النص المفهرس
صفحات 61-80
٩٣٢
بعدُ، فردّ النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم إِليه ولاءه؛ ومرزوق غلامٌ لعُمان. لا
عَقِبَ له . كلّ هؤلاء أعتقهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ودفع رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ رجلٍ منهم إلى رجلٍ من المسلمين يَمُونُه (١) ويحمله.
فكان أبو بَكَرَة إلى عمرو بن سعيد بن العاص. وكان الأزرق إلى خالد
ابن سعيد، وكان وَرْدان إلى أبان بن سعيد، وكان يُحَنَّس النَّبَال إلى عُمان
ابن عَفَّان رضى الله عنه، وكان يسار بن مالك إلى سعد بن عبادة. وإبراهيم
ابن جابر إِلى أُسَيد بن الحُضَير، وأمرهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم أن
يُقْربوهم القرآن ويُعلِّموهم السُّنَنِ. فلمّا أَسلمت ثقيفٌ تكلَّمت أشرافهم فى
هؤلاءِ المُعْتَقين، فيهم الحارث بن كَلّدة. يردّوهم فى الرِّقّ. فقال رسول الله
صَلَّى الله عليه وسلَّم: أولئك عُتَتَاءُ الله . لا سبيل إليهم ! وبلغ ذلك من أهل
الطائف مَشقَّةٌ شديدةً، واغتاظوا على غلمانهم .
قالوا : وقال غُيّينة: يا رسول الله. ايذن لى حتى آتى حمْن الطائف
فأُكلِّمهم. فأذن له، فجاءه فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم.
وعرفه أَبو مِحْجَن فقال: ادْنُ. فدنا. فقال: آدخلْ، فدخل عليهم الحسن.
فقال : فداء كم أبى وأمىّ! واللهِ لقد سرّفى ما رأيتْ منكم، بالهواء أنَ فى
العرب أحدًا غيركم! واللهِ ما لاقى محمّدٌ مثلكم قطْ. وقد مل المقام.
فاثبتوا فى حصْنكم؛ فإنَّ حِصْنكم حُصينٌ، ولاحكم كثيرٌ بناء كمائن.
لا تخافون قَطْعُه !قال: فلما خرج قالت ثقيف لأى محجن: فإنّا كرهنا دخله،
وخشينا أن يُخبر محمدًا بخلل إن راه فيداأو فى جعها، قال أبو معئين: أنا
كنت أَعْرَفَ له، ليس منَّا أحدٌ أشد على محمّد منه وإن كان معه. فلما
رجع إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال له : ما قلت لهم ؟ قال: قلتُ ادخلوا
(١) يمونه: يعمل مؤمنه ويقوم بكغايته. ("صحاح، ص ٢٢٠٩).
٩٣٣
فى الإسلام ، والله لا يبرح محمّد عُقْرَ داركم حتى تنزلوا. فخذوا لأنفسكم
أمادأ. قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم؛ قَيْنُقاع، والنَّضير، وِفْرَيْظَة. وَيْبُر
أدل الحلقة والعدة والآطام. فخذَّلتْهم ما استطعتْ. ورسول الله صلَّى الله عليه
ملمساكتٌ عنهحتى إذا فرغ من حديثه. قال له رسول الله صلى الله عليه
بذْ: كذبتَ! قلتْ نهم كذا وكذا! لِلذى قال. قال عُيَيْنَة: أستغفر
الله! فقال عمر رضى الله عنه: يا رسول الله. دعنى أُقدّعه فأُضرب عُنْقه.
قال يا الله صلّى الله عليه وسلَّم: لا يتحدّث الناس أنّى أُقتل أصحابى
ويقال: إنّ أبا بكر رضى الله عنه أغلظ له يومئذ وقال: ويحك يا عُيَيْنَة !
إنما أنت أبدًا تُوضِع فى الباطل؛ كم لنا منك من يومٍ بنى النَّغير، وقُرَيْظَة.
وخيبر ، تُجلب علينا وتُقاتلنا بسيفك، ثم أسلمت كما زعمتٌ فتُحرِّض
علينا عدهنا ! قال: أستغفر الله يا أبا بكر وأتوب إليه. لا أعودُ أبدًا!
هلي: وكان مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مولىّ لخالته فاخِتَة بنت
مصروبن عائد بن عمران بن مخزوم، يقال له: ماتعٌ. وآخر يقال له: هيتٌ.
: المنتج يكون فى بيوته، لا يرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه يَغْن
أشىءمن أن النساء ممّا يفطن له الرجال، ولا يرى أنَّ ه فى ذلك إربَةٌ (١).
فين الله صلى الله عليه وسلّم وهو يقول لخالد بن الوليد . ويقال
لابد كس أو أُميّة بن المُغيرة: إن افتتح رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم
الطائف عدّا فلا تغلتز منك بادية بنت غَيْلان، فإنّها تُقبل بأربع (٢) وتدبر
بنان. ورد جلت تثقْت، وإذا تكلّمت تغنّت، وإذا اضطجعت ثمنْت.
بيو:جمها مثل الإناء المكفوء، مع ثغر كأنّه الأَقْجُوان. كماقال الخَطِء:
الحاجة ( الصباح - ص. ٨٧).
من عت ع فيه تكرارية
وقوفه تقبل بأربع وقدبي ٠٠
خصم % واحدة لحن إذا أدبرت .
٠:٢٠٠ ٫ ٣٤٩).
٩٣٤
نَصْبَ فلا جَبْلَةٌ (٢) ولا قَضَفُ
بين شكولِ (١) النِّساءِ خِلْقَتُها
كأَنَّمَا شَفَّ وَجْهَها تُرْفُ (٥)
تَغْتَرِقُ (٣) الطَّرْف وهى لاهيةٌ(٤)
فسمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كلامه فقال: ألا أرى هذا الخبيث
يفطُن للجَمال إِذا خرجتُ إِلى العَقيقِ! والحَيْلِ لا يُمْسَك (٦ لِما أسمعُ!
