النص المفهرس

صفحات 21-40

٨٩٢
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: شِمْ(١) سيفك! قال: قلت: يا رسول الله،
دعنى أَضرِب ◌ُنُقَ عدوّ الله؛ فإنَّ هذا من عيون المشركين . قال : فقال لى :
اسكت يا أَبا بُرْدَة . قال: فما قال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شيئاً
ولا عاقبه . قال : فجعلت أصيح به فى العسكر ليشهدَه الناس فيقتله قاتلٌ
بغير أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأَمًا أَنا فإِنّ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم قد كفَّنى عن قتله. فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: الْهُ
عن الرجل يا أَبا بُرْدَة! قال: فرجعت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فقال : يا أَبا بُرْدَة، إِنَّ الله مانِعِى وحافِظى حتى يُظهرَ دينه على
الدين كلِّه .
قالوا: وانتهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم إلى حُنّين مساءً ليلة الثلاثاء
العشر ليالٍ خلون من شوَّال. وبعث مالكُ بن عَوف رجالاً من هَوازِن ينظرون إلى
محمّد وأصحابه - ثلاثة نَفَر - وأمرهم أن يتفرَّقوا فى العسكر، فرجعوا إليه
وقد تفرّقت أوصالُهم ، فقال : ما شأنكم ويدّكم ؟ قالوا : رأينا رجالاً بِيضاً
على خيلٍ بُلْقٍ، فواللهِ ما تماسكْنا أَن أَصابنا ما تَرَى! وقالوا له : ما نُقاتل
أَهل الأرض، إِن نُقاتل [إلا] أهل السموات .. وإنَّ أفئدة عيونه تخفُقٌ ..
وإِن أَطعتّنا رجعتَ بقومك، فإنَّ الناس إن رأوا مثل ما رأينا أصابهمٍ مثلُ
الذى أصابنا. قال : أُفِّ لكم !بل أنتم قومٌ أجبن أهل العسكر . فحبسهم
عنده فَرَقاً أَن يشيع ذلك الرُّعْب فى العسكر، وقال: دُلّونِى على رجل
شجاع، فأجمعوا له على رجلٍ، فخرج، ثم رجع إليه وقد أصابه نحو ما
أصاب مَن قبله منهم ، فقال : ما رأيت ؟ قال : رأيت رجالاً بيضاً على
(١) شم سيفك: أى أغمده. (الصحاح، ص ١٩٦٣).

خيلٍ بُلْقٍ ، ما يُطاق النظر إليهم ؛ فواللهِ ما تماسكتُ أَن أَصابنى ما ترى!
فلم يَثْنِه ذلك عن وجهه .
قالوا : ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ابن أَبِى حَدْرَد(١) الأسلمىّ
فقال : انطلق فادخل فى الناس حتى تأتى بخبرٍ منهم ، وما يقد مالكٌ.
فخرج عبد الله فطاف فى عسكرهم ، ثم انتهى إلى ابن عَوْف فيجد عنده
رؤساءَ هَوازن، فسمعه يقول لأصحابه: إنّ محمّدًا لم يُقاتل قَطُّ. قبل هذه
المرّة ، وإنما كان يلقى قوماً أَغمارًا لا عِلمَ لهم بالحرب فيُنصَر عليهم؛ فإذا
كان فى السَّحَرِ فصُفّوا مواشيكم ونساءًكم وأَبناءً كم مِن ورائكم . ثم صفُوا
صفوفكم ، ثم تكون الحملة منكم ، واكسروا جُون (٢) سيوفكم فتلقّونه
بعشرين ألف سيف مكسور الجَفْن (٣)، واحملوا حملةَ رجلٍ واحدٍ . واعلموا
أَنَّ الغلبة لمن حمل أوّلاً! فلما وعى ذلك عبد الله بن أبى حَدْرَد رجع
إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأَخبر بكلّ ما سمع، فدعا رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فأخبره بما قال ، فقال :
كذب ابن أبى حُدْرَد. فقال ابن أبى حَدْرَد: لئن كذّبتَنِى لربّما كذَّبت
بالحقّ! فقال: يا رسول الله، اسمعْ(٤) ما يقول ابن أبى حَدْرَد! قال:
صدق ، كنتَ ضألّ فهداك الله !
قالوا : وكان سهل بن الحنظليّة الأَنصارىّ يقول : سرنا مع النبيّ
صلَّى الله عليه وسلَّم فى غزوة هَوَازِن ، فأَسرع السير حتى أَتاه رجلٌ فقال :
(١) فى الأصل: ((أبى جدرد)). وما أثبتناه عن كل مراجع السيرة الأخرى.
(٢) جفون: جمع جفن، وهو غمد السيف. (القاموس المحيط، ج٤، ص ٢٠٩).
(٣) فى الزرقانى، عن الواقدى: ((مكسورة الجفون)). (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣ ،
س ٨) .
(٤) فى الزرقانى، عن الواقدى: ((ألا تسمع)). (شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٩).

٨٩٤
يا رسول الله، قد تقطّعوا من ورائك! فنزل فصلّى العصر، وأوى إليه الناس
فأَمرهم فنزلوا، وجاءه فارس فقال: يا رسول الله، إنى انطلقت [ من ] بين
أيديكم على جبل كذا وكذا ، فإِذا بهَوازِن على بُكْرَة أبيها(١) بُْنها
ونسائها ونَعَمها فى وادى حُنَين. فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال:
تلك غنيمة المسلمين غدًّا إِن شاء الله ! ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
أَلا فارس يتحرُسنا الليلة؟ إذ أقبل أنَيس بن أبى مَرْقّد الغَنَوىّ على فرسه.
فقال : أَنا ذا يا رسول الله . فقال : انطلق حتى تقف على جبل كذا وكذا ،
فلا تنزانَّ إِلَّا مُصلِّيًا أَو قاضىَ حاجة، ولا تَغُرّنَّ مَن خَلفك! قال: وبتنا
حتى أضاء الفجر ، وحضرنا الصلاة، فخرج علينا رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم فقال : أَحستم فارسكم الليلة ؟ قلنا: لا واللهِ! فأُقيمت الصلاة
فصلَّ بنا، فلمّا سلّم رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينظر خلال الشجر،
فقال: أبشروا ، قد جاءَ فارسكم ! وجاء فقال : يا رسول الله، إِنِّى وقفت
على الجبل كما أمرتنى، فلم أَنزل عن فرسى إلَّا مُصلِّيًا أو قاضىَ حاجة حتى
أصبحت ، فلم أُحسّ أَحدًا. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: انطلق
فانزل عن فرسك . وأقبِل علينا . فقال : ما على هذا ألاَّ يعمل بعد
هذا عملاً ؟
قالوا : وخرج رجالٌ من مكّة مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم
يُغادر منهم أحدًا(٢) - على غيرِ دِين - رُكباناً ومُشاةً، ينظرون لِمَن تكون
(١) على بكرة أبيها: هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد وأنهم جاءوا جميعاً لم
يتخلف منهم أحد. وليس هناك بكرة فى الحقيقة، وهى التى يستق عليها الماء، فاستحيوت فى هذا
الموضع ( النهاية، ج١، ص ٩١ ).
(٢) فى الأصل: ((فلم يتغادر منهم أحداً)).

