النص المفهرس
صفحات 121-140
٩٩٢ قالت أُمّ ◌ِنان الأَسلميّة: لقد رأيت ثوباً مبسوطاً بين يدى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى بيت عائشة رضى الله عنها فيه مَسَّكُ (١)، ومَعاضِد (٢)، وخَلَاخِل (٣) وأَقْرِطَة وخواتيم، وخَدَمات، ممّا يبعث به النساء يُعِنّ(٤)به المسلمين فى جهازهم. والناس فى عُدْرَةٍ شديدة، وحين طابت الثمار وأُحِبّت الظِّلال، فالناس يُحبّون المُقَام ويكرهون الشُّخوص عنها على الحال من الزمان الذى هم عليه ، وأخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الناس بالانكماش (٥) والجِدّ، وضرب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عسكره بثنيّة الوداع، والناس كثيرٌ لا يجمعهم كتاب، قد رحل يُريد أن يبعث إلاَّ [أَنَّه ] ظنَّ أَنَّ ذلك سيخفى له ، ما لم ينزل فيه وَحْىٌ من الله عزَّ وجلّ . وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للجَدّ بن قيس: أَبًا وَهب، هل لك العامَ تخرج معنا لعلَّك تَحْتَقِب (٦) من بنات الأصفر؟ فقال الجَدّ: أَوَ تأْذن لى ولا تَفْتِنِّى؟ فواللهِ، لقد عرف قومى ما أَحدٌ أَشدّ عُجْباً بالنساءِ مِنِّى، وإِنِّى لأَخشى إن رأيتُ نساءَ بنى الأَصفر لا أَصبر عنهنَّ. فأَعرض عنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: قد أَذنتُ لك ! فجاءه ابنه عبد الله بن الجَدّ - وكان بَدْريًّا،وهو أَخو مُعاذ بن جَبَل لِأُمّه - فقال لأبيه: لِمَ تِردّ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مقالته؟ فواللهِ ما فى بنى سَلِمَة أكثر مالاً منك، ولا تخرج ولا تحمل أحدًا! قال: يا بُنَىّ، ما لى والخروج (١) المسك: أسورة من ذبل أو عاج. ( الصحاح، ص ١٦٠٨). (٢) المعاضد: الدمالج. (الصحاح، ص ٥٠٦). (٣) الخلاخل: الحل. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٧١). (٤) فى الأصل: ((يعينون)). (٥) انكش: أى أسرع. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٨٧). (٦) احتقب: أى احتمل. (.لسان العرب، ج ١، ص ٣١٥). ٩٩٣ فى الريح والحرّ والعُسْرَة إِلى بنى الأصفر ؟ واللهِ، ما آمن خوفاً من بنى الأَصفر وإِنِّى فى منزلى بخُرْبَى، فأَذهب إليهم فأَغزوهم، إِنّى واللهِ يا بُنَىّ عالمٌ بالدوائر! فأَغلظ. له ابنه ، فقال: لا واللهِ، ولكنه النفاق! واللهِ، لينزانَّ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيكِ قرآنٌ يقرأونه . قال : فرفع. نَعْله فضرب بها وجهه، فانصرف ابنه ولم يُكلِّمه . وجعل الخبيث يُشْبِّط. قومه، وقال لجَبّار بن صَخر ونفرٍ معه من بنى سَلِمَة: يا بنى سَلِمَة، لا تَنفِروا فى الحرّ. يقول: لا تخرجوا فى الحرّ زهادةً فى الجهاد، وشكًّا فى الحقّ، وإِرجافاً برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فأَنزل الله عزَّ وجلّ فيه: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فى الحَرِّ﴾ إلى قوله: ﴿جَزَاءٌ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾(١). وفيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اثْذَنْ لى ولا تَفْتِنِّى .. ﴾(٢) الآية، أَى كأَنه إنما يخشى الفتنة من نساء بنى الأصفر، وليس ذلك به؛ إِنما تعذّر بالباطل ، فما سقط فيه من الفتنة أكثر، بتخلّفه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ورغبتِه بنفسه عن نفسه. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافِرِينَ ﴾ يقول : إِنَّ جهنَّم لَمِن ورائه ؛ فلمّا نزلت هذه الآية جاءَ ابنه إلى أبيه فقال: أَلم أَقل لك إِنَّه سوف ينزل فيك قرآن يقرأه المسلمون؟ قال : يقول أبوه: اسكتْ عنى يا لُكَعُ ! واللهِ، لا أَنفعك بنافعةٍ أَبدًا! واللهِ لأَنت أَشُّ علىّ من محمّد ! قال : وجاء البَّاءون - وهم سبعة - يستحملونه، وكانوا أهل حاجة، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿لا أَجِدُ ما أَحمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ .. ﴾ (٣) الآية. وهم سبعة من بنى عمرو بن عَوف: سالم (١) سورة ٩ التوبة ٨١، ٨٢ (٢) سورة ٩ التوبة ٩٩ . (٣) سورة ٩ التوبة ٩٢ . ٩٩٤ ابن عُمَير ، قد شهد بدرًا، لا اختلاف فيه عندنا ؛ ومن بنى واقف هَرَمِىّ ابن عمرو(١)؛ ومن بنى حارثة عُلْبَة بن زيد، وهو الذى تصدّق بْعَرْضُه (٢)، وذلك أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أُمر بالصدقة ، فجعل الناس یاتون بها ، فجاءَ عُلْبَة فقال : يا رسول الله ، ما عندى ما أَتصدّق به وجعلت عَرْضى حِلاَّ. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: قد قبل الله صدقتك. ومن بنى مازن بن النَّجّار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ؛ ومن بنى سَلِمَة عمرو بن عُثْبَةٍ، ومن بنى زُرَيَقِ سَلَمَة بن صَخر ، ومن بنى سُلَيم عِرباض بن سارية السُّلَمِىّ. وهؤلاء أَثبت ما سمعنا. ويقال: عبد الله [بن] مُغَفَّل المُزَنِىّ، وعمرو بن عَوف المُزَنِىّ؛ ويقال: هم بنو مُقَرِّن، من مُزَينة. ولمّا خرج البكَّاءون من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد أَعلمهم أنَّه لا يجد ما يحملهم عليه، وإِنما يُريدون ظَهْرًا، لتى يامين بن عُمَير بن كعب بن شِبْل النَّضرىّ أَبا ليلى المازنىّ، وعبد الله بن مُغَفَّل المُزَنىّ. وهما يبكيان فقال : وما يُبكيكما ؟ قالا: جئنا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لَيَحْملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه ، وليس عندنا ما نُنفق به على الخروج ، ونحن نكره أن تفوتنا غزوةٌ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . فأعطاهما ناضحاً له ، فارتحلاه : وزوّد كلَّ رجلٍ منهما صاعَيْن من تمر ، فخرجا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وحمل العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه منهم رَجُلَيْن، وحمل عثمان رضى الله عنه منهم ثلاثة، بعد الذى كان جَهّز من الجيش ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لايخرج معنا إِلَّا مُقْوٍ (٣). (١) فى الأصل: ((هرير بن عمرو))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. ( الطبقات، ج ٢ ، ص ١١٩). وعن ابن الأثير أيضاً . ( أسد الغابة، ج ٥، ص ٥٨). (٢) العرض بالسكون: المتاع. (النهاية، ج ٣، ص ٨٤). (٣) أى ذو دابة قوية. (النهاية، ج .٣، ص ٢٨٧) . ٩٩٥٠ فخرج رجلٌ على بَكْرٍ صعبٍ فصَرَعه ، فقال الناس : الشهيد ، الشهيد ! فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُنادياً يُنادى: لا يدخل الجنَّةَ إِلَّا مُومنٌ - أَو إِلاَّ نفسٌ مؤمنة - ولا يدخل الجنَّة عاصٍ . وكان الرجل طرحه بعيره بالسُّويداء . قالوا : وجاءَ ناسٌّ من المنافقين يَسْتَأْذِنون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من غير عِلَّةٍ فأَذِن لهم ، وكان المنافقون الذين استأذنوا بِضْعَةً وثمانين . وجاءَ المعذِّرون من الأَعراب فاعتذروا إليه ، فلم يَعذِرهم الله عزَّ وجلّ . هم نفرٌ من بنى غِفار، منهم خُفاف بن إيماء بن رَحْضَة ، اثنان وثمانون رجلاً . وأَقبلٍ عبد الله بن أُبَىّ بعسكره ، فضربه على ثنيّة الوَداع بحِذاء ذُباب ، معه حلفاؤه من اليهود والمنافقين ممّن اجتمع إليه ، فكان يقال : ليس عسكر ابن أُبَىّ بأَقَّلِ العسكرَيْن. وأقام ما أَقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستخلف على العسكر أبا بكر الصدّيق رضى الله عنه يُصِلّى بالناس، فلمّا استمدّ برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم السَّفَرُ ، وأجمع المسير ، استخلف على المدينة يسباع ابن عُرْفُطَةِ الغِفارىّ - ويقال: محمّد بن مَسْلَمَة - لم يتخلَّف عنه غزوةً غير هذه. وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: استَكْثِروا من النِّعال، فإنَّ الرجل لا يزال راكباً ما دام مُنتعلاً. فلمّا سار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تخلَّف ابن أُبَىّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيمن تخلَّف من المنافقين، وقال : يغزو محمّدٌ بنى الأَصفر ، مع جَهد الحال والحرّ والبلد البعيد ، إلى ما لا قِبَلَ له به ! يَحسَب محمّدٌ أَنَّ قتال بنى الأصفر اللَّعِب ؟ ونافق معه مَن(١) هو على مثل رأيه، ثم قال ابن أُبَىّ: واللهِ لكأَنّ أَنظرُ إِلى (١) فى الأصل: ((من)). ٩٩٦ أصحابه غدًا مُقرَّنين فى الحبال! إِرجافاً برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه . فلمّا رحل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من ثنيّة الوَداع إِلى تّبوك ، وعقد الأَّلوية والرايات ، فدفع لواءه الأَعظم إلى أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه، ورايَتَه العُظمى إلى الزُّبَير، ودفع رايةَ الأَوس إِلى أُسَيد بن الحُضَير، ولواءَ الخزرج إِلى أَبِى دُجانة ، ويقال: إِلى الحُباب بن المُنْذِر بن الجَموح. قالوا : وإِذا عبدٌ لامرأةٍ من بنى ضَمْرَة ، لقيه على رأس ثنيّة النور، والعبد مُتسلِّح. قال العبد: أُقاتل معك يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : وما أَنت ؟ قال : مملوك لامرأة من بنى ضَمْرَة سَيِّئَةِ المَلَكَة (١). قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ارجع إلى سيّدتك، لا تقتل معى فتدخلَ النار ! قال : حدّثنى رِفاعة بن ثَعْلَبَة بن أبى مالِك ، عن أبيه ، عن جدّه ، . قال : جلست مع زيد بن ثابت فذكرنا غزوة تبوك، فذكر أنه حمل لواءً مالِك بن النَّجّار فى تَبوكِ فقلت: يا أَبا سَعيد ، كم ترى كان المسلمون ؟ قال: ثلاثون ألفاً، لقد كان الناس يرحلون عند مَيل الشمس، فما يزالون. يرحلون والساقة مُقيمون حتى يرحل العسكر . فسألت بعض من كان بالساقة فقال: ما يرحل آخرهم إِلَّا مساءً، ثم نَرْحَل على أَثرهم فما ننتهى إلى العسكر إلَّا مُصبّحين من كثرة الناس . قالوا : وتخلَّف نفرٌ من المسلمين، أبطأَتْ بهم النِّيَّةُ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى تخلَّفوا عنه من غير شَكُّ ولا ارتيابٍ ، منهم : كعب بن (١) فى الأصل: ((المملكة)). ويقال: فلان حسن الملكة، إذا كان حسن الصنع إلى مماليكه. ( الصحاح ، ص ١٦١١). ٩٩٧ مالِك ، وكان كعب يقول : كان من خبرى حين تَخلَّفْتُ عن تَبرك أَنى لم أَكُ قَطُّ. أَقوى ولا أَيسرَ منِّى حين (١) تخلَّت عنه فى تلك الغزوة؛ واللهِ،. ما اجتمعت لى راحلتان قَطُّ. حتى اجتمعتا فى تلك الغزوة ! فتجهّز رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتجهّز المسلمون معه، وجعلتُ أَعدو لأَتجهّز معهم فأَرجع ولم أَقضِ حاجةٌ، فأَقُول فى نفسى: أَنا قادرٌ على ذلك! فلم أَزْل يُتَادَى بى حتى شعّر بالناس الجِدّ، فأصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غازياً والمسلمون، وذلك يوم الخميس، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُحبّ أن يخرج فيه ، ولم أَقْضِ من جهازى شيئاً ، فقلت : أَتجهّز بعده بيومٍ أَو يومين ثم أَلحق بهم. فغدوتُ بعد ما فَصَلوا أَتجهّز ، فرجعت ولم أفعل شيئاً ، ثم غدوتُ فلم أفعل شيئاً ، فلم أزل يُتَادَى بى حتى أسرعوا، وتفارط (٢) الغزو ، وقلت: أَرتحل فأُدرِكهم، وياليتنى فعلتُ! ولم أفعل ، وجعلتُ إذا خرجتُ فى الناس فطفتُ فيهم يَحزُنِى أَلاَّ أَرى إلاَّ رجلاً مغموصاً(٣) عليه فى النفاق، أَو رجلاً ممّن عذَّر الله، ولم يذكرنى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى بلغ تَبوك ، فقال وهو جالسٌ فى القوم : ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجلٌ من بنى سَلِمَة: يا رسول الله، حبسه بُرداه والنظرُ فى عِطفَيْه. فقال له مُعاذ بن جَبَل : بئسما قلتَ! واللهِ يا رسول الله ما علمنا عليه إِلاَّ خيرًا. والقائل عبد الله بن أُنَيس، ويقال: الذى ردّ عليه المقالة أَبو قتادة، ومعاذ بن جَبَل أَثبتهما عندنا . قال هلال بن أُميّة الواقفى ، حین تخلّف عنرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ٢٠ (١) فى الأصل: ((من حين)). (٢) فى الأصل: ((وتعارط))؛ والمثبت من ابن الأثير. وتفارط: أى فات وقته وتقدم. ( النهاية، ج ٣، ص ١٩٥). (٣) أى مطعونا فى دينه بالنفاق. (النهاية، ج ٣، ص ١٧١). ٩٩٨ فى تَبوك: واللهِ ما تخلَّفت شكًّا ولا ارتياباً، ولكن كنت مُقوياً فى المال . قلت : أَشترى بعيرًا. ولقيْنِى مُرارَةُ بن الرَّبيع فقال: أَنا رجلٌ مُقْوٍ ، فأَبتاع بعيرًا وأَنطاق به . فقلت : هذا صاحبٌ أُرفقه . فجعلنا نقول : نغدو فنشترى بعيريْن فنلحق بالنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يفوت ذلك؛ نحن قوم مُخِفُّون على صدر راحلتَيْن فغدًا نَسير! فلم نزل ندفع ذلك ونُؤْخّر الأيّام حتى شارف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم البلاد . فقلت : ما هذا ١ بحين خروج. وجعلت لا أَرى فى الدار ولا فى غيرها إلاَّ معذوراً أَو مُنافقاً مُعلناً، فأَرجِعُ مُغتمًّا بما أَنا فيه. وكان أَبو خَيْثَمَة قد تخلَّف معنا ، وكان لا يُنَّهِمُ فى إِسلامه ولا يُغْمَص عليه، فعزم له على ما عزم ، وكان أَبو خَيْثَمَة يُسمَّى عبد الله بن خَيْئَمة السامىّ ، فرجع بعد أَن سار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عشرة أَيّام حتى دخل على امرأَتَيْن له فى يومٍ حارِّ فوجدهما فى عَريشَيْن لهما، قد رشَّت كلّ واحدةٍ منهما عَريشَها وبرّدت له فيه ماءً، وهيّأَت له فيه طعاماً ، فلما انتهى إليهما قام على العَريشَيْن فقال : سبحان الله! رسول الله قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تَأَخَّر فى الضُّحّ(١) والريح والحرّ ، يحمل سلاحه على عُنُقه، وأَبو خَيْئَمة فى ظلالٍ باردٍ وطعامٍ مُهيٍّ وامرأَتَيْن حسناوَيْن، مقيمٌ فى ماله، ما هذا بالنَّصَف ! ثم قال : واللهِ، لا أُدخل عَريشَ واحدةٍ منكما حتى أَخرج فأَلحقَ برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فأَناخ ناضحه وشدّ عليه قَتَبه وتزوّد وارتحل ، فجعلت امرأَتاه يُكلِّمانه ولا يُكلّمهما، حتى أدرك عُمَير بن وَهب الجُمَحِىّ بوادى القُرَى يُريد النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فصحبه فترافقا، حتى إذا دَنَوا من تبوك قال أَبو خَيْثَمَة: يا عُمَير ! إِنَّ لى ذُنوباً وَأَنت لا ذَنْبَ لك، فلا عليك أَن (١) الضح: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض. (النهاية، ج ٣، ص ١٢). ٩٩٩ تَخلَّف عنى حتى آلىَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبلك. ففعل عُمَّيْر ، فسار أَبو خَيْثَمَة حتى إِذا دنا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو نازلٌ بتبوك - قال الناس : هذا راكب الطريق ! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: كُنْ أَبا خَيْثَمَة ! فقال الناس: يا رسول الله، هذا أَبو خَيْثَمَة ! فلمّا أَناخ أَقبل فسلّم على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَوْلَى لك يا أَبا خَيْثَمَة! ثم أخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخبر ، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خيرًا ودعا له . قال: ومضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من المدينة، فصبّح ذا خُشُب فنزل تحت الدَّوْمَة، وكان دليله إِلى تَبوكِ عَلْقَمَة بن الفَغْواءِ الخُزَاعِىّ. فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تحت الدَّوْمَة، فراح منها مُمسياً حيث أَبرد، وكان فى حرٍّ شديد، وكان يجمع من يومٍ نزل ذا خُشُب بين الظُّهر والعصر فى منزله، يُؤْخِّر الظُّهر حتى يُبرِد، ويُعجِّل العصر، ثم يجمع بينهما، فكلٌ ذلك فعله حتى رجع من تبوك. وكانت مساجده فى سفره إلى تبوك معروفة ؛ صلَّى تحتَ دَوْمَةٍ بذى خُشُ، ومسجد الفّيْفاء، ومسجد بالمَرْوَة ، ومسجد بالسُّقْيا، ومسجد بوادى القُرَى، ومسجد بالحِجْر، ومسجد بذَذَب حَوْصاء، ومسجد بذى الجِيفَة، من صَدْر حَوْصاء، ومسجد بشِقّ تاراء (١) ممّا يلى جَوْبَر، ومسجد بذات الخِطْمىّ، ومسجد بسَمَنَة، ومسجد بالأخْضَر . ومسجد بذات الزِّراب (٢)، ومسجد بالمِدران (٣)، ومسجد بتبوك .. (١) فى الأصل: ((ثاراء))، وما أثبتناه من السمهودى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٦٩) (٢) فى الأصل: ((ذات الذريات))؛ وما أثبتناه من السمهودى. (وفاء الوفا، ج ٢ ، ص ٣١٨) . (٣) فى الأصل: ((المدر!))؛ وما أثبتناه من السمهودى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٧٠). ١٠٠٠ ولمّا مضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من ثنيّة الوداع سائرًا، فجعل يتخلَّف عنه الرجال فيقولون: يا رسول الله، تخلَّف فلان! فيقول : دعوه ، فإن يك فيه خيرٌ فسيُلحقه الله بكم ، وإِن يَكُ غيرَ ذلك فقد أَراحكم الله منه ! فخرج معه ناسٌّ من المنافقين كثيرٌ لم يخرجوا إِلَّا رَجاءَ الغنيمة. وكان أبو ذرّ يقول: أَبطأْتُ فى غزوة تبوك من أَجْل بعيرى، كان نِضوًا (١) أَعْجَف، فقلت: أَعلفه أَيّاماً ثم أُلحق برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . فعانتُه أَيّاماً ثم خرجتُ، فلمّا كنت بذى المَرْوَة عَجَز بى ، فتلوّمتُ عليه يوماً فلم أَرَ به حركة، فأخذت متاعى فحملتُه على ظَهْرى ، ثم خرجت أَتبع رسولَ الله صلىَّ الله عليه وسلَّم ماشياً فى حرِّ شديدٍ، وقد تقطّع الناس فلا أرى أَحدًا يلحقبا من المسلمين، فطلعتُ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نِصْفَ النهار وقد بلغ منِّى العَطَش، فنظر ناظرٌ من الطريقِ فقال : يا رسول الله، إِنَّ هذا الرجل يمشى على الطريق وحدّه. فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: كُنْ أَبا ذرّ! فلمّا تأَمَّلنى القوم قالوا: يا رسول الله، هذا أبو ذرّ! فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى دنوتُ منه فقال: مرحباً بأبى ذرّ ! يمشى وحدَه، ويموت وحدَه، ويُبعَث وحدَه! فقال: ما علَّفك يا أَبا ذرّ ؟ فأَخبره خبرَ بعيره ، ثم قال : إِن كنتَ لَمِنْ أَعزِّ أَهلى علىّ تخلُّفاً، لقد غفر الله لك يا أبا ذرّ بكلِّ خُطْوَةٍ ذَنْباً إِلى أَنْ بلغتَنِى : ووضع متاعه عن ظهره ثم استسقى (٢)، فأُنِى بإناءٍ من ماءٍ فشربه، فلمّا أُخرجه عثمان" رضى الله عنه إلى الرَّبَذَة فأَصابه قَدَرُه لم يكن معه أحدٌ إلَّا امرأته وغلامه، (١) المنضو: الدابة التى أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها. (النهاية، ج ٤، ص ١٥٢). (٢) فى الأصل: ((استلقى))؛ وما أثبتناه عن الزرقانى يروى عن الواقدى. ( شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٨٤) . ١٠٠١ فأَوصاهما فقال : اغسلانى وكنتالى ، ثم ضعانى على قارعة الطريق إِذا أَنا متُّ. وأَقبل ابن مسعودٍ فى رَهْطِ. من العراقَ عُمارًا، فلم يَرُعْهم إلَّا بالجنازة على قارعة الطريق قد كادت الإبل تطؤها، فسلَّم القوم فقام إليهم غلامه فقال لهم : هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأَعينرنى عليه ! فاستهلّ ابن مَسعرد يبكى ويقول : صدق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ((أبو ذريمشى وحدَه، ويموت وحدَه، ويُبعَث وحدَه)). ثم نزل هو وأصحابه حتى واروه، ثم حذّثهم ابن مسعود حديثه، وما فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى مسيره إلى تَبرك . وكان أبو رُهْم الغِفارىّ - وهو كُلثوم بن الحُصَين، قد بايع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم تحت الشجرة - فقال: غزوت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تَبوكاً . قال: فسرت ذات ليلةٍ معه، ونحن بالأُخْضَر (١)، وأَنا قريبٌ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأُلقِى علىّ النُّعاس، فطفِقِتُ أستيقظ. وقد دنت راحلتى من راحلة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فيُفَرِّعنى دُنُوُّها منه خَشْيَةً أَن أُصيب رِجْلَه فى الغَرْزِ؛ فطفِقِتُ أَحوز (٢) راحاتى حتى غلبتنى عيناى فى بعض الطريق ونحن فى بعض الليل ، فزاحمتْ راحلتى راحلتَه ورِجْلُه فى الغَرْز، فما استيقظتُ إِلَّ بقوله: حَدٍّ (٣) ! فقلت : !! رسول الله، استغفر لى! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ◌ِرْ! فجعل رب ◌ِ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم يسألنى عمّن تخلَّف من بنى غِفارٍ ، (١) الأخضر: منزل قرب تبوك، بينه وبين وادى القرى. (معجم البلدان، ج ١، ص ١٥٢). (٢) أى أبعد. (شرح أبى ذر، ص ٤٢٥). (٣) حس: كلمة تقولها العرب عند وجود الألم، وفى الحديث أن طلحة لما أصيبت يده يوم أحد قال: حس. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٣٢١). ١٠٠٢ فأُخبره بهم، وهو يسألنى ما فعل النَّفَرُ الخُمْرِ الطِّوال النَّطانِطِ(١)؟ فحدّثْتُه بتخلُّفهم. قال: فما فعل النَّفَرِ السُّود القِصار الجِعاد الحُلْس (٢) ؟ فقلت : والله يا رسول الله ما أعرف هؤلاء. قال: بلى، الذين هم بشَبَكَة شَدَخ (٣). قال: فتذكَّرّهم فى بنى غِفار فلا أذكرهم، ثم ذكرت أَنهم رَهْطٌ. مِن أَسلم كانوا فينا وكانوا يحلُّون بِشَبَكَة شَدَخ ، لهم نَعَمٌ كثير ، فقلت: يا رسول الله، أولئك رَهْطٌ. مِن أَسلم حلفاء لنا". فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ما منع أَحدَ أولئك حين تخلَّف أَن يَحمِل على بعيرٍ من إبله رجلاً نشيطاً فى سبيل الله ممّن يخرج معنا ، فيكون له مثلُ أَجْرٍ الخارج! إِن كان لَمِن أَعزِّ أَهلى علىَّ أَن يتخلَّف عنِّى! المهاجرون من قُريش والأَنصار، وغِفار ، وأسلم . وقالوا : بينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى مسيره مرّ على بعيرٍ من العسكر قد تركه صاحبُه من العَجَف والضَّعْف، فمرّ به مارٌّ فأَقام عليه وعَلَفه أَيَّاماً ثم حوّله إلى منزله ، فصَلَح البعير فسافر عليه ، فرآه صاحبه الأَوّل، فاختصما إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: مَن أَحْبَى خُفَّا أَو كُراعاً بمَهْلَكَةٍ من الأَرض فهو له .. قالوا : وكان الناس مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثين ألفاً، ومن الخيل عشرة آلاف فرس. وأَمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ بَطْنٍ من الأَنصار أن يتخذوا لواءً وراية ، والقبائل من العرب فيها الرايات والأَّلوية . (١) النطاط: جمع نطناط، وهو الطويل المديد القامة. ( النهاية، ج ٤، ص ١٥٤ ). (٢) الحلس: جمع أحلس، وهو الذى لونه بين السواد والحمرة. (الصحاح، ص ٩١٦). (٣) بشبكة شدخ : جعل شبكة مع ما أضيف إليه اسم مكان ؛ ورواه أبو على : بشبكة شذخ . (أبو ذر، ص ٤٣٥). وقال السهيلى: بشبكة شرخ. (الروض الأنف،ج ٢، ص ٣٢١). ١٠٠٣ : وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد دفع راية بنى مالِك بن النَّجّار إِلى عُمارة بن حَزم ، فأَدرك رسولَ الله صلَّ الله عليه وسلَّم زيد بن ثابت فأَعطاه الراية. قال عُمارة: يا رسول الله، لعلك وجدتَ علىّ (١) ! قال: لا واللهِ، ولكن قَدِّموا القرآن، وكان أكثرَ أَخذًا للقرآن منك.؛ والقرآن يُقدِّم، وإِن كان عبدًا أَسود مُجدَّعاً(٢). وأمر فى الأوس والخزرج أن يحمل راياتهم أكثرُهم أَخذًا للقرآن ، وكان أبوزيد يحمل راية بنى عمرو بن عوف ، وكان مُعاذ بن جَبَل يحمل راية بنى سَلِمَة. وصلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً بأَصحابه فى سفره وعليه جُبَّةُ صوف وقد أَخذ بعِنان فرسه - أو قال: مِقْود فرسه - وهو يُصِلّى، فبال الفَرَسُ فأَصاب الجُبَّة فلم يَغْسِله وقال: لا بأُسَ بأَبوالها ولُعابها وعَرَقَها . قالوا : وكان رَهْطٌ. من المنافقين يسيرون مع النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم فى تبوك، منهم وَديعة بن ثابت ، أَحد بنى عمرو بن عَوْف ، والجُلاس ابن سُوَيَد بن الصامت، ومَخْشىّ بن حُمَيِّر من أَشجع، حليفٌ لبنى سَلِمَة، وثَدْلَبَة بن حاطب . فقال : تحسبون قتال بنى الأصفر كقتال غيرهم ؟ واللهِ لكأَنَّا بكم غدًا مُقَرَّنين فى الحِبال! إرجافاً برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وترهيباً للمؤمنين. فقال وديعة بن ثابت: مالى أَرى قُرّاءنا (٣) هؤلاءٍ أَوعبَنا (٤) بُطوناً، وأَكذبَنا أَلْسنةً، وأَجبنَنا عند اللِّقاء ؟ وقال الجُلاس ابن سُوَيَد، وكان زوج أُمّ عُمَير، وكان ابنها عُمَير يتيماً فى حِجْره : هؤلاء (١) وجد على: غضب على. (النهاية، ج ٤، ص ١٩٦). (٢) المجدع: المقطوع الأنف. (النهاية، ج ١، ص ١٤٨). (٣) فى الأصل: ((قرانا)). (٤) فى الأصل: ((أرعبنا)) بالراء . / ١٠٠٤ سادتنا وأشرافُنا وأهل الفَضْلِ منَّا! والله، لئن كان محمّد صادقاً لنحن شرِّ من الجمير! واللهِ، لوددت أَنِّى أُقاضى على أَن يُضرَّب كلٌّ رجلٍ منا مائةً جلدة وأَنَّا ننفلت من أن ينزل فينا التمرآن بمقالتكم ! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعَمّار بن ياسر : أُدرِك القوم فإنهم قد احترقوا، فسَلْهم عمّا قالوا، فإِن أَنكروا فقل: بلى ، قد قلتم كذا وكذا! فذهب إليهم عَمّار فقال لهم ، فأَذَوْا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعتذرون إليه . فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على ناقته ، وقد أخذ بحَقَب ناقة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورجلاه تنسفان الحجارة ، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنَّا نخوض ونَلعب! ولم يلتفت إليه رسول" الله صلَّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله عزَّ وجلّ فيه: ﴿وَلِئْنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِذَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾(١) إلى قوله ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمينَ﴾(٢). قالوا: وردّ عُمَير على الجُلاس ما قال- حين قال: لَنحن شرٌّ من الحمير - قال: فأَنت شرٌّ من الحمار ، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الصادق وأنت الكاذب ! وجاء الجُلاس إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَحَلَف ما قال من ذلك شيئاً ، فأنزل .