وقال : لا يدخلنَّ على نساء عبد المطَّلب! ويقال: قال : لا يدخلنٌ على أحدٍ
من نسائكم! وغَرَّبهما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الحِمى، فشكيا
الحاجة، فأَذِن لهما أن ينزلا كلَّ جُمُعَةٍ يسألان ثم يرجعان إلى مكانهما،
إِلى أَن تُوفّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمّا توفَّى رسول اللّ صلَّى الله عليه وسلّم
دخلا مع الناس. فلمّا ولى أبو بكر رضى اللهعنه قال: أخرجكما رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم وأُدخِلكما ؟ فأُخرجهما إلى موضعهما. فلمّا مات أبوبكر رضى الله
عنه دخلا مع الناس ، فلمّا ولى عمر رضى الله عنه قال: أخرجكما رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بكر وأُدخِلكما؟ اخرجا إلى موضعكما! فأخرجهما إلى
موضعهما ، فلمّا قُتل عمر دخلا مع الناس.
(١) فى الأصل: ((سكول))؛ والتصحيح عن ديوان قيس بن الخطيم ص٢:٥٤ كتاب الأغافى،
(ج ٢، ص ١٦٨). والشكول: الضروب. (الصحاح، ص ١٧٣٦).
(٢) هكذا فى الأصل. وفى ديوان قيس بن الخطيم والأغانى: ((قصد فلا جثلة». وجبلة: أى
غليظة. والقضف : الدقة . ( الضحاح . ص ١٤١٧٩١٦٥٠).
(٣) قال ابن السكيت: من نظر إليها استغرقت طرفه وبصيه بشغلته عن النظر إلى غيرها.
( ديوان قيس بن الخطيم ، ص ٥٥ ٠ .
(٤) وهى لاعية: غير مختفلة، وأراد أنها حديقة الوجه ليست بخغيرة الحجم. (ديوان قيس بن
الخطيم ، ص ٥٦).
(٥) قال ابن السكيت : التوف خروج الدم . وقال العدوى : أراد أن فى لونها مع البياضى
صفرة وذلك أحسن . ( ديوان قيس بن الخطيم ، ص ٥٦ : ٠
(٦) فى الأصل: ((والحيل من يمسك))، ولعل الصوابما أثناء. بالحيل: القوة. (النهاية،
٠٠
٩٣٥
قالوا : قال أبو مِحْجَن بن حُبَيب بن عمرو بن عُمَير الثَّقَفِىّ ، وهو
على حِصْنِ الطَّائف: يا عَبِيدٌ محمّد، إِنَّكم واللهِ ما لاقيتم أَحدًا يُحسِن
قتالكم غيرنا؛ تُقيمون ما أُقمتم بشّرِّ مَحْبِس، ثم تنصرفون لَمْ تُدْرِكوا شيئاً
مُمَّا تُريدون؛ نحن قَسِىٌّ وَأَبونا قَسا(١) ، والله لا نُسلِّم ما حيينا، وقد بَنَيْنا
طائفاً حَصيناً ! فناداه عمر: يا ابنَ حُبَيب ، واللهِ لنقطعنَّ عليك معاشّك
حتى تخرج من جُحْرِك هذا، إنما أنت ثعلب فى جُحْرٍ يُوشِك أن يخرج .
فقال أبو مِحْجّن: إن قطعتم يا ابنَ الخطَّاب حَبَلات عنب، فإِنَّ فى الماءِ
والتراب ما يُعيد ذلك. فقال عمر: لا تقدر أن تخرج إلى ماءٍ ولا تراب ؛
لن نبرح عن باب جُحْرِك حتى تموت! قال: يقول أبو بكر: يا عمر لا تَقُلْ
هذا، فإنَّ رسول اله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُؤْذَّن له فى فتح الطَّائف. فقال
عمر : وهل قال لك هذا رسولُ الله؟ فقال: نعم . فجاءَ عمر إِلى رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم فقال: لم يُؤْذَن لك يا رسول الله فى فتحها ؟ قال: لا.
وجاءت خُوْلَة بنت حكيم بن أُمَّة بن الأَوْقَص السُّلَميّة، وهى امرأة
عثمان بن مظعون، فقالت: يا رسول الله، أعطِى إن فتح الله عليك حُلِيَّ
الفارعة بنت الخزاعيّ. أو بادية بنت غَيلان .- وكانتا من أجمل نساء
ثقيف. فقال لها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: وإن كان لم يُؤْذَن لنا فى
ثَقِيفِ يا خَوْلَة؟ قال: فخرجتْ خَوْلَة فذكرتْ ذلك لعمر، فدخل عمر
على رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، حدّثتَ خَوْلَة ما
حدّثْ أنّك قلتّه؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: قد قلتُه. قال:
يا رسول الله، أَوَلَمْ بُؤْذَن لك فيهم ؟ قال: لا . قال: أَفلا أُؤذّن فى
(١) قى: لقب ثقيف. قال أبو عبيد: لأنه مر على أبى رغمال وكان مصدقاً فقتله، فقبل
فاقلبه . فىقياً . ( لسان العرب، ج ٢٠، ص ٤٢).
٩٣٦
الناس بالرَّحيل! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: بلى. فأُذَّن عمر
بالرحيل، فجعل المسلمون يتكلَّمون، يمشى بعضهم إلى بعض . فقالوا :
نتصرف ولا نفتح الطَّائف! لا نبرح حتى يفتح الله علينا، واللهِ إنّهم لأذلّ
وأُقلّ مَن لاقينا: قد لقينا جمع مَّة وجمع هوازن، ففرّق الله تلك الجموع!
وإنما هؤلاء ثعلب فى جُحْر. او حصرناهم لماتوا فى حضْنهم هذا! وكثر القول
بينهم والاختلاف. فمشّوا إِلى أبى بكر فتكلَّموا. فقال أبو بكر رضى الله
عنه: الله ورسوله أعلم، والأمر ينزل عليه من السماء. فكلّما عمرَ فأبى
وقال: قد رأينا الحُذيبية. ودخلى فى الحُديبية من الشك ١٠ لا يعلمه إلاَّ
الله. وراجعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم يومئذٍ بكلامٍ ليت أنى لم أفعل .
وأنَّ أهلى ومالى ذهبا ! ثم كانت الخِيرة لنا من الله فيما صنع ، فلم يكن فتح
كان خيرًا للناس من صلح الحديبية .. بلا سيف. دخل فيه من أهل الإسلام
مثل من كان دخل - من يوم بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إلى يوم
كُتب الكتاب . فاتَّهِموا الرأى، والخِيرة فيما صنع رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم، ولن أراجعه فى شىء من ذلك الأمر أبدًا! والأمر أمر الله، وهو يُوحى
إلى نبيّه ما يشاء !