٨٩٥
الدائرة فيُصيبون من الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصَّدْمَةِ (١) لمحمّدٍ
صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه. وخرج أبو سُفيان بن حرب فى أَثر العسكر،
كلَّما مرّ بتُرْسِ ساقطٍ أَو رمحٍ أَو متاعٍ من متاعِ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
· حمله، والأُزْلام فى كِنانته. حتى أوقر (٢) جمله. وخرج صَفوان ولم يُسلم،
وهو فى المُدّة التى جعل له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فاضطرب خَلْف
الناس، ومعه حكيم بن حِزام، وحُوَيْطِب بن عبد العُزَّى، وسُهَيل بن
عمرو ، وأبو سُفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، وعبد الله بن أبى
ربيعة، ينظرون لمن تكون الدائرة، واضطربوا خَلْف الناس والناس
يقتتلون ، فمرّ به رجلٌ فقال : أَبشرْ أَبًا وَهب! هُزم محمّدٌ وأصحابه !
فقال له صفوان: إِنَّ ربًّا من قُرَيش أَحبّ إلىّ من ربٍّ من هَوازن إن كنتُ
تربوياً .
قالوا : ولمّا كان من الليل عَمَد مالِك بن عَوْف إلى أصحابه فعبّأَهم فى
وادى حُنَّين .. وهو وادٍ أَجوف ، ذو شِعابٍ ومَضايق - وفرّق الناس فيه ،
وأوعز إلى الناس أن يحملوا على محمّدٍ وأصحابه حملةٌ واحدة. وعبّأَ رسول الله
صلى الله عليه وسلّم أصحابه وصفّهم صفوفاً فى السّحَر ، ووضع الأَّاوية
والرايات فى أهلها ؛ مع المهاجرين لواءٌ يحمله عَلىّ عليه السلام ، وراية يحملها
سعد بن أبى وَقَّاص، وراية يحملها عمر بن الخَطَّب رضى الله عنه ؛ وفى
الأنصار رايات ، مع الخزرج اوالٌ يحمله الحُباب بن المُنذِر - ويقال لواءُ
الخزرج الأكبر مع سعد بن عُبادة - ولواءُ الأُوس مع أُسَيد بن حُضَير ، وفى
كلّ بَعْنٍ من الأُوس والخزرج لواءٌ أَو رايةٌ . وفى بنى عبد الأَشْهَل رايةٌ يحملها
(١) الصدمة: قرة المصيبة وشدتها. (النهاية، ج ٢، ص ٢٥٦).
(٢) أوقر جمله: أى حمله وقراً. (النهاية، ج٤، ص ٢٢٤).

٨٩٦
أَبو نائلة، وفى بنى حارثة راية يحملها أَبو بُرْدَة بن نِيار، وفى ظَفَر راية
! يحملها قتادة بن النِّعمان، وراية يحملها جَبْر بن عَتيك فى بنى معاوية،
وراية يحملها هِلال بن أُمَيّة فى بنى واقف، وراية يحملها أبو لبابة بن عبد
المنذر فى بنى عمرو بن عَوْف، وراية يحملها أَبو أُسَيد الساعدىّ فى بنى
ساعدة، وراية يحملها عمارة بن حَزْم فى بنى مالِك بن النَّجّار، وراية
يحملها أبو سَليط. فى بنى عَدىّ بن النَّجّار، وراية يحملها سليط. بن قَيس
فى بنى مازن. وكانت رايات الأوس والخزرج فى الجاهليّة خُضر وحُمر،٦)
فلمّا كان الإِسلام أقرّوها على ما كانت عليه ؛ وكانت رايات المهاجرين سُودٌ
والألوية بيض . وكان فى قبائل العرب فى أسلم رايتان ، إحداهما مع
بريدة بن الحُصَيْب، والأُخرى مع جُنْدُب بن الأُعْجم. وكان فى بنى غِمار
راية يحملها أَبو ذَرّ ، ومع بنى ضّمْرَة، ولَيث، وسعد بن ديث راية يحملها أُبو
واقد اللَّيْىّ الحارث بن مالك. وكان مع كعب بن عمرو رايتان يحمل
إحداهما بشربن سُفيان، والأُخرى أبو شُرَيْح. وكان فى بنى مُزَينة ثلاث
رايات ؛ راية يحملها بلال بن الحارث ، وراية يحملها النُّعمان بن مُقرِّن ،
وراية يحملها عبد الله بن عمرو بن عَوْف . وكان فى جُهَينة أربع رايات ؛
راية مع رافع بن مَكيث، وراية مع عبد الله بن يَزيد ، وراية مع أبى زُرْعَة
مَعْبَد بن خالد ، وراية مع سُوَيَد بن صَخْر . وكانت فى بنى أَشْجَع رايتان ؛
واحدة مع نُعَيم بن مسعود ، والأُخرى مع مَعْقِل بن سِتنان . وكانت فى بنى
شُدّيم ثلاث رايات ؛ راية مع العبّاس بن مرداس ، وراية مع خُفاف بن
نُذْبَة، وراية مع الحَجّاج بن عِلاط (١). وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم
(١) فى الأصل: ((الحجاج بن عيلاط))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢،
ص ١٠). وعن البلاذرى أيضاً. ( أنساب الأشراف، ج ١، ص ٥٣).

