ السّلفِ الحمدُ والأداءُ))(٣). ووقفَ رسولُ الله ◌َّه أرضاً كانت له، جعلها صدقةً في سبيل الله. وتشفّع، وشفّع إليه، وردّتْ بريرةُ شفاعته في مراجعتها مغيثاً، فلم يغضبْ عليها، ولا عتبَ، وهو الأسوة والقدوة. (١) ينظر: زاد المعاد [١/ ١٩١]. (٢) رواه أبو داود [٤٨٣٦]، وابن ماجة [٢٢٨٧]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٤٨٣٨]. (٣) رواه النسائي [٤٦٨٣]، وابن ماجة [٤٢٤٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٢٣٥٣]. ٣٦ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحلفَ في أكثرَ من ثمانين موضعاً، وأمره اللهُ سبحانه بالحلفِ في ثلاثة مواضعَ، وكانَ رَّه يستثني في يمينِهِ تارةً، ويكفّرها تارةً، ويمضي فيها تارةً. وكان يمازحُ، ويقول في مزاحه الحقَّ، ويورّي، ولا يقول في توريته إلا بحقّ. وسابق رسولُ الله ◌َّه بنفسه على الأقدامِ، وصارعَ. وخصفَ نعله بيده، ورقعَ ثوبه بيده، ورقعَ دلوهُ، وحلبَ شاته، وفلى ثوبه، وخدمَ أهلهُ ونفسه، وحمل معهم اللّبنَ في بناءِ المسجدِ، وأضافَ وأضيفَ. وكانَ يعودُ المريضَ، ويشهدُ الجنازة، ويجيب الدّعوة، ويمشي مع الأرملةِ والمسكينِ والضعيف في حوائجهم، وسمع مديحَ الشّعرِ، وأثابَ عليه(١). قدوةٌ في عيادة المرضى: كان ◌َّ يعودُ منْ مرضَ من أصحابه، وعاد غلاماً كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمّه وهو مشركٌ، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم اليهودي، ولم يسلمْ عمّه. وكان يدنو من المريضِ، ويجلسُ عند رأسه، ويسأله عن حاله، فيقول: ((كيفَ تجدكَ؟)). وكان يمسحُ بيده اليمنى على المريضِ، ويقول: ((اللهمَّ ربَّ النّاس، أذهبِ البأسَ، واشفه أنتَ الشّافي، لا شفاءَ إلا شفاؤكَ شفاءً لا يغادرُ سقماً))(٢). قدوةٌ في سننِ الفطرةِ: كان يعجبه التيمّنَ في تنعّله، وترجّله، وطهوره، وأخذه وعطائه، وكانت يمينه لطعامه وشرابه وطهوره، ويساره لخلائه ونحوه من إزالة الأذى. وكان هديه في حلق الرأسِ تركه كلّه، أو أخذه كلّه، ولم یکنْ يحلق بعضه، ويدعُ بعضه. وكان يحبُّ السّواكَ، ويستاكُ مفطراً وصائماً، وعندَ الانتباهِ من النومِ، وعندَ الوضوءِ، والصلاةِ، ودخولِ المنزلِ. (١) ينظر: زاد المعاد [١٦٥/١]. (٢) ينظر: زاد المعاد [٤٩٤/١]. ٣٧ الباب الأول: قدوة للعالمين يكثرُ التطيّبَ، ويحبُ الطّيبَ، ولا يردّهُ. وكان يحبُّ الترجّلَ، وكان يرجّل نفسه تارةً، وترجّله عائشةُ تارةً(١). فلينظر المسلمون إلى حالهم اليومَ، وليتّخذوا من رسولِ الله وَّ وصحابته مثلهم الأعلى، بدلاً من أن يتّخذوا من الممثّلين والممثلات، والمفكّرين العالميّين، ورجالِ الغربِ قدوةً لهم. ولا بدَّهنا من الكلام عن مسألة مهمّةٍ، وهي: ما هي الأفعال التي يقتدى بها من أفعال النبي گځ؟ ولبيان ذلك نقول: تنقسمُ أفعالُ النبيِّهِ، إلى أربعة أقسام: القسم الأول: الأفعال الجبليّة، وهي الأفعال الصادرة من النبيِّ مقال﴾ باعتباره بشراً كسائر البشرِ، وليس بمقتضى الرسالةِ، كالحركاتِ، والقيام والقعود، والمشي، والأكل والشرب، والنوم، فهذه الأفعالُ لا يتعلّقُ بها أمرٌ، ولا نهيٌ. إلا أن الفعلَ الجبّيَّ إذا واظبَ النبيُّ وََّ على إيقاعه على هيئةِ مخصوصةٍ؛ فإنه يخرج من الإباحة إلى الاستحباب، كنومه على الشّقِّ الأيمنِ. وكذلك إذا ورد قول يحثُّ على هذا الفعل؛ فإنه يصيرُ مستحبّاً، كالتنفّس في الشراب ثلاثاً، والأكلِ باليمينِ. القسم الثاني: أفعاله الجاريةُ على وفق عادات قومه وأعرافهم، مما لم يدلُّ دليلٌ على ارتباطها بالشرع. كالأمورِ التي تتعلّقُ باللباسِ؛ لأن اللباسَ مرجعه إلى العادةِ التي اعتادها أهلُ البلدِ؛ ولهذا لم يغيّرِ الرسولُ وَّ لباسه الذي كان يلبسه قبل النبوةِ، وإنما وضع شروطاً وضوابطَ للباسِ الرجلِ، والمرأة، وكتطويلٍ شعره أيضاً: فهذه الأفعالُ لا يقالُ: إن متابعتهُ فيها سنّةٌ؛ لأنه لم يقصدْ بفعلها التشريعَ، ولم يتعبّدْ بها. وإذا ورد قولٌ يأمرُ بذلك، أو يرغّبُ فيه، أو جاءتْ قرينةٌ تدلُّ على علاقةِ الفعلِ العاديِّ (١) ينظر: زاد المعاد [١٧٦/١]. ٣٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشريعةِ، فهذا خارجٌ عن هذا النوعِ، كلبس الأبيضِ، ورفعِ الإزارِ إلى نصفِ الساقِ، ونحو ذلك. القسم الثالث: أفعاله الخاصّةُ به، وهذه لا أسوةَ به فيها، كالوصالِ في الصيامِ، وجمعه بينَ أكثر من أربع نسوةٍ، ونكاح الموهوبةِ بلا مهر، ونحو ذلك. القسم الرابع: الفعل التعبّديُّ، وهو الفعل الذي فعله النبيُّ ◌َّ تعبّداً لله. فهذا الفعلُ هو الذي يقتدى بالنبِّ وَّ فِيه، وقد يكون واجباً، وقد يكونُ مستحبّاً. وإلى جانبِ الاقتداءِ بالنبيِّ يَّ في الأفعالِ يقتدى به في التّروك. والمقصودُ بالتّروك: تركه ◌َ ل﴿ فعلَ أمرٍ من الأمورِ، ومعرفةُ تركه ◌َّ لأمرٍ من الأمور یکونُ بطریقینِ: - الأوّلُ: التصريح بأنه تركَ كذا وكذا، ولم يفعلهُ، كقول الصحابيِّ في صلاة العيدِ: ((أَنَّ رسولَ الله ◌َّه صلّى العيدَ بلا أذانٍ، ولا إقامةٍ(١). - الثاني: عدمُ نقلِ الصحابةِ للفعلِ الّذي لو فعله النبيُّ ◌َِّ؛ لتوفّرت هممهمْ ودواعيهم على نقله للأمّةِ. فحيثُ لم ينقلهُ واحدٌ منهم ألبتةَ، ولا حدّث به في مجمعٍ أبداً علم أنه لم يكنْ، وذلك كتركه ◌َّه التلفّظَ بالنيةِ عندَ دخوله الصلاةَ، وتركه ◌َله لفعلٍ من الأفعالِ يكون حجةً، إلا إذا تركَ شيئاً؛ لوجودِ مانع من فعله، كتركه ◌َّ قیامَ رمضانَ جماعةً؛ بسببٍ خشيته أن يفرضَ على أمّته، فمثل هذا ليست الأسوة في تركه، بل في فعله؛ لانتفاء المانع. (١) رواه البخاري [٩٥٩]، ومسلم [٨٨٦]، وأبو داود [١١٤٧]، واللفظ له. الباب الثاني: تعاملُ النَّبيُّ وَالاله مع أَهْله وأقاربه ومَنْ حَولَهُ