النص المفهرس

صفحات 441-460

٨٥٤٠
حتى جاءَ بالْبُرْد فقال: أَبًا وَهْب، جثتك من عند خير الناس، وأَوصَل
الناس، وأَبرّ الناس، وأَحلم الناس، مَجْده مَجْدك، وعِزّهُ عِزُّكِ، ومُلْكه
مُلْكك ، ابن أمك وأبيك. أذكرك الله فى نفسك. قال له : أَخاف أَن
أُقْتَل. قال: قد دعاك إِلى أَن تدخل فى الإِسلام؛ فإِن رضيت وإلّا سيّرك
شهرين؛ فهو أَوفى الناس وأَبرُّهم(١)، وقد بعث إليك ببُرْده الذى دخل به
. معتجِرًا ، تعرفه ؟ قال: نعم. فأَخرجه ، فقال: نعم ، هو هو ! فرجع صّفوان
حتى انتهى إلى رسول الله، ورسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم يُصلّى بالمسلمين
العصر فى المسجد، فوقفا. فقال صَفوان: كم تُصلُّون فى اليوم والليلة ؟ قال :
خمس صلوات . قال : يُصلّى بهم محمّد؟ قال : نعم . فلما سلَّم صاح
صَفوان: يا محمّد ، إِنَّ عُمير بن وَهْب جاءنى ببُرْدكِ،وزعم أَنك دعوتنى إلى
القدوم عليك ، فإِن رضيتُ أَمرًا وإلّا سيّرتَنِى شهرين. قال: انزلْ أَبًا وَهْب.
قال : لا واللهِ، حتى تُبيّن لى. قال: بل تسير أربعة أشهر. فنزل صفوان ،
وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّمْ قِبَل «وازِن، وخرج معه صفوان وهو كافر،
وأرسل إليه يستعيره سلاحه، فأَعاره سلاحه بمائة دِرْعٍ بأداتها، فقال:
طَوْعًا أَو كَرْهًا؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: عارية مُؤَّدّة. فأَعاره،
فأمره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحملها إلى حُنَين، فشهد حُنيناً(٢) والطائف
ثم رجع رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم إلى الجِعِرّانة، فبينما رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم يسير فى الغنائم ينظر إليها ، ومعه صفوان بن أُمَيّة ، جعل
صَفوان ينظر إِلى شِعْبٍ مُلِىَّ نَعَمًا وشاءٌ ورِعاءً، فأَدام إليه النظر ،
ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرمقه فقال: أَبا وَهْب، يُعجبك هذا الشِّعْب؟
(١) فى الأصل: ((وأبره)).
(٢) فى الأصل: ((حنين)).

٨٥٥
قال : نعم. قال: هو لك وما فيه . فقال صَفوان عند ذلك : ما طابت نفس
أَحدٍ بمثل هذا إَّ نفس نبىّ، أَشهد أن لا إله إلّ الله، وأَنّ محمّدًا عبده
ورسوله ! وأَسلم مكانه .
قال : فحدّثنى عبد الحميد بن جعفر ، عن يزيد بن أبى حبيب ،
عن عطاء بن أبى رَباح، قال : أَسلم أَبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن
حزام ، ومَخْرمَة بن نَوْفَل قبل نسائهم ، ثم قدموا على نسائهم فى العِدَّة ،
فردّهنّ رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم بذلك النِّكاح. وأَسلمت امرأة صفوان
وامرأة عِكْرِمَة قبل أَزواجهما، ثم أَسلما فردّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
نساءهم عليهم ، وذلك أَنَّ إِسلامهم كان فى عِدّتهم .
قالوا : وكان عبد الله بن سعد بن أبى سَرْح يكتب لرسول الله صَلَى الله
عليه وسلَّم الوَحْى ، فربّما أَملى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فيكتب عَلِيمٌ حَكِيمٌ؛ فيقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم
فيقول: كذلك اللهُ، ويُقرّه . وافْتتن وقال: ما يدرى محمّد ما يقول ! إِنى
لأَّكتب له ما شئت ، هذا الذى كتبت يُوحَى إِلىّ كما يُوحَى إِلى محمّد.
وخرج هاربًا من المدينة إلى مكَّةٍ مُرتدًّا، فأَهدر رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم
دمه يوم الفتح ، فلما كان يومئذٍ جاءَ ابن أبى سَرْح إلى عثمان بن عَفان
رضى الله عنه، وكان أخاه من الرَّضاعة، فقال: يا أَخى، إِنِى واللهِ اخترتك
فاحتبسنى ها هنا ، واذهب إِلى محمّد فكلِّمه فىّ، فإِنَّ محمّدًا إِن رآنى
ضرب الذى فيه عيناى؛ إِنْ جُرَى أَعظم الجُرْم، وقد جئت تائبًا. فقال:
بل اذهب معى . قال عبد الله : واللهِ لمن رآنى ليضربنّ عنقى ولا يُناظرنى ،
قد أَهدردمى، وأصحابه يطلبوننى فى كلّ موضع. فقال عثمان : انطلق معى ،