٨٩٧
قد قدّم سُلِيماً من يوم خرج من مكّة فجعلهم مُقدِّمة الخيل ، واستعمل رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم خالد بن الوليد، فلم يزل على مُقَدِّمته حتى ورد الجِعِرّانة .
﴿ قالوا : وانحدر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأصحابه، وقد مضت
مُقدِّمته وهو على تعبئة فى وادى حُنّين، فانحدر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
انحدارًا - وهو وادٍ حَدور (١) - وركب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بغلته
البيضاءَ دُلْدُل، ولبس دِرعين والمِغْفَر والبَيْضَة، واستقبل الصفوف ، وطاف
عليها بعضها خَلْف بعض ينحدرون فى الوادى، فحضّهم على القتالِ وبشّرهم
بالفتح إِن صَدَقوا وصبروا، فبينا هم على ذلك ينحدرون فى غَلَس (٢) الصبح.
فكان أَنَس بن مالك يُحدّث يقول: لما انتهينا إلى وادى حُنين
- وهو واد من أودية تِهامة له مَضايق وشعاب - فاستقبلَنا من هوازن شىءٌ ، لا
واللهِ ما رأيت مثله فى ذلك الزمان قَطُّ. من السواد والكثرة ! قد ساقوا نساءهم
وأموالهم وأبناءهم وذراريّهم ثم صفّوا صفوفاً، فجعلوا النساء فوق الإِبل وراء
صفوف الرجال ، ثم جاءوا بالإبل والبقر والغنم فجعلوها وراء ذلك؛ لئلا يفرّوا
بزعمهم . فلما رأينا ذلك السواد حسبناه رجالاً كلّهم ، فلمّا تحدّرنا فى
الوادى، فبينا نحن فيه غَلَسَ الصبح، إِن شعرنا إِلَّا بالكتائبِ قد خرجت
علينا من مَضيق الوادى وشِعْبه فحملوا حملةٌ واحدة ، فانكشف أَوّل الخيل
- خيل سُلَيم - مُؤلِّيّةٌ فولّوا، وتبعهم أهل مكَّة وتبعهم الناس مُنهزمين ،
ما يَلْوُون على شىءٍ. قال أنس: فسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم،
والتفتّ عن يمينه ويساره والناس منهزِمون، وهو يقول: يا أنصارَ الله وأنصارَ
(١) فى الأصل: ((وهو وادى حذور))؛ ولعل الصواب ما أثبتناه. والحدور : المكان
ينحدر منه. ( لسان العرب، ج ٥، ص ٢٤٤) .
(٢) الفلس: ظلمة آخر الليل. ( النهاية، ج ٢، ص ١٦٦).

٨٩٨
رسوله ! أَنا عبد الله ورسولُه صابر! قال: ثم تقدم بحَرْبَته أمام الناس ،
فوالَّذى بعثه بالحقّ، ما ضربنا بسيفٍ ولا طعنًّا برمحٍ حتى هزمهم الله ،
ثم رجع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى العسكر وأمر أن يُقتَل مَن قُدِر عليه
منهم ، وجعلت حَوازن تُولّى وثاب مَن انهزم من المسلمين .
قال: حدّثنى مَعْمَر، ومحمّد بن عبد الله، عن الزهرىّ، عن كثير بن
العبّاس بن عبد المطّلب، عن أبيه، قال: لما كان يوم حُنين التقى
المسلمون والمشركون، فولّ المسلمون يومئذ، فلقد رأيت رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم وما معه إلاَّ أَبو سُفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذًا بثَفَر (١) بغلة
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والنبيّ صلَّى الله عليه وسلّم لا يأو ما أسرع
نحو المشركين. قال: فأَتيتُه حتى أَخذت بحّكَمَة (٢) بغلته، وهو على
بغلة له شهباء، فشَجَرْتُها(٣) بالحَكّمَة. وكنت رجلاً صَيِّتاً. فقال رسول الله
'٢
صلَّى الله عليه وسلَّم حين رأى من الناس ما رأَى؛ لا يُلْوُون على شىءٍ،
قال: يا عبّاس، اصرخْ: يا مَعْشَرَ الأنصار ! يا أصحاب السّمْرَة(١)!
فناديت: يا معشر الأنصار ! يا أصحاب السَّمْرَة ! قال : فأقبلوا كأنهم
الإبل إذا حنّت إلى أولادها ، يقولون: يا لبّيك! يا لّبيك! فيذهب الرجل
(١) فى الأصل: ((بنقر)).بالنفي، بالتحريك: السير في مؤخر الموج. (القاموس
المحيط ، ج ١، ص ٣٨٣).
(٢) الحكمة : ما أحاط بحلكى الفرس من بقلمه وفيها العفارد. (القاموس المحيط . ج :
س ٩٨ ) .
(٣) فى الأصل: ((فسجرها بالحكة))؛ وشجرتها: أى ضريبة بلجاموا أنهفها، (القاموس
المحيط ، ج ٢ ، ص ٥٦ ).
(٤) فى الأصل: ((يا أصحاب الشجرة))؛ وما أثبتناه عن الطبرى. (تار بخ ، ص ١٦٦١).
والسمرة : الشجرة التى كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية. (النهاية، ج٢ ، ص ١٨١).

٨٩٩
منهم فيثنى بعيره فلا يقدر على ذلك، فيأخذ دِرْعه فيقدِّمها فى عُنُقه،
ويأُخذ تُرْسِه وسيفه ثم يقتحم عن بعيره فَيُخلى سبيله فى الناس ، ويَوُّمَ
الصوت حتى ينتهى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى إِذا ثاب إِليه
الناس اجتمعوا. فكانت الدعوة أولاً: ياللأنصار! ثم قُصرت الدعوة فنادوا :
يا للخزرج! قال: وكانوا صُبُرًا عند اللقاء، صُدُقاً عند الحرب . قال:
فأشرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كالمُتطاول فى ركائبه ، فنظر إلى
قتالهم فقال: الآن حمى الوَطيس !ثم أخذ بيده من الخصى فرماهم ، ثم قال :
انهزموا، ورب الكعبة ! فواللهِ ما زلت أرى أمرهم مُدبرًا، وحَدّهم كليلاً
حتى هزمهم الله. وكأنى أنظر إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يركض
خَلْفَهم على بُغلَته. ويقال: إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال العبّاس:
نادٍ: يا أصحاب السّهُرة!)» فرجعت الأَنصار وهم يقولون: الكَرَّة بعد الغَرَّة.
قال: فعَطَفوا عطْفَةَ البقر على أولادها، قد شرعوا الرماح حتى إنى لأَخاف
على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رماحهم أشدّ من خوفى رماحَ المشركين.
يؤمّون الصفوف ويقولون: يا لَبَّيك! يا لَبَّيك! فلمّا اختلطوا واجتلدوا(١).
ورسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قائمٌ على بَغْلَته فى ركائبه، يقول: اللّهمّ،
إنى أسَلْكَ(٢" وعدك، لا ينبغى لهم أن يظهروا. ثم قال للعبّاس:
ناولْنى حصيات! فناوله حصياتٍ من الأرض، ثم قال: شاهت الوجوه !
ورى بها وجوه المشركين، وقال : انهزموا . ورب الكعبة!
قال: حدثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عاصم بن عمرو بن
(١) اجلد: أى ضرب بالسيف. ( لسان العرب، ج٤، ص ٩٨ ).
(٢) سألت أسأل، وسلت أسل بمعنى. (لسان العرب، ج ١٣، ص ٣٣٨).

