النص المفهرس

صفحات 181-200

١٠٥٢
فإِذا فى كتابه : أَمّا بعد ، فقد بلغى أَنَّ صاحبك قد جفاك ولم يجعلك
الله بدارِ هَوَانٍ ولا مَضيعةٍ ، فالحقِّ بنا ذُواسِك(١). قال كعب : فقلت حين
قرأته : وهذا من البلاء أيضاً ، قد بلغ منِّى ما وقعتُ فيه أَن طَمِع فىّ رجالٌ من
أَهل الشرك. فذهبت بها إِلى تَذُّور فسَجَرته (٢) بها، وأَقمنا على ذلك حتى إذا
مضت أربعون ليلة من الخمسين إِذا رسول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأتينى
فقال : إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأَتك . فقلت:
أُطلِّقها أَمْ ماذا ؟ قال : بل اعتزلها فلا تَقْرَبْها. وكان الرسول إِلىّ، وإِلى
هِلال بن أُمَيّة، ومُرارة بن الرَّبيع، خُزيمة بن ثابت . قال كعب : فقلت
لامرأتى: الحقفى بأَهلك ، فكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمرما هو
قاضٍ . وأَما هِلال بن أُمَيّة فكان رجلاً صالحاً ، فبكى حتى إن كان يُرى
أَنَّه هالكٌ من البكاء، وامتنع من الطعام ، فإن كان يُواصل اليومين والثلاثة
من الصوم ما يذوق طعاماً ، إلَّا أَن يشرب الشَّربة من الماءِ أو من اللَّبن،
وَيُصِلِّى الليلَ ويجلس فى بيته لا يخرج؛ لأَن أَجدًا لا يُكلِّمه، حتى إن كان
الِلْدَانُ دَيَهْجُرونه لطاعة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فجاءَت امرأته إِلى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: يا رسول الله، إِنَّ هِلال بن أُمَيّة
شيخٌ كبيرٌ ضائِعٌ ، لا خادمَ له، وأَنا أَرْفَق به من غيرى، فإن رأيتَ أَن
تَدَعنى أَن أَخدُمه فعلت. قال: نعم١، ولكن لاتَدَعيه يصل إليك . فقالت :
يا رسول الله، ما به من، حَرَكَةٍ إِلىّ ! واللهِ ، ما زال يبكى منذ يوم كان من
أَمره ما كان إلى يومه هذا ، وإِنَّ لِحْيَتَه لنَقطُر دموعاً الليلَ والنهار ، ولقد
ظهر البياض على عَيْنيه حتى تخَّفتُ أَن يذهب بصره . قال كعب : فقال
(١) فى الأصل: ((نواسيك)).
(٢) سجرته: أى ألهبت التنور بها، يعنى أنه حرقها. (شرح أبى ذر، ص ٤٢٦) ..

١٠٥٣
لى بعض أهلى : لو استأذنتَ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لامرأتك، فقد
أذن لامرأة هِلال بن أُمَيّة أَن تَخدُمه. فقلت: واللهِ، لا أَستأُذنه فيها؟
ما يُدرينى ما يقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى ذلك إذا استأذنته،
وأنا رجلٌ شابٌّ ، فواللهِ لا أَستأُذِنه . ثم لبثنا بعد ذلك عشر ليال ، وكملت
لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المسلمين عن
كلامنا، ثم صلَّيت الصُّبح على ظَهْر بيتٍ من بيوتنا على الحال التى ذكر
الله عزّ وجلّ ، وقد ضاقت علىّ الأَرض بما رَحُبت ، وضاقت علىّ نفسى ، وقد
كنت ابتنيت خَيْمَةً فى ظهر سَلْعٍ فكنت فيه، إذ سمعت صارخاً أَوْفَى على
سَلْعٍ ، يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك، أَبْشِرْ ! قال : فخررت
ساجدًا، وعُرفت أَن [قد](١) جاءَ الفَرَج. فآذن رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم بِتَوْبَة الله علينا حين صلَّى الصُّبْحِ .
فكانت أُمّ سَلَمَة زوج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم تقول: قال لى رسول
الله صلَّى الله عليه وسلّم من الليل: يا أُمّ سَلَمَة، قد نزلتْ تَوْبَة كعب بن
مالك وصاحِبَيْه . فقلت: يا رسول الله، أَلا أَرسلتُ إليهم فأُبشِّرَهم ؟ فقال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يمنعونكِ النوم آخرَ الليل، ولكن لا يُرَون
حتى يُصبِحوا . قال : فلمّا صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الصُّبح أَخبر
الناسَ بما تاب الله على هؤلاء النفر: كعب بن مالك، ومُراراة بن الرّبيع ،
وهِلال بن أُمَيّة. فخرج أبو بكر رضى اللهعنه فوافى على سَلْعٍ فصاح : قد تاب
الله على كعب! يُبَشِّره بذلك. وخرج الزُّبَير على فرسه فى بطن الوادى،
فسمع صوت أبى بكر رضى الله عنه قبل أن يأبى الزُّبَير. وخرج أبو الأَعْوَر
سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيَل إلى هِلال يُبشِّره ببنى واقف، فلمّا أَخبره
(١) الزيادة من ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ١، ص ١٨٠).