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد قال لأبى بكر : إنى رأيت أنّى
أُهديتْ لى قَعْبَةِ (١) مملوءة زُبْدًا، فنقرها ديكُ فأَمراق ما فيها. قال
أبو بكررضى الله عنه: ما أظن أن تُدرِك منهم يارسول الله يومك هذا ما تُريد .
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : وأنا لا أرى ذلك .
قال : حدّثنى كُثَيْر بن زيد، عن الوليد بن رِياح ، عن أبى هريرة
رضى الله عنه، قال: لما مضت خمس عشرةً ليلة من حصارهم استشار
( ١ ) القعبة : القدح . ( شرح أب ذر . ص ٤٠٩ ).
٩٣٧
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم نَوْفَل بن مُعاوية الدِّيلىّ فقال: يا نَوْفَل،
ما تقول ؟ أَو تَرَى (١). فقال ذَوْفَل: يا رسول الله، ثَعْلَبٌ فى جُحْرٍ ، إن
أقمتَ عليه أُخذتَه، وإن تركته لم يضرّك شيئاً. قال أبو هُرَيرة: ولم يُؤْذَن
لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى فتحها. قال: فأمر رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم عمر وأَذَّن فى الناس بالرَّحيل. قال: فجعل الناس يضجّون من ذلك .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: فاغدوا على القتال . فغدوا فأصابت
المسلمين جراحات . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّا قافلون إن شاءً
الله! فسُرّوا بذلك وأذعنوا (٢). وجعلوا يرحلون والنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
يضحك . فلمّا استقلّ الناس لوجههم نادى سعد بن عُبيد بن أسيد بن عمرو
ابن علاج النَّقَفىّ قال: أَلا إِنَّ الحىَّ مُقيم. قال: يقول عُيَينة بن حِصْن:
أجل واللهِ، مَجَدَةٌ كِرام ! فقال عمرو بن العاص : قاتلك الله، تمدح
قوماً مشركين بالامتناع من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد جئت
تنصره ؟ فقال: إنَّى والشِما جئتُ معكم أُقائل ثَقيفاً، ولكن أردتُ أن يفتح
محمّد الطائف فأُصيبَ ايةٌ من ثَقيفٍ فأَطأَما لعلَّها تَلِدَّلى رجلاً ،
فإِنَّ ثَقيفاً قوم مُبارَكود.وأخبر عمر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمقالته،
فتبسّم صلّى الله عليه وسلَّم ثم قال: هذا الحُمْقِ المُطاع! وقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه حين أرادوا أن يرتحلوا: قولوا لا إله إلاَّ الله
وحده، صَدَّق وَعْدّه، وَنَصَر عَبْدَه، وهَزَم الأحزاب وَحْدَه ! فلمّا ارتحلوا
واستقلُّوا قال: قولوا آئبون إن شاء الله، عابدون، لربّنا حامدون! ولمّا ظعن
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الطائف قيل: يا رسول الله.، ادعُ الله على
ثَقيفٍ . قال : اللَّهمّ اهدٍ ثَقیفاً وائتٍ بهم !
(١) فى الطبرى، يروى عن الواقدى: ((ما ترى فى المقام عليهم)). (التاريخ، ص ١٦٧٣).
(٢) أذعن: أسرع فى الطاعة. (القاموس المحيط، ج١، ص ٢٢٥).
٩٣٨
تسمية من استشهد بالطائف
من بنى أُمَيّة : سَعيد بن سعيد بن أُمَيّة، وعُرْفِطَة بن الحُباب بن
حَبيب بن عبد مناف بن سعد بن الحارث بن كنانة بن خُزيمة بن مازن بن
عمرو بن عامر بن ثَعْلَبَة بن حارثة بن امرئ القيس . حليفٌ لهم .
ومن بنى أَسَد: يزيد بن زمعة بن الأُسْوَد. جَمّح به فَرَسُه ... وكان
يقال له: الجَناح - إِلى حِصْن الطائف فقتلوه. ويقال: قال لهم: أمّنونى
حتى أُكلِّمكم . فأُمَّنوه ثم رمَوه بالنَّبل حتى قتلوه .
ومن بنى تَيْم: عبد الله بن أبى بكر بن أبى قُحافة ، رُبِى بسهم فلم
يزل منه جريحاً: فمات بالمدينة بعد وفاة النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم .
ومن بنى مَخزوم : عبد الله بن أبى أُمَيّة بن المُغيرة، رُبى من الحِصْن.
ومن بنى عَدىّ : عبد الله بن عامر بن رَبيعة العُنَزِىّ ، حليفٌ لهم .
ومن بنى سَهم: السائب بن الحارث بن قيس، وأخوه عبد الله بن
الحارث .
ومن بنى سعد بن ليث: جُلَيْحَة بن عبد الله بن مُحارب بن الضَّيْحان
ابن ناشب بن سعد بن ليث .
ومن الأنصار: ثابت بن الجَدّع .. واسم الجَذّع ذَعْلَبَة .. والحارث بن
سهل بن أبى صَعْصَعَة، والمُنْذِر بن عبد الله بن نَوْفَل. فذلك اثنا عشر رجلاً.
٩٣٩
شأن مسير النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم إِلى الجِعِرّانة
2ُ
على عشرة أميال من مكّة
قالوا: خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الطّائف فأَخذ على دَحْنا (١)
ثم على قَرْن المنازل (٢) ، ثم على نَخْلَة حتى خرج إلى الجِعِرّانة، فبينا
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسير وأبو رُهْمِ الغِفارىّ إلى جنب رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم على ناقةٍ له ، وفى رجلَيه نَعْلان له غليظتان، إِذ زَحَمَتْ
ناقتُهُ ناقةً رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ويقع حَرْفُ نَعْله على ساقِهِ فأَوجعَه ،
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أوجعتَنِى، أَخِّرْ رِجْلَك! وقرع رِجْلَه
بالسَّوْطَ . قال: فأَخذنى من أمرى ما تقدّم وما تأَخَّر ، وخشيتُ أَن ينزل
فىّ القرآن العظيم ما صنعتُ؛ فلمّا أَصبحنا بالجِعِرّانة، خرجْتُ أَرعى الظَّهْرَ
وما هو يومى، فَرَقاً أَن يأْنِى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. ورسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم يطلبنى ، فلما روّحتُ الرِّكابَ سأَلتُ فقالوا : طلبك رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم. فجئته وأَنا أَترقّب فقال: إِنَّك أَوجعتَنِى بِرِجْلِك فَقَرعتك
بالسَّوْط، فخُذْ هذه الغَنَّم عِوَضاً من ضربتى. قال أبو رُهْم: فرِضَاهُ عنِّى
كان أحبّ إلىّ من الدنيا وما فيها .