٩٠٠
قَتادة. عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه ، قال : لما
انكشف الناس واللهِ ما رجعت راجعةُ هزيمتهم حتى وُجد الأسرى عند النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم مكتَّفيق. قال: والتفت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يومئذٍ إِلى أبى سفيان بن الحارث وهو مُقنّع فى الحديد، وكان ممَّن صبر
يومئذٍ . وهو آخذٌ بِثَفَر بغلة النبى صلَّى الله عليه وسلَّم قال : مَن هذا ؟
قال: ابن أُمّك يا رسول الله. ويقال إنه قال : مَن أَنت ؟ قال: أَخوك
فداك أبى وأُمِّى - أَبو سفيان بن الحارث. فقال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : نعم أَخى، ناولنى حصى من الأرض ! فناولته فرمى بها
٠ أعينهم كلّهم ، وانهزءوا .
قالوا : فلما انكشف الناس انحاز رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذاتَ
اليمين، وهو واقف على دابته لم ينزل، إلاّ أنه قد جرد سيفه وطرح غِمْد
وبقى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فى نَفّرٍ من المهاجرين والأنصار وأهل بيته؛
العباس، وعَلىّ، والفَضل بن عبّاس، وأبو سفيان بن الحارث ، وربيعة
بن الحارث، وأَيْمَن بن عُبيد الخزرجىّ، وأسامة بن زيد، وأبو بكر،
وعمر عليهم السلام. ويقال: إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لما انكشف
الناس، قال لحارثة بن النُّعمان: يا حارثة، كم تُرى الذين ثَبْتوا ؟ قال :
فلما التفتُّ ورائى تحرّجاً(١)، فنظرت عن يمينى وشمالى فحزرتُهم مائة،
فقلت : يا رسول الله، هم مائة ! حتى كان يوم مررتُ على النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم ، وهو يُناجى جبريل عليه السلام عند باب المسجد ، فقال
(١) تحرج فلان إذا فعل فلا يخرج به من الحرج: الإثم والضيق. و "لة
س ٠٠٢١٣

٩٠١
جبريل عليه السلام : من هذا يا محمّد ؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم:
حارثة بن النعمان . فقال جبريل عليه السلام : هذا أحد المائة الصابرة
يوم حُنين، لو سلَّم لرددتُ عليه السلام. فأَخبره(١) النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم فقال: ما كنت أظنّهِ إِلَّ دِحْيَة الكلبىّ واقفٌ معك .
وكان دعاءُ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ حين انكشف الناس عنه
ولم يبق إلَّ المائة الصابرة: اللَّهَمّ، لك الحمد، وإليك المُشْتَكَى، وأنت
المُستّعان! قال له جبريل: لقد لَقِنْتَ (٢) الكلمات التى لَقَّن الله موسى يوم
فَلَقِ البحر أمامه وفرعونُ خَلْفَه .
قال: حدّثنى مَعْمَر بن راشد، عن الزُّهرىّ، عن عروة، عن عائشة رضى
الله عنها ، قالت : إِنَّ حارثة بن النُّعمان مرّ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلَّم وهو
يُناجى جبريل عليه السلام وهما قائمان، فسلَّم عليهما حارثة ، فلما كان
بعد ذلك قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: هل رأيتَ الرجل ؟ قال حارثة :
نعم، ولا أدرى من هو . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هو جبريل
عليه السلام، وقد ردّ عليك السلام . ويقال: إنَّ المائة الصابرة يومئذٍ ثلاثة
وثلاثون من المهاجرين، وسبعة وستّون من الأنصار، والعبّاس، وأبو سُفيان؛
العبّاس آخِذٌ بلِجامِ بَغْلَته، وأبو سُفيان عن يمينه ، وحفّ به المهاجرون
والأَنصار. وكان ابن عبّاس يُحدّث قال: مرّ جبريل، وحارثة بن النُّعمان
مع النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم واقف، فقال: مَن هذا يا محمّد ؟ فقال :
حارثة بن النَّعمان . فقال جبريل عليه السلام : هذا أحد الثمانين الصابرة ،
وقد تكفَّل الله لهم بأرزاقهم وأرزاق عِيالهم فى الجنَّة . وكان ابن عبّاس
(١) فى الأصل: ((فأخبر)).
(٢) لقن: فهم. ( لسان العرب، ج ١٧، ص ٢٧٥).

٩٠٢
يقول : وكان أبو سفيان بن الحارث من الذين تكفَّل الله بأرزاقهم وأرزاق
عِيالهم فى الجنَّة .
قالوا : وكان البراء بن عازب يقول: واللهِ الذى لا إله إِلَّ هو ، ما ولىّ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ولكنه وقف واستنصر ، ثم نزل وهو يقول:
أَنَا النَّبِىُّ لا كَذِبْ أنا ابنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
فأنزل الله عليه نصره، وَكَبَت عدوّه. وأفلح حُجّته.
قالوا : وكان رجلٌ من هَوازِن على جملٍ أحمر. بيده راية سوداء فى
رأس رمحٍ له طويلٍ أمام الناس. إذا أدرك طّمن، قد أَكثر فى المسلمين
القتل، فيَصْمُد له أَبو دُجانة فَعَرْقَب جمله، فسمع خَرْخَرَةَ(١) جمله
واكْتَسَع الجمل ، ويشدّ عَلىٌّ وأبو دُجانة عليه. فيقطع عَلىّ يده اليمنى، ويقطع
أبودجانة يده الأُخرى. وأقبلا يضربانه بسيفيهما جميعاً حتى تثلَّم سيفاهما،
فكفّ أَحدهما وأجهز الآخر عليه. ثم قال أحدهما لصاحبه: امضِ،
لا تُعرِّجْ على سَلّبه! فمضيا يضربان أمام النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويعترض
لهما فارس من هَوَازِن بيده رايةٌ حمراء ، فضرب أحدهما يد الفرس ووقع
لوجهه، ثم ضرباه بأسيافهما فمضيا على سَلّبه. ويمرّ أبو طلحة فسلب
الأُوَّل ومرّ بالآخَر فسلبه . وكان عثمان بن عفَّان، وعَلىَّ، وأبو دُجانة.
وأَيْمَن بن عُبَيد يُقاتلون بين يدىْ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
قال : حدّثنى سُليمان بن بلال ، عن عمارة بن غَزِيّة، قال: قالت
أُمّ عُمارة: لمّا كان يومئذٍ والناس منهزمون فى كلّ وجه، وأَنا وأربع نسوة،
فى يدى سيفٌ لى صارمٌ، وَأُمّ سُلّيم معها خَنْجَرٌ قد حَزَمَتْه على وسطها - وهى
يومئذٍ حامل بعبد الله بن أَبى طَلحة - وأُمّ سَليط.، وأُمّ الحارث . قالوا :
(١) الخرخرة: سرعة الحرير فى القصب. (لسان العرب، ج )، ص ٣١٦).