١٠٥٤٠
( سجد. قال سَعيد: فظننت أَنَّه لا يرفع رأسه حتى تخرج نفْسه ، وكان
بالسرور أكثرَ بكاءً منه بالحُزْن حتى خيف عليه ؛ ولقيه الناس يُهنِّئونه،
فما استطاع المشى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لِما ناله من الضَّعف
والحُزْن والبكاءِ، حتى ركب حماراً. وكان الذى بشّر مُرارة بن الرَّبيع
سِلْكان بن سلامة أَبو نائلة، وسَلَمَة بن سلامة بن وَفْش، ووافيا الصُّبْحَ
مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من بنى عبد الأَشْهَل، ثم انطلقا إِلى مُرار
فأَخبراه ، فَأَقْبل مُرارة حتى تَوافَوًا عند النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال كعب : وكان الصوت الذى سمعت على سَلْعٍ أَسرع من الفارس
الذى يركض فى الوادى - وهو الزُّبير بن العَوّام - والذى صاح على سَلْعٍ ،
يقول كعب : كان رجلاً(١) من أَشْدَم يقال له حمزة بن عمرو ، وهو الذى
بشَّرنى . قال : فلمَّا سمعت صوته نزعتُ ذَوْبَىَّ فكسوتهما إياه لِبشارته ؛
واللهِ ما أَملِكُ يومئذٍ غيرهما ! ثم استعرتُ ثوبَيْن من أبى قتادة فلبستهما،
ثم انطلقت أَتيمّم رسول اله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وتلقّانى الناس يُهنِّئونى
بالثَّوْبَة يقولون: لِيَهْنِكَ تَوْبَة الله عليك! حتى دخلت المسجدَ ورسول الله.
صلَّى الله عليه وسلَّم جالس حوله الناس ، فقام إِلىّ طلحة بن أَبِى طَلحة
فحيّانى وهنَّأَنى ، ما قام إلىّ من المهاجرين غيرُه ـ فكان كعب لا ينساها
لِطَلحة. قال كعب: فلمّا سلَّمتُ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لى،
ووجهه يَبَرُق من السرور: أَبْشر بخير يوم مرّ (٢) عليك منذ وَلَّدَتْك أُمُّك !.
ويقال: قال له : تعال إلى خير يوم . [ ما] طلع عليك شَرْقُه قَطُّ .. قال كعب:
قلت : أَمِنْ عندك يا رسول الله، أَو من عند الله ؟ فقال : من عند الله
(١) فى الأصل: ((رجل)).
(٢) فى الأصل: ((مر به عليك)).

١٠٥٥
عزَّ وجلّ! قال : وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا سُرّ يستنير حتى
كأَنَّ وجهه فِلْقَة القمر ، وكان يُعرَف ذلك منه . فلمّا جلست بين يديه
قلت : يا رسول الله، إِنَّ من تَوْبَتى إلى الله وإلى رسوله أَن أَنْخَلَع من مالى
إلى الله ورسوله! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: أمسك عليك
[بعض](١) مالك، هو خير لك! قال قلت: إنّى مُمسِك بسَهْمى الذى
بِخَيْبَر! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم : لا! قلت: النِّصْف ! قال:
لا ! قلت: فالثُّلُث! قال : نعم! قال: إِنِّى يا رسول الله أَحيس سَهْمی
الذى بخَيْبَر . قال كعب : قلت: يا رسول الله إنّ الله عزَّ وجلّ أَنجانى
بالصِّدْق، فإِنَّ تَوْبَتى إلى الله ألَّا أُحدِّث إِلَّ صِدْقاً ما حييتُ . قال كعب :
واللهِ، ما أَعلم أحدًا من الناس أبلاه الله فى صِدْق الحديث منذ ذكرتُ
لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَفضل مما أَبلانى، واللهِ ما تعمّدت من كَذْبةٍ
منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى يومى هذا، وإنى لأرجو
أن يحفظنى الله عزَّ وجلّ فيما بقى. وقال كعب : - قال الواقدىّ: أَنشدنيه
أَيّوْب بن النُّعمان بن عبد الله بن كعب :
سبحانَ ربيّ إن لم يعفُ عن زَلَلى(٢) فقد خَسِرْتُ وَتَبَّ القَوْلُ والعَمَل
قال: وأَنزل الله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِىِّ والمُهاجِرِينَ والأَنْصارِ
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فى ساعَةِ الْعُسْرَةِ) (٣) إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصََّادِقِينَ). قال
كعب : فواللهِ ما أَنعم الله علىّ من نعمةٍ قَطُّ. إذ هدانى للإِسلام كانت أعظمَ
فى نفسى من صِدْق رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أَلا أَكون كذبتُه يومئذٍ،
(١) الزيادة عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ١٨٠).
(٢) فى الأصل: ((عنى وعن زلل)).
(٣) سورة ٩ التوبة ١١٧ - ١١٩

١٠٥٦
فأهلك كما هلك الذين كذبوه . قال الله فى الذين كذبوه حين أنزل عليه
الوَحْىَ شَرَّ ما قال: ﴿َ يَخْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ
فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾(١) إلى قوله ﴿الفاسِقِينَ﴾. قال كعب: وكنًّا خُلِّفنا أَيها
الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قَبِل منهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين
حلفوا فعذرهم، واستغفر لهم ، وأَرجأَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَمرَنا
حتى قضى الله فيه ما قضى . فبذلك قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ
الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (٢). قال: ليس عن الغزوة، ولكن بتخليفه إيّانا، وإرجائِه
أَمرَذا عمّن حلف له ، واعتذر إليه فقبِل منه .
قال كعب حين بنى الخيمة على سَلْعٍ، فيما حدّثنى أَيّوب من النعمان
ابن عبد الله بن كعب بن أبى القَيْن :
أَبَعْدَ دور بنى القَيْنِ(٣) الكِرامِ وما
شادوا على تبتيت (٤) البيتِ من سَعَفٍ
قالوا: وقدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة فى رمضان سنة تسع،
فقال : الحمد لله على ما رزَقَذَا فى سفرنا هذا من أجرٍ وحسنةٍ وَمَن بَعْدَنا
شركاونًا فيه . فقالت عائشة رضى الله عنها: يا رسول الله، أصابكم السفر
وشدّة السفر وَمَن بَعْدَكم بشركاؤْكم فيه ؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : إِنّ بالمدينة لَأَّقواماً ما مرنا من مسيرٍ ولا هبطنا وادياً إِلَّا كانوا معنا،
حبسهم المَرَضُ، أَوَ ليس الله تعالى يقول فى كتابه: ﴿ومَا كانَ المُؤْمِنُونَ
(١) سورة ٩ التوبة ٩٥ - ٩٦
(٢) سورة ٩ التوبة ١١٨
(٣) كلمة غامضة، شكلها فى الأصل: ((انغيز)). ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات؛ واسم
أبى كعب عمرو بن القين. (الاستيعاب، ص ١٣٢٣).
(٤) هكذا فى الأصل .

