النص المفهرس
صفحات 101-120
٩٧٢ دولى ؟ قال المُغيرة: إِنَّ القوم قد واضعوهم هذا قبل أَن تَقْدَم، فأَحبّوا الأَمْن على الخوف. وقد خرج نساءُ ثَقيف حُسَّرًا(١) يبكين على الطاغية ، والعبيد، والصبيان، والرجال منكشفون، والأَبكار خرجْن . فلمّا ضرب المُغيرة ضربةً بالمِعْوَل سقط مغشيًّا عليه يرتكض ، فصاح أهل الطائف صيحةٌ واحدة: كلاَّ! زعمتم أَنَّ الرَّبَّة لا تمتنع؛ بلى واللهِ لتمتنعن ! وأقام المُغيرة مليًّا وهو على حالِهِ تلك، ثم استوى جالساً فقال: يا مَعْشُرَ ثَقيف، كانت العرب تقول: ما من حىٌّ من أحياء العرب أَعقل من ثَقيف ، وما من حىٌّ من أحياء العرب أَحمق منكم! وَيْحكم، وما اللَّت والعُزَّى ، وما الرَّبَّة ؟ حجرٌ مثل هذا الحجر ، لا يدرى مَن عبده ومن لم يعبده ! وَيْحكم، أَتسمع اللَّتُ أَو تُبصر أَو تنفع أَو تضرّ ؟ ثم هدمها وهدم الناسُ معه، فجعل السادِن يقول - وكانت سَدَنَة اللَّت من ثقيف بنو العِجْلان بن عَثَّاب بن مالِك ، وصاحبها منهم عَتَّاب بن مالِك بن كعب ثم بنوه بعده - يقول : سترون إذا انتهى إلى أساسها ، يغضب الأساس غضباً يَخْسِف بهم. فلمّا سمع بذلك المُغيرة وَلِ حفرَ الأساس حتى بلغ نصف قامة، وانتهى إلى الغَبْغَب خِزانتِها ، وانتزعوا حِلْيَتها وكسوتها وما فيها من طِيبٍ ومن ذَهَبٍ أَو فضَّة. قال : تقول عجوزٌ منهم : أَسلمها الرُّضّاع (٢)، وتركوا المِصاع (٣)! وأعطى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ممّا وُجِد فيهَا أَبا مُلَيح ، وقارباً ، وناساً ، وجعل فى سبيل الله وفى السّلاح منها، ثم إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كتب لثقيف : (١) حسرا: أى مكشوفات الوجوه. (شرح أبى ذر، ص ٤٢٦) . (٢) الرضاع: جمع راضع، وهو اللتيم. (النهاية، ج ٢، ص ٨٤). (٣) فى الأصل: ((وترك المضاع))؛ وما أثبتناه عن ابن الأثير. والمصاع: المضاربة بالسيف. ( النهاية ، ج ٢، ص ٨٤) . ٩٧٣ بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من النبيّ رسول الله إلى المؤمنين ؛ إِنَّ عِضاه وَجِّ (١) وصَيْدَه لا يُعْضَد، ومَن وُجِد يفعل ذلك يُجْلَدْ وَتُنْزَعْ ثيابه، فإِن تعدّى ذلك فإنه يُؤْخَذ فيبلغ محمّدًا، فإِنَّ هذا أَمر النبىّ محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم. وكتب خالد بن سعيد بأمر النبىّ الرسول محمّد ابن عبد الله. فلا يتعدّه أَحدٌ، فيظلم نفسه فيما أمر به محمّد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ونهى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن قطع عِضاه وَجٌ وعن صَيْدِهِ، وكان الرجل يُوجَد يفعل ذلك فَتُنْزَع ثيابه. واستعمل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على حِمِى وَجٌّ سعدَ بن أَبِى وَقَّاص . بعثة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المُصدِّقين قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن مُسلم ، عن الزُّهرىّ، وعبد الله ابن يزيد ، عن سعيد بن عمرو، قالا : لمّا رجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الجِعِرّانة قدم المدينة يوم الجمعة لثلاث ليالٍ بقين من ذى القعدة ، فأَقام بقيّةً ذى القعدة وذى الحجّة، فلمّا رأى هلال المحرّم بعث المُصدِّقين، فبعث بُرَيدة بن الحُصَيب إِلى أَسلم وغِفار بصدقتهم، ويقال : كعب بن مالك؛ وبعث عَبّاد بن بِشر الأَشْهَلىّ إلى سُلَيم ومُزّينة ؛ وبعث رافع بن مَكيث فى جُهَينة ؛ وبعث عمرو بن العاص إلى فَزَارةٍ ؛ وبعث الضَّحّاك بن سُفيان الكِلابِىّ إِلى بنى كلاب ؛ وبعث بُسر بن سُفيان الكَعبِىّ إلى بنى كَعب؛ وبعث ابن اللُّتْبيَّة الأَزْدىّ إِلى بنى ذُبيان ﴾ وبعث رجلاً من بنى سعد بن هُذَيم على صدقاتهم . فخرج بسر بن سفيان على صدقات بنى كعب . ويقال: إِنما سعى عليهم نُعَيم بن عبد الله (١) وج: اسم الطائف. (معجم البلدان، ج ٨، ص ٣٩٩). ٩٧٤ النَّحّامِ العَدَوىّ ، فجاءً وقد حلّ ينَواحيهم بنوجُهَيم من بني تميم، وبنو عمرو ابن جُنْدُب بن العُثَير بن عمرو بن تميم، فهم يشربون معهم على غديرٍ لهم بذات الأَشْطاط (١)؛ ويقال: وجدهم على عُسْفان. ثم أَمر بجمع مواشى خُزاعة ليأخذ منها الصدقة . قال : فحشرت خُزاعة الصدقة من كلّ ناحية ، فاستنكرت ذلك بنو تميم وقالوا: ما هذا ؟ تُؤْخَذ أموالُكم منكم بالباطل (٢)! وتجيّشوا، وتقلَّدوا القِسىّ، وشهروا السيوف، فقال الخُزاعيّون: نحن قومٌ ذَدين بدين الإِسلام ، وهذا من ديننا . قال التميميّون: واللهِ لا يصل إلى بَعيرٍ منها أبداً! فلمّا رآهم المُصدِّق هرب منهم وانطلق مُولِّياً وهو يخافهم ؛ والإِسلام يومئذٍ لم يعمّ العرب ، قد بقيت بقايا من العرب وهم يخافون السيف لِما فعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمكَّة وحُنَين ، وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أمر مُصدّقيه أن يأخذوا العَقْو منهم ويتوقّوا كرائم أموالهم، فقدم المُصدِّق على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأَخبره الخبر ، وقال : يا رسول الله ، إنما كنت فى ثلاثة نفر ، فوثبتْ خُزاعة على التميميّين فأَخرجوهم من مَحالِّهم ، وقالوا : لولا قرابتُكم ما وصلتم إلى بلادكم ؛ ليدخلنَّ علينا بلاء من عَدارة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى أنفسكم حيث تَعرِضون لِرُسُل (٣) رسول الله، تردّونهم عن صدقات أموالنا . فخرجوا راجعين إلى بلادهم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: مَن لهؤلاءِ القوم الذين فعلوا ما فعلوا ؟ فانتدب أَوّلُ الناس عُيَينة بن حصن الفَزاريّ، فقال: أَنا واللّهِ لهم، أَتبع آثارهم ولو بلغوا يَبْرِين (٤) حتى (١) ذات الأشطاط: موضع تلقاء الحديبية. (معجم ما استعجم، ص ١٢٨). (٢) فى الأصل: ((باطل)). (٣) فى الأصل: ((حيث تعرضون لرسول الله)) .. (٤) يبرين: رمل معروف فى ديار بنى سعد من تميم. (معجم ما استعجم، ص ٨٤٩) . ٩٧٥ آتيك بهم إن شاءَ الله، فترى فيهم رأيَك أَو يُسلِموا. فبعثه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى خمسين فارساً من العرب، ليس فيها مهاجرٌ واحدٌ ولا أَنصارىّ ، فكان يسير بالليل ويكمُن لهم بالنهار، خرج على ركوبَةٍ (١) حتى انتهى إلى العَرْج ، فوجد خبرهم أنَّهم قد عارضوا إِلى أَرض بنى سُلَيم ، فخرج فى أثرهم حتى وجدهم قد عدلوا من السُّقْيا يُؤْمِّون أَرضَ بنى ◌ُلِيمٍ فى صحراء ، قد حلُّوا وسرّحوا مواشيهم، والبيوت خُلُوفٌ ليس فيها أَحدٌ إِلَّا النساء ونُفَير ، فلمّا رأوا الجمع ولَّوْا وأخذوا منهم أحد عشر رجلاً، ووجدوا فى المحلَّة من النساء إِحدى عشرة امرأةً وثلاثين صبيًّا ، فحملهم إلى المدينة، فأَمر بهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فحُبِسوا فى دار رَمْلَة بنت الحارث . فقدم منهم عشرة من رؤسائهم ، العُطارِد بن حاجب بن زرارة ، والزِّبْرِقان بن بَدْر ، وقيس بن عاصم ، وقيس بن الحارث ، ونُعَيم بن سعد، وعمرو بن الأَمْتَم ، والأَفْرع بن حابس ، ورياح بن الحارث ابن مُجاشع(٢)؛ فدخلوا المسجد قبل الظُّهر، فلمّا دخلوا سألوا عن سَبْيهم فأُخبروا بهم فجاءوهم ، فبكى الدَّرارىّ والنساء ، فرجعوا حتى دخلوا المسجد ثانيةً، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ فى بيت عائشة، وقد أَذِّن بِلال بالظُّهر بالأَّذان الأَوّل، والناس ينتظرون خروج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فعجّلوا خروجه، فنادوا: يا محمّد، اخرجْ إِلينا ! فقام إليهم بلال فقال: إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخرج الآن. فاشتهر (٣) (١) ركوبة: ثنية بين مكة والمدينة عند العرج. (معجم البلدان، ج ٤، ص ٢٨٠). (٢) هكذا فى الأصل ثمانية ، لا عشرة، كما ذكر قبل . (٣) فى الأصل: ((فاستشهد))؛ ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات . والشهرة: وضوح الأمر. (تاج العروس، ج ٣، ص ٣٢٠) . ٩٧٦ أَهل المسجد أصواتهم فجعلوا يخفقون (١) بأيديهم، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وأقام بِلال الصلاة، وتعلَّقوا به يُكلِّمونه ، فوقف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم معهم بعد إقامة بِلال الصلاةَ مَلِيًّا ، وهم يقولون : أَتيذاك بخطيينا وشاعرنا فاسمعْ منَّا. فتبسّم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم مضى فصلَّى بالناس الظُّهر ، ثم انصرف إلى بيته فركع ركعتين ، ثم خرج فجلس فى صحن المسجد ، وقدموا عليه وقدّموا عُطارِدَ ابن حاجب التميمىّ فخطب فقال : الحمد لله الذى له الفَضْل علينا ، والذى جعلنا ملوكاً ، وأعطانا الأَموال نفعل فيها المعروف، وجعلنا أَعَزَّ أَهل المشرق، وأَكثرَهم مالاً وأكثرَهم عددًا، فمَن مثلُنا فى الناس ؟ أَلسنا برؤوس الناس وذوى فَضْلهم ؟ فمَن يُفاخر فليَعْدُد مثل ما عددنا ! ولو شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكنَّا نستحيى من الإكثار فيما أعطانا الله. أَقولُ قَولى هذا لِأَن يُؤْنىَ بقولٍ هو أفضل من قولنا! فقال رسول الله صلَّى الله عليهِ وسلَّمْ لثابت بن قيس : قُمْ فأَجب خطيبهم! فقام ثابت- وما كان دَرى من ذلك بشىءٍ، وما هيّأَ قبل ذلك ما يقول - فقال: الحمد لله الذى السمواتُ والأَرْضُ خَلْقُه، قضى فيها أَمْرَه، ووَسِع كلَّ شىءٍ عِلْمُه، فلم يَكُ شىء إِلَّا من فضله. ثم كان ممّا قدّر الله أن جعلنا مُلوكاً، واصطفى لنا من خلقه رسولاً، أكرمَهم نَسَباً، وأحسنهم زِيًّا، وأَصدقهم حديثاً. أنزل عليه كتابَه، وائتمنه على خلقه، وكان خِيرَتَهُ من عباده، فدعا إلى الإيمان ، فآمن المهاجرون من قومه وذوى رَحِمِه ، أَصبحُ الناسِ وجهاً ، وأَفضلُ الناسِ فعالاً. ثم كنَّا أَوّل الناس إجابةٌ حين دعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فنحن أنصار الله ورسوله، نُقاتل الناس حتى (١) أى يضربون. (لسان العرب، ج ١١، ص ٣٦٩). 