٩٠٣
فجعلت تسُلّ (١) وتصيح بالأنصار: أَيّة عادةٍ هذه (٢)! ما لكم ولِلفيرار!
قالت : وأنظرُ إلى رجلٍ من هَوازِن على جملٍ أَوْرق، معه لواءٌ ، يوضِع جماله
فى أثر المسلمين، فأَعترضُ له فأَضرب عُرْقوب الجمل. وكان جملاً
مُشرِفاً(٣) . فوقع على عَجُزه. وأَشدُّ عليه. فلم أزل أَضربه حتى أثبتُّه. وأخذت
سيفاً له وتركت الجمل يُخَرْخِر. يتصفَّق(٤) ظهرا لبطن. ورسول الله
صلّى الله عليه وسلّم قائمٌ مُصْلِتٌ السيفَ بيده. قد طرح غِمْده . يُنادى:
يا أصحاب سورة البقرة! قال .: وكرّ المسلمون. فجعلوا يقولون: يا بنى
عبد الرحمن ! با بنى عُبيد الله! يا خيل الله! وكان رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم قد سمّى خيله خيل الله ، وجعل شعار المهاجرين بنى عبد الرحمن .
وجعل شِعار الأُوس بنى عُبَيد الله. فكرّت الأَنصار، ووقفتْ تموازٍن حَلْبَ
ناقةٍ فَتوحٍ(٥)، ثم كانت إيّاها، فواللهِ ما رأيت هزيمةً كانت مثلها ، ذهبوا
فى كلّ وجه ، فرجع ابناى إلىّ - حَبيب وعبد الله ابنا زيد - بأُسارى مُكتَّفين.
فأَقوم إليهم من الغيظ.، فأَضرب عُنُقَ واحدٍ منهم ؛ وجعل الناس يأتون
بالأسارى ، فرأيت فى بنى مازن بن النَّجّار ثلاثين أسيرًا. وكان المسلمون
قد بلغ أقصى هزيمتهم مكَّة، ثم كرّوا بعدُ وتراجعوا، فأسهم لهم النبيّ
صلَّى الله عليه وسلّم جميعاً .
فكان أنّسر بنمالك يقول: إنَّ أُمّ سُلَيمٍ، أُمِّى ابنة ملحان جعلت تقول:
يا رسول الله. أرأيت هؤلاء الذين أَسلموك وفرّوا عنك وخَذَلوك! لا تَعْفُ
(١) فى الأصل: "تسبه)».
( ٢) فى الأصل: "أنت عاده هذه ».
(٣) جمل مشرف: أى حال. (الصحاح، ص ١٣٨٥).
(٤) تصفق: أى انقلب. (لسان العرب ، ج ١٢، ص ٧١).
(٥) الفتوح من النوق: الواسعة الإحليل. (الصحاح، ص ٣٨٩).

٩٠٤
عنهم إذا أمكنك الله منهم ، فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين ! فقال :
يا أُمّ سُلَيم ، قد كفى الله! عافيةُ اللّه أَوسع ! ومعها يومئذٍ جمل أبى طلحة قد
خشيت أن يغلبها، فأَدنت رأسه منها فأَدخلت يدها فى خِزامته مع الخِطام ،
وهى شادّة وسطها ببُرْدٍ لها، ومعها خَنْجَرٌ فى يدها. فقال لها أبو طلحة:
ما هذا معك يا أُمّ سُلَيم؟ قالت: خَنْجَرٌ أَخذته معى. إِن دنا منى أحدٌ من
المشركين بَعَجْتُه(١) به. قال أبو طلحة: ما تَسمع يا رسول الله، ما تقول
أُمّ سُلَيم ؟
وكانت أُمّ الحارث الأنصاريّة أَخذت بخِطام جمل أبى الحارث زوجها ،
وكان جمله يُسمَّى المِجسار، فقالت: ياحارٍ ، تترك رسول الله صلّى الله
الله عليه وسلَّم! فأَخذت بخِطام الجمل. والجمل يُريد أن يلحق بألّافه (٢)،
والناسُ يُولّون مُنهزمين، وهى لا تُفارقه. فقالت أُمّ الحارث: فمرّ بى عمر
ابن الخطّاب رضى الله عنه، فقالت أُمّ الحارث : يا عمر ١٠٠ هذا ؟ فقال
عمر : أَمْر الله . وجعلت أُمّ الحارث تقول: يا رسول الله. مَن جاوز معيرى
فأَقتلُه ، واللهِ إن رأيت كاليوم ما صنع هؤلاء القوم بنا ! تعنى بنى سُلّيم
وأهلَ مكَّة الذين انهزموا بالناس .
حدّثنى ابن أبى سَبْرَة قال: حدّثنى محمّد بن عبد الله بن أبى صَعْصَعَة
أنَّ سعد بن عُبادة يصيح يومئذٍ بالخزرج: يا للخزرج! يا للخزرج !!
وأُسَيد بن حُضير: يا لَلأَّوس! ثلاثاً. فثابوا واللهِ من كلٍّ ناحية كأنهم
النحل تأْوِى إلى يَعْسُوبها(٣). قال: فخَيْق المسلمون عليهم فقتلوهم حتى
(١) بمج بعلنه بالسكين: أى شقه. (الصحاح، ص ٣٠٠) .
(٢) فى الأصل: ((باللافه)».
(٣) هو مقدمها وسيدها. (النهاية، ج؛، ص ٢٦٦).

