النص المفهرس

صفحات 221-240

١٠٩٢
مكَّة صلَّى بهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ركعتَيْن، ثم سلَّم، ثم قال :
أَتِمّوا صلاتكم يا أَهلِ مَّة، فإِنا سَفْرٌ! وقد اختُلِف علينا فيما أَهَلَّ به
صلَّى الله عليه .
قال : فحدّثنى ابن أَبى طَوالة، عن حَبيب بن عبد الرحمن ، عن محمود
ابن لَبيد ، عن أَبى طَلحة، أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَرَن مع حَجّته عُمرة.
قال : وحدّثنى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، عن حَفْصَة
زوج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالت ، قلت: يا رسول الله، تأُمز الناس
أَن يَحِلّوا ولم تَحِلّ أَنتَ من عُمرتك ؟ قال : إِنَى لبّدت رأسى، وقلَّدت
هَدْبى ، فلا أَحِلُّ حتى أَنحَر هَدْبى .
حدّثنى سَعْمَر، عن الزُّهرِىّ، عن محمّد بن عبد الله بن نَوْقَلْ بن
الحارث، عن سعد بن أبى وَقَّاص؛ ومَعْمَر ، عن الزُّهرىّ ، عن سالم ، عن
ابن عمر: قالا. أَهَلَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالعُمرة وساق الهَدْى.
قال : فحدّثنى مالك بن أنس ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة رضى الله عنها ، قالت : أَفرد رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
الحجّ ، فكان هذا الأمر الذى أَخذ به أهل المدينة وثبت عندهم . قالت
عائشة: وأصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الأحد بمَلَل ، ثم راح
فتعثّى بِشَرَف السَّيَّالة، وصلَّى بالشَّرَف المغرب والعشاءَ، وصلَّى الصبح
بعِرْق الظَّبْيَة بين الرَّوْحاءِ والسّالة - وهو دون الرَّوْحاءِ، فى المسجد الذى عن
يمين الطريق. ثم نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الرَّوْحاءَ، فإذا بحِمار
عَقيزٍ ، فذُكِر للنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقيل: يا رسول الله، هذا حِمارٌ
عَقير : قال : دعوه حتى يأتى صاحبُه . فجاءَ النَّهدىّ وهو صاحبه فأهداه
لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأمر به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكر

١٠٩٣
فَقَسَمه بين أصحابه، وقال: صَيْدُ البَرِّ لكم حَلالٌ ، إِلَّ ما صِدتم أَو صِيد
لكم. ثم راح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الرَّوْحاءِ فصلَّى العصر
بالمُنْصَرَف (١)، ثم صلَّى المغرب والعشاء وتعشّى به، وصلَّى الصُّبْح بالأَّنايَة (٢)
وأَصبح يومَ الثلاثاء بالعَرْجِ .
قال: فحدّثنى أبو حمزة عبد الواحد بن مَصون، عن عروة بن الزُّبَير ،
عن أَسْماء بنت أبى بكر ، قالت : وكان أبو بكر رضى الله عنه قال الرسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالمدينة : إنَّ عندى بعيرًا نحمل عليه زادَنا . قال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فذاك إِذًا! قالت: فكانت زامِلَةُ (٣) رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأَبى بكر واحدة ، فأَمر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
بزادٍ ، دقيقٍ وسَويقٍ ، فجُعِل على بعير أبى بكر . وكان غُلامُه يركب عليه
عُقْبَةً، فلمّا كان بالأَّنايَة عرّس الغلامُ وأَناخ بعيره فغابته عَيْناه، فقام
البعير يجرّ خِطامه آخِذًا فى الشِّعْب ، وقام الغلام فَلَزِمِ الطريق ، يظنّ أَنه
سَلَكها ، وهو يَنشده فلا يسمح له بذِكْر. ونزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فى أَبياتٍ بالعَرْج ، فجاءَ الغلام مُظهِرًا، فقال أبو بكر رضى الله عنه :
أَين بَعيرك؟ قال: ضلَّ مِنِّى! قال: وَيْحَك، لو لم يكن إِلَّا أَنا لَهان
الأَمرُ علىّ، ولكن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأَهلُه! فلم يَلَبَث أَن طلع
به صَغوان بن المُعَطَّل ، وكان صفوان على ساقةِ الناسِ ، وأَناخه على باب
منزل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، فقال لأبى بكر رضى الله عنه : انظر
هل تَفْقِد شيئاً من متاعك! فنظر فقال: ما نَفقِد شيئاً إِلَّا قَعْباً كنا نشرب
(١) المنصرف: موضع بين مكة وبدر بينهما أربعة برد. (معجم البلدان، ج ٨، ص
١٧٧ ) .
(٢) الأثاية: موضع فى طريق الجحفة بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخً. ( معجم البلدان ،
ج ١، ص ١٠٧) .
(٣) الزاملة: بعير يستظهر به الرجل، يحمل متاعه وطعامه عليه. (الصباح . ص ١٧١٨).