١٠٥٧
لِيَنْفِرُوا كَافَّةٌ﴾(١)؛ فنحن غُزاتُهم وهم قعدتُنا. والذى نفسى بيده،
لدعاؤهم أنفذ فى عدوّنا من سلاحنا ! وجعل المسلمون يبيعون سلاحهم
ويقولون : قد انقطع الجهاد! فجعل القوىّ منهم يشتريها لفَضْل قُوَّته ،
فبلغ ذلك رسولَ اللّهصلَّى الله عليه وسلَّم فنهاهم عن ذلك وقال: لا تَزال
عصابةٌ من أُمَّتى يُجاهدون على الحقّ حتى يخرج الدَّجّال !
قالوا : ومرض عبد اللهبن أُبَىّ فى ليالٍ بقين من شَوّال، ومات فى ذى القعدة
وكان مرضه عشرين ليلة، فكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم يعوده فيها،
فلمّا كان اليوم الذى مات فيه دخل عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو
يجود بنفْسه ، فقال : فد نهيتك عن حبّ اليهود. فقال عبد الله بن أَبَىُّ:
أَبغضَهم سعد بن زرارة فما نفعه. ثم قال ابن أُبَىّ: يا رسول الله ، ليس
بحين عِتاب ! هو الموت ، فإن متُّ فاحضَرْ غُسْلى وأَعطِى قميصَك أُكَفَّن
فيه. فأعطاه الأَعلى - وكان عليه قميصان - فقال : الذى يلى جلدك.
فنزع قميصه الذى يلى جلده فأعطاه ، ثم قال : صلِّ علىّ واستغفرْلى !
قال : وكان جابر بن عبد الله يقول خلاف هذا ، يقول: جاء رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم بعدَ موت ابن أُبَىّ إلى قبره، فأمر به فأُخِرِج، فكَشَف من
وجهه ونفث عليه من ريقه، وأَسنده إلى ركبتَيْه وألبسه قميصه - وكان
عليه قميصان - وألبسه الذى يلى جلده . والأَّل أَثبت عندنا ، أَنّ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم حضر غُسْلَه وحضر كَفْنَه، ثم حُمِل إلى موضع الجنائز
فتقدّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليُصلّى عليه، فلمّا قام وثب إليه عمر بن
الخطّاب رضى الله عنه فقال: يا رسول الله، أَتُصِّى على ابن أَبَىّ وقد قال
يوم كذا كذا ويوم كذا كذا ؟ فعدٌ عليه قَوْلَه. فتبسم النبيّ صلَّى الله عليه
(١) سورة ٩ التوبة ١٢٢

١٠٥٨
وسلَّم وقال: أَخِّرْ عنِّى يا عمر! فلمّا أكثر عليه عمر قال: إِلى قد خُيِّرت
فاخترتُ ، ولو أَعلم أَنَّ إِذا زدتُ على السبعين غُفِر له زدت عليها ، وهو
قوله عزَّ وجلّ: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ
مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾(١). فيقال إِنَّه قال: سأَزيد على السبعين. فصلّى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم انصرف ، فلم يكن إلاَّ يسيرًا حتى نزلت
هذه الآيات من ((بَراءَة)): ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ
عَلى قَبْرِهِ﴾(٢) . ويقال إنَّه لم تَزُلْ قدماه بَعْدَ دَفْنه حتى نزلت عليه هذه
الآية، فعرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى هذه الآية المنافقين، فكان
مَن مات لم يُصلِّ عليه .
N
وكان مُجَمِّع بن جارية يُحدّث يقول: ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم أَطال على جنازةٍ قَطُّ. ما أَطال عليها من الوقت ، ثم خرجوا حتى
انتهوا إلى قبره، وقد حُمِل على سرير يُحمَل عليه موتاهم عند آل نُبَيط ..
وكان أنس بن مالك يُحدّث يقول: رأيت ابن أُبَىّ على السرير وإِنَّ
رجليه لَخارجتان من السرير من طوله .
وكانت أُمّ عُمارةٍ تُحدّث قالت : شهدنا مأُتم ابن أُبَىّ، فلم تتخلّف
امرأةٌ من الأَوس والخروج إِلاَّ أَتت ابنَتَه جميلة بنت عبد الله بن أُبَىّ ، وهى
تقول: واجَبَلاه ! - ما ينهاها أَحدٌ ولا يُعَيِّب عليها - واجَهَلاه! وارُكْناه !
قالوا : ولقد انتُهِى به إلى قبره .
فكان عمرو بن أُمَيّة الضَّمْرِىّ يُحدّث يقول : لقد جَهِدنا أَن ندنو
من سريره فما نقدر عليه ، قد غَلَب عليه هؤلاء المُنافقون وكانوا قد
(١) سورة ٩ التوبة ٨٠
(٢) سورة ٩ التوبة ٨٤