الله عزَّ وجلّ على نبيّه فيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقّدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ).(٣) ونزلت فيه: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْذَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ .. ) الآية. قال: وكان للجُلاس دِيةٌ فى الجاهليّة على بعض قومه، وكان مُختاجاً ، فلمّا قدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة أخذها له فاستغنى بها. وقال مَخشبىّ بن حُمَيِّر: قد واللهِ يا رسول اللّهِ قعد بى اسمى واسمُ أَبِى ، فكان الذى عُفِى عنه (١) سورة ٩ التوبة ٦٥ (٢) سورة ٩ التوبة ٦٦ (٣) سورة ٩ التوبة ٧٤ ١٠٠٥ فى هذه الآية مَخْشِىّ بن حُمَيِّر - فسمّاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبد الرحمن أَو عبد الله - وسأل الله عزَّ وجلٌ أَن يُقْتَل شهيدًا ولا يُعْلَمَ بمكانه، فقُتِل يوم اليمامة فلم يُوجَد له أثر. ويقال فى الجُلاس بن سُوَيَد : إِنَّه كان ممّن تخلَّف من المنافقين فى غزوة تبوك ، فكان يُثبّط الناس عن الخروج، وكانت أُمّ عُمَير تحته، وكان عُمَير يتيماً فى حِجْره ولا مالَ له ، فكان يَكفُله ويُحسن إليه، فسمعه وهو يقول: واللهِ، لئن كان محمّد صادقاً لَنحن شرٌّ من الحَمير! فقال له عُمَير: يا جُلاس، قد كنتَ أَحبّ الناس إِلىّ، وأحسنهم عندى أثرًا، وأَعزَّهم علىّ أَن يدخل عليه شىءٌ نكرهه ؛ واللهِ، لقد قلتَ مقالة لئن ذكرتُها لتَفْضَحنَّك، ولئن كتمتُها لأَهلِكنَّ، . وإحداهما(١) أَهون علىّ من الأُخرى! فذُكِر للنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم مقالةٍ الجُلاس، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَعطى الجُلاس مالاً من الصدقة لحاجته وكان فقيرًا، فبعث النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الجُلاس فسأله عمّا قال عُمَير ، فحلف باللهِ ما تكلّم به قَطُ.، وأَنَّ عُمَير الكاذب - وهو عُمَبر بن سَعيد وهو حاضرٌ عند النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقام وهو يقول: اللَّهمّ، أَنزلْ على رسولك بيان ما تكلَّمت به! فأنزل الله على نبيّه ﴿يَحْلِفُونَ باللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ للصدقة التى أعطاها النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال الجُلاس : اسمع ! الله قد عرض علىّ الثَّوْبَة! والله لقد قلتُ ما قال عُمَير! ولمّا اعترف بذنْبه وحسُنت تَوْبَته ولم يمتنع عن خيرٍ كان يصنعه إلى عُمَير ابن سعيد ، فكان ذلك مّمّا قد عُرِفت به توبتُه . قال أبو حُمَيد الساعدىّ : خرجنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى (١) فى الأصل: ((وأحدهما)). (٢) سورة ٩ التوبة ٧٤ ١٠٠٦ تَبوك، فلمّا جئنا وادى القُرى مررنا على حديقةٍ لامرأة ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اخرُصوها (١)! فخرصها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وخرصناها معه، عشرةَ أَوساق. ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: احفظى ما خرج منها حتى نرجعَ إِليك . فلمّا أَمسينا بالحِجْر قال : إِنَّها ستُهُبُّ الليلة ريحٌ شديدٌ، فلا يقومنَّ أَحدٌ منكم إلَّا مع صاحبه ، ومَن كان له بعير فليُوثِقْ عِقالَه . قال: فهاجت ريحٌ شديدةٌ ولم يَقُم أَحدٌ إِلَّا مع صاحبه ، إِلَّا رجلَيْن من بنى ساعدة ؛ خرج أحدهما لحاجته ، وخرج الآخر فى طلب بعيره. فأَّمّا الذى ذهب لحاجته فإِنَّه خُنِقٍ على مَذْهَبه، وأَمّا الذى ذهب فى طلب بعيره فاحتملتْه الريحُ فطرحته بجَبَلَىْ طَيِّىءٍ ، فأُخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خبرَهما، فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَلم أَنْهَكم أَن يخرج رجلٌ إِلَّا ومعه صاحبٌ له ؟ ثم دعا الذى أُصيب على مَذْهَبه فتُفى، وأَمّا الآخَرُ الذى وقع بجَبَلَىْ طّىءٍ فإِنَّ طَيّئاً أَهدته للنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم حين قدم المدينة . ولمّا نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وادى القُرى أَهدى له بنوِ عُريضٍ اليهودىّ هَريساً(٢) فأَكلها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأَطْعَمَهم أَربعين وَسْقاً، فهى جاريةٌ عليهم . تقول امرأةٌ من اليهود : هذا الذى صنع بهم محمّدٌ خيرٌ (٣) ممّا ورِثوه من آبائهم؛ لأَن هذا لا يزال جارياً عليهم إلى يوم القيامة . وكان أَبو هُرَيرة يُحدّث يقول: لمّا مررنا بالحِجْر استقى الناسُ من (١) خرص النخلة: إذا حزر ما عليها من الرطب تمرا. (النهاية، ج ١، ص ٢٨٨). (٢) الهرس: الأكل الشديد والدق العنيف، ومنه الهريس والهريسة والهراس. (القاموس