١٠٩٤
به ، فقال الغلام : هذا القَعْب معى . فقال أبو بكر رضى الله عنه :
أَدَّى الله عنك الأمانة !
قال : حدّثنى يعقوب بن يحيى بن عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبَير ، عن
عيسى بن مَعْمَر ، عن عَبّاد بن عبد الله ، عن أَسْماء بنت أبى بكر
رضى الله عنه، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمّا نزل العَرْج جلس بفناء
منزله ، ثم جاءَ أَبو بكر رضى الله عنه فجلس إلى جنبه ، فجاءت عائشة
رضى الله عنها فجلست إلى جنبه الآخر، وجاءت أَسْماء فجاست إلى جنب
أبى بكر رضى الله عنه، وأَقبل غلامُ أَبى بكر متسربلاً، فقال له أبو بكر
رضى الله عنه: أين بعيرك؟ قال: أَضَّنى . فقام إليه أبوبكررضى الله عنه
يضربه ويقول: بعيرٌ واحدٌ (١) يضلُّ منك؟ فجعل رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم يتبسّم ويقول: أَلا تَروْن إِلى هذا المُحْرِم وما يصنع؟ وما ينهاه رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
قال : فحدّثى أبو حمزة ، عن عبد الله بن سعد الأَسلمىّ ، عن آل
نَضْلَةِ الأَسلمىّ، أَنهم خُبِّروا أَنَّ زامِلَة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ضلَّت،
فحملوا جَفْنَةٌ من حَيْسِ فأَقبلوا بها حتى وضعوها بين يدى رسول الله
صَلَّى الله عليه وسلَّم، فجعل يقول: هَلُمّ يا أبا بكر ، فقد جاءَك الله
بغَداءٍ طيّبٍ ! وجعل أبو بكر رضى الله عنه يَغْتَاظ على الغلام ، فقال النبيّ
صلَّى الله عليه وسلَّم: هَوِّنْ عليك، فإِنَّ الأَمر ليس إِليك ، ولا إِلينا معك !
قد كان الغلام حريصاً أَلَّ يضِلّ بعيرُه، وهذا خَلَفٌ ممّا كان معه . فأَكل
(١) فى الأصل: ((بعيرا واحدا)).

١٠٩٥
رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم وأَهله وأبو بكر، وكلّ مَن كان مع رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم حتى شبعوا .
قال : وجاءَ سعد بن عُبادة وابنه قيس بن سعد بزامِلَةٍ تحمل زادًا،
يؤمّان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، حتى يجدا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
واقفاً عند باب منزله قد أَتّى اللهُ بزامِلَته ، فقال سعد : يا رسول الله ، قد
بلغَنا أَنَّ زامِلَتك أَضلَّت مع الغلام، وهذه زاوِلَةٌ مكانَها. فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: قد جاءَ الله بزامِلَتنا فارجعا بزامِلَتكما باركَ الله عليكما!
أَما يكفيك يا أَبا ثابت ما تصنع بنا فى ضِيافتك منذ نزلنا المدينة ؟ قال
سعد: يا رسول الله، المِنَّة لله ولرسوله، والله يا رسول الله، لَلَّى تأُخذ
من أموالنا أَحبُّ إلينا من الذى تّدَع ، قال: صدقتم يا أَبا ثابت، أَبْشِرْ
فقد أَفلحتَ ! إِنَّ الأَخلاق بيد الله عزَّ وجلّ ، ومَن أَراد الله أَن يَمِنَحه منها
خُلُقاً صالحاً مَنَحه، ولقد مَنَحك الله خُلُقاً صالحاً . فقال سعد : الحمد لله
الذى هو فعل ذلك! قال ثابت بن قيس: يا رسول الله، إِنَّ أَهْلَ بيت سعد
فى الجاهليّة سادتُنا والمُطعِمون فى المَحْلِ(١) منا. قال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : الناس مَعادِنِ ، خِيارُهم فى الجاهليّة خِيارُهم فى الإِسلام إذا فَقُهوا ،
لهم (٢) ما أَسلموا عليه .
قال ابن أبى الزِّناد، يقول له جميلٌ ذِكْرُه، قال: واحتجم رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم بلَحْيَى جَمَلٍ (٣)، وهو مُحْرِم، فى وَسَط. رأسه. قال:
حدّثنى بذلك محمّد، وعبد الرحمن بن أَبى الزِّناد ، وسُليمان بن بِلال ،
(١) المحل: الجدب، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلا. (الصحاح، ص١٨١٧).
(٢) فى الأصل: (( له )).
(٣) لحيا جمل: موضع بين مكة والمدينة. (معجم البلدان، ج ٧، ص ٣٢٥).

١٠٩٦
عن عَلْقَمَة بن أَبِى عَلْقَمَة، عن الأعرج، عن ابن بُحَيْنَة ، قالوا : ونزل
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم السُّقْيا يومَ الأربعاء، ثم أصبح رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم بالأَبْواء، فأَهدى له الصَّعْب بن جَثَّامة عَجُزَ حِمارٍ
يَقطُر دماً ، فردّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: إِنَّا حُرُم . فكان
مُعاوية يقول: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يأكل بالأَبْوَاء لِيَاءً
مُقَشِىٌّ(١) أُهدِى له من وَدّان، ثم قام فصلّى ولم يتوضّأُ، فصلَّى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم فى المسجد الذى ينظر وادى الأَبْواءِ، على يسارك وأنت
مُوجّهُ إِلى مكَّة. ثم راح النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الأَبْواءِ فصلَّى بتَلَعات(٢)
اليمن ، وكان هناك سَمُرَة. كان ابن عمر يُخبر أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم جلس تحتها ، وكان ابن عمر يصبّ الإِداوة تحتها إذا مرّ بها، يسقيها.
قال : حدّثنى أَفلح بن حُمَيد، عن أبيه ، قال : كان ابن عمر يُخبر
أنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم جلس تحتها، وأنَّ ابن عمر كان يصبُّ
الإِداوة تحتها فى أَصل السَّمُرَة ، يُريد بقاءها .
قال : فحدّثنى أَفلح بن حُمَيد، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: صلَّى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى المسجد الذى هناك حين يهبط. من ثنيّة
أراك (٣) على الجُحْفَة، ونزل يوم الجمعة الجُحْفَة، ثم راح منها فصلِّ فى
المسجد الذى يُحرَم منه مُشرِفاً خارجاً من الجُحْفَة، والمسجد الذى دون خُمّ
عن يسار الطريق ، فكان يوم السبت بقُدَيد، فصلَّى فى المسجد المُشَلَّل ،
(١) فى الأصل: ((لبا مقشا)). واللياء حب كالحمص؛ ولياء مقشى أى مقشور. (النهاية
ج ٣، ص ٢٥٦) .
(٢) تلعات: جمع تلعة وهى ما ارتفع من الأرض وما انهبط منها، ضد، ومسيل الماء وما اتسع
من فوهة الوادى . ( القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٠) .
(٣) فى الأصل: ((ثنية عراك)). وأراك: واد قرب مكة يتصل بغيقة، كما ذكر ياقوت.
( معجم البلدان، ج ١، ص ١٦٩) .