٩٠٥
أسرع المسلمون فى قتل الذرّيّة ، فبلغ ذلك رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فقال : ما بالُ أَقوامٍ ذهب بهم القَتْل حتى بلغ الذرّيّة! ألا لا تُقْتَل الذرّيّة!
ثلاثاً. قال أُسَيد بن حُضَير : يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين ؟
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أوَليس خِيارُ كم أولاد المشركين؟ كلّ
نَسَمَةٍ تُولّد على الفِطْرَة حتى يُعرب عنها لِسانُها. فأَبواها يُهوِّدانها
أَو يُنصِّرانها .
قال : حدّثنى عبد الله بن عَلَىّ، عن سعيد بن مُحمّد بن جُبَير بن
مُطعِم، عن أبيه، عن جدّه، قال: لمّا تراءينا نحن والقوم رأينا سوادًا
لم نَرَ مثله قَطُّ. كثرةً، وإنما ذلك السَّواد نَعَمُ ، فحملوا النساء عليه . قال :
فأَقبل مثلُ الظُّلَّةِ السوداءِ من السماء حتى أَظلَّتْ علينا وعليهم وسَدَّت الأُفُقِ ،
فنظرت فإذا وادى حُنّين يسيل بالنَّمْلِ، نَمْلِ أَسودَ مَبثوثٍ، لم أشكّ أَنه
نَصْرٌ أَيَدَنا الله به. فَهَزَمهم الله عزَّ وجلّ .
قال : حدّثنى ابن أبى سَبْرَة قال: حدّثنى عبد الله بن أبى بكر بن
حّزم . عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن شيوخٍ من قومه من
الأنصار، قالوا: رأينا يومئذٍ كالبُجُد(١) السود هَوَت من السماءِ رُكاماً (٢)،
فنظرنا فإذا نّمْلٌ مَبثوثٌ ، فإن كنا لَننفضه عن ثيابنا ، فكان نصرٌ أَيّدَنا
الله به .
وكان يسما الملائكة يومَ حُنين عمائم حُمرًا قد أَرخَوْها بين أكتافهم ،
وكان الُّعْب الذى قَذَف الله فى قلوب المشركين يوم حُنَين [ كوقع الحَصَى
(١) فى الأصل: ((كالنحل)). وما أثبتناه عن الزرقانى يروى عن الواقدى. (شرح على
المواهب اللدنية، ج ٣، ص١٨). والبجد: جمع البجاد، وهو كساء مخطط من أكسية
الأعراب . (الصحاح، ص ٤٤٠).
(٢) الركام: السحاب المتراكب بعضه فوق بعض. ( النهاية، ج ٢، ص ١٠١).

٩٠٦
فى الطست](١). فكان سُوَيد بن عامر السُّوانِىَ يُحدّث. وكان قد حضر
يومئذٍ فسُئِل عن الرُّغْب، فكان يأُخذ الحصاة فيرمى بها فى الطست فيَعْلِنّ،
فقال : إن كنا نجد فى أجوافنا مثل هذا .
وكان مالِك بن أَوْس بن الحَدَثان يقول : حدّثنى عدّةٌ من قومى شهدوا
ذلك اليوم يقولون : لقد رمى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بتلك الكفّ من
الحَصَيات، فما منَّا أَحدٌ إِلَّ يشكو القَذَى فى عينيه، ولقد كنّا نجد فى
صدورنا خفقاناً كوقع الحَصَى فى الطِّساس ، ما يهدأُ ذلك الخفقان عنَّا ؛
ولقد رأينا يومئذٍ رجالاً بيضاً على خيلٍ بُلْق، عليهم عمائم حُمر قد أَرخَوْها
بين أكتافهم، بين السماء والأرض كتائبٌ كتائبَ (٢)ما يُليقون (٣) شيئاً،
ولا نستطيع أَن نُقاتلهم(٤) من الرُّغْب منهم .
قال : حدّثنى عبد الله بن عمرو بن زُمّير ، عن عمر بن عبد الله
العَبْسِىّ، عمّن أَخبره ، عن رَبيعة، قال: حدّثنى نَفَرٌ من قومنا حضروا
يومئذٍ قالوا : كَمِّنًّا لهم فى المضايق والشِّعاب ، ثم حملنا عليهم حملةٌ ركبنا
أكتافهم حتى انتهينا إلى صاحب بَغْلَةِ شهباءٍ، وحوله رجالٌ بيضٌ حِسان
الوجوه ، فقال : شاهت الوجوه ، ارجعوا ! فانهزمنا ، وركب المسلمون أ كتافنا
وكانت إيّاها، وجعلنا نلتفت وراءنا ننظر إليهم يُكِدوننا(٥)، فتفرقّت
(١) الزيادة عن الزرقانى. (شرح على المواهب اللدنية، ج١، ص ٢٥).
(٢) فى الأصل: (( كثائب "كثائب))؛ والمثبت عن الزرقانى، يروى عن الواقدى. (شرح
على المواهب اللدنية، ج٣٠، ص ٢١ ).
(٣) فى الأصل: ((ما يلتفون))؛ وما أثبتناه عن الزرقانى، يروى عن الواقدى. ( شرح على المواهب
اللدنية، ج٣، ص ٢١)، ويقال فلان ما يليق شيا من سخائه، أى ما يمسك. ( لسان
العرب، ج ١٢، ص ٢١٠).
(٤) فى الأصل: ((ولا يستطيع أن تتأملهم))؛ وما أثبتناه عن الزرقانى، يروى عن الواقدى.
(شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، س ٢١) .
(٥) فى الأصل: ((يكدونا)). ووكد فلان أمراً إذا قصده وطلبه. (النهاية، ج٤، ص ٢٢٧).