٨٥٦
فلا يقتلك إن شاءَ الله ، فلم يُرَع رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم إلّا بعثمان،
أخذ بيد عبد الله بن سعد بن أبى سَرْح واقفين بين يديه ، فأَقبل عثمان
على النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، إِنّ أُمّه كانت تحملنى
وتُمِّيه ، وتُرضعنى وتَقطعه، وكانت تُلطِفنى وتتركه ، فَهَبْه لى. فأَعرض
عنه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم، وجعل عثمان كلَّما أَعرض عنه النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم بوجهه استقبله فيُعيد عليه هذا الكلام ، فإِنما أَعرض
النبىّ صَّى الله عليه وسلَّم عنه إرادةَ أَن يقوم رجلٌ فيضربَ عنقه، لأَنه لم
يُؤَّنه؛ فلمّا رأَى أَلَّا يُقدم أَحدُ، وعثمان قد أَكبّ على رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم يُقبِّل رأسه وهو يقول : يا رسول الله، تُبايعه فِداك أبى وأمى!
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : نعم. ثم التفت إلى أصحابه فقال :
ما منعكم أن يقوم رجلٌ منكم إلى هذا الكلب فيقتله؟ أَو قال: ((الفاسق)).
فقال عَبَّاد بن بِشر: أَلا أَوماْتَ إِلىّ يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحقّ إِلى
لأَنبع طَرْفك من كلّ ناحية رجاء أَن تُشير إلىّ فأَضربَ عنقه، ويقال : قال
هذا أَبو اليَسَر : ويقال: عمر بن الخطّاب. فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم: إنى لا أَقتل بالإِشارة. وقائل يقول: إنَّ النبى صلّى الله عليه وسلَّمْ
قال يومئذٍ: إِن النبىّ لا تكون له خائنة الأَعْيُن(١). فبايعه رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم، فجعل يفرّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم كلَّما رآه،
فقال عثمان لرسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: بأَبى [أنت] وأُمىّ، لو ترى ابن
أُمّ عبد الله يفرّ منك كلّما رآك! فتبسَّم النبىّ صَلَى الله عليه وسلَّم فقال:
أَوَ لم أُبايعه وأُؤمّنه ؟ قال: بلى أَى رسولَ الله! ولكنه يتذكّر عظيم جُرْمُه
(١) أى يضمر فى نفسه غير ما يظهره، فإذا كف لسانه وأومأ بعينه فقد خان، وإذا كان ظهور
تلك الحالة من قبل العين سميت خائنة الأعين. (النهاية، ج ٢، ص ٦).
1