١٠٩٧
وصلِّى فى المسجد الذى أَسفل من لَفّت .
قال : حدّثنى إسماعيل بن إبراهيم ، عن أبيه، عن كُرِيب ، عن ابن
عبّاس رضى الله عنه ، قال: مرّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ بامرأةٍ فى
مِحَفَّتِها(١) ، ومعها ابنٌ لها صغير ، فأَخذت بعَضُدِهِ فقالت: يا رسول الله،
أَلهذا حَجّ ؟ فقال: نعم، ولكٍ (٢) أَجْرٌ! وكان يوم الأحد بعُسْفان ، ثم
راح . فلمّا كان بالغَميم اعترض المشاة ، فصفّوا له صُفوفاً فشكَوا إِليه
المَشْى، فقال : استعينوا بالنَّسَلان(٣). ففعلوه فوجدوا لذلك راحة. وكان
يومَ الاثنينِ بمَرّ الظَّهْرانِ، فلم يبرح منها حتى أَمسى، وغربت له الشمس،
فلم يُصلِّ المغرب حتى دخل مكَّة . فلمّا انتهى إلى الثَّنِيَّتَيْنِ بات بينهما :
بين كُدىً وكَداء، ثم أصبح فاغتسل ، ودخل مكَّة نهارًا .
قال : فحدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن موسى بن سعد ، عن عِكْرِمَة ، عن
ابن عبّاس رضى الله عنه، أَنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دخل مكة نهارًا
من كُدىً على راحلته القَصواء إلى الأَبطح ، حتى دخل من أَعلى مكَّة حتى
انتهى إلى الباب الذى يقال [له] باب بنى شَيْبَة. فلمّا رأى البيت رفع
يديه ، فوقع زمام ناقته فأخذه بشِماله . قالوا: ثم قال حين رأى البيت :
اللَّهمّ زِدْ هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً وبِرًّا!
قال : فحدّثنى محمّد بن عبد الله ، عن الزُّهرِىّ ، عن سالم ، عن ابن
عمر، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين دخل المسجد بدأَ بالطَّاف قَبْلَ
الصلاة. قالوا: ولمّا انتهى إلى الرُّكْن استَلَمه وهو مُضْطَيِحٌ (٤) بِردائه ،
(١) المحفة: مركب للنساء كالهودج إلا أنها لا تقبب. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٢٨).
(٢) فى الأصل: ((ولكى)).
(٣) أى الإسراع فى المشى. (النهاية، ج ٤، ص ١٤١).
(٤) هو أن يأخذ الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ويلقى طرفيه على كتفه
الأيسر من جهتى صدره. (النهاية، ج ٣، ص ١٧) .

١٠٩٨
وقال : بسم اللهِ، واللهُ أَكبر! ثم رَمَل (١) ثلاثةً من الحَجَر . وكان يأمر
مَن يستلم الرُّكْن أَن يقول: بسم اللهِ، والله أكبر ! إيماناً بالله ، وتصديقاً
بما جاء به محمّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم .
قال : حدّثنى ابن جُرَيج ، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن عبد
الله بن السائب المخزوميّ، أَنَّه سمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول فيما
بين الرُّكْنِ اليَمانىّ والأَسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الْآخِرَةِ حَسَنَةٌ
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ (٢).
قال : فحدّثنى عبد الله بن جعفر، عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله
ابن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: رَمقتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم
يسَتلِم من الأركان إِلَّا اليمانىّ والأسود، ومشى أربعة. قالوا : ثم انتهى
إلى خلف المقام فصلَّ ركعَتَيْن، يقرأُ فيهما: ﴿قُلْ يا أَيُّها الكَافِرُونَ﴾(٣)
و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾(٤)، ثم عاد إلى الرُّكْن فَاستَلَمه . وقد قال لعمر :
إِنَّك رجلٌ قوىٌّ ؛ إِن وجدت الرُّكْن خالياً فاستَلِمْه ، وإِلاَّ فلا تُزاحم الناسَ
عليه فتُؤْذِىَ وتُؤْذَى . وقال لعبد الرحمن بن عوف: وكيف صنعتَ بالرُّكْن
يا أَبا محمّد ؟ قال : استلمتُ وتركت. قال: أَصْبتَ !ثم خرج إلى الصَّفا
من باب بنى مخزوم ، وقال : أَبْدأُ بما بدأ الله به ..
قال : فحدّثنى عبد الله بن وَفْدان ، عن عمران بن أبى أنس ، عن عبد
الله بن ثعلبة، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سعى بين الصَّفا والمَرْوَة على
راحلته من فَوْره ذلك .
(١) رمل: أى أسرع فى المشى. (النهاية، ج ٢، ص ١٠٤).
(٢) سورة ٢ البقرة ٢٠١ .
(٢) سورة ١٠٩ الكافرون ١ .
(٤) سورة ١١٢ الإخلاص ١.