١٠٥٩
أظهروا الإِسلام ، وهم على النّفاق (١)، من بنى قَيْنُقاع وغيرهم : سعد بن
حُنَيف ، وزيد بن اللَّصَيت، وسَلامةٍ بن الحُمام ، ونعمان بن أبى عامر ،
ورافع بن حَرْمَلَة ، ومالك بن أَبِى نَوْفَل ، وداعِس ، وسُوَيَد . وكانوا أَخابث
المنافقين ، وكانوا هم الذين يُعرّضونه. وكان ابنه عبد الله ليس شىءٌ
أَثقل عليه ولا أعظم من رؤيتهم ، وكان به بطن ، فكان ابنه يُغلِقِ دونهم
الباب ، فكان ابن أُبَىّ يقول : لا يلينى غيرُهم. ويقول: أَنت والهِ أَحبّ
إلىّ من الماء على الظَّمَأُ. ويقولون: ليت أَنَّا نفديك بالأَنفس،
والأولاد، والأَّموال ! فلمّا وقفوا على حُفرته، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
واقفٌ يلحظهم ، أزدحموا على النزول فى حُفرته وارتفعت الأصوات حتى
أُصيب أَنف، داعس، وجعل عُبادة بن الصامت يذبّهم ويقول: اخْفِضوا
أصواتكم عند رسول الله ! حتى أُصيب أَنف داعس فسال الدم، وكان يُريد
أن ينزل فى حُفرته، فنُحِّى ونزل رجالٌ من قومه ، أَهل فَضْلٍ وإِسلام ؛ وكان
لِما رأوا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الصلاة عليه وحضوره ، ومن
القيام عليه . فنزل فى حُفرته ابنه عبد الله ، وسعد بن عبادة بن الصامت ،
وأَوس بنِ حَوْلىٌ حتى سُوِّى عليه ، وإِنّ عِلْيَة أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
والأكابر من الأوس والخزرج يُدلونه فى اللَّحْد، وهم قيامٌ مع النبيّ صلَّى
الله عليه وسلَّم. وزعم مُجَمِّع بن جارية أَنَّه رأَى رسولَ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم يُدليه بيديه إِليهم ، ثم قام على القبر حتى دُفِن ، وعزَّى ابنَه وانصرف.
فكان عمرو بن أُمَيّة يقول: ما لقى عليه أصحابه هؤلاء المُنافقون، إِنَّهم هم
· الذين كانوا يَحثون فى القبر الترابَ ويقولون: يا ليت أَنَّا فديناك بالأَنفس
(١) فى الأصل: ((وهم على المنافقين)).

١٠٦٠
وكنّا قبلك ! وهم يَحثوب الترابَ على رؤوسهم. فكان الذى يحسن أمره
يقول : قومٌ أَهل فقر ، وكان يُحسن إليهم!
ذكر ما يزل من القرآن فى غزوة تبوك
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِى سَبيلِ اللهِ النَّاقَلْتُمْ
إِلى الأَرْضِ .. ﴾(١) إلى آخر الآية. قال: غزا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فى حرٍ شديدٍ وجهدٍ من الناس، وحين طابت (٢) الثمار واشْتُهِبت الظلال،
فأَبطأَ الناس، وكشفت ((بَرآءَة)) عنهم ما كان مَستورًا، وأبدت أَضغانهم
ونفاق مَن نافق منهم. يقول: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (٣) يقول:
إِلَّ تخرجوا مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ يقول:
فى الآخرة؛ ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّهُ شَيْئاً). قيل : يا رسول
الله، مَن هولاء القوم؟ ﴿ما كانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرابِ
أَنْ يَتَخَلَُّوا عَنْ رَسُولِ اللهِ .. ﴾(٤) الآية. قال: كان ناسٌّ من أصحاب
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم خرجوا إلى البدو يُفقّهون قومَهم، فقال المنافقون:
قد بقى ناسٌ من أصحاب محمّد فى البوادى . وقالوا : هلك أصحاب البدو.
فنزلت: ﴿ وَمَا كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كافَّةٌ فَلَوْلا نفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ
مِنْهُمْ طائِفَةٌ .. ﴾ (٥) الآية. ونزل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى اللّهِ مِنْ بَعْدِ
ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ .. ﴾(٦) الآية ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ (٧)
(١) سورة ٩ التوبة ٣٨
(٢) فى الأصل : ((طاب)).
(٣) سورة ٩ التوبة ٣٩
( ٤) سورة ٩ التوبة ١٢٠
(٥) سورة ٩ التوبة ١٢٢
(٦) سورة ٤٢ الشورى ١٦
(٧) سورة ٩ التوبة ٤٠

١٠٦١
يعنى من (١) نافق من الأوس والخزرج؛ ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعنى
مشركى قُرَيش؛ ﴿ثانِىَ اثْنَيْنِ) يعنى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأبا بكر
رضى الله عنه؛ ﴿إِذْ هُما فى الغارِ﴾ حيث كانت هجرة رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم ﴿ إِذْ يَقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ
عَلَيْهِ﴾ يقول الطُّمُنينة، ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) يعنى الملائكة؛ ﴿وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةَ اللهِ هِىَ العُلْيا﴾ يقول: جعل ما جاءت به
قرَيَشْ من آلهتهم باطلاً، وما جاء به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من
التوحيد هو الظاهر العالى. ﴿انْفِرُوا خِفاذًا وثِقالاً﴾(٢) يقول نشاطاً وغيرَ نشاط ،
ويقال الخفاف : الشباب، والثقال: الكهول؛ ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ
وأَنفُسِكُمْ فِى سَبيلِ اللهِ﴾ يقول: أَنفقوا أموالكم فى غزوتكم ، وجاهدوا فى
سبيل الله: قاتلوا. ﴿ لَوْ كانَ عَرَضًا قَريباً﴾(٣) يعنى غنيمة قريبة؛
﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ يعنى سفرًا قريباً، ﴿لاَتَّبَعُركَ﴾ يعنى المنافقين؛ ﴿وَلِكنْ
بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الثُّقَّةُ﴾ سفر تَبوك عشرون ليلة؛ ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ باللهِ دَوٍ
اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ يعنى المنافقين حين خرج رسول الله صلَّى الله عليه
سلِّم إلى تَبوك جعلوا يعتذرون بالعسرة والمرض ﴿يُهْلِكُونَ} أَنْفُسَهُم) يعنى فى
الآخرة؛ ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ يعنى إِنَّهم مُقوون (٤) أَصحّاء، وكان
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأذن لهم ويقبل عذرهم. قال: ﴿عَفَا اللهُ
(١) فى الأصل: ((ما نافق)).
(٢) سورة ٩ التوبة ٤١
(٣) سورة ٩ التوبة ٤٢
(٤) أى أصحاب داوب قوية، كاملو أدوات الحرب. (النهاية، = ٣، ص ٣٨٧.