٨٥٧
فى الإِسلام. فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم: ((الإِسلام يَجُبّ ما كان قبله)).
فرجع عثمان إلى ابن أبى سَرْح فأخبره ، فكان يأتى فيُسلِّم على النبىّ مع
الناس .
وَأَمّا الحُوَيرث بن ثُقَيْذُ (١) من ولد قُصَىّ، فإنه كان يُؤذى النبىّ صَّى الله
عليه وسلَّم فأَهدر دمه ، فبينا هو فى منزله يوم الفتح قد أغلق بابه عليه ،
وأقبل عَلىّ عليه السلام يسأل عنه، فقيل هوفى البادية. فأُخبرِ الحُوَيرث أَنه
يُطلَب، وتنحّى عَلىّ عليه السلام عن بابه ، فخرج الحُويرث يُريد أن يهرب
من بيتٍ إِلى بيتٍ آخر ، فتلقّاه عَلىَّ فضرب عنقه .
وأَمّا هبّاربن الأسود، فإِنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم كان كلّما بعث
سريّة أَمرها بهَبّار إِن أُخذ أَن يُحْرَق بالنار. ثم قال: إِنما يُعذِّب بالنار
ربُّ النار ؛ اقطعوا يديه ورجليه إن قدرتم عليه ، ثم اقتلوه. فلم يُقْدَر عليه
يوم الفتح ، وكان جُرْمه أنه عسّ بابنة النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم زينب
وضرب ظهرها بالرمح - وكانت حبلى - حتى سقطت، فأَهدر النبيّ صلّى الله
عليه وسلَّم دمه . فبينا رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم جالس بالمدينة فى
أصحابه إِذ طلع هَبار بن الأسود، وكان لَيِنًا، فقال: يا محمّد! سُبَّ
من سَبَّك؛ إنى قد جئت مُقَرَّا بالإِسلام، أشهد أن لا إله إلّ اله وحده
لا شريك له ، وأَنّ محمدًا عبده ورسوله. فقبل منه رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم ، فخرجت سَلمى مولاة النبىّ صَّى الله عليه وسلَّم فقالت: لا أَنعم الله
بك عينًا! أَنت الذى فعلتَ وفعلتَ. فقال: إنّ الإِسلام محا ذلك. ونهى
(١) فى الأصل: ((نفيل))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٩٨). وعن
البلاذرى أيضاً. ( أنساب الأشراف ، ج ١، ص ٣٥٧) .

٨٥٨
رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم عن سَبّه والتعريض له .
قال : حدّثّنى هِشام بن عُمارة، عن سعيدبن محمّدبن جُبَير بن مُطعِم ،
عن أبيه، عن جدّه ، قال: كنت جالسًا مع النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم فى
أَصحابه فى مسجده، مُنْصَرَفَه من الجِعِرّانة ، فطلع هَبّار بن الأسود من باب
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا نظر القوم إِليه قالوا: يا رسول الله، هَبّار
ابن الأسود! قال رسول الله صَلَى الله عليه وسلّم: قد رأيته. فأَراد بعض
القوم القيام إليه، فأشار النبىّ صَّى الله عليه وسلَّم أَن اجلس ، ووقف
عليه هَبّار فقال: السلام عليك يا رسول الله، إنى أَشهد أن لا إله إلّا الله
وأنك رسول الله، ولقد هربتُ منك فى البلاد وأَردت اللُّحوق(١) بالأَعاجم،
ثم ذكرت عائدتك وفضلك وَبِرّك وصفحك عمّن جَهِل عليك ؛ وكنا يا رسول
الله أَهل شرك ، فهدانا الله عزّ وجلّ بك، وأنقذنا بك من الهَلَكَة، فاصفح
عن جهلى وعمّا كان يبلغك عنّى، فإنى مُقَرّ بسوء فعلى ، مُعترف بذنبى .
فقال رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم : قد عفوتُ عنك، وقد أحسن الله بك
حيث هداك للإِسلام ، والإِسلام يَجُبّ ما كان قبله .
قال : حدّثنى واقد بن أبى ياسر ، عن يزيد بن رُومان، قال : قال الزُّبَير
ابن العَوّم: ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ذكر حَبّارًا قطُّ. إلّا
تغيّظ. عليه ، ولا رأيت رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم بعث سرّية قطُّ إِلَّا
قال : إِن ظفرتم بهَبَّار فاقطعوا يديه ورجليه ثم اضربوا عنقه . واللهِ لقد كنت
أَطلبه وأَسأَل عنه ، واللهُ يعلم لو ظفرتُ به قبل أن يأتى إلى رسول الله صَلَى
الله عليه وسلَّم لقتلتُه. ثم طلع على رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وأنا عنده
جالسٌ ، فجعل يعتذر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ويقول : سُبَّ
(١) فى الزرقانى، عن الواقدى: ((اللحاق)). (سرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٣٧٧).