١٠٩٩
قال : حدّثنى الثَّوْرىّ، عن حَمّاد، عن سعيد بن جُبَير، أَنَّ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم قدم ، وهو ساكنٌ ، فطاف بين الصَّفا والمَرْوَة على راحلته.
قال : حدّثنى ابن أبى جُرَيج ، عن مُجاهد ، قال : طاف يومئذٍ على
بغلته . والأَوّل أَثبت عندنا ، وهو المعروف - على راحلته .
قالوا : فصعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الصَّفا، فكبّر سبعَ
تكبيرات ، وقال: لا إِله إِلاَّ الله وحدَه، لا شريكَ له، له المُلْكُ، وله
الحمدُ، وهو على كلّ شيءٍ قدير؛ صَدَق الله وَعْدَه، ونَصَر عَبْدَه، وهَزَم
الأحزابَ وحده ! ثم دعا بين ذلك ، ثم نزل إِلى المَرْوَة ، فلمّا انصبّت
قَدَماه فى الوادى رَمَل .
قال : فحدّثنى علىّ بن محمّد، عن عُبَيد الله بن عبد الله بن عمر بن
الخطَّب، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أُمّه ، عن بَرَّة بنت أَبِى
تِجْراة(١) قالت: لمّا انتهى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المَسعى قال:
أَيّها الناس ، إِنَّ اللّه كتب عليكم السَّعْىَ فاسْعَوْا ! فسعى حتى رأَيت إِزاره
انكشف عن فَخِذِه . وقالوا : قال فى الوادى: ربِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وأنت
الأَعَزّ الأَّكرم! فلمّا انتهى إلى المَرْوَة فعل عليها مثلَ ما فعل على الصَّفا،
فبدأَ بالصَّفا وخَتَم بالمروة؛ وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد اضطرب (٢)
بالأَبْطَحِ .
قال : فحّدثنى بُرْد أَنَّ إِبراهيم بن أبى النَّضْر حدّثه، عن أبيه، عن أَبِى
مُرَّة مولى عُقَيل، عن أُمّ هانىً، قالت، قلت (٣): يا رسول الله، أَلا تنزل
فى بيوت مكَّة؟ فأَبى واضطرب بالأَبْطَح حتى خرج يوم الثَّروية، ثم رجع
(١) فى الأصل: ((نجراة))؛ وما أثبتناه من ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ١٧٩٣).
(٢) أى قبة .
(٣) فى الأصل: ((قال قلت)).

١١٠٠
من مِنِىٌّ فنزل بالأَبْطَح حتى خرج إلى المدينة ، ولم ينزل بيتاً ولم يُظِلَّه .
قال : ودخل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم الكعبة ، فلمّا انتهى إلى بابها
خلع نعلَيْه ؛ ودخل مع عثمان بن أَبى طَلحة ، وبلال ، وأُسامة بن زيد ،
فأَغلقوا عليهم البابَ طويلاً ثم فتحوه . قال ابن عمر : فكنت أَوّل
الناس سبق إِليه ، فسأَلت بِلالاً: أَصَلَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيه ؟
قال : نعم، ركعتَيْن بين الأُسطوانتَيْنِ المُقدَّمْتَيْن - وكان على ستّة أَعمدة.
فحدّثْنى ابن جُرَيج، عن عَطاء، عن ابن عبّاس رضى الله عنه ، عن
أسامة بن زيد، أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كبّر فى نواحيه ولم يُصلِّ .
قالوا : وكانت عائشة رضى الله عنها تقول: دخل علىَّ رسولُ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم حزيناً فقلت : ما لك يا رسول الله ؟ قال : فعلتُ اليومَ أَمرًا
ليتنى لم أَكُ فعلته ! دخلت البيت فعسى الرجل من أُمَّتى لا يقدر أن يدخله،
فتكون فى نفسه حرارةٌ، وإنما أمرنا بالطَّاف ولم نُؤْمَر بالدخول . وكسا
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم البيت .
قال : فحدّثنى ابنِ أَبِى سَيْرَة ، عن خالد بن رَباح ، عن المطّلب بن
عبد الله بن موسى ، قال : سمعت العبّاس بن عبد المطّلب رضى الله عنه
يقول: كسا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم البيتَ فى حَجّته الحِبَرَات(١).
قالوا : وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثمانية
عشرَ ذراعاً .
قالوا : وقدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الثلاثاء والأربعاء
والخميس والجُمُعة - وهو يوم النَّروية، فيما اجتمع لنا عليه - وخطب رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل التَّروية بيومٍ بعدَ الظُّهر بمكّة .
(١) الحبرات: جمع حبرة، وهى ضرب من برود اليمن. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢).

١١٠١
قال : فحدّثنى هشام بن عُمارة ، عن عبد الرحمن بن أبى سعيد ، عن
◌ُمارة بن حارثة الظَّفَرِىّ، عن عمرو بن يَثْرِبِىِ الضَّمْرِىّ(١)، قال: رأيت
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب قبل التَّروية بيوم بعدَ الظُّهر ، ويوم
عَرَفَة بِعَرَفَة حين زاغت الشمس على راخلته قبل الصلاة ، والغد من يوم
النحر بِمِنِّى بعد الظُّهر . قال الواقدىُّ: هذا الأمر المأخوذ به المعروف .
ويُقال: إِنَّ يوم الجُمُعة وافق يوم التَّروية، فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بين الرُّكْن والمَقام، فوعظ الناس وقال: مَن استطاع منكم أَن يُصلّى
الظُّهْر بِمِنَّى فليفعلْ . وركب حين زاغت الشمس بعدَ أَن طاف بالبيت
أُسبوعاً، فصلَّى الظُّهْر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمِنَّى ، ونزل بموضع
دار الإمارة اليوم . فقالت عائشة رضى الله عنها: يا رسول الله ، ألا نبنى
لك كَنيفاً(٢) ؟ فأَبِى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: مِىَّ مَنزِلُ مَن
سَبَق !
قال : حدّثنى ابن جُرَيج، عن محمّد بن قيس بن مَخْرَمَة، أَنَّ رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يركب من مِنّى حتى رأَى الشمس قد طلعت ،
ثم ركب فانتهى إلى عَرَفَة فنزل بنَمِرَة، وقد ضُرِبِ له بها قُبَّة من شَّر .
ويقال : إِنما قال إِلى فَىءٍ صَخْرَةٍ ، ومَيْمونةُ زوجتُه تَتْبَع ظلَّهَا حتى راح ،
وأزواجُه فى قِباب - أَو فى قُبَّة - حوله . فلمّا كان حين زاغت الشمس أمر
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم براحلته القَصْواء، فَرُحلَتْ إِلى بطن الوادى -
بطن عُرَّنَة .
(١) فى الأصل: ((غمرة بيرى الضميرى)). وما أثبتناه عن ابن عبد البر. (الاستيعاب،
ص ١٢٠٦) .
(٢) الكنيف: السائر، وهى حظيرة من خشب أو شجر تتخذ للإبل. ( لسان العرب ،
ج ١١، ص ٢٢٠) .