وكان عبد الله بن أبى حَدْرَد الأُسْلَمَىّ يقول: كنت مع النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم فى مسيره وهو يُحادثنى، فجعلتْ ناقتى تَلصِق بناقته، وكانت
ناقتى ناقة شَهْمَة (٣)، فجعلت أريد أن أُنحّيها فلا تُطاوعنى، فلصقت بناقة
النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم وأُصيبت رجلُه فقال: أَخْ! أَوجعتَنِى! فرفع رِجْلَه
(١) دحنا: من مخاليف الطائف. (معجم البلدان، ج ٤، ص ٤٣).
(٢) قرن المنازل: جبيل قرب مكة يحرم منه حاج نجد. ( معجم البلدان، ج ٨، ص ١٦٣).
(٣) ناقة شهمة: أى جلدة. ( الصحاح، ص ١٩٦٣).
٩٤٠
من الغَرْزِ كَأَنَّها جُمّارَة (١)، ودفع رِجْلٍ بمِحْجَنٍ فى يده . فمكث ساعة
لا يتحدّث، فواللهِ ما نزلتُ حتى ظننت أَنْ سينزل فىّ عذابٌ. قال: فلمًا
نزلنا قلتُ لأَصحابى: إِنِّى أَرعى لكم ! ولم يكن ذلك يوم رِغْيَتِى، فلمّا
أَرحتُ الظَّهْرَ عليهم قلت: هل جاءَ أَحدٌ يبغينى ؟ فقالوا: رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم جاءَ يبغيك. فقلت فى نفسى: هى واللهِ هى! قلت:
مَنْ جاءَ ؟ قالوا: رجلٌ من الأَنصار . قال: فكان أكره إِلىّ. وذلك أنَّ
الأَنصار كانت فيهم علينا غِلْظَة . قال : ثم جاء بَعْدُ رجلٌ من قُرَيْشٍ
يبتغينى . قال : فخرجتُ خائفاً حتى واجهتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ،
فجعل يبتسم فى وجهى وقال: أوجعتُك بِمِحْجَنى البارحة . ثم قال: خُذْ
هذه القطعة من الغَنَم . قال: فأَخذتُها فوجدتها ثمانين شاةً ضائنةٌ (٢) .
وكان أبو زُرْعَةِ الجُهَنِىّ يقول: لمّا أراد صلَّى الله عليه وسلَّم أن يركب
من قَرْنٍ راحلته القَصْواء وطئتُ له على يدَيِها ، والزِّمام فى يدى مَطوّ ، فركب
على الرَّحْل وناولتُه الزِّمامَ، ودرتُ من خَلْفِهِ فخَلِّف (٣) الناقة بالسَّوْط،
كلّ ذلك يُصيبنى، فالتفت إلىّ فقال: أصابك السَّوْطُ ؟ قلت: نعم بأبى
وَأُمِّى! قال: فلمّا نزل الجِعِرّانة إذا رِبْضَةٌ (٤) من الغَنَم ناحيةً من الغنائم.
فسأل عنها صاحب الغنائم فخبّره عنها بشىء لا أحفظه ، ثم صاح : أين
أَبو زُرْغة؟ قال : قلت : ها أنا ذا ! قال: خُذْ هذه الغَنَم بالذى أصابك
من السّوْط أمس. قال: فعددتها فوجدتها عشرين ومائة رأس. قال: فتأَثَّلتُ (٥)
بها مالاً .
(١) الجمارة: قلب النخلة وشحمتها، شبه ساقه ببياضها. (النهاية، ج ١، ص ١٧٥)
(٢) الضائن من الغنم: ذو الصوف، والأنثى ضائنة. (لسان العرب، ج ١٧، س ١١٩).
(٣) أى ضربها بسومله على خلفها.
(٤) الربضة: الجماعة. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٣١).
(٥) تأثل مالا: اكتسبه واتخذه وثمره. (لسان العرب، ج ١٣، ص ٨).
٩٤١
وقال سراقة بن جُعْثُم: لقيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو منحدرٌ
من الطّائف إلى الجِعِرّانة فتحتصّلتُ (١)، والناس يمضون أمامه أَرْسالاً(٢)،
فوقعت فى مِقْنَبٍ (١٣) من خيل الأَنصار، فجعلوا يفرعونى بالرِّماح ويقواون:
إليك! إليك ! ما أنت؟ وأنكرونى. حتى إذا دنوت وعرفت أنَّه يسمع صوتى
أخذت الكتاب الذى كتبه أبوبكر، فجعلته بين إصبعين من أصابعى .
ثم رفعتْ يدى وناديتْ: أنا سُراقة بن جُمْثُم . وهذا كتابى ! فقال رسول
الله صلَّى الله عليه وسلّم: يوم وفاء، أدنوه! فأُدْنِيت منه، فكأَىّ أَنظر
إِلى ساق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى غَرْزِه كأنها جُمّارَة، فلمّا انتهيتُ
إليه سلَّمت. وسقتُ إليه الصَّدقة. فما ذكرت شيئاً أَسأَله عنه إلَّا أَنِّى
قلت : يا رسول الله ، أرأيتَ الضالَّة من الإِبل تَغشى حياضى وقد ملأتها
الإِبلى، هل لى من أجرٍ إِن أَسقيتُها؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
نعم ، فى كلّ ذاتٍ كَبِدٍ حَرَّى (٤) أَجْرٌ .
قال: حدثنى عبد الله بن عمرو بن زُهَير، عن المَقْبُريّ ، عن أبى
هُريرة رضى الله عنه، قال: اعترض لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجلٌ
مِن أَسْلَم معه غَنَمٌ، ورسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على راحلته، فقال:
يا رسول الله ، هذه هَدِيَّة قد أهديتُها لك، قال: وممّن أَنت ؟
قال: رجلٌ من أُسْلَم. قال: إنِّى لا أقبل هَدِيَّة مُشرِك، قال: يا رسول
الله، إِنِّى مُؤْمن بالله وبرسوله؛ قد سقتُ الصَّدَقَة إِلى بُرَيدة بن الحُصَيب
٠
(١) تحصل: تجمع وثبت. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٥٧).