1 ٩٧٧ يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمَن آمن بالله ورسوله منع منَّا مالَه ودمَه، ومن كفر بالله جاهدناه فى ذلك، وكان قَتْله علينا يسيرًا . أقول قولى هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات . ثم جلس ، فقالوا: يا رسول الله ائذنْ لشاعرنا . فأَذن له ، فأَقاموا الزِّبْرِقان بن بدر فقال : فينا المُلوكُ وفينا تُنْصَبُ البِيَعُ (١) نَحْنُ المُلوكُ فِلا حَىٌّ يُقَارِبُنا عند النِّهابِ وفَضْلُ الخَيْرِ يُتَّبَعُ وَكَمْ قَسَرْنا من الأَحْياءِ كُلِّهِمُ من السَّديفِ إِذا لم يُؤْنَسِ القَزَعُ(٢) ونَحْنُ نُطعِمُ عند القَحْطِ. ما أَكَلوا للمنازلين إذا ما أُنْزِلوا شَبِعوا. ونَنْحَرُ الكُومَ عَبْطً (٣) فى أَرومَتِنا فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَجبهم يا حسّان بن ثابت! فقام فقال : إِنَّ الَّوائبَ(٤) من فِهْرٍ وإِخْوَتِهِمْ يَرْضَى بهم كلٌّ مَن كانت سريرتُه قد شرّعوا سُنَّةً للناس تُتْبَعُ تَقْوَى الإِلهِ وبالأَمر الذى شَرّعوا أَوْ حَاوَلوا النَّفْعَ فِى أَشْباعِهِم نَفَعوا قومٌ إِذا حاربوا ضَرُّوا عدوَّهُمُ سُجِيَّةٌ تلك منهم غَيْرُ مُحْدَثَةٍ إِنَّ الخلائقَ فَاعْلَمَ شَرّها البِدَعُ عند الدِّفاعِ ولا يُوهون ما رَفَعوا لا يَرْقَعُ الناسُ ما أَوْهَتْ أَكُفُّهِمُ ولا ينالهمُ فى مَطْمَعٍ طَبَعُ (٥) ولا يَضِفُّونَ عِن جارٍ بِفَضْلِهِمُ فكلٌ سَبْقٍ الأَدنى سَبْقِهِم تَبَعُ إِن كان فى الناسِ سَبّاقون بَعْدَهُمُ (١) البيع: مواضع الصلوات والعبادات، واحدتها بيعة. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٢). (٢) القزع: جمع القزعة، وهى سحاب رقيق يكون فى الخريف. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٢) . (٣) الكوم : جمع كوماء، وهى الناقة العظيمة السنام. وعبطا: أى مات من غير علة. والأرومة : الأصل . (شرح أبى ذر، ص ٤٣٣٩٤٣٢). (٤) الذوائب: الأعالى، وأراد هاهنا السادة. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٣). (٥) الطبع: الدنس. (شرح أبى ذر ، ص ٤٣٣) . ٩٧٨ أَكْرِمِ بِقَوْمٍ رسولُ الله شِيعَتُهُمْ أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِى الوَحْىِ عِفْتَهُمْ كأَنَّهم فى الوَغَى والمَوْتُ مُكْتَنِعُ(١ ٥وم (٤) لا يفخرون إذا نالوا عدوَّهُمُ (٤) إِذا نَصَبْنِا (٦) لِحِىٌّ لَمْ نَدِبَّ لَهُم نَسْمو إِذا الحَربُ نالَتْنا مَخَالِبُها خُذْ مِنْهُمُ مَا أَنَى عَفْوًا إِذا غَضِبوا فإِنَّ فِى حَربِهِم فاتْرُكْ عداوتهم أَهدَى لهم مَدْحَهُ قَلبٌ يُؤَازِره وأَنَّهم أَفضلُ الأَحياءِ كلِّهمُ إِذا تفرّقت الأَهْوَاءُ والشِّبَيَعُ لا يَطْمَعُون ولا يُرْدِيهِمُ طَمَعُ أُسْدٌ بِيشَةَ (٢) فى أَرْساغِها (٣) فَعُ وإِن أُصيبوا فلا خُورٌ (٥) ولا جُزُعُ كما يَدِبُّ إِلى الوَحْشِيَّةِ الذَّرَعُ (٧ إذا الزَّعانِفُ (٨) من أَطرافها خَشّعوا (٩) ولا يكن هَمُّكَ الأَمْرَ الذى مَنّعوا سمَّا غَرِيضاً عليه الصابُ والسّلَعُ (١٠) فيما أَحَبَّ لِسانٌ حائِكٌ صَنَعُ (١١) إِن جَدَّبِ الناسِ جِدُّالقولِ أَو شَمَعوا (١٢) (١) والموت مكتنع: أى دان. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٣). (٢) بيشة: من عمل مكة مما يلى اليمن من مكة على خمسة مراحل. (معجم البلدان، ج ٢، ص ٣٣٤) . (٣) الأرساغ: جمع رسخ، وهو موضع مربط القيد .. وفدع: اعوجاج إلى ناحية. (شرح أبى ذر ، ص ٤٣٣) . (٤) فى الأصل: ((لا فرخ إن أصابوا فى عدوهم)). وما أثبتناه من ابن إسحاق. ( السيرة النبوية، ج ٤ ، ص ٢١٠) . (٥) الخور: الضعفاء. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٣) . (٦) فى الأصل: ((وإن أصبنا))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ٢١٠). وعن ديوان حسان أيضاً. (ص ٢٤). (٧) الذرع: ولد البقرة الوحشية. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٣) (٨) الزعانف: أطراف الناس وأتباعهم. ( شرح أبى ذر، ص ٤٣٣). (٩) خشعوا: أى تذللوا. (شرح أبى ذر ، ص ٤٣٣) . (١٠) السلع: نبات مسموم. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٤). (١١) صنع: يحسن العمل. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٤). (١٢) شمعوا : أى هزلوا، وأصل الشمع الطرب واللهو، ومنه جارية شموع إذا كانت كثيرة الطرب. ( شرح أبى ذر ، ص ٤٣٤) . ٩٧٩ وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَمر بمِنْبَرٍ، فوُضع فى المسجد يُنشد عليه حسّان، وقال: إِنَّ اللّه لَيؤيّد حسّان برُوحِ القُدُس ما دافع عن نبيّه . وسُرّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ والمسلمون بمقام ثابتٍ وشعر حسّان . وخلا الوفد بعضهم إلى بعض، فقال قائل: تعلمُنّ واللِ أَنَّ هذا الرجل مُؤْيَّد مصنوعٌ له ، واللهِ لَخطيبه أَخطب من خطيبنا ، ولَشاعرهم أَشعر من شاعرنا ، ولَهُمْ أَحلم منَّا ! وكان ثابت بن قيس من أَجهر الناس صوتاً . وأَنزل الله تعالى على نبيّه فى رفع أصواتهم- النَّميميّين- وِيَذْكُرُ أَنَّهم نادوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم من وراء الحُجُرات فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ﴾(١) إلى قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾، يعنى تميماً حين نادوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وكان ثابت حين نزلت هذه الآية لا يرفع صوته عند النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فردَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليهم السَّبْى والأَسرى . وقام عمرو بن الأُهْتَم يومئذٍ يهجو قيس بن عاصم ، كانا جميعاً فى الوفد، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قد أَمر لهم بجوائز ، وكان يُجيز الوفد إِذا قدموا عليه ويفضّل بينهم فى العَطيّة على قدر ما يرى، فلمّا أجازهم رسول اله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : هل بقى منكم من لم نُجِزه ؟ قالوا : غلامٌ فى الرَّحل. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أرسلوه نُجِزْه ! فقال قيس بن عاصم: إِنَّه غلامٌ لا شَرَفَ له . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: وإِن كان! فإِنَّه وافدٌ وله حقّ ! فقال عمرو بن الأَمْتَم شعرًا يريد قبس بن عاصم : ظَلِلْتَ مُفْتَرِشاً هَلباكَ(٢) تَشْتُمُنِى عند الرَّسولِ فلم تَصْدُقْ ولم تُصِبِ (١) سورة ٤٩ الحجرات ٢. (٢) الهلب والهلباء: شعر الذنب فاستعاره هنا للإنسان. ( شرح أبى ذر، ص ٤٣٥). ٩٨٠ مُخلَّفٌ بمكانِ العَجْبِ والذَّنَبِ إِنَّا وُسُؤَدَدُنا (١) عَوْدٌ وَسُؤْدَدُكُمْ والرُّومُ لا تملك الْبَغْضاءَ للعَرَبِ إِن تُبغضونا فإِنَّ الرُّومَ أَصْلُكُمُ قال: حدَّثَنِى رَبيعة بن عُثمان، عن شيخٍ ، أَخبره أنَّ امرأة من بنى جّار قالت: أَنا أَنظر إلى الوفد يومئذٍ يأُخذون جوائزهم عند بِلال ، -نتى عشرة أُوقيّة ونَشّ. قالت: وقد رأيت غلاماً أَعطاه يومئذٍ وهو أصغرهم، أُعْطِى خمسَ أَواقىّ . قلت : وما النَّ ؟ قالت : نصف أوقيّة . بعثة الوليد بن عُقبة إِلى بنى المُصطَلِقِ قالوا : بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الوليد بن عُقبة بن أبى مُعَيط. إِلى صدقات بنى المُصْطَلِقِ، وكانوا قد أَسلموا وبَنَوا المساجد بساحاتهم . فلمّا خرج إليهم الوليد وسمعوا به قد دنا منهم ، خرج منهم عشرون رجلاً يتلقَّوْنه بالجُزُر والنَّعَم فَرَحاً به، ولم يَرَوْا أَحدًا يُصدِّق بعيرًا قَطُّ. ولا شاة، فلمّا رآهم ولّى راجعاً إلى المدينة ولم يَقربهم، فأخبر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّه لمّا دنا منهم لَقوه. معهم السِّلاح يحولون بينه وبين الصدقة ، فهمّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يبعث إليهم مَن يغزوهم ، وبلغ ذلك القومَ ، فقدم عليه الرَّكْب الذين لقوا الوليد ، فأخبروا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم الخبر وقالوا: يا رسول الله، سَلْه هل ناطَقّنا أَو كلَّمنا ؟ ونزلت هذه الآية ونحن مع رسول الله صلَّى . الله عليه وسلَّم نُكلِّمه ونعتذر، فأَخذه البُرَحاءُ فسُرّى عنه، ونزل عليه : (١) سؤدد عود: العود هنا معناه القديم الذى يتكرر على الزمان. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٥). ٩٨١ 1 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبِأُ فَتَبَيَّنُوا.﴾(١) الآية. فقرأً النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم القرآن، وأخبرنا بعذرنا وما نزل فى صاحبنا ، ثم قال : مَن تُحبّون أَبعث إليكم ؟ قالوا : تبعث علينا عَبّاد بن بِشر . فقال : يا عَبّاد سِرْ معهم فخُذْ صدقاتٍ أَموالهم وتوقَّ كرائم أموالهم . قال : فخرجنا مع عَبّاد يفرئنا القرآن ويُعلِّمنا شرائح الإِسلام حتى أنزلناه. فى وسط بيوتنا، فلم يُضيّع حقًّا ولم يَعْدُ بنا الحقّ. وأَمره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَقام عندنا عشرًا، ثم انصرف إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم راضياً . باب شأن سريّةَ قُطْبَة بن عامر إِلى خَثْعم فى صفر سنة تسع حدّثنا ابن أَبِى سَبْرَة ، عن إسحاق بن عبد الله، قال : حدّثنا ابن كعب بن مالك أَنَّ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعث قُطْبَة بن عامر بن حَديدة فى عشرين رجلاً إلى حىّ خَتْعَم بناحية تَبالةً، وأمره أَن يشنَّ الغارة عليهم ، وأَن يسير الليل ويُكمُنَ النهار، وأَن يُغِذَّ السير، فخرجوا فى عشرة أبعرة يعتقبون عليها ، قد غيّبوا السِّلاح ، فأخذوا على الفَتْق حتى انتهوا إِلى بطن مَسحاء (٢)، فأَخذوا رجلاً فسألوه فاستعجم عليهم ، فجعل يصيح بالحاضر . وخبر هذه السرّية داخلٌ فى سريّة شُجاعِ بن وَهْب . (١) سورة ٤٩ الحجرات ٦. (٢) فى الأصل: ((مسحب)). ومسحاء: موضع بالسرف بين مكة والمدينة، من مخاليف الطائف. ( معجم البلدان ، ج ٨ ، ص ٥١) . ٩٨٢ سريّة بنى كِلاب أَميرها الضَّحَّاك بن سُفيان الكِلابى قال : حدّثْنى رَشيد أَبو مَوهوب الكِلابِىّ، عن حَيّان بن أبى سُلمى ، وعَنْبَسَة بن أَبِى سُلمى، وحُصَين بن عبد الله، قالوا : بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جيشاً إِلى القُرَطاء(١)؛ فيهم الضَّحّاك بن سُفيان بن عَوف بن أبى بكر الكِلابِىّ، والأَصْيَد بن سَلَمَة بن قُرْط بن عبد ، حتى لقوهم بالزُّجّ(٢) زُجٌ لاوَة، فدعَوْهم إلى الإِسلام فأَبَوْا، فقاتلوهم فهزموهم ، فلحق الأَصْيَد أَباه سَلَمَة بن قُرْط، وسَلَمَة على ذَرَسٍ له على غدير زُجّ ، فدعا أَباه إلى الإِسلام وأعطاه الأَمان، فسبّه وسبّ دِينه، فضرب الأَصْيَد عُرْقُوبَى فَرَسه ، فلمّا وقع على عُرقوبَيه ارتكز سَلَمَة على رمحه فى الماء ، ثم استمسك به حتى جاءه أحدهم فقتله ولم يقتله ابنه . وهذه السريّة فى شهر ربيع الأوّل سنة تسع . قال: حدّثنى رَشيد أَبو مَوهوب، عن جابر بن أبى سُلمى، وعَنْبَسَة بن أَبِى سُلمى قالا : كتب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى حارثة بن عمرو ابن قُريط. يدعوهم إلى الإسلام ، فأَخذوا صحيفته فغسلوها ورَقعوا بها اسْت دلوهم، وأَبَوا أَن يُجيبوا. فقالت أُمّ حَبيب بنت عامر بن خالد ابن عمرو بن قُريط. بن عبد بن أَبِ بَكْرَة ، وخاصمتهم فى بيتٍ لها فقالت : وإِيّاك واستمرزْ لهم بِمَرير أَيا ابنَ سعيدٍ لا تكوننَّ ضُحْكَةٌ عَصَوْا منذ قامَ الدِّينُ كلَّ أَميرٍ أَيا ابنَ سَعيدٍ إِنما القومُ مَعْشَرٌ (١) القرطاء: بطن من بنى بكر. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٥٧). (٢) الزج: موضع بناحية ضرية. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣١٧). ٩٨٣ إذا ما أَنتهم آيةٌ من محمّدٍ مَحَوْها بماءِ البئرِ فَهْى عَصيرٍ (١) قالوا: فلمّا فعلوا بالكتاب ما فعلوا قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ما لهم ؟ أذهب اللهُ بعقولهم؟ فهم أَهل رِعْدَة . وعجلةٍ وكلام مختلط. ، وَأَهل سَفَه! وكان الذى جاءَهم بالكتاب رجلٌ من عُرَينة يقال له : عبد الله ابن عَوْسَجَة ، لمُستهلّ شهر ربيع الأَوّل سنة تسع . قال الواقدىّ: رأَيت بعضهم عَبِيّا لا يُبين الكلام . شأن سرية أَميرها عَلْقَمَة بن مُجَزِّز المُدْلِجِىّ فى ربيع الآخر سنة تسع قال : حدّثنى موسى بن محمّد ، عن أبيه، وإسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، زاد أَحدهما على صاحبه ، قالا : بلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّ ناساً من الحَبَشَة تَراياهم (٢) أَهل الشُّعَيْبَة - ساحل بناحية مكَّة - فى مراكب؛ فبلغ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فبعث عَلْقَمَة بن مُجَرِّز المُدْلِجِىّ فى ثلاثمائة رجلٍ حتى انتهى إلى جزيرةٍ فى البحر فخاض إليهم فهربوا منه، ثم انصرف ، فلمّا كان ببعض المنازل استأذنه بعضُ الجيش فى الانصراف حيث لم يلقَوْا كيدًا ، فأَذِن لهم وأَمّر عليهم عبد الله بن حُذاقة السَّهْمِىَّ - وكانت فيه دُعابة - فنزلنا ببعض الطريق وأوقد القوم نارًا يصطلون عليها ويصطنعون الطعام ، فقال : عزمت عليكم أَلاَّ تواثبتم فى هذه النار ! فقام بعض القوم فتحاجزوا حتى ظنَّ أَنَّهم واثبون فيها ، فقال : اجلسوا ، إِنما كنت أَضحكُ معكم ! (١) كذا فى الأصل، وهو إقواء . (٢) أى نظروهم ورأوهم. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٥٨). ٩٨٤ فذُكر ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: من أَمَرَكم بمَعصيةٍ فلا تُطيعوه ! سريّة عَلىّ بن أبى طالب عليه السلام إلى الفلْس فى ربيع الآخر سنة تسع قال : حدّثنا عبد الرحمن بن عبد العَزيز قال : سمعت عبد الله بن أبى بكر بن حَزم يقول لموسى بن عِمْران بن مَنَّاح ، وهما جالسان بالبقيع : تَعرف سرّية الفُلْس؟ قال موسى: ما سمعت بهذه السريّة. قال : فضحك ابن حَزم ثم قال : بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَليًّا عليه السلام فى خمسين ومائة رجل على مائة بعير وخمسين فرساً؛ وليس فى السريّة إِلَّا أَنصارىّ ، فيها وجوه الأَّوس والخزرج، فاجتنبوا الخيل واعتقبوا على الإِبل حتى أَغاروا على أحياء من العرب، وسأل عن محَلَّة آل حاتم (١) ثم نزل عليها ، فشَنُّوا الغارة مع الفجر، فَسَبَوْا حتى ملأوا أيديهم من السَّبْى والنَّعَم والشاء، وهدموا الفُلْس وخرّبوه، وكان صنماً لطَيِّى، ثم انصرف راجعاً إلى المدينة . قال عبد الرحمن بن عبد العزيز : فذكرتُ هذه السريّة محمّد بن عمر بن عَلىّ، فقال : ما أَرى ابن حزم زاد على أن ينقل من هذه السريّة ولم يأْتك بها. قلت: فأتِ بها أنت ! فقال: بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم علىّ بن أبى طالب عليه السلام إلى الفُلْس ليهدمَه ، فى مائة وخمسين من الأَنصار ، ليس فيها مُهاجرٌ واحد ، ومعهم خمسون فَرَساً وظَهْرًا، فامتطَوْا الإِبل وجنبوا الخيل، وأَمره أَن يشنَّ الغارات؛ فخرج بأَصحابه، معه رايةٌ سوداءُ ولواءٌ أَبيضُ، معهم القَنا والسِّلاحِ (١) فى الأصل: ((محلة الرخاتم))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص١١٨). ٩٨٥ الظاهر، وقد دفع رايتَه إِلى سَهل بن حُنَيف، ولواءَه إِلى جَبّار بن صَخر السُّلَمِىّ، وخرج بدليلٍ من بنى أَسَد يقال له: حُرَيث، فسلك بهم على طريق فَيْد (١)، فلما انتهى بهم إلى موضعٍ قال : بينكم وبين الحىّ الذى تُريدون يومٌ تَامٌ (٢)، وإِن سرناه بالنهار وطئنا أَطرافهم ورِعاءهم، فأَنذروا الحىَّ فتفرّقوا ؛ فلم تُصيبوا منهم حاجتكم ؛ ولكن نُقيم يومنا هذا فى موضعنا حتى نُمسى ، ثم نَسرِى ليلتنا على متون الخيل فنجعلها غارةً حتى نُصبّحهم فى عَماية الصبح. قالوا : هذا الرأى ! فعسكروا وسرّحوا الإِبل . واصطنعوا، وبعثوا نفرًا منهم يتقصَّوْن ما حولهم ، فبعثوا أَبا قتادة: والحُباب بن المُنْذِرِ ، وأَبا نائلة ، فخرجوا على متون خيلٍ لهم يطوفون حول المعسكر ، فأَصابوا غلاماً أَسود فقالوا : ما أَنت ؟ قال : أَطلب بُغْيَتِى. فأَتَوْا به عَلَيًّا عليه السلام فقال: ما أَنت؟ قال: باغ. قال: فشدّواعليه ، فقال : أَنا غلامٌ لرجلٍ من طيّئ من بنى نَبْهان ، أَمرونى بهذا الموضع ، وقالوا : إِن رأَيتَ خيل فحمّد فطِرْ إِلينا فأَخْبِرنا، وأنا لا أُدرك أَشْرًا . فلمّا رأيتكم أَردت الذَّهاب إليهم ، ثم قلت لا أَعجَلُ حتى آتى أَصحابى بخبرٍ بيّنٍ من عددكم وعدد خيلكم وركابكم ؛ ولا أخشى ما أصابنى ، فلكأَّنى كنت مُقَيَّدًا حتى أخذتنى طلائعكم . قال عَلىَّ عليه السلام : إصدُقْنا ما وراءَك! قال: أَوائل الحىّ على مسيرةٍ ليلةٍ طَرّادةٍ(٣) ، تُصبّحهم الخيلُ ومَغارُها حين غَدَوا (٤) . قال عَلىّ عليه السلام لأصحابه : ما تَرَوْن ؟ قال جَبّار بن صَخر : نرى أن ننطلق على متون الخيل ليلتَنا حتى نُصْبّح (١) فيد: قريب من أجأ وسلمى، جبلى طبىء. (معجم البلدان، ج ٦، ص ٤٠٩). (٢) فى الأصل: ((يوماً تاماً)). (٣) يعنى طويلة. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣١٠). (٤) فى الأصل: ((جئنا وغدوا)). ٩٨٦ القوْم وهم غارّون فنُغير عليهم ؛ ونخرج بالعبد الأَسود ليلاً، ونُخلِّف حُرَيثاً مع العسكر حتى يلحقوا إِن شاءَ الله. قال عَلىّ: هذا الرأى ! فخرجوا بالعبد الأسود، والخيل تَعادَا، وهو رِدْف بعضهم عُقْبَةٌ(١)، ثم ينزل فيُردف آخَر عُقْبَةً، وهو مكتوف ، فلمّا انهار الليل كذب العبد وقال: قد أَخِطأُتُ الطريق وتركتُها ورائى. قال عَلىّ عليه السلام : فارجع إلى حيث أخطأت ! فرجع ميلاً أو أكثر ، ثم قال : أَنا على خطأ . فقال عَلىّ عليه السلام: إِنَّا منك على خُدْعَة، ما تُريد إِلَّا أَن تَثنيَنا عن الحىّ، قَدِّموه! لَتَصْدُقنا أَو لَتضربنّ عنقك! قال: فقُدّم وسُلّ السيف على رأسه ، فلمّا رَأَى الشرّ قال : أَرأَيت إِن صدقتُكم، أَينفعنى ؟ قالوا : نعم. قال : فإِنِّى صنعتُ ما رأيتم ؛ إِنَّه أَدركنى ما يُدرك الناس من الحياءِ فقلت: أَقبلتُ بالقوم أَدلُّهم على الحىّ من غير مِحْنَةٍ ولا حقٌّ فآمنهم ، فلمّا رأَيت منكم ما رأيتُ وخفتُ أَن تقتلونى كان لى عُذْر ، فأَنا أَحملكم على الطريق . قالوا : اصدُقْنا. قال : الحىّ منكم قريب. فخرج معهم حتى انتهى إلى أدنى الحىّ ، فسمعوا نُباح الكلاب وحركة النَّعَم فى المَراح والشاء، فقال: هذه الأَصرام (٢) وهى [على ] فرسخ . فينظر بعضهم إلى بعض ، فقالوا: فأين آل حاتم (٣)؟ قال: هم متوسّطو الأَصرام . قال القوم بعضهم لبعض : إن أَفزعْنا الحىّ تصايحوا وأَفزعوا بعضهم بعضاً فتغيب عنّا أَحزابهم فى سواد الليل ، ولكن نُمهل القومَ حتى يطلع الفجر معترضاً فقد قرب طلوعه فتُغير ؛ فإِن أَنذر بعضهم بعضاً لم يخفَ علينا أَين يأُخذون، وليس عند القوم خيلٌ يهربون عليها ونحن (١) العقبة: النوبة. (الصحاح، ص ١٨٥). (٢) الأصرام: جمع الصرمة، وهى الجماعة. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٣٩). (٣) فى الأصل: ((فأين الرخاتم)). ٥ ٩٨٧ على متون الخيل . قالوا : الرأى ما أَشرتَ به . قال : فلمّا اعترضوا الفجر أَغاروا عليها فقتلوا مَن قتلوا وأسروا من أَسروا، واستاقوا الذرّيّة والنساءَ، وجمعوا النَّعَم والشاءَ، ولم يخفَ عليهم أَحدٌ تغيّب فملأوا أيديهم. قال: تقول جاريةٌ من الحىّ وهى ترى العبد الأَسود - وكان اسمه أَسْلَم - وهو مُوثَق : مالَه هَبِل ! هذا عمل رسولكم أَسْلَم ، لا سَلِم ، وهو جلبهم عليكم ، ودلَّهم على عَوْرَتكم! قال: يقول الأسود: أَقصِرى يا ابنة الأَّكارم، ما دللتهم حتى قُدِّمتُ لِيُضْرَب عنقى ! قال : فعسكر القوم، وعزلوا الأسرى وهم ناحية نُفَير، وعزلوا الذُّرّيَّة وأَصابوا من آل حاتم (١) أُخت عَدىّ ونُسيّاتٍ معها ، فعزلوهنَّ على حِدَةٍ ، فقال أَسلم لعلىّ عليه السلام : ما تنتظر بإطلاقى ؟ فقال : تشهد أَن لا إِله إِلَّ الله، وأَنَّ محمّدًا رسول الله . قال: أَنا على دِين قومى هؤلاء الأسرى ، ما صنعوا صنعت ! قال : أَلا تراهم مُوثَقين ، فنجعلك معهم فى رِباطك ؟ قال : نعم ، أَنا مع هؤلاءٍ مُوثَقًا أَحبُّ إِلىّ من أَن أَكون مع غيرهم مُطْلَقاً ، يصيبنى ما أَصابهم. فضحك أَهل السريّة منه، فأُوثِق وطُرِح مع الأسرى ، وقال : أَنا معهم حتى ترَوْن منهم ما أَنتم راءون . فقائلٌ يقول له من الأسرى : لا مرحباً بك ، أَنت جئتنا بهم ! وقائلٌ يقول : مرحباً بك وأهلاً، ما كان عليك أكثر ممّا صنعت! لو أصابنا الذى أصابك لفعلنا الذى فعلت وأشدَّ ٠٠ ١٥، ثم آسَيْتَ بنفسك! وجاءَ العسكر واجتمعوا ، فقرّبوا الأسرى فعرضوا عليهم الإِسلام ، فمَن أَسلم تُرِك ومن أَبى ضُرِبت عنقه ، حتى أَتوا على الأسود فعرضوا عليه الإِسلام ، فقال: واللهِ إِنَّ الجَزَع من السيف دَلُؤْم، وما مِن خُلود ! قال : يقول رجلٌ من الحىّ ممّن أَسلم : يا عجباً (١) فى الأصل: ((الرخاتم)). ٩٨٨ منك، أَلا كان هذاحيث أُخِذتَ! فلمّا قُتل مَن قُتل، وسُبى من سُبى منا، وأَسلم منَّا مَن أَسلم راغباً فى الإِسلام تقول ما تقول ! ويحك ، أَسلِم واتبعْ دِينَ محمّد! قال : فإِنِّى أُسلم وأَتبع دِين محمّد . فأَسلم وتُرك ، وكان يَعِد فلا يَفِى حتى كانت الرَّدّة ، فشهد مع خالد بن الوليد اليمامة فأبلى بلاءً حسناً . قال : وسار علىّ عليه السلام إِلى الفُلْس فهدمه وخرّبه ؛ ووجد فى بيته ثلاثة أَسياف، رَسوب ، والمِخْذَم ، وسيفاً يقال له اليمانىّ، وثلاثة أَدراع ، وكان عليه ثيابٌ يُلبسونه إيّاها. وجمعوا السَّبْىُ ، فأستُعمل عليهم أَبو قتادة، واستُعمل عبد الله بن عَتيك السُّدَمِىّ على الماشية والرِّثَّة، ثمْ ساروا حتى نزلوا رَكَك (١) فاقتسموا السَّبْى والغنائم، وعزل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم صفيًّا (٢) رَسُوباً والمِخْذَم، ثم صار (٣) له بعدُ السيفُ الآخر؛ وعزل الخُمُس، وعزل آل حاتم (٤) ، فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة . . قال الواقدىّ : فحدّثت هذا الحديث عبد اللهبن جعفر الزّهرِىّ فقال: حدّثْنى ابن أَبى عَون قال : كان فى السَّبْى أُختَ عَدىّ بن حاتم لم تُقْسَم، فأُنزلت دارَ رَمْلَة بنت الحارث . وكان عَدىّ بن حاتم قد هرب حين سمع بحركة عَلىٍّ عليه السلام ، وكان له عينٌ بالمدينة فحذَّره فخرج إلى الشام ، (١) ركك: محلة من محال سلمى، أحد جبلى طيء. (معجم البلدان، ج ٤، ص ٢٧٩). (٢) الصفى : ما كان يأخذه رئيس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. (النهاية، ج ٢ ، ص ٢٦٨) . (٣) فى الأصل: ((ثم صاروا له)). (٤)- فى الأصل: ((الرخاتم)). ٩٨٩ وكانت أُختَ عَدىّ إِذا مرّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم تقول : يا رسول الله ، . هَلَك الوالد وغاب الوافد، فامْنُنْ علينا مُنَّ الله عليك ! كلّ ذلك يسألها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : مَن وافِدك ؟ فتقول : عَدىٌ بن حاتم ! فيقول : الفارّ من الله ورسوله ؟ حتى يَئِستْ. فلمّا كان يوم الرابع مرّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم تَكلَّم فأشار إليها رجلٌ: قُومى فكلِّميه! فكلَّمته فأَذن لها ووصلها ، وسألت عن الرجل الذى أشار إليها فقيل : علىٌّ ، وهو الذى سباكم ، أَما تعرفينه ؟ فقالت : لا واللهِ، ما زلتُ مُدْنِيَةً طَرَف ثوبى على وجهى وطَرَف ردائى على بُرقعى من يوم أُسِرت حتى دخلتُ هذه الدار ، ولا رأيت وجهه ولا وجه أحد من أَصحابه . غزوة تبوك قُرئ على أبى القاسم بن أبى حَيَّة قال : حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن شُجاع قال : حدّثنا الواقدىّ قال: حدّثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن ابز. سَعيد ، وعبد الله بن جَعفر الزُّهرىّ، ومحمّد بن يحيى ، وابن أبى حَبيبة ورَبيعة بن عثمان ، وعبد الرحمن بن عبد العزيز بن أبى قتادة، وعبد الله ابن عبد الرحمن الجُمَحِىّ، وعمر بن سُلَيمان بن أَبِى حَثْمَةَ، وموسى بن محمّد بن إبراهيم، وعبد الحَميد بن جَعفر، وأَبو مَعْشَر ، ويعقوب بن محمّد بن أَبِى صَعْصَعَة، وابن أَبِى سَبْرَة، وَأَيّوب بن النُّعمان ؛ فكلُّ قد حدّثنى بطائفةٍ من حديث تبوك، وبعضهم أَوعى له من بعض ، وغير هؤلاء قد حدّثْنى ممَّن لم أُسَمِّ ، ثِقات ، وقد كتبت كلَّ ما قد حدّثونى . قالوا : كانت الساقطة - وهم الأَنْباط - يَقدَمون المدينة بالدَّرْمَك (١) (١) الدرمك: دقيق الحوارى. (الصحاح، ص ١٥٨٣). ٩٩٠ والزيت فى الجاهليّة وبعد أن دخل الإِسلام ، فإِنما كانت أخبار الشام عند المسلمين كلّ يوم؛ لِكَثْرةٍ مَن يَقدَم عليهم من الأَنْباط ، فقدمت قادمة فذكروا أَنَّ الروم قد جمعت جُموعاً كثيرةً بالشام، وأَنَّ هِرَقْل قد رَزَق أَصحابه. لِسَنَة، وأَجلبت معه لَخْمٌ، وُدام، وغَّان، وعامِلة. وزحفوا وقدّموا مُقَدِّماتهم إلى البَلْقاء وعسكروا بها ، وتخلَّف ◌ِرَقْل بحِمْص . ولم يكن ذلك ، إنما ذلك شىءٌ قِيل لهم فقالوه . ولم يكن عدوٍّ أَخوف عند المسلمين منهم ، وذلك لِما عاينوا منهم - إِذ كانوا يَقدَمون عليهم تُجّارًا - من العُدَد والعُدَّة والُراع. وكان رسول اله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يغزو غزوةٌ إِلَّ ورّى بغيرها، لئلاَّ تَذهَب الأخبار بأَنَّه يُريد كذا وكذا ، حتى كانت غزوة تبوك ، فغزاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى حرّ شديد، واستقبل سَفَرًا بعيدًا، واستقبل غُرَّى وعَدَدًا كثيرًا، فجلّى للناس أَمْرَهم(١) ليتأَمّبوا لذلك أُهْبَةً غزوهم، وأخبر بالوجه الذى يُريد . وبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى القبائل وإِلى مَّة يستنفرهم إلى غزوهم ، فبعث إلى أَسلمَ بُرَيدة ابن الحُصَيب وأمره أن يبلغ الفُرْع . وبعث أَبا رُهم الغِفارىّ إلى قومه أن يطلبهم ببلادهم ، وخرج أَبو واقد اللَّيْىّ فى قومه ، وخرج أبو الجَعْد الضَّمْرِىّ فى قومه بالساحل، وبعث رافع بن مَكيث، وجُنْدُب بن مَكيث فى جُهَينة ؛ وبعث نُعَيم بن مَسعود فى أَشْجَع ؛ وبعث فى بنى كعب بن عمرو بُدَيلَ بن وَرْقاء، وعمرو بن سالم، وبشر بن سُفيان ؛ وبعث فى سُليم عدّة، منهم العبّاس بن مِرداس. وحضَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المسلمين (١) فى الأصل: ((فحلا للناس وأمرهم)). وجلى: أى كشف. (لسان العرب، ج ١٨، ص ١٦٣) . ٩٩١ على القتال والجهاد ، ورغّبهم فيه، وأمرهم بالصَّدَقَة، فحملوا صدقاتٍ كثيرة ، فكان أَوّل من حمل أَبو بكر الصدّيق رضى الله عنه ، جاء بماله كلّه أربعةٍ آلاف درهم ، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : هل أبقيتَ شيئاً ؟ قال : الله ورسوله أعلم ! وجاء عمر رضى الله عنه بنصف ماله ، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هل أَبقيتَ شيئاً؟ قال: نعم ، نصفَ ما جئتُ به . وبلغ عمرَ ما جاءَ به أبو بكر فقال : ما استبقْنا إلى الخير قَطُّ. إلاَّ سبقنى إِليه . وحمل العبّاس بن عبد المطّلب عليه السلام إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مالاً؛ وحمل طَلحة بن عُبَيد الله إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم مالاً ؛ وحمل عبد الرحمن بن عوف إِليه مالاً ، مائتى أُوقيّة ؛ وحمل سعد بن عُبادة إِليه مالاً ، وحمل محمّد بن مَسْلَمَة إِليه مالاً . وتصدّق عاصم ابن عَدىّ بتسعين وَسْقَتَرًا. وجهَّز عُثمان بن عَفَّان رضى الله عنه ثُلُثَ ذلك الجيش ، فكان من أَكثرهم نَفَقَةً ، حتى كفى ذلك الجيشَ مَؤونتَهم ، حتى إن كان لَيقال : ما بقيتْ لهم حاجة ! حتى كفاهم ثُنُقَ (١) أَسقيتهم . فيقال: إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال يومئذٍ: ما يضرّ عُثْمانَ ما فعل بعد هذا ! ورغِب أَهل الغنى فى الخير والمعروف ، واحتسبوا فى ذلك الخير ، وقوّوا أُناسٌ دون هؤلاء مَن هو أَضعف منهم، حتى إِنَّ الرجل ليأتى بالبغير إِلى الرجل والرجلَين فيقول: هذا البعير بينكما تتعاقبانه (٢)، ويأتى الرجل بالنَّفَقَّة فيُعطيها بعض من يخرج ، حتى إن كنَّ النساءُ لَيُعِنَّ بكلّ ما قدرنَ عليه . (١) شنق: جمع شناق، وهو الخيط أو السير الذى تعلق به القربة، والخيط الذى يشد به فها. (النهاية، ج ٢، ص ٢٣٩) .. (٢) فى الأصل: ((تتعقبانه)).