١١٠٢
قالوا : وكانت قُرَيشٌ لا تشكّ أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يُجاوز
المُزْدَلِفَة يقف بها ، فقال له نَوْفَل بن مُعاوية الدِّيلىّ، وهو يسير إلى جنبه:
يا رسول الله، ظنَّ قومك أَنَّك تقف بجَمْع. فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : لقد كنت أَقِفُ بَرَفَة قبل النُّبوّة خلافاً لهم ! وقال جُبِّير بن مُطْعِم:
رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقف بَعَرَفَة قبل النُّبوّة، وكانت قُرَيش
كلُّها تقف بجَمْع ◌ِ إِلَّ شَيبة بن ربيعة . وإِنَّ موسى بن يعقوب حدّثنی ، عن
عمّه ، عن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عَفَّان ، عن أَشْماء بنت أبى بكر ،
قالت : كان شَيبة بن رَبيعة من بين قُرَيش يقف بعَرَفَة ، عليه ثوبان
أَسودان، وزِمام بعيره من شَعَرٍ بين غَرْزَيْن(١) أَسودَيْن، حتى يقف مع
الناس بِعَرَفة ثم يدفع بدَفْعهم ، فإننا لا نتكلَّم مع الناس - يعنى العرب -
كانت تقف بعَرَفَة: وقُرَيْشٌ بجَمْعٍ تقول : نحن أهل الله !
قال : فحدّثنى ابن أبى سبْرَة ، عن يعقوب بن زيد ، عن أبيه ، قال :
خطب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين زاغت الشمس ببطن عرفَة على
ناقته القَصْواء، فلما كان آخر الخُطْبَة أَذَّن بلالٌ وسكت رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم من كلامه ، فلما فرغ بِلالٌ من أَذانه تكلّم رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم بكلماتٍ وأَناخ راحلته؛ وأَقام بِلال، فصلَّى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم الظُّهر ، ثم أَقام فصلّى العصر ، جمع بينهما بأَذانٍ وإِقامتَيْن .
فحدّثنى أسامة بن زيد، عن عمرو بن شُعَيب ، عن أبيه ، عن جدّه ،
أَنَّه رأَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب يومئذٍ فى وادى عَرَفَة ، ثم
ركب. قال: فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُشير بيده إلى الناس أَن
يَقِفوا - إِلى عَرَفَة .
(١) فى الأصل: ((شعربتن غرارتين سودا)). والغرز: ركاب الرحل من جلد. (الصحاح، ص ٨٨٥) .

١١٠٣
خُطْبَة النبى صلَّى الله عليه وسلَّم بعَرفَة قبل الصلاتَيْن
وكان من خُطْبَته يومئذٍ: أَيّها الناس، إِنَّى والهِ ما أدرى لعلِّى لا أَلقاكم
بمكانى هذا بعد يومكم هذا ! رحم الله امرءًا سَمِعَ مَقالتى فوَعاها ، فرُبَّ
حاملٍ فِقْءٍ لا فِقْهَ له ، ورُبَّ حاملٍ فِقْهٍ إِلى مَن هو أَفقهُ منه ! واعلموا أَنَّ
أَموالكم ودماءَ كم حَرَامٌ عليكم كحُرْمَة يومكم هذا ، فى شهركم هذا ،
فى بَلَدكم هذا! واعلموا أَنَّ الصُّدور لا تُغِلّ(١) على ثلاث: إِخلاص العَمَل
له، ومُناصحة أَهل الأَمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإنَّ دَعْوَتَهم تُحيط.
مِن وَرائهم! أَلا إِنَّ كلّ شىءٍ من أَمر الجاهليّة تحتَ قدمىَّ موضوع ، وأَوّل
دماءِ الجاهليّة أَضَعُ دمُ إياس بن ربيعة بن الحارث - كان مُسْتَرْضَعاً فى
بنى سعد ، فقتلته هُذَيل - ورِبا الجاهليَّة موضوعٌ كلُّه ، وأَوّل رباً أَضعه
ربا العباس بن عبد المطَّلب. اتَّقوا الله فى النساء، فإنما أخذتموهنَّ بأَمانة
اله، واسْتَحْلَلْم فُروجَهنَّ بكلمة الله، وإِنَّ لكم عليهنَّ أَن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم
أَحدًا تكرهونه ، فإن فعلْنَ فاضربوهنّ ضرباً غيرَ مُبرِّح ؛ ولهنَّ عليكم
رِزْقُهنَّ و كِسْوَتُهنَّ بالمعروف ؛ قد تركتُ فيكم ما لن تَضِلُّوا بعده إن
اعتصمتم به - كتاب الله تبارك وتعالى ! وأنتم مسؤولون عنِّى، فما أَنتَم
قائلون ؟ قالوا : نشهد أَنْ قد بلَّغت وأَدّيت ونَصَحت ! ثم قال ، بإصبعه
السَّبَّابة إلى السماء، يرفعها ويكبِّها ثلاثاً: اللَّهمَّ، اشهدْ!
....---
قال : فحدّثنى محمّد بن عبد الله، عن عمّه الزُّهرىّ، عن أبى سَلَمَةٍ
ابن عبد الرحمن ، عن ابن عبّاس رضى الله عنه، أَنّ رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم وقف بالهِضاب من عَرَفَة فقال: كلُّ عَرَفَة مَوقفٌ إِلاَّ بطنَ عُرَنَة ،
(١) هو من الإغلال: الخيانة فى كل شىء. انظر النهاية. (ج ٣، ص ١٦٨) ..