١٠٦٢
عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ﴾(١ ) حتى تَبلوَهم بالسفر وتعلمَ مَن هو
صادقٌ وَمَن هو كاذب ؛ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ﴾ فتعلم من له
قوّةٌ ممن لا قوّةَ له ، استأذنك رجالٌ لهم قوّةٌ . ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بالمُتَّقِينَ﴾ (٢)
ووصف المؤمنين الذين أَنفقوا أَموالهم فى تلك الغزوة ، وكانت تُسمّى غزوةَ
الْعُسْرَة. ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالَيْومِ الآخِرِ وارتابَتْ
قلوبُهُمْ فَهُمْ فِى رِيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾(٣) يعنى المنافقين فى شكّهم. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا
الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةٌ وَلكنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ﴾ (٤) يقول: كانوا
أقوياء بأَبدانهم وأموالهم ولكن كره الله خروجهم فخَذَلهم؛ ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا
مَعَ الفاعِدِينَ﴾ يعنى مع النساء. ﴿لَوْخَرَجُوا فِيَكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً﴾(٥)
يعنى ابن أُبَىّ، وعبد الله بن نَبْتَل، والجَدّ بن قيس، وكلّ هؤلاء استأذن
ورجع، فيقول: لو كانوا فيكم ﴿ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالاً﴾ إِلاَّ شرًّا؛
﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ يقول: يدخل المنافق بين الراحلتَيْن فيَرْفَضُّ بهما؛
﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْتَةَ﴾ هؤلاء النفر، يقول: لأَظهروا النفاق ولقالوه. {وفِيكُمْ
سَّاعُونَ لَهُمْ﴾ يقول: من المنافقين ومن دونهم من يأتيهم بالأخبار وهؤلاء من
رؤْساهم؛ ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ثم ذكر المنافقين ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ
مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾(٦) يقول: من قبل خروجك وتشاوروا فى
(١) سورة ٩ التوبة ٤٣
(٢) سورة ٩ التوبة ٤٤
(٣) سورة ٩ التوبة ٤٥
( ٤ ) سورة ٩ التوبة ٤٦
(٥) سورة ٩ التوبة ٤٧
(٦) سورة ٩ التوبة ٤٨

٠٫٠
١٠٦٣
كلّ ما يُلبس عليك وعلى أصحابك ﴿حَتَّى جاءَ الحَقُّ﴾ يعنى ظهر الحقىّ ،
﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ُ يعنى أَمرك يا محمّد؛ {وَهُمْ كَارِهُون﴾ لظهورك واتّباع من
اتَّبعك من المسلمين. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْذَنْ لى وَلا تَفْتِنِّى أَلا فى الفِتْنَةِ
سَقَطُوا﴾(١) نزلت هذه الآية فى الجَدّ بن قيسُ، وكان من أَكثر بنى سَلِمَة
مالا وأَعدّ عدّةً فى الظَّهْر؛ وكان مُعجباً بالنساء ، فقال له رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : أَلا تغزو بنى الأصفر ؟ عسى أَن تَحْتَقب من بنات الأصفر!
فقال : يا محمّد ، قد علم قومى أَنَّه ليس رجلٌ أَعجب بالنساءِ منِّى ، فلا
تفتنّى بهنّ! يقول عزَّ وجلّ: ﴿أَلا فى الفِتْنَةِ سَقَطوا﴾ يتخلّه عن رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم ونفاقه؛ يقول عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّ جَهَنْمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ﴾
به وبغيره ممّن هو على قوله. ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ (٢) غنيمة وسلامة؛
﴿تَسُؤَّهُمْ﴾ يعنى الذين تخلَّفوا واستأُذنوك؛ ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ البلاء
والشدّة؛ ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ حِذْرنا؛ ﴿مِنْ قَبْلُ) يعنى من استأذنه ؛
ابن أُبَىّ وغيره، والجَدّ بن قيس،، ومن كان منهم على رأيهم؛ ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ
فَرِحُونَ﴾ بتلك المصيبة التى أَصابتك . يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿قُلْ لَنْ يُصيبَنا
إِلَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾(٣) يقول: إِلَّا ما كان فى أُمّ الكتاب؛ ﴿هُوَ مَوْلانا وَعَلَى
اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقول الله عزَّ وجلّ لنبيّه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا
إِلَّا إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ﴾(٤) الغنيمة أو الشهادة؛ ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ
يُصيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ القارعة تصيبكم ؛ ﴿أَوْ بِأَيْدينا) يُؤذن
لنا فى قَتْلكم؛ ﴿فَتَربَّصُوا﴾ يقول: انتظروا بنا وننتظر بكم وعيد الله فيكم .
(١) سورة ٩ التوبة ٤٩
(٢) سورة ٩ التوبة ٥٠
(٣) سورة ٩ التوبة ٥١
( ٤ ) سورة. ٩ التوبة ٥٢