(٢) أى أفواجاً وفرقاً متقطعة يتبع بعضهم بعضا، واحدهم رسل. (النهاية، ج ٢، ص ٨٠).
(٣) المقنب: ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل. (الصحاح، ص ٢٠٦).
(٤) الحرى: فعلى من الحر، والمعنى أن فى سى كل ذى كبد حرى أجراً. (النهاية، ج ١،
ص ٢١٥ ) .
٩٤٢
لمالى بعينه مُصدِّقاً. قال : وأقبل بُرَيدة فلحق النبيَّ صلّى الله عليه وسلَّم
فقال: صدق يا رسول الله، هذا من قومى، شريفٌ(١) ينزل بالصِّفاح (٢).
قال : فما أَقدمك إِلى نَخْلَة ؟ قال: هى أمْرَع(٣) من الصُّفاح اليوم.
ثم قال: نحن على ظَهْرٍ كما تَرَى، فالحَقْنا بالجِعِرّانة، قال : فخرج
يعدو عِراضَ(٤) ناقة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يقول: يا رسول الله،
فأَسوق الغَنّم معى إلى الجِعِرّانة ؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم :
لا تَسُقْها، ولكن تَقدّم علينا الجعرّانة فنُعطيك غَنَمَا أُخرى إن شاء الله !
قال : يا رسول الله، تُدرِكنى الصلاةُ وأَنا فى عَطَن (٥) الإبل، أَفَأُصِّى
فيه ؟ قال: لا. قال: فتُدرِكنى وأنا فى هُراح الغَنّم، أَفَأُصِّى فيه؟ قال:
نعم. قال: يا رسول الله، رُبّما تباعد منَّا الماءُ ومع الرجل زوجته فيدنو
منها ؟ قال: نعم ، ويتيمّم. قال: يا رسول الله، وتكون فينا الحائض ،
قال: تتيمّم . قال: فلحق النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالجِعِرّانة فأعطاه
مائةٌ شاة .
قالوا: وجعلت الأعراب فى طريقه يسألونه، وكثّروا عليه حتى اضطرّوه
إلى سَمُرَةٍ ، فخَطَفَتْ رداءه فَنَزَعَتْه عن مثل شِقَّة القمر، فوقف رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يقول: أعطونى ردائى! أعطونى ردائى ! لو كان عدد
هذه العِضاه نَعَماً لقسمتُه بينكم، ثم لا تجدونى بخيلاً ولا جبَاناً ولا كَذَّاباً!
(١) فى الأصل: ((شريفاً)).
٠
(٢) الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش. (مجم
البلدان ، ج ٥ ، ص ٢٦٦ ).
(٣) المربع : الخصيب . (الصحاح ، ص ١٢٨٣) . .
(٤) أى يسير حذاءه معارضا له. ( النهاية، ج ٣، ص ٨٣).
(٥) العطن: مبرك الإبل حول الحوض. ( القاموس المحيط، ج ٤، ص ٠١٢٤٨
٩٤٣
ثم لمّا كَان عند القَسْمِ قال: أَدّوا الخِياطَ والمِخْيَط. (١)، وإِيّاكم والغُلولَ
فإنّه عارٌ ونارٌ وَشَنارٌ (٢) يوم القيامة! ثم أُخذ وَبَرَةً من جنب بعير فقال :
واللهِ ما يحلّ لى ممّا أَفاء الله عليكم ولا مِثْلُ هذه الوَبَرَة إِلَّ الخُمُس، والخُمُس
مردودٌ علیکم .
قالوا : وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلى الجِعِرّانة، والسَّبى
والغنائم بها محبوسة، وقد اتَّخذ السَّبْىُ حَظائر (٣) يستظلّون بها من الشمس،
فلمّا نظر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى تلك الحظائر سأل عنها فقالوا :
يا رسول الله، هذا سَبِى هَوَازِنَ استظلّا من الشمس. وكان السَّبى ستّةً
آلاف، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألف بعير، وكانت الغَنَم لا يُدْرَى
عددها ، قد قالوا أربعين ألفاً وأقلّ وأكثر، فلمّا قدم رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم أَمَرَ بُشْر (٤) بن سُفيان الخُزاءِىّ يَقْدَم مَّة فيشترى للسَّبى ثياباً
يكسوها، ثياب المُعَقِّد(٥)، فلا يخرج المرءُ (٢) منهم إلاَّ كاسياً ، فاشترى
بُسْر كسوة فكساء السَّبْى كلَّهم، واستأذنًّا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بالسَّبى، وقد كان فرّق منه، وأعطى رجالاً؛ عبد الرحمن بن عَوف كانت
عنده امرأة منهنَّ قد وطِئها بالغِلْك، كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد
وهبها له بحُنّين فردّها إلى الجِعِرَانة حتى حاضت فوطئها، وأعطى صَفوانَ
ابن أُمَّيّة أُخرى ، وأعطى عَلىّ بن أبى طالب عليه السلام جاريةٌ يقال لها
(١) الخياط هنا: الخيط، والمخيط: الإبرة. (شرح أبى ذر، ص ٤١٢).
(٢) الشنار: العيب. (النهاية ، ج ٢، ص ٢٣٨).
(٣) النظائر: جمع الحظيرة، وهى الزرب الذى يصنع للإبل والغنم ليكفها .. وكان السي فى
حفظائر مثلها . ( شرح أبى ذر ، ص ٤١١) .
(٤) فى الأصل: ((بشر))؛ وما أثبتناه عن كل مراجع السيرة الأخرى.
(٥) المعقد: ضرب من برود هجر. (النهاية، ج ٣، ص ١١٣).
(٦) فى الأصل: ((الجز)».
٩٤٤
رَيْطَة بنت هِلال بن حَيّان بن عُمَيرة، وأُعطى عُثمان بن عَفَّان جاريةً يقال
لها: زينب بنت حَيّان بن عمرو، فوطئها عُثمان فكرهته، ولم يكن علىَّ وطئ.
وأعطى عمر بن الخطّاب جاريةٌ . فأعطاها عمر لإبنه عبد الله بن عمر.