١١٠٤
وكلّ المُزْدَلِفَة موقفٌ إِلَّا بطنَ مُحَسِّر، وكلّ مِنَّى مَنْحَرٌ إِلَّ خَلْفَ العَقْبَة.
قالوا : وبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى مَن هو بأقصى عَرَفَة
فقال : الزَموا مَشاعركم ، فإنكم على إِرْثٍ من إِرْث إِبراهيم .
قال : فحدّثنى إسحاق بن حازم ، عن أبى نَجيح ، عن مُجاهد ، عن
ابن عباس ، قال : عَرَفَة أَوّل جبل ممّا يلى عُرَنَة إلى جبل عَرَفَة ، كلُّه من
عَرَفَة . قال : وقال ابن عبّاس: نظرت إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو
واقفٌ بعَرَفَة، وهو مادٌ يديه، يُقبل براحتيه(١) على وجهه .
وقالوا : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : إِنَّ أَفضل دُعالى ودعاء مَن
كان قبلى من الأنبياءِ: لا إِلهَ إِلَّ اللهُ وحدّه، لا شريكَ له ، له المُلْك ،
وله الحمد ، بيده الخير ، يُحِى ويُميت ، وهو على كلّ شيءٍ قدير !
قال : فحدّثنى ابن أبى ذِئب، عن صالح مولى النَّوَمَة ، عن ابن
عبّاس ، أَنَّ ناساً اختلفوا فى صِيام النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم عَرَفَة.
فقالت أُمّ الفَضْلِ: أَنا أَعلم لكم عن ذلك ! فأرسلتْ إِليه بعُسّ(٢) من
لبن، فشرب وهو يَخطُب. قالوا: ووقف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
على راحلته حتى غربت [الشمس] يَدعو . وكان أَهل الجاهليّة يدفعون
مِن عَرَفَة إِذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كهيئة العمائم على رووس
الرجال . فظنَّت قُرَيشٌ أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يدفع كذلك، فأَخِّر
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دَفْعَه حتى غربت الشمس ، وكذلك كانت
دفعة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
قال : حدّثنى عبد الرحمن بن أبى الزِّناد، عن أبيه، عن عُروة بن
(١) فى الأصل: ((من احسه)).
(٢) العس: القدح العظيم . (الصحاح ، ص ٩٤٦).

١١٠٥
الزُّبَير، عن أسامة بن زيد، قال: سمعته يسأل عن سير النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم عشيّةَ عَرَفَة، فقال: كان يَسير العَنَقَ، وإِذا وجد فَجْوَةً نَصَّ-
والنَّصّ : فوق العَنَق .
قال : فحدَّثنى إبراهيم بن يزيد ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ،
عن ابن عبّاس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم :
أيّها الناس، على رِسْلِكم(١)! عليكم بالسّكينة، لِيَكُفَّ قويُّكم عن
ضعیفکم .
قال: فحدّثْنى مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: ما رفعت ناقة
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يديها فى شىءٍ من الدفعتين واضعةً حتى رمى جَهْرَة .
قال : فحدّثنى محمّد بن مُسلم الجُهَنىّ، عن عُيَيْم بن جُبير بن
كُلَيب الجُهَىّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم وقد دفع من عَرَفَة إِلى جَمْعٍ، والنارُ تُوقَد بالمُزْدَلِفَة وهو يؤمّها حتى
نزل قريباً منها .
قال : فحدّثنى إِسحاق بن عبد الله بن خارجة ، عن أبيه ، قال : لما
أَبصر سُليمان بن عبد الملك النارَ ، قال لخارجة بن زيد : متى كانت هذه
النار يا أبا يزيد ؟ قال : كانت فى الجاهليّة، وضعتها قُرَيَشْ ؛ لا
تخرج من الحرم إِلى عَرَفَة [إِلاَّ] تقول : نحن أهل الله ! ولقد أخبرنى
حَسّان بن ثابت وغيره فى نَفَرٍ من قومى أَنَّهم كانوا يحجّون فى الجاهليَّة
فيرَوْن تلك النار .
قال : فحدّثنى إبراهيم بن يزيد ، عن عمرو بن دينار : من أين
(١) أى اثبتوا ولا تعجلوا. (النهاية، ج ٢، ص ٨١).

١١٠٦
عبّاس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِلى الشِّعْب!
قال : وهو شِعْب الإِذْخِرِ يسارَ الطريق بين المَأْزِمَيْن ، ولم يُصلّ.
قال : فحدّثنى ابن أَبى ذِئب ، عن الزُّهرىّ ، عن سالم ، عن ابن
عمر، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى المغرب والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة
بإِقامة ، ولم يُسبِّح بينهما ، ولا على إِثْرٍ واحدةٍ منهما.
قال : فحدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن يحيى بن شِبْل ، عن أبى جعفر ،
قال : صلاَّ هما(١) رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأَذانٍ وإِقامتَيْن.
قالوا : ونزل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قريبًا من النار - والنار
على قُزَح، وهو الجبل، وهو المَشعر الحرام - فلمّا كان فى السَّحَر أَذِن
لمن استأذنه من أهل الضَّعْف من الذُّرّية والنساء .
قال : حدّثنى أَفلح بن حُمُيد ، عن القاسم، عن عائشة رضى الله عنها ،
أَنَّ سَودة بنت رَبيعة استأذنت النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فى التقدّم من
جَمْعٍ قبل حَطْمَةٍ (٢) الناس، وكانت امرأةٌ ثَبِطَةٍ (٣)، فأَذن لها وحبس
نساءَه حتى دفعن بدَفْعِه حين أَصبح. قالت عائشة رضى الله عنها: فلأَن
أكونَ استأذنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كما استأذنتْه سَودة أَحبٌ
إلىّ من مفروجٍ به .
قال : فحدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن إسحاق بن عبد الله، عن عمران
ابن أَبِى أَنَس، عن أُمّه ، قالت: تقدّمت مع سَودة زوج النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم فى حجته فرَمينا قبل الفجر .
قال : فحدثنى ابن أبى ذِئب ، عن شُعبة ، عن ابن عبّاس رضى الله
(١) فى الأصل: ((صلاها)).
(٢) أى قبل أن يزدحموا ويحطم بعضهم بعضاً. (النهاية، ج ١، ص ٢٣٧).
(٣) امرأة ثبطة: ثقيلة بطيئة، من التثبيط. (النهاية، ج ١، ص ١٢٥).