٨٥٩
يا محمّد مَن سَبَّك وأُوذى من آذاك، فقد كنتُ مُوضِعًا فى سَبِّك وأَذاك،
وكنتُ مخذولاً، وقد نصرفى الله وهدانى للإِسلام. قال الزُّبَير : فجعلت أنظر
إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم وإنه لَيُطأطئِ رأسه استحياءً(١) ممّا يعتذر
هَبّار، وجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يقول: قد عفوتُ عنك،
الإِسلام يَجُبّ ما كان قبله. وكان لَسِنًا، وكان يُسَبّ حتى يُبلَغ منه،
فلا ينتصف من أحد . فبلغ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَّم حلمُه وما يُحمّل
عليه من الأَّذى ، فقال: هَبّار ، سُبّ من سَبّك!
قالوا: وأَمّا ابن خَطَل ، فإِنه خرج حتى دخل بين أَستار الكعبة .
فحدّثنى يعقوب بن عبد الله ، عن جعفر بن أبى المُغيرة ، عن سعيد
ابن عبد الرحمن بن أَبَزَى ، قال : سمعت أبا بَرْزَة الأَسلمىّ يقول : فى
نزلت هذه الآية: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهِذا البَلَدِ). ﴿وَأَنْتَ حِلُّ بَهَذَا الْبَلَدِ﴾(٢) ؛
أَخرجتَ عبد الله بن خَطَل وهو مُعلّق بأستار الكعبة ، فضربت عنقه بين
الرَّكن والمقام. ويقال: قتله سعيد بن حُرَيثْ المخزومىّ؛ ويقال: عَمّار بن
ياسر ، ويقال: شَريك بن عَبدة العَجْلانىّ، وأُثبته عندنا أبو بَرْزَة. وكان
جُرْمه أنه أسلم وهاجر إلى المدينة وبعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ساعيًا ،
وبعث معه رجلًا من خُزاعة ، فكان يصنع طعامه ويخدمه ، فنزلا فى مَجمع
فأَمره يصنع له طعامًا، ونام نصف النهار ، فاستيقظ. والخزاعىّ نائمٌ ولم
يصنع له شيئًا، فاغتاظ. عليه ، فضربه فلم يُقلع عنه حتى قتله، فلمّا قتله
قال : واللهِ ليقتلنِّى محمّد به إِن جئته. فارتدّ عن الإِسلام ، وساق ما أَخذ
من الصدقة وهرب إلى مكّةً ، فقال له أهل مكَّة : ما ردّك إِلينا ؟ قال : لم
(١) فى الأصل: ((استحياء منه)).
(٢) سورة ٩٠ البلد ٢،١ .

٨٦٠
أجد دينًا خيرًا من دينكم . فأقام على شركه ، وكانت له قَيْنتان ، إِحداهما
فَرْتَنا، والأُخرِى أَرْنَب، وكانتا فاسقتين، وكان يقول الشعر يهجو رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم ويأمرهما تُغنِّيان به ، ويدخل عليه وعلى قينتَيه المشركون
فيشربون الخمر، وتُغنِّى القينتان بذلك الهجاء. وكانت سارة مولاة عمرو
ابن هاشم مُغَنِّيَةً نَوّاحة بمكّة ، فيُلقى عليها هجاء رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم فتُغنِّى به ، وكانت قد قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم تطلب
أن يصِلها وشكت الحاجة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: ما كان
لك فى غنائك ونياحك ما يُغنيك! فقالت: يا محمّد، إِنَّ قُرَيشًا منذ قُتل من قُتل
منهم ببَدْرٍ تركوا سماع الغناء. فوصلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأَوْقَرلها
بعيرًا طعامًا ، فرجعت إلى قُرَيش وهى على دينها، فأَمر بها رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم يوم الفتح أَن تُقتَل فقُتلت يومئذٍ. وَأَمَّ القَيْنَتان، فأَمر رسول الّه صَّى الله
عليه وسلَّم بقتلهما ، فقُتلت إِحدا هما؛ أَرْنَب أَو فَرْتَنا، وأَمّا فَرْتَنا فاسْتُؤْمِن
لها حتى آمنت، وعاشت حتىٍ كُسر ضِلَع من أضلاعها زمن عثمان بن عَفّان
رضى الله عنه فماتت منه ، فقضى فيها عُثمان ثمانية آلاف درهم ؛ ستّة
آلاف دِيتها، وألفين تغليظًا للجُرْم.
قالوا: وأَمّا مِقيس بن صُبابة فإِنه كان مع أخواله بنى سَهم - كانت
أُّه سَهميّة - فاصطبح الخمر يوم الفتح فى نَدامى له ، فأَتَّى نُمَيلة بن
عبد الله اللَّيْىّ، وعلم بمكانه ، فدعاه فخرج إليه وهو ثَمِل، يتمثَّل بهذه
الأَبيات؛ أَنشدنيها ابن جعفر وغيره :
رأيتُ الموتَ نَقَّب عن هِشامٍ(١)
دعينى أَصْطَبِحْ يا بَكْرُ إِنِّى
أَخى القَيْنات والشَّرْبِ الكِرامِ
ونَقَّب عن أَبيكِ أَبی یزیدٍ
(١) يريد أخاه ، كما يذكر الواقدى بعد .