فبعث بها ابن عمر إلى أخواله بمكّة بنى جُمَح ليُصلِحوا منها حتى يطوف
بالبيت ثم يأتيهم . وكانت جاريةٌ وضيئةٌ مُعجبة . [ قال عبد الله بن
عمر :] (١) فقدمتُ مَّة فطفتُ بالبيت، فخرجتُ من المسجد وأنا أُرِيد
الجارية أن أُصيبها، وأرى الناس يشتدّون فقلت: ما لكم ؟ قالوا : ردّ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّح نساءَ هُوازِن وأبناءها. قال: قلت : ذلك
صاحبتكم فى بنى جُمَح. فاذهبوا فخذوها ! فذهبوا فأخذوها . وأعطى رسول
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم جُبَير بن مُطعِم جاريةً من سَبْى هَوازن فلم تُوطأ .
وأعطى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم طَلْحَة بن عُبَيد الله جاريةٌ
فوطئها طَلْحَة. وأَعطى سعدُ بن أبى وَقَّاص جاريةٌ، وأعطى رسول الله صلّى
عليه وسلَّم أَبا عُبَيدة بن الجَرّاخ جاريةٌ فوطِئها، وأعطى رسول الله صلّى
عليه وسلَّم الزَّبَير بن العَوّام جاريةٌ؛ وهذا كلّه بحُنّين. فلما رجع رسول
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الجِعِرّانة أقام يتربّص أن يُقدّم عليه وَفْدُهم،
وبدأ بالأموال فَقَسَمها، وأعطى المُؤْلِّمة قُلوبُهم أوّلَ الناس. وكان رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد غَنِم فِضَّةٌ كثيرةً؛ أربعة آلاف أوقيّة،
فجُمِعت الغنائمُ بين يدى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فجاءَ أَبو سُفيان بن
حَرْب وبين يديه الفِضَّة، فقال: يا رسول الله، أصبحت أكثرَ قُرّيشٍ
مالاً! فتبسّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال: أعطِنى من هذا المال
يا رسول الله! قال: يا بلال، زِن لأبى سفيان أربعين أوقيّة، وأعطوه
(١) زيادة يقتضيها السياق.
٩٤٥
مائةً من الإبل. قال أبو سُفيان: ابنى يَزيد أُعطِه! قال رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم : زِدُوا لِيَزيد أربعين أُوقِيّة، وأَعطوه مائةً من الإِبل. قالْ
أبو سُفيان : ابنى مُعاوية، يا رسول الله ! قال : زِن له يا بلال أربعين
أُوقيّة، وأعطوه مائةٌ من الإبل. قال أبو سُفيان: إِنك الكريم ، فداك
أبى وأُمِّى! ولقد حاربتُك فنِعمَ المُحارَبُ كنتَ، ثم سالمتُك فنِعمَ
المُسالَمُ أَنت ، جزاك الله خيرًا ! وأعطى فى بنى أُسّد .
قال: حدّثْنى مَعْمَر. عن الزُّهرىّ، عن سعيد بن المُسَيِّب، وعُروة بن
الزّبَير . قالا: حدّثنا حكيم بن حزام قال: سأَلت رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم بحُنَينٍ مائةٌ من الإِبل فأعطانيها، ثم سألته مائةً فأُعطانيها،
ثم سألته مائةً فأعطانيها، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ياحكيمَ
ابن حِزام، إنّ هذا المال خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، فَمن أخذه بسَخاوَةٍ نَفْسِ بُورِك
له فيه، ومن أخذه بإشرافٍ نَفْسٍ لم يُبارَك له فيه، وكان كالذى يأكل
ولا يَشَبَع ، واليد العُلْيا خَيرٌ من السُفْلِى، وَابْدَأْ بِمَن تَعول ! قال : فكان
حكيم يقول: والذي بعثك بالحقِّ، لا أَرْزَا(١) أَحدًا بعدك شيئاً ! فكان
عمر بن الخطّاب رضى الله عنه يدعوه إلى عطائه فيأبى يأخذه، فيقول
عمر: أيّها الناس، إلى أُشهِدكم على حكيم أنى أَدعوه إلى عطائه فيأبى
أن يأخذه. قال: حدّثنا ابن أبى الزِّناد قال: أخذ حكيم المائة الأولى
ثم ترك .
وفى بنى عبد الدار: النَّضَير . وهو أخو النَّضْر بن الحارث بن كَلَدَّة،
(١) فى الأصل: ((لا أوزى آخذا)). ولا أرزا: أى لا آخذ من أحد. (النهاية ٠ : ٤٢
٠١٧٨٫٣٠
٩٤٦
مائة من الإبل . وفى بنى زُهْرَة: أَسيد بن حارثة حليفٌ لهم، مائة من
الإبل. وأعطى العلاء بن جارية خمسين بعيرًا، وأعطى مَخْرَمَة بن نَوْفَل
خمسين بعيرًا . وقد رأيت عبد الله بن جَعْفَر يُنكِرِ أن يكون أخذ مَخْرَمَة
فى ذلك، وقال: ما سمعتُ أَحدًا من أهلى يذكر أنَّهِ أُعطِى شيئاً. ومن بنى
مخزوم : الحارث بن هشام مائةٌ من الإبل ، وأعطى سعيد بن يربوع
خمسين من الإبل. وأعطى فى بنى جُمّح صَفوان بن أُميّة مائة بعير،
ويقال إنَّه طاف مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلَّم والنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
يَتصفّح الغنائم إذ مرّ بشِعْبٍ ممّا أَفاء الله عليه، فيه غَنَمُ وإِبلٌ ودعاؤها
مملوء. فأُعجب صَفوانُ وجعل ينظر إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلَّم : أعجبك يا أَبا وهب هذا الشِّعْب ؟ قال: نعم . قال : هو لك
وما فيه . فقال صَفوان : أَشهدُ ما طابتْ بهذا نفسُ أَحْدٍ قَطّ إلاّ نىّ،
وأشهد أنَّك رسول الله! وأعطى قيس بن عدىّ مائةٌ من الإبل، وأعطى عُثمان
ابن وَهْب خمسين من الإبل. وفى بنى عامر بن لُؤْىّ أعطى سهيل بن
عمرو مائةٌ من الإِبل، وأعطى حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى مائةً من الإبل ،
وأعطى هِشام بن عمر خمسين من الإبل. وأعطى فى العرب الأفْرَع بن
حابس الثَّميمىّ مائةٌ من الإبل، وأعطى غُيّينة بن بدر الفزاريّ مائةٌ من
الإبل، وأعطى مالِك بن عَوْف مائةً من الإبل. وأعطى العبّاس بن
مِرْداس السُلَمىّ أربعاً من الإبل، فعائب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فى
شعرٍ قاله :
بِكَرِّى على القوم فى الأجْر ع (٢،
كانت (١)نِهاباً تّلَافَيْتُها
(١) كانت: يعنى الإبل والماشية. والنهاب: جمع تهب، وهو ما يب ونعم. (شرح
أبى ذر ، ص ٤١٢ ).