١١٠٧
عنه، أَنَّه كان يقول: بعثنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع أهله فرَمَوْا
الجَمْرَة مع الفجر.
قال : فحدّثنى جُبير بن زيد، عن أبى جعفر، قال: لما بَرَق الفجر،
صلَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الصبح، ثم ركب على راحلته القَصْواء،
ثم وقف على قُزَحَ . وكان أَهل الجاهليّة لا يدفعون من جَمْعٍ حتى تَطْلُع
الشمس على ثَبيرٍ ، ويقولون: أَشْرِقْ ثَبير، كَيْما نُغير ! فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم : إِنَّ قُريشاً خالفت عهدَ إِبراهيم ! فدفع قبل طلوع
الشمس ، وقال : هذا الموقف ، وكلّ المُزْدلِفَة مَوقف !
قال : وحدّثنى ابن أَبِى سَبْرة، عن عمر بن عَطَاء، عن عِكْرِمَة ، عن
ابن عباس رضى الله عنه، قال : جَمْعٌ مِن أَقصى المَأْزِمَيْن إِلى القَرْن الذى
خلف وادى مُحَسِّر .
قال : فحدثنى الثَّوْرِىّ، عن ابن الزُّبَير، عن جابر أَنَّ رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم أَوضع فى وادى مُحَسِّر .
قال : فحدّثنى أَبو مَروان ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أَبان بن
صالح، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حمل حَصَى العَقَبَةِ من المُزْدِلِفَة.
قال : حدّثنى الثَّورِى ، عن أيمن بن نائل ، قال : سمعت قُدامة
ابن عبد الله الكِلابىّ يقول: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يرمى جَمْرَة
العَقَبَة يوم النحر على ناقةٍ صهباءً، لا ضَرْبَ ، ولا ظَرْدَ، ولا إِلَيْك إِلَيْك(١).
قال : فحدّثْى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن
مُجاهد ، عن أَبِى مَعْمَر عبد الله بن شخيرة ، عن ابن مسعود ، أَنَّ النبىّ
(١) قال ابن الأثير: هو كما يقال: الطريق الطريق، ويفعل بين يدى الأمراء، ومعنا:
تنج وأبعد. وتكريره للتأكيد. ( النهاية، ج ١، ص ٤٠) .

١١٠٨
صلَّى الله عليه وسلَّم لم يقطع التَّلبية حتى رَفَى الجَمْرَة .
قال : فحدّثْنى ابن أَبِى ذِئب ، عن شُعْبَة، عن ابن عباس، أنَّ النبيّ
صلَّى الله عليه وسلَّم لم يقطع التَّلبية حتى ربى الجَمْرَة. قال: ولمّا انتهى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المنْحَر قال: هذا المَنْحَرِ ، وكلّ مِنِىّ
مَنْحَر، وكلّ فِجاج مكّة طريقٌ ومَنْحَر. ثم نحر بيده ثلاثاً وستِّين بالحَرْبَةِ ،
ثم أعطى رجلاً فنحر ما بقى ، ثم أَمر من كلّ بَدَنَةٍ بَضْعَة، من البُدْن التى
نحر ، فجُعِل فى قِدْرٍ فطبخه، فأكل من لحمها وحَسًا من مَرَّقها .
قال : فَحَدّثْنِى مَعْمَر ، عن عبد الكريم الجَزَرِىّ ، عن مُجاهد ، عن
عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن علىٍّ عليه السلام قال: أَمرنى رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم أَن أَتصدّق بجلال بُدْنِه وجلودها ولحومها، ولا أُعطى منها فى
جَزْرها شيئاً .
حْ شَعَر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
قالوا : لمّا نحر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الهَدْى دعا الحلاَّق،
وحضر المسلمون يطلبون من شَعَر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأَعطى
الحلّاقَ شِقّ رأسه الأيمن، ثم أعطاه أَبا طَلْحة الأَنصارىّ. وكلَّمه خالد
ابن الوليد فى ناصيته حين حَلَق فدفعها إليه ، فكان يجعلها فى مُقدَّم
قَلَنْسُوَته، فلا يلقِى جَمْعاً إِلَّا فَضَّه. فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه :
كنت أنظر إلى خالد بن الوليد وما نلقى منه فى أُحُدٍ ، وفى الخَنْدَق، وفى
الحديبية، وفى كلّ مَوِْنٍ لاقانا، ثم نظرت إليه يوم النَّحْرِ يُقدّم إلى رسول
الله صليالله عليه وسلّم بَدَنَةٌ، وهى تَعْتِب فى العَقْل، ثم نظرت إليه ورسول الله
ل الله عليه وسلّم يحلق رأسه، وهو يقول: يا رسول الله، ناصيتك! لا

١١٠٩
تُؤثر بها علىَّ أَحدًا، فداك أَبِى وَأُمِّى! فأَنظرُ إِليه أَخذ ناصية رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم، فكان يضعها على عينيْه وفيه .
قال : وسأَلتُ عائشة رضى الله عنها : من أين هذا الشّعر الذى عندكنَّ؟
قالت: إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لَمّا حلق رأسه فى حَجّته فرّق شعره
فى الناس ، فأَصابنا ما أَصاب الناس . فلما حلق رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم رأسه أَخذ من شاربه وعارضَيْه، وقلَّم أَظفارَه، وأَمر بشَعَره وأَظفاره
أَنْ يُدْفَنا. وقصّر قومٌ من أصحابه وحلَّق آخرون، فقال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : رَحِم الله المحلِّقين! ثلاثاً، كلّ ذلك يقال: المقصِّرين
يا رسول الله ! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: والمقصّرين! فى الرابعة.
قالوا: وأَصاب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الطِّيبَ بعد أَن حَلَق ، ولبس
القميص ، وجلس للناس، فما سُئِل يومئذٍ عن شىءٍ قُدِّم أَو أُخِّر إِلاَّ قال :
افْعَلوه ولا حرَج !
قال : فحدّثْنى أسامة بن زيد، عن عَطاء، عن جابر بن عبد الله، أَنّ
رجلاً جاءَ فقال : يا رسول الله، حلقتُ قبل أَن أَنحرَ . فقال : انحرْ ولا
حَرَج ! قال: يا رسول الله، نحرتُ قبل أَن أَرمى. قال : ارْمٍ ولا حرج !.
قال : فحدّثنى ابن أَبِى ذِئِب، عن الزُّهرى ، قال: بعث رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم عبد الله بن حُذافة السهْمىّ ينادى فى الناس: أيُّها
الناس، إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إِنَّها أَيّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ وِذِكْرٍ
الله. قال: فانتهى المسلمون عن صِيامهم إِلَّ مُحْصَرًا(١) بالحَجّ، أَو
مُتْمَتِّعًا إِلى الحَجّ، فإِنَّ الرُّخصة من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يَصوموا
أَيام مِنَّى. فأَفاض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم النَّحْر، ويقال: أَفاض
(١) فى الأصل: ((محصر .... متمتع )).