٨٦١
ومن تَوْر (١) ولم تَصْمَمْ صَعامٍ(٢)
بهم أَرْسَت رَواسٍ مِن ثَبیرٍ
خُزاعةُ أَوِ أُناسٌ من جُدامٍ
تُغَنِّينى الحَمامُ كأَنَّ رَهطى
فضربه بالسيف حتى برّده. ويقال: خرج وهو ثَمِلٌ فيما بين الصَّفا والمروة،
فرآه المسلمون فهبتوه (٣) بأَسيافهم حتى قتلوه . وقال شاعرهم(٤):
وفُجّع إِخوانُ السَّناءِ(٥) بِمِقْيَسٍ
العَمرى لقد أَخزى نُمَيلةَ رَهِطْهُ
إِذا النُّفَساء أَصبحت لمتُخَرَّسِ (٦)
فللّه عينًا مَن رأَى مِثلَ مِقْيَيس
وكان جُرْمه أَنَّ أَخاه هاشم بن صُبابة كان قد أَسلم وشهد المُرَيسيع مع
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ، فقتله رجلٌ من بنى عمرو بن عوف خطأ
ولا يدرى ، فظنّ أَنه من المشركين ، فقدم مِقْيَس بن صُبابة ، فقضى له
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بالدِّية على بنى عمرو بن عَوف، فأخذها وأسلم
ثم عدا على قائل أَخيه العمرىّ فقتله، وهرب مرتدًّا كافرًا يقول شعرًا. ويقال :
قتله أوس بن ثابت ، من رَهط. عُبادة بن الصامت ، وهو لا يشعر به ، وذلك أَنه
كان فى رَهْجِ(٧) العدوّ ، فخرج يطلبهم فرجع ولقيه أَوس وهو يظنّ أَنه من
المشركين فقتله ، فقضى النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم بدِيَته على رَهط. عُبادة
ابن الصامت - وهذا أَثبت القولين - فقال :
(١) ثبير وثور: جبلان بمكة. (معجم ما استعجم، ص ٢١٢، ٢٢٢).
(٢) فى الأصل: ((ولم يصمم ضمام)). والصمام: الداهية الشديدة. (لسان العرب، ج ١٥،
ص ٢٣٨) .
(٣) هبنوه: ضربوه. (القاموس المحيط، ج ١، ص ١٦٠).
(٤) نسبه ابن إسحاق إلى أخت القتيل. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ٥٣).
(٥) السناء: من الرفعة والشرف. (الصحاح، ص ٢٣٨٣).
(٦) أى لم يصنع لها طعام عند ولادتها، واسم الطعام الذى النفساء يقال له خرس وخرسة، وإنما أراد
به زمن الشدة . ( شرح أبى ذر ، ص ٣٧٠) .
(٧) الرهج: الغبار. (النهاية، ج ٢، ص ١١٤).

٨٦٢
تُضرِّجُ ثَوْبَيهِ دماءُ الأَخَادِعِ(١)
شَفَى النفسَ أَنْ قدبات بالقاعِ مُسْنَدًاً
سراةَ بنى النَّجَّارِ أَربابَ فارِعٍ
ثأَرتُ به فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ
وكنتُ إِلى الأَوْثانِ أَوّلَ راجِعِ
حملتُ به وِتْرى وأدركتُ ثُؤْرقِی
فأَهدر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم دمه .
قال : حدّثنا الواقدىّ قال : فحدّثنى ابن أبى سَبْرَة ، عن إسحاق بن
عبد الله بن أَبِى ذَرْوَةٍ، عن أُبَىّ [بن ] كعب بن مالك، قال: لمّا رجع
مِقِيَس بن صُبابة إِلى قُرَيْشٍ إلى مكَّة قالوا: ما ردّك إلينا وقد اتّبعتَ محمّدًا؟
قال : فانطلق إلى الصَّنَمَين فحلق