٩٠٧
جماعتنا فى كلّ وجهٍ ، وجعلت الرِّعْدَة تَسحقنا حتى لحقْنا بعَلياء بلادنا،
فإن كان لَيُحكّى عنَّا الكلامُ ما كنَّا ندرى به، ممّا كان بنا من الرُّعب،
فقذف الله الإسلام فى قلوبنا .
وكانت راية الأَحْلاف من ثَقيفٍ مع قارِب بن الأسود بن مَسعود ، فلمّا
انهزم الناس أسند رايته إلى شجرةٍ وهرب هو وبنو عمّه من الأُخْلاف ، فلم
يُقتل منهم إلاَّ رجلان، من بنى غِيّرَة(١)، وَهْبٌ وَاللَّجْلاجِ (٢). وقال النبيُّ
صلِى الله عليه وسلَّم حين بلغه قتل اللَّجْلاج: قُتل اليوم سيّد شبَّان ثَقيف،
إلَّا ما كان من ابن هُنّيدة . وكانت راية بنى مالِك مع ذى الخِمار، فلمّا
انهزمت مَوازن تبعهم المسلمون، ويُستحصَى القتلى (٣) من ثَقِيفٍ ببنى مالِك،
فقُتل منهم قريب من مائة رجل تحت رايتهم ، فيهم عثمان بن عبد الله ، فقائل
بها مَلِيًّا، وجعل يحثَ ثقيفاً وهَوازن على القتال حتى قُتل؛ وكان اللَّجْلاج
رجلاً من بنى كُنَّة . وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأُخى بنى كُنَّة:
هذا سيِّد شبّان كُنَّة إلاَّ ابن مُنَيدة - الحارث بن عبد الله بن یَعْمَر بن إياس
ابن أوس بن ربيعة بن الحارث، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يضحك ، وكانت كُنَّة امرأةً من غامِد يمانيّة قد وُلدت فى قبائل العرب
وكانت أَمَةً، فأَعتق الحارث كلّ مَملوك من بنى كُنَّة ، فقال له عمر بن
الخطّاب رضى الله عنه فى خلافته: أيسرّك أَنَّ أَهل بيت عامر بن الطّفّيل
وَعَلْقَمَة بن ثُلاثة مكان كُنَّة ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لوددت أَنَّ ذلك
(١) فى الأصل: ((بنو عره))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٥، ص ٣٧٧).
وعن ابن إسحاق أيضاً. (السيرة النبوية، ج 4، ص ٩٣).
(٢) هكذا فى الأصل. وفى ابن إسحاق: ((الجلاح)). (السيرة النبوية، ج٤، ص ٩٣).
(٣) فى الأصل: ((القتل)).

٩٠٨
كذلك. فقال عمر: ليت أتّى كُنَّة وأَنَّ الله رزقنى من برِّها ما رزقك. وكان
أبرّ الناس بأُمّه ١٠٠ كانت تأكل طعاماً إِلاَّ من يده، ولا يغسل رأسها
إِلَّ هو؛ ولا يُسرّح(١) رأسها إِلَّ هو.
قالوا : وهربت ثقيف، فقال شيوخ منهم - أسلموا بعدُ. كانوا قد
حضروا ذلك اليوم - قالوا: ما زال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فى طلبنا
فيما نرى . ونحن مُوّون حتى إنَّ الرجل منا ليدخل حِصْن الطائف وإنه ليظنّ
أنه على أثره ، من رُغْب الهزيمة .
وكان أبو قتادة يُحدث قال: لمّا التقينا كانت للمسلمين جولة.
فرأيت رجلين يقتتلان، مسلماً ومشركاً . قد علاه المشرك . فاستدرت له حتى
أتيته من ورائه فضربته على حَبْل عاتقه، وأَقبل عَلَىّ فضمّنى ضمَّةٌ وجدت منها
ريح الموت ، وكاد أن يقتلنى لولا أَنَّ الدم نزفه، فسقط. وذنَّفتُ عليه
ومضيت وتركت عليه سَلّبه، فلحقت عمر بن الخطّاب فقلت : ما بال
الناس ؟ قال: أَمْر الله . ثم إنَّ الناس رجعوا، وقال رسول الله صلِّى الله عليه
وسلَّم : من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سَلّبه. قال: فقمت فقلت : مّن
يشهد لى ؟ ثم جلست، ثم قال: مَن قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سَلّبه.
فقمت فقلت : من يشهد لى ؟ ثم جلست ، فقال رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم : مَن قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سّلّبه.
فقام عبد الله بن أنيس فشهد لى ، ثم لقيت الأسود بن الخزاعىّ فشهد
لى ، وإذا صاحبى الذى أخذ السَّلّب لا يُنكر أَنَّى قتلتُه .. وقد قصصت
على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم القصّة - فقال: يا رسول الله، سَلّبُ ذلك
القتيل عندى فأَرضِه مِّى. فقال أبو بكر رضى الله عنه: لَآهَا اللّهِ إِذًا(٢).
(١) تسريح الشعر: إرساله قبل المشط. (لسان العرب، ج ٣، ص ٣٠٨).
(٢) قال ابن الأثير: هكذا جاء الحديث ((لا ها اللّه إذا))؛ والصواب: ((لاها انت ذا» يحذف
الهمزة. ومعناه: لا والله لا يكون ذا، أو لا والله الأمر ذا، فحذف تخفيفاً. ( النهاية ٠ ج
٤، ص ٢٣٦) .

٩٠٩
لا تَعمِد إلى أَسَدٍ من أُسْد الله يُقاتل عن الله وعن رسوله، يُعطيك سَلَبه!
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: صدق، فأَعطِه إيَّاه . قال أبو قتادة :
فأعطانيه، فقال لى حاطب بن أبى بَلْتَعَة: يا أَبا قتادة، أَتَبيع السلاح؟
فبعته منه بسبع أواقٍ، فأتيت المدينة فاشتريت به مُخْرَفاً(١) فى بنى سَلِمَة
يقال له الرُّدَيْنِىّ، فإنه لَأَوّلُ مالٍ لِى نِلْته فى الإِسلام ، فلم نزل نعيش
منه إلى يومنا هذا .
وكان شيبة بن عثمان بن أبى طلحة قد تعاهد هو وصفوان بن أُمَيَّة حين
وجّه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إلى حُنَين - وكان أُمَيّة بن خَلَف قُتل
يوم بدر ، وكان عُثمان بن أَبِى طَلحة قُتِل يوم أُحُد - فكانا تعاهدا إن
رأيا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دائرةً أن يكونا عليه. وهما خَلْفَه.
قال شّيبة : فأدخل الله الإيمان قلوبنا. قال شّسبة: لقد هممتُ بقَتْله،
فأقبل شىءٌ حتى تغنّى فُوَّادى فلم أُطِق ذلك، وعلمتُ أَنه قد مُنع منِّى .
ويقال : قال : غشيتنى ظُلْمَةٌ حتى لاأُبصر، فعرفت أنه مُمتنِعٌ منَّى وأيقنت
بالإِسلام . وقد سمعت فى قصّة شَيبة وجهاً آخر ؛ كان شيبة بن عُثمان يقول :
لمّا رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غزا مكَّة فظَفِر بها وخرج إلى هَوازِن:
قلت : أَخرجُ لعلَّى أُدرك شَأْرى! وذكرت قتل أبى يوم أُحُد، قتله حمزة،
وعمّى قتله عَلىّ. قال : فلمّا انهزم أصحابه جئته عن يمينه ، فإذا العبّاس
قائمٌ ، عليه دِرْعٌ بيضاء كالفِضَّة ينكشف عنها العَجاج(٢)، فقلت: عمّه
لن يخذُله ! قال : ثم جئته عن يساره فإذا بأبى سفيان ابن عمّه، فقلت :
(١) المخرف: الحائط من النخل. (النهاية، ج ١، ص ٢٨٩).
(٢) السجاج: الغبار. (الصحاح، ص ٣٢٧).