(٢) الأجرع: المكان السهلى. ( شرح أبى ذر، ص ٤١٣).
٩٤٧
وحَقِّى الجنودّ لكى يُدلِجوا
إذا هَجَع القومُ لم أَهْجَعِ
◌ِ(١) بينَ عُبَيْنَةً والأَفْرَعِ
فَأَصبح نَهْىِ ونَهْبُ العُبّيـ
إِلاَّ أَفَائِلَ (٣) أُعطِيتُها
وقد كُنْتُ فى الحَرْبِ ذا تُدْرَإٍ (٣)
وما كان حِصْنٌ(٤) ولا حابِس
وما كُنْتُ دُونَ امرىءٍ مِنهما
عَديدَ قوائمها الأربعِ
فلم أُعْطَ شيئاً ولم أُمْنَعِ
يَفوقان مِرْدَاسَ فِى المَجْمَعِ
ومَنْ تَضَعِ اليَوْمَ لا يُرْفَعِ
فرفع أبو بكر رضى الله عنه أبياته إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم،
فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لِلعبّاس: أنت الذى تقول " أصبح
نهى ونهب العُبيد بين الأُفرع وعُيّينة))؟ فقال أبو بكر رضى الله عنه:
بأَبى وأُمّى يا رسول الله ، ليس هكذا ! قال ، قال: كيف ؟ قال : فأَنشده
أبو بكر كما قال عبّاس، فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: سَواء،
ما يضرّك بدأت بالأقرع أم غُيَينة! فقال أبو بكر رضى الله عنه : بأبى
أَنت وأمّى، ما أنت بشاعرٍ ولا راوية، ولا ينبغى لك. فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم : اقطعوا ليسانه عنِّى. فأعطُوه مائةٌ من الإِبل
ويقال خمسين من الإبل، ففَزِع منها أُناسٌ ، وقالوا : أمر بعبّاسِ
يُمثّل به . وقد اختُلِف علينا فيما أعطى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم
يومئذ الناس .
فحدّثنى عبد الله بن جَعْفَر، عن ابن أبى عَوْن ، عن سعد ، عن
(١) العيد: فرس عباس بن مرداس. (شرح أبى ذر، ص ٤١٣) .
(٢) أقائل: جمع أقيل، وهى الصغار من الإبل. (شرح أبى ذر، ص ٤١٣).
(٣) ذا تدر !: أى ذا دفع، من قولك: درأه إذا دفعه. ( شرح أبى ذر ، ص ٤١٣ ) .
(٤) فى الأسماء: ( وما كان بدرا)»؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية ، = ٤،
٦٤٨
إبراهيم ويعقوب بن عُتبة. قالا: كانت العطايا فارِعَةً (١) من الغنائم.
قال: حدّثنى موسى بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : كانت من الخُمُس .
فأَثبت القولين أنَّها من الخُمُس .
قال سعد بن أبى وَقَّاص: يا رسول الله، أُعطيتَ عُيّينة بن حصن
والأقرع بن حابس مائةٌ مائةً وتركتَ جُعَيل بن سُراقة الضَّعْرِىّ! فقال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أما والذي نفسي بيده، لجُعَيل بن سُراقة
خيرٌ من طِلاعٍ(٢) الأرض كلّها مثل عُيّينة والأفرع. ولكنى تأَلَّفتُهما
لِيُسلما، ووَكَلْتُ جُعَيلَ بن سُراقة إلى إسلامه.
وجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم وفى ثوب بلال فِضَّة يُقبضها
للناس على ما أراه الله، فأَّتاه ذو الخُويْصِرَةِ النَّميمىّ فقال: اعْدِلْ يا
رسول الله! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: وَيْلك! فَمَن يَعدِل إذا
لم أُعدِل ؟ قال عمر: يا رسول الله، ايذن لى أن أضرب عُنُقه! قال:"
دَعْهُ، إِنَّ له أصحاباً ! يُحقِر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع
صيامهم ، يقرأون القرآن لا يُجاوز تراقِيّهم ، يمرقون من الدِّين كما
يَمْرُقِ السَّهْم من الرَّمَيَّة، ينظر [ الرامى ] فى قُذّذِه (٣) فلا يرى شيئاً. ثم ينظر
فى نَصْله فلا يرى شيئاً، ثم ينظر فى رصافِه() فلا يرى شيئاً. قد سبق
الفَرْثَ والدَّمَ ، يخرجون على فِرْقَةٍ من المسلمين. رأيتُهم إنَّ فيهم رجلاً
(١) أى مرتفعة صاعدة من أصلها قبل أن تخسر ٠ (عباية
٣
(٢) طلاع الأرض : أى ما يمنوها حى بطالع صب"
(٣) التفذ: ريش الهو الحاد
(٤) الصار: عقب يني ...
١
٢
ء
١٢
٣
١٨٣
٩٤٩
أسود، إحدى يديه [مثل ثَدْى](١) المرأة أَو كَبَضْعَةٍ تَدَرْدَرُ (٢). فكان
أبو سعيد يقول: أشهد لَسمعت عَلَيًّا يُحدّث هذا الحديث.
قال عبد الله بن مسعود : سمعت رجلاً من المنافقين يومئذٍ ورسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يُعطى تلك العَطايا، وهو يقول: إنها العطايا
ما يُراد بها وَجْهُ الله! قلت: أَما واللهِ لأَبلغنَّ رسول الله صلَّى الله
عليه وسلِّم ما قلتَ . فجئتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فأخبرته ، فتغيّر لونه حتى ندمتُ على ما صنعته، فوددتُ أَنِّى لم أُخبِره ،
ثم قال : يرحم الله أخى موسى ! قد أُوذِى بأكثرَ من هذا فصبر! وكان
المُتكلّم بهذا مُعَشِّب بن قُشَير العَمْرىّ. ثم أمر رسول الله صلَّى الله عليه
وسلّم زيد بن ثابت بإِحْصاء الناس والغنائم، ثم فَضَّها (٣) على الناس،
فكانت سِهامهم؛ لكلِّ رجلٍ أربع من الإبل أَو أربعون شاة ، فإن كان فارساً
أخذ اثنتى عشرة من الإبل ، أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر
من فرسٍ واحدٍ لم يُسهم له .