١٠٦٤
﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهَاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾(١)
كان رجالٌ من المنافقين من ذوى الطَّوْل يُظهرون النفقة، إِذا رآهم الناس
ليبلغ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ويَدرأون بذلك عن أنفسهم القَتْل. يقول الله
عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ
وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾(٢) يقول رياء: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ
كارهُونَ﴾ يُريدون أن يظهر أنَّهم يُنفقون. ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ (٣) أَى ما
أعطيناهم؛ ﴿وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ الذين أعطيناهم إيّاهم؛ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ
لِيُعَدِّبَهُمْ بِها فى الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يقول: تكون عليهم بيّنةً لأَن ما أكلوا منها
أكلوه نِفاقاً، وما أنفقوا، فإِنما هو رياء. يقول ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ
كافِرُونَ﴾ أن يلقوا ربّهم على نِفاقهم. ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهِمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ
مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾(٤) أَى رؤساءهم وأَهل الطَّوْل منهم مثل ابن
أُبَىّ، والجَدّ بن قيس وذَويه، كانوا يأتون النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيخلفون
أنَّهم معه، وإذا خرجوا نقضوا، يقول يَفْرَقون من أَن يُقتلوا لِقِلَّتهم فى
المسلمين. ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأُ أَوْ مَغَاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِوَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾(٥)
يقول: لو وجدوا جماعةٌ أَو يقدرون على هربٍ من دارهم إلى قومٍ يعِزّن فيهم،
لذهبوا إليهم سِراعاً. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فى الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا
وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذاهُمْ يَسْخَطُونَ﴾(٦) نزلت فى ثعلبة بن حاطب، كان
(١) سورة ٩ التوبة ٥٣
(٢) سورة ٩ التوبة ٥٤
(٣) سورة ٩ التوبة ٥٥
( ٤ ) سورة ٩ التوبة ٥٦
(٥) سورة ٩ التوبة ٥٧
( ٦) سورة ٩ التوبة ٥٨

١٠٦٥
يقول : إِنما يُعطى محمّدٌ الصدقاتِ مَن يشاء! يتكلَّم بالنِّفاق. فجاء النبيّ
صلَّى الله عليه وسلَّم فأعطاه فرضى، ثم جاءه فلم يُعطِه فسَخِط .. يقول الله
عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾(١) يقول: لم يسخطوا إِذا ردّه
رسول الله صلَّى اله عليه وسلَّم أَو أعطاه قليلاً بقدر ما يجد؛ ﴿وَقَالُوا حَسْبُنا
اللهُ سَيُؤْتينا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ يقول: حَسْبُ نبيّه.
وقال : إِنَّ اللّه سيرزقنا، وإِذا جاء رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مالٌ أَعطانا.
قال الله عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ وَالعامِلِينَ عَلَيْها
وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالغارِمِينَ وَفِى سَبيلِ اللهِ وَابنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً
مِنَ اللهِ﴾(٢). ويُروَى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أَنَّ سائلاً سأله،
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : إنَّ الله لم يَكِلْها إِلى ملكٍ مُقَرَّبٍ ولا
نبيِّ مُرْسَلٍ حتى جزَّأَها على ثمانية أجزاء، فإن كنتَ من جزءٍ منها أَعطيتك ،
وإن كنتَ غنيًّا فصُداعٌ فى الرأس وأَذىَّ فى البطن ، والفقراء فقراء المهاجرين
الذين كانوا لا يسألون الناس والمساكين الذين كانوا فى الصُّفَّة فى عهد
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. ﴿وَالعامِلِينَ عَلَيْها) يُعطَوْن قدْر عمالتهم ونفقتهم
فى سفرهم؛ ﴿وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ليس فى الناس اليوم ، وقد كان رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم أَعطى أَقواماً، يتأَلَّفهم على الإِسلام؛ ﴿وَفى الرِّقَابِ﴾
يعنى المكاتبين؛ ﴿وَالغارِمِينَ﴾ يعنى الذين عليهم الدَّين ، يقضى عن الرجل
ينه؛ {وَفِى سَبيلِ اللهِ﴾ يعنى المجاهدين؛ ﴿وَابنِ السَّبِيلِ﴾ الرجل المُنْقَطَهِ
به فى غير بلده فيُعان ويُحمَل وإن كان فى أَهله موسرًا. وهذه الصدقات
(١) سورة ٩ التوبة ٥٩
(٢) سورة ٩ التوبة ٦٠

١٠٦٦
يُنظَر فيها، فإِن كان أَهل الحاجة والفاقة فى صنفٍ واحدٍ فوُضِع ذلك فيه
أَجزأَه إِن شاءَ الله. ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ
خَيْرٍ لَكُمْ﴾(١) نزلت فى عبد الله بن نَبْتَل. قال، كان يقول: إِنِّى لأَنال
من محمّدما أَشاء ، ثم آتى محمّدًا فَأَحلف له فيقبل منِّى. يقول الله عزَّ
وجلّ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤُّمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعنى أَنَّه يقبل من
المؤمنين ؛ ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ يعنى ابن
نَبْتَل؛ ﴿لَهِمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿يَخْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ﴾(٢) حلفه للنبيّ ما
قالوا؛ ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ يعنى النبيّ وأصحاب محمّد. ثم يقول: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ
أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانوا مُؤْمِنِينَ﴾ أَلَّا تُوذوا رسولَ الله ولا تقولوا إِلَّا خيرًا.
﴿أَلَمْ يَعْدَمُوا أَنَّه مَنْ يُحادِدِ اللّهَ وَرَسولَهُ .. ﴾(٣) إِلى آخر الآية، يعنى عبد الله
ابْنُ نَبْثَل . ﴿يَحْذَرُ المنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سورَةٌ تُنَبِّتُهُمْ بِمَافِى قُلُوبِهِمْ﴾(٤)
قال : كان المنافقون يتكلَّمون بردّ الكتاب والحقّ، فإذا نزل على النبىّ
شىءٌ من القرآن خافوا أن يكون فيما قالوا أَو فيما تكلَّموا . ﴿إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ ما
تَحْذَرُونَ﴾ يعنى ما يتكلَّمون به . كان نفرٌ منهم فى غزوة تبوك: وَديعة بن
ثابت ، وجُلاس بن سُوَيَد، ومَخشىّ بن حُمَيّر الأَشجعىّ حليف بنى سَلِمَة ،
وثعلبة بن حاطب ، فقال ثعلبة : أَتحسبون قتال بنى الأصفر كقتال
غيرهم؟ والهِ لكأَنَّهم غدًا مقَرَّنين فى الحبال! وقال وَديعة: إِنَّ قُرّاءَنا (٥)
(١) سورة ٩ التوبة ٦١
(٢) سورة ٩ التوبة ٦٢
(٣) سورة ٩ التوبة ٦٣
( ٤) سورة ٩ التوبة ٦٤
(٥) فى الأصل: ((أقرانا)).