٩١٠
ابن عمّه لن يخذُله ! فجئته من خَلْفه فلم يبق إلاَّ أُسوّره(١) بالسيف إِذ
رُفع ما بينى وبينه شُواظٌ. (٢) من نارٍ كأَنه بَرْقٌ، وخفت أَن يَمْحُشّنى (٣)
ووضعت يدى على بصرى ومشيتُ القَهْقَرَى، والتفت إلىّ فقال: ياشَيْبُ،
ادنُ مِنِّى! فوضع يده على صدرى وقال : اللَّهمّ ، أَذهب عنه الشيطان ؟
قال : فرفعت إليه رأسى وهو أحبّ إلىّ من سمعى وبصرى وقلبى، ثمّ قال:
يا شَيْبَ، قائلِ الكُفَّار! فقال: فتقدّمتُ بين يديه أُحِبّ واللهِ أَفِيه
بنفسى وبكلّ شيء ، فلمّا انهزمت هوازِن رجع إلى منزله ، ودخلتُ عليه
فقال : الحمد لله الذى أراد بك خيرًا ممَّا أردتَ. ثم حدثنى بما هممتُ به.
فلمّا كانت الهزيمة حيث كانت، والدائرة على المسلمين، فتكلَّموا بما
فى أنفسهم من الكفر والضِّغْنَ والِشْ؛ قال أبو سفيان بن حرب : لا
تَنتهى هزيمتُهم دون البحر! قال : يقول رجلٌ مِن أَسْلَم يقال له أبو مُقيت :
أَما واللهِ، لولا أَنَّى سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ينهَى عن قَدْلِك
لقتلتك! وقال: صرخ كَلَدَة بن الحَنْبَل(٤)، وهو كَلَدَة بن الحَنْبَل أَخو
صفوان لأُمّه، أسودٍ من سُودان مكّة: ألا بطل السُّخْر اليوم ! فقال صفوان :
اسكت، فضَّ الله فاك! لأَن يَرُبَّنِى ربٌّ من قُرَيش أحبٌ إلىّ من أن يُرُبَنِى
ربِّ من هَوَازِن. قال: وقال سُهَيل بن عمرو: لا يُخْتُبِرُها(*) محمّدٌ
(١) سورة: أى علاء. ( لسان العرب ٤ ج ٦، ص ٥٢).
(٢) الشواغل: اللهب الذى لا دخان له. ( الصحاح ، س ١١٧٣).
(٣) فى الأصل: ((أن ينحشى))؛ والتصحيح عن ابن سيد الناس، يروى عن الواقدى. (عيون
الأثر، ج ٢، ص ١٩١). ويمحشى: أى يحرقى (الصحاح، ص ١٠١٨) .
(٤) فى الأصل: ((كلدة بن حبل))؛ رما أثبتناه عن ابن هشام، (السيرة النبوية ، ح ٤١
ص ٨٦). وكذا فى ابن عبد البر أيضاً. (الاستيعاب، ص ١٣٣٢).
(٥) فى الأصل: ((تختبرها)). واستجبر واجتبر: أصابته مصيبة لا يجنبرها، أى لا مجبر
منها. ( لسان العرب، ج ٥، ص ١٨٥ ) .

٩١١
وأصحابه! قال: يقول له عِكْرٍمّة: هذا ليس بقَوْلٍ، وإِنما الأمر بيَدِ الله،
وليس إلى محمّدٍ من الأمر شيءٌ! إِن أُديل عليه اليوم فإنّ له العاقبةَ غدًا. قال:
يقول سُهَيل: إِنَّ عهدك بخلافه لَحديثٌ! قال: يا أبا يزيد، إذًّا كنّا
واللهِ نُوضِع فى غير شىءٍ وعُقُولُنا عُقُولُنا، نَعْبُد الحجر لا ينفع ولا يَضُرّ !
قال : حدّثْنى عبد الله بن يُزيد، عن يعقوب بن عُقبة، قال : حضرها
عثمان بن عبد الله بأفراسٍ وعَبيدٍود والٍ. فقُتلوا يومئذٍ معه، وقُتل معه غلامٌ له نصرانى
أَغْرَلُ(١)؛ فبينا طّلحة يُسلُب القتلى من ثّقيف إذ مرّ به فوجده أَغْرَل ،
فصاح: يا معشر الأنصار، أحلف باللهِ أَنَّ ثَقِيفاً غُرْلٌ ما تختتن ٢١)!
قال المُغيرة بن شعبة : وسمعتها وخشيت أن يذهب علينا من العرب ، فقلت :
لا تفعل ، فِداك أبى وأُّى، إنما هو غلامٌ لنا نصرانى! ثم جعلت أكشف له
عن قتلى ثقيف. فأقول: ألا تراهم مُختّتنين؟ ويقال: إنَّ العبد كان لذى
الخِمار وكان نصرانيًّا أزرق، فقُتل مع سيّده يومئذٍ. وكان أبو طلحة
يُسلُب القتلى، فجرّده فإذا هو أَغْرَل، فنادى بأعلى صوته للأنصار فأقبلوا
إليه، فقال: أحلف بالله ما تختتن ثّقيفٌ! وسمعها المُغيرة بن شعبة فوجد
فى نفسه، قال: فقال: أُريك يا أبا طلحة! فجرّد له عُمان بن عبد الله بن
ربيعة، فقال: هذا سيّد ثقيف! ثم أتى إلى ذى الخمار سيّد العبد، فإذا
هو مُختون. قال المُغيرة: وجاءفى أمرٌ قطعنى. وخشيت أن تسير علينا فى
العرب، حتى أبصر القوم وعرفوا أنه عبدٌ لهم نصرانىّ. وكان الذى قتل
عمّانَ بِن عبد الله عبدُ الله بن أبى أُمَّيَّةَ، فبلغ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال:
(١) الأفرل: الأغلب، أى غير مختتى. (الصحاح، ص ١٧٨٠).
(٢) فى الأصل: ((ماكنتى».