المحيط ، ج ٢ ، ص ٢٥٩). (٣) فى الأصل: ((خيرا)). ١٠٠٧ بثْرها وعَجَنوا ، فنادى مُنادى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : لا تشرَبوا من مائِها ولا تتوضَّئوا منه للصلاة ، وما كان من عجينٍ فَاعْلِفوه الإِبلَ . قالَ سَهل ابن سعد : كنت أصغر أَصحابى وكنت مُقِرِيهم (١) فى تَبوك، فلمّا نزلنا عجنتُ لهم ثم تحيّنت العجين ، وقد ذهبتُ أَطلب حطباً ، فإِذا مُنادى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُنادى: إِنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يأمركم أَلاَّ تشربوا من ماء بئرهم . فجعل الناس يُهَرقون ما فى أَسقيتها . قالوا : يا رسول الله، قد عجبًا. قال: أَعْلِفوه الإِبل! قال سَهل: فأَخذتُ ما عجنت فعلفت نِضْوَيْن ، فهما كانا أَضعف رِ كابنا . وتحوّلنا إلى بئر صالحٍ النبىّ عليه السلام ، فجعلنا نستقى من الأَسقية ونغسلها، ثم ارتوينا، فلم نرجع يومئذٍ إِلاَّ مُمسين. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا تسألوا نبيَّكم الآيات! هؤلاء قوم صالح سأَلُوا نبيّهم آيةٌ، فكانت الناقة تَرِد عليهم من هذا الفَلْج، تَسقيهم من لبنها يومَ وِرْدِها ما شربتْ من مائها، فعقروها فأُوعِدوا ثلاثاً، وكان وعد الله غير مكذوب، فأخذتهم الصَّيْحَة فلم يبقَ أَحدٌ منهم تحت أديم السماء إلا هلك ، إِلَّ رجلٌ فى الحرم منعه الحرمُ من عذاب الله. قالوا: يا نبيّالله، مَن هو؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَبو رِغال، أَبو ثقيف. قالوا: فما له بناحية مكَّة ؟ قال: إِنَّ صالحاً بعثه مُصدّقاً ، فانتهى إلى رجلٍ معه مائة شاة شُصُص (٢) ، ومعه شاةٌ والد، ومعه صبيّ ماتت أُمّه بالأمس. فقال: إِنَّ رسول الله أرسلنى إليك. فقال: مرحباً برسول الله وأهلاً! (١) فى الأصل: ((وكنت سفر بهم)). ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات. (٢) شصص: جمع شصوص؛ والشصوص: الشاة التى قد قل لبنها جدا أو ذهب. ( النهاية، ج ٢، ص ٢٢٠). ١٠٠٨ خُذّ! قال: فأَخذ الشاة اللَّبون، فقال: إنما هى أُمّ هذا الغلام بعد أُمّه، خُذْ مكانها عشرًا.قال: لا. قال: عشرين. قال: لا. قال: خمسين. قال : لا . قال : خُذْها كلَّها إِلَّا هذه الشاة. قال: لا. قال : إِن كنت تُحبّ اللبن فأَنا أُحبّه. فنثر كِنانته ثم قال: اللَّهمّ تشهد ! ثم فوّق له بسهمٍ فقتله ، فقال : لا يسبق بهذا الخبر إلى نبيّ الله أَوّلُ منى ! فجاءَ صالحاً فأَخبره الخبر ، فرفع صالح يدَيْهِ مدَّا فقال: اللَّهمّ العن أَبا رِغال ! ثلاثاً. وقال. رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا تدخلوا على هؤلاء القوم المُعذَّبين، إلَّا أَن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم فيُصيبَكم ما أصابهم . قال أبو سعيد الخُدْرِىّ: رأيت رجلاً جاء إلى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخاتم وجده فى الحِجْر فى بيوت المُعذّبين . قال : فأعرض عنه واستتر بيده أَن ينظر إليه، وقال: أَلْقِه! فأَلقاه فما أدرى أين وقع حتى الساعة . وكان ابن عمر يقول: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لأصحابه حين حاذاهم: إِنَّ هذا وادى النَّفْر! فجعلوا يُوضِعون(١) فيه رِ كابَهم حتى خرجوا منه . قال : حدّثْنى ابن أَبِ سَبْرَة ، عن يونس بن يوسف، عن عُبَيد بن جُبير، عن أبى سعيد الخُدرىّ قال: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَوْضَع راحلته حتى خلَّفها. قال: وارتحل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا أَصبح ولا ماءَ معهم، فشَكَوْا ذلك إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على غير ماء . قال عبد الله بن أبى حَدْرَد : فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم استقبل القِيْلَة فدعا" . ولا واللهِ ما أرى فى السماء سحاباً - فما بَرِح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يدعو حتى إِنِّى لأَنظر إلى السّحاب تَأْتَلِف من كلّ ناحية ، فما رام مقامه حتى سحّتْ علينا (١) فى الأصل (((يعرضون)). ١٠٠٩ السماء بالرَّواء(١)، فكأنىّ أَسمع تكبير رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى المطر. ثم كشف الله السماءَ عنَّا من ساعتها وإِنِ الأَرْضُ إِلَّا غُدُرٌ تَناخسُ (٢)، فسقى الناسُ وارتوَوْا عن آخرهم ، وأسمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : أَشهدُ أَنّ رسول الله! فقلت لرجلٍ من المنافقين: ويحك، أَبَعْدَ هذا شىءٌ ؟ فقال: سَحابةٌ مارّة! وهو أَوس بن قَيْظىّ، ويقال: زيد بن اللُّصَيْت. قال : حدّثنى يونس بن محمّد ، عن يعقوب بن عمر بن قتادة ، عن مَحمود بن لَبيد، أَنَّه قال له: هل كان الناس يعرفون أهل النِّفاق فيهم ؟ فقال: نعم واللهِ، إِن كان الرجل لَيعرفه من أبيه وأَخيه وبنى عمّه. سمعت جدّك قتادة بن النعمان يقول : تَبِعَنا فى دارنا قومٌ منَّا مُنافقون . ثم من بَعْدُ سمعت زيد بن ثابت يقول فى بنى النَّجّار: مَن لا بارك الله فيه ! فيقال: مُن يا أَبا سَعيد ؟ فيقول: سعد بن زرارة ، وقيس بن فِهر . ثم يقول زيد: لقد رأيتنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى غزوة تبوك، فلمّا كان من أمر الماء ما كان دعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأرسل الله سَحابةً فأَمطرت حتى ارتوى الناس ، فقلنا: يا وَيْحك، أَبَعْدَ هذا شىءٌ ؟ فقال : سحابةٌ مارّةٌ ! وهو واللهِ رجلٌ لك به قرابة يا محَمُود بن لَبيد ! قال محمود : قد عرفتُه ! قال : ثم ارتحل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم موجّهاً إلى تبوك ، فأَصبح فى منزلٍ، فضلَّت ناقة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم القَصْواء، فخرج أصحابه فى طَلَبها. وعند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عُمارة بن حَزم - عَقَبىّ بدرىّ قُتِل يوم اليمامة شهيدًا - وكان فى رَحْله زيد بن اللُّصَيْت أَحد بنى قَيْنُقاع (١) الرواء: الماء الكثير. (النهاية، ج ٢، ص ١١٣). (٢) تناخس: أى يصب بعضها فى بعض. (النهاية، ج ٤، ص ١٣٣). ١٠١٠ كان يهوديًّا فأَسلم فنافق، وكان فيه خُبْثِ اليهود وغِّهم، وكان مُظاهرًا لأَهل النِّفاق، فقال زيدٌ وهو فى رَحْل عُمارة، وعُمارة عند النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : أَليس محمّدٌ يزعم أَنَّه نبِىُّ ويُخبركم عن خبر السماء ، وهو لا يدرى أين ناقته؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ مُنافقاً يقول إِنَّ محمّدًا يزعم أَنَّه نبِىُّ، وأَنَّه يُخبركم بأمر السماء ولا يدرى أَين ناقته! وإنى واللهِ ما أعلم إِلاَّ ما علَّمنى اله، وقد دلَّنى عليها، وهى فى الوادى فى شِعْب كذا وكذا - الشعْب أَشار لهم إِليه - حَبستْها شجرةٌ بِزمامها ، فانطَلِقوا حتى تأتوا بها. فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عُمارة بن حَزم إلى رَحْله فقال: العَجَبُ من شىءٍ حدّثَناه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم! إِنَّها عن مقالة قائلٍ أَخبره الله عنه ! قال كذا وكذا - الذى قال زيد. قال : فقال رجلٌ ممّن كان فى رَحْل عُمارة، ولم يَحضُر رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: زيد واللهِ قائل هذه المقالة قبلَ أَن تطلع علينا ! قال : فأَقْبل عُمارةُ على زيد ابن اللُّصَيت يَجَأُه(١) فى عُنُقِهِ ويقول: واللهِ، إِنَّ فى رَحْلِى لَدَاهِيَةً وما أَدرِى ! اخرج يا عدوّ الله من رَحْلى ! وكان الذى أَخبر عُمارة بمقالة زيدٍ أَخوه عمرو بن حَزم، وكان فى الرَّحْل مع رَهْطٍ من أصحابه . والذى ذهب فجاءَ بالناقة من الشِّعْب الحارث بن خَزَمَة الأَشهلىّ ، وجدها وزِمامُها قد تعلَّق فى شجرةٍ، فقال زيد بن اللُّصَيْت : لكأَنى لم أُسلم إلَّ اليوم ! قد كنت شاءًّا فى محمّد، وقد أصبحتُ وأَنا فيه ذو بَصيرةٍ ، وأشهد أنَّه رسول اللّه! فزعم الناس أَنَّه تاب ، وكان خارجة بن زيد بن ثابت يُنكر توبته ويقول : لم يزل فَسْلاً (٢) حتى مات. (١) يجأه: أى يضربه. (النهاية، ج ٤، ص ١٩٤). (٢) الفسل من الرجال: الرذل. (الصحاح، ص ١٧٩٠). ١٠١١ فلمّا كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بوادى المُشَقَّقَ(١) سمع حادياً فى جوف الليل فقال: أسرعوا بنا نلحقْه! ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : ممّن الحادى ، منكم أَو من غير كم ؟ قالوا : بلى ، من غيرنا . قال : فأَدركه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ، فإِذا جماعةٌ ، فقال: ممّن القوم ؟ قالوا: من مُضَرَ. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: وأَنا من مُضَر. فانتسب حتى بلغ مُضَر . قال القوم: نحن أَوّل مَن حَدًا بالإِبل . فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: وكيف ذلك ؟ قالوا: بلى، إِنَّ أَهل الجاهليّة كان يُغير بعضُهم على بعض ، فأُغير على رجلٍ منهم ومعه غلامٌ له، فَندّت إبلهُ فأَمر غلامَه أن يجمعها ، فقال: لا أستطيع ! فضرب يدَه بعَصاً ، فجعل الغلام يقول: وإيداه ! وإيداه ! وتجتمع الإِبلُ، فجعل سيّده يقول : قل هكذا بالإِبل ! وجعل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يضحك . وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لِبلال: أَلا أُبشِّركم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله! وهم يسيرون على رواحلهم، فقال: إِنَّ اللّه أَعطانى الكَنْزَين فارس والروم ، وأمدّنى بالملوك ملوكٍ حِمْيَر، يُجاهدون فى سبيل الله ويأكلون فىء الله. وكان المُغيرة بن شُعْبَة يقول: كنَّا بين الحِجْر وتبوك فذهب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحاجته، وكان إِذا ذهب أَبْعَد ، وتبعتُه بماءٍ بعد الفَجْر ، فأَسْفر الناس بصلاتهم - وهى صلاة الصبح - حتى خافوا الشمسَ، فقدّموا عبد الرحمن بن عَوف فصلَّى بهم . فحملتُ مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِداوَةً فيها ماء ، فلمّا فَرَغ صببتُ عليه فغسل وجهه. ثم أَراد أَن يَغْسِل ذِراعَيْه فضاق كُمُّ الجُبَّة - وعليه جُبَّة روميّة - فأخرج يدَيْه من تحت (١) المشقق: واد بين المدينة وتبوك. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٧٤).