١٠٦٧
هؤلاء أَوعبنا (١) بطوناً، وأَحدثنا نِسبةً، وأَجبننا عند اللقاء . فقال النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم لعَمّار بن ياسر: أَدركهم فقد احترقوا. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَّهُمْ
لَيَقولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَذَلْعَبُ﴾ (٢) إلى قوله ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٣)
فالذى عُفِى عنه فى هذه الآية مَخشىّ بن حُمَيّر ؛ والذى قال: ((إِنما كنّا
نخوض ونلعب)) وَديعة بن ثابت، وجاءَ إِلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
يعتذر إليه ؛ فنزل ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ والذى قال كلمة الكفر
الجُلاس بن سُوَيَد بن الصامت ؛ والذى عُفِى عنه فى هذه الآية مَخشىّ بن
حمَيّر ، فتِيب عليه فسمّاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبد الرحمن ،
وسأَله أَن يُقتَل شهيدًا لا يُعلَم بمكانه فقُتِل يوم اليمامة شهيدًا. قال الله عزَّ
وجلّ: ﴿المُنَافِقُونَ وَالمُنافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾(٤)
قال : كان نساءٌ منافقات مع رجال . وقوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَولياء
بعض؛ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ بأَذى النىّ صلَّى الله عليه وسلَّم وتكذيبه ؛
﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ عن اتّباعه؛ ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) لا يتصدّقون على
فقراء المسلمين؛ ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ يقول: تركوا اله فتركهم الله. ﴿وَعَدَ اللهُ
المُنافِقِينَ وَالمُنافِقَاتِ وَالِكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فيها هِىَ حَسْبُهُمْ﴾(٥)
يقول: هى جزاءهم؛ ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾ يعنى فى الدنيا؛ {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) فى الآخرة .
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا
بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾(٦)
يعنى مَن كان قبلكم من الأُمَم ممَّن كذب الأنبياء واستهزى بهم ، وقد رزقهم
(١) فى الأصل": ((أرعبنا)) بالراء.
(٢) سورة ٩ التوبة ٦٥
(٣) سورة ٩ التوبة ٦٦
( ٤ ) سورة ٩ التوبة ٦٧
(٥) سورة ٩ التوبة ٦٨
(٦) سورة ٩ التوبة ٦٩

١٠٦٨
الله الأموال الكثيرة والأولاد، فذكر أنَّهم استمتعوا بخَلاقهم ، ثم ذكر
هولاء المنافقين أنَّهم استمتعوا بخَلاقهم كما استمتع به أُولئك ، وقال :
﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُوا﴾ يقول: استهزيتم كما استهزى أُولئك؛ ﴿أُولائِكَ
حَبِطَتْ أَعملُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ يعنى الأُمَم التى
كانت قبلهم، وهم المنافقون. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾(١) يقول: يأمرون بالإِسلام
وينهون عن الكفر؛ ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ يتصدّقون على الفقراء
﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جاهِدِ الكُفَّارَ﴾(٢) يعنى
المشركين بالسيف ؛ ﴿وَالمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ فأَمره أَن يَغْلُظ. على
المنافقين بلسانه؛ ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) يعنى الكافرين والمنافقين. ﴿يَحْلِفُونَ
بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) (٣) وديعة بن
ثابت ؛ ﴿وَهَمُّوا بَما لَمْ يَنالُوا﴾ قالوا: نضع التاج على رأس عبد الله بن
أُبَىّ فتُتوّجه إِذا رجعنا، ويقال هم الذين همّوا بالنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فى العَقَبَة؛ ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا
يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ نزلت فى الجُلاس بن سُوَيد، كانت له دية فى الجاهليَّة
فلمّا قدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَخذها له وكان محتاجاً. ﴿وَمِنْهُمْ
مَنْ عاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾(٤).
﴿فَلِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾(٥) إلى قوله ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾(١) نزلت فى ثعلبة
(١) سورة ٩ التوبة ٧١
(٢) سورة ٩ التوبة ٧٣
(٣) سورة ٩ التوبة ٧٤
( ٤) سورة ٩ التوبة ٧٥
(٥) سورة ٩ التوبة ٧٦
(٦) سورة ٩ التوبة ٧٧

١٠٦٩
ابن حاطب ، وكان محتاجاً لا يجد ما يتصدّق به ، فقال: واللهِ لئن آتانى
الله مالًا لأَتصدّقنَّ ولأَّكوننَّ من الصالحين. فأَصاب دِية، اثنى عشر ألف
درهم ، فلم يتصدّق ولم يكن من الصالحين. ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعينَ مِنَ
المُؤْمِنِينَ﴾(١) قال: جاءَ زيد بن أسلم العَجْلانىّ بصدقة ماله، فقال مُعَتِّب
ابن قُشَير وعبد الله بن نَبْتَل: إِذَّما أَراد الرِّياءَ من المؤمنين فى الصدقات؛
﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ نزلت فى عُلْبَة بن زيد الحارثّ، رأَى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم خَمْيصَ
البطن ، فجاءَ إِلى رجلٍ من اليهود فقال: أُوجِرُكَ نفسى أَجُرّ الجريرَ (٢) على
أَن تُعطينى صاعاً من تمر لا تُعطينى فيه خَدِرَة - الخَدِرَة التى فيها الدخان.
أَو يقال: جَديد(٣) ولا حَشَف (٤). قال: نعم . فعمل معه إلى العصر ، ثم
أَخذ التمر فجاءَ به إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فجعل عبد الله بن نَبْتَل
يقول : انظروا إلى هذا وما يصنع ، ما كان الله يصنع بهذا ، أَما كان الله
غنيًّا عن هذا؟ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ .. ﴾(٥) إِلى آخر الآية. قال:
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ودُعِى ليُصلِّى على عبد الله بن أُبَىّ فقال :
لوأَعلم أَنِّى إِن زدت على السبعين غُفِرِ له لزدتُ؛ إِنِّى خُيِّرْتُ فاخترت !
﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ (٦) إلى قوله ﴿بِمَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ﴾ (٧) قال: نزلت فى الجَدّ بن قيس. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿فَإِنْ
(١) سورة ٩ التوبة ٧٩
(٢) أى أستقى الماء بالحبل. (النهاية، ج ١، ص ١٥٥).
(٣) فى الأصل: ((خديد)).
(٤) الحشف: اليابس الفاسد من التمر . ( النهاية، ج ١، ص ٢٣١).
(٥) سورة ٩ التوبة ٨٠
(٦) سورة ٩ التوبة ٨١
(٧) سورة ٩ التوبة ٨٢

١٠٧٠
رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾(١) يعنى من سَفْرةٍ تَبوك؛ ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلخُرُوجِ﴾
يعنى المنافقين الذين كانوا استأذنوه للقعود؛ ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا
وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقُعودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أَوّل سفرى حين
خرجت؛ ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ مع النساء. ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ
ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهٍ .. ﴾(٢) الآية. قال: لمّا مات ابن أُبَىّ وُضِع
فى موضع الجنائز، فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليُصلّى عليه، فقال عمر بن
الخطّاب رضى الله عنه: يا رسول الله، تُصِلّى عليه وقد قال يوم كذا كذا،
ويوم كذا كذا ؟ فقال : يا عمر بن الخطَّب، إِنِىّ خُيِّرت فاخترتُ ،
فلو أَنِّى أَعلم أَنى إِن زدت على السبعين صلاة غُفِرِ له زدتُ ! وذلك قول الله
عزَّ وجلّ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْلا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾(٣). فصلَّى عليه رسول الله
صَلَّى الله عليه وسلَّم ودفنه، فلمّا فرغ من دفنه فلم يَرِم مقامَه حتى نزلت هذه
الآية: ﴿ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا .. ﴾(٣) الآية. ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ
سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِالهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾(٤) إِلى
قوله ﴿بأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾(٥) مع النساء؛ ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ
لا يَفْقَهُونَ﴾ نزلت فى الجَدّ بن قيس، وكان مَيِّلاً، كثيرَ المال. ﴿وَجَاءَ
المُعَدِّرُونَ مِنَ الأَعْرابِ﴾(٦) يعنى المعتذرون، وهم أَحد وثمانون من غِفار؛
﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ فى القعود، يقول: ويُعذّروا فى الخروج؛ ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا
اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ يفول: قعد المنافقون الذين تخلَّفوا، وقالوا: أجلسوا إِن أَذِن
(١) سورة ٩ التوبة ٨٣
(٢) سورة ٩ التوبة ٨٤
(٣) سورة ٩ التوبة ٨٠
( ٤) سورة ٩ التوبة ٨٦
(٥) سورة ٩ التوبة ٨٧
(٦) سورة ٩ التوبة ٩٠

١٠٧١
لكم أَو لم يأْذَن. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾(١) أَهل
الزَّمانة والشيخ الكبير؛ ﴿وَلا عَلَى المَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما
يُنْفِقُونَ﴾ يعنى المُعسِر؛ ﴿حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ
مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) إِذا كانوا هكذا. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلا عَلَىَ
الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ
تَفيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ (٢) هؤلاء البكّاؤون وهم سبعة:
أبو ليلى المازنىّ، وَسَلَمَة بن صَخر الزُّرَقىّ، وثعلبة بن عَنَمَة السُّلَمِىّ، وعبد
الله بن عمرو المُزَنّ، وسالم بنِ عُمَير(٣) . يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ
عَلىَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنوذَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾(٤) مع
النساء ، يعنى الجدّ بن قيس. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا
رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾(٥) أَى لن نُصدّقكم ﴿قَدْ
نَبّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ يعنى ما أَخبره من قصّتهم، ﴿وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ﴾ يعنى المنافقين؛ إِلى قوله (سَيَحْلِفُونَ بِالهِلَكُمْ إِذا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ
لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾(٦) يعنى لا تلوموهم؛ ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) يعنى اتركوهم ؛
﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ ومأُواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءَ بما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ
(١) سورة ٩ التوبة ٩١
(٢) سورة ٩ التوبة ٩٢
(٣) هكذا فى الأصل خمسة فقط
( ٤) سورة ٩ التوبة ٩٣
(٥) سورة ٩ التوبة ٩٤
(٦) سورة . ٩ التوبة ٩٥