١١١٠
ليلاً فى نسائه مساءً يوم النَّحْر، وأمر أصحابه فأَفاضوا بالنهار ؛ فأَتى
زَمْزَم فأَمر بدَلْوٍ فَنُزِعِ له ، فشرب منه وصَبّ على رأسه، وقال: لولا أن
تُغْلَبوا عليها يا ولدٌ عبد المطّلب لنزعتُ منها .
قال : حدّثنا ابن جُريج، عن عَطاء ، قال: نزع النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم دَلْوًا لنفسه من زَمْزَم. قال عطاء : فكنت أَنتزعه لنفسى، فلمّا
كبِرتُ وضعفت كنتُ آمر مَن يَنزِعه لى. وكان يرمى الجِمار حين تزيغ
الشمس قبل الصلاة، فكان إذا رمى الجمرتَيْن عَلاهما ، ويَرْبِى جَمْرَةَ العَقَبَة
من بطن الوادى . وكان يقف عند الجمرة الأولى أكثر ممّا يقف عند
الثانية ، ولا يقف عند الثالثة ، فإذا زماها انصرف .
قال : حدّثنى مَعْمَر، عن الزُّهرِىّ، قال : كان رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم إِذا رمى الجمرتَيْن وقف عندهما ورفع يديه، ولا يفعل ذلك فى رَبْ
العَقَبَة، فإِذا رماها انصرف. ورخَّص رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للرّعاءِ
أَن يَبيتوا عن مِنِّى، ومَن جاءَ منهم فرمى بالليل، ورخَّص له رسولُ الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم فى ذلك.
قال : فحدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن أبى بكر بن حَزم ،
بن عاصم بن عَدىّ ، عن أبيه ، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه
رعاءِ فى البَيْتوتة عن مِنِىّ .
را : وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ارْموا بمثل حَصَّى الخَذْف (١)!
١
و کان أزواجه پرمین مع الليل .
خُطْيَة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم النَّحْر
قال : فحدّثنى هشام بن عُمارة ، عن عبد الرحمن بن أبى سعيد ،
(١) الخذف بالحصى: الربى به بالأصابع. (الصحاح، ص ١٣٤٧).

١١١١
عن عُمارة بن حارثة ، عن عمرو بن يَثْرِبِىّ(١)، قال: وحدّثنا ابن أَبِى
ذِئب ، عن عمرو بن أبى عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس رضى الله عنه ،
قالا : خطب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الغد من يوم النحر بعدَ
الظهر على ذاقته القَصْواء . وزاد أَحدهما على صاحبه فى القصّة ، قالا:
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَيّها الناس، اسْمعوا من قَوْلى فاعْقِلوه ، فإِى
لا أدرى، لعِّ لا ألقاكم بعدعامى هذا فى هذا الموقف! أَيّها الناس، أَىُّ شهر
هذا ؟ قال : فسكتوا، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هذا شهرٌ
حرام! فأَىّ بَلَد هذا ؟ فسكتوا ، فقال: بَلَدُ حرام ! ثم قال : أَى يومٍ
هذا ؟ فسكتوا، فقال: يومٌ حرام . ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
إِنَّ اللّه قد حرّم دماءَكم، وأموالكم، وأعراضَكم، كِحُرْمَة شهركم هذا، فى
بلَدِكم هذا ، فى يومكم هذا، إلى أَن تَلْقَوْا رَبَّكم، أَلا هل بلَّغْتُ ؟
قالوا : نعم ! قال: اللَّهِمَّ، اشهدْ! ثم قال: إِنَّكم سوف تَلْقَون (٢) ربَّكم
فيسألكم عن أعمالِكم ، ألا هل بلغتُ ؟ قالوا : نعم ! قال : اللَّهمَّ.
اشهدْ؛ أَلا ومَن كانت عنده أَمانةٌ فَلْيُؤَّدِّها إلى مَن ائْتَمَنَه عليها ، أَلا وإِنَّ
كلَّ رِباً فى الجاهليَّة موضوعٌ، وإِنَّ كلَّ دَمٍ فِى الجاهليّة موضوعٌ؛ وأَوّل
دِماء كم أَضَعُ، دم إياس بن ربيعة بن الحارث - كان مُسترضَعاً فى بنى سعد
ابن ليثٍ ، فقتلتْه هُذَيل - أَلا هل بلَّغْتُ؟ قالوا: اللَّهمَّ، نعم ! قال :
اللّهمَّ اشهدْ! فليُبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ! أَلا إِنَّ كلَّ مسلمٍ مُحرَّم على كلّ
مسلم ، ولا يحلّ مالُ مسلم إلاَّ ما أَعطى عن طيب نفس .
فقال عمرو بن يَثرِبِّ ، فقلت: يا رسول الله، أَرأَيتَ إِن لقيتُ غنم
(١) فى الأصل: ((عمرو بن بيزى))؛ وما أثبتناه عن ابن عبد البر. (الاستيعاب،
ص ١٢٠٦) .
(٢) فى الأصل: ((تلقوا)).