ذكر وفد هَوازِن
قالوا : فقدم وفد هَوَازِن، وكان فى الوفد عمّ النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم من الرَّضاعة، قال يومئذٍ: يا رسول الله، إنما فى هذه الحظائر مَن
كان يكفُلك من عَمَّاتك وخالاتك وحَواضِنك، وقد حَضَنَّاك فى حُجورنا:
(١) الزيادة عن مسلم. (الصحيح، ج ٢، ص ٧٤٤) .
(٢) تدردر: أى ترجرج تجىء وتذهب، والأصل تتدردر، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً.
( النهاية، ج ٢، ص ٢٠).
(٣) فقيا: أى فرقها. ( الصحاح، ص ١٠٩٨).
٩٥٠
وَأَرْضعناك(١) بِثُدّيِّنا، ولقد رأيتُك مُرضَعاً فما رأيتُ مُرضّعاً خيرًا منك،
ورأَيتك فَطيماً فما رأيت فَطيماً خيرًا منك، ثم رأيتك شابًّا فما رأيْتُ
شابًّا خيرًا منك، وقد تكاملت فيك خلالُ الخير، ونحن مع ذلك أَهْلُك
وعشيرتك، فامنُنْ علينا منَّ الله عليك! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم :
قد استأنيتُ بكم حتى ظننتُ أَنَّكم لا تَقَدَمون، وقد قُسِمِ السَّبْىِ، وجَرَتْ
فيهم السُّهمان . وقدم عليه أربعة عشر رجلاً من هَوازٍن مسلمين ، وجاءوا
بإسلام مَن وراءهم من قومهم، فكان رأسَ القوم والمتكلّم أبو صُرّد
زُهَير بن صُرَد، فقال: يا رسول الله، إِنَّا أهْلُك وعُشيرتك، وقد أصابنا
من البَلاء ما لا يَخْفَى عليك. يا رسول الله، إنما فى هذه الحظائر عمّاتك
وخالاتك وحَواضِنك اللَّتِى كُنَّ يَكْفُلْنك. واوأنّا مَلَحْنا (٢) الحارث بن أبى
شِمْر والنُّعمان بن المُنذِر، ثم نزلا منّا بمثل الذى نزلت به، رَجُونا
عَطْفَهما وعائِدَتهما (٣)، وأنت خير المكفولين. ويقال: إنّه قال يومئذ .. أبو
صُرَد: إنما فى هذه الحظائر أخواتك وعَمَّاتك وبنات غدّاتك وخالاتك
وبنات خالاتك، وأَبعدهنَّ قريبٌ منك. يا رسول الله! بأنى أنت وأَمّى.
إنهنَّ حَضَنَّك فى حُجورهنَّ، وأرضعنك بثْديّهنَّ، وتورّكنك على أوراكهنّ،
وأنت خير المكفولين ! وقال :
فإنّك المرءُ ذّرجوه ونَدْخِرُ
أُمْتُنْ علينا رسولَ الله فى حَرَمٍ
مُعزّقٌ شَمْلَها فى دَهْرِها غِيْرُ
أُمْتُنْ على نِسْوَةِ قِدْعاقها(٤ )قَدَرٌ
(١) فى الأصل : ((رضعناك)).
٠٠٫٠٩
(٢) فى الأصل: ((ملجأنا)). (لو أن ملحنا: فى لو كنا أرضنا خمار (الها
س ٠١١٠٥
( ٣) المائدة : تفصل . ( شرح أب ذر، ص ٠٤١١.
٩٥١
إِذ فوكَ مملوءةٌ من مَحْضِها الدِّرَرُ(١)
أُمْتُنْ على نِسْوَةٍ قد كنتَ تَرْضَعُها
وإِذ يزينك (٢) ما تَأْتِى وما تَذَرُ
الَّ تِى إِذ كنتَ حِفْلاً كنتَ تَرْضَعها
يا أَرْجَحَ الناسِ حتى حِينَ يُخْتَبَرُ
ألا تداركها نَعْماءُ تَنْشُرُها
لا تجعلنّا كمن شالتْ نَعامَتُه (٣)
واستبقٍ منَّا فإِنَّا مَعشَرٌ زُهُرُ
وعندنا بَعْدَ هذا اليوم مُدَّخَرُ
إِنَّ لْنَشْكُر آلاءِ وإِن قَدْمَتْ
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ أَحسن الحديث أَصدقُه،
وعندى من تّرون من المسلمين؛ فأَبناؤُكم ونساؤكم أُحبُّ إليكم أَم
أموالكم ؟ قالوا: يا رسول الله، خَيَّرتَنا بين أحسابنا وبين أموالنا ، وما
كنّا نَعدِل بالأَحساب شيئاً، فرُدَّ علينا أبناءنا ونساءنا! فقال النبىّ
صلّى الله عليه وسلَّم: أَمّا ما لى ولبنى عبد المطّلب فهو لكم، وأسأل
لكم الناس ؛ وإذا صلَّيتُ الظُّهْر بالناس فقولوا: إِنَّا لنَسْتَشْفِعِ برسول
الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله! فإنَّى سأقول لكم : ما كان
لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وسأُطلب لكم إلى الناس. فلمّا صلَّى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم النُّهْر بالناس قاموا فتكلَّموا بالذى أمرهم
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فقالوا: إِذَّا نستشفع برسول الله إلى
المسلمين ، وبالمسلمين إلى رسول الله ! فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلّم: أما ما كان لى ولبنى عبد المطّلب فهو لكم. فقال المهاجرون: فما
كان إذا فهو لرسول الله! وقالت الأنصار : ما كان لنا فهو لرسول الله !
قال الأفْرَّع بن حابس: أُمّا أُنا وبنو تَميمٍ فلا! وقال عُيَينة بن حِصْن:
(١) أي الدفعات الكبيرة من اللبن. ( السيرة الحلبية، ج ٢، ص ٢٥٠) .
(٢) : الأسرية بريك»وأثبتنا ما فى السبيل. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٣٠٦).
خير أماإن العر . (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٣٥٣).
الجمال نعم. (القاس البط ، ج ٣، ص ٤٠٤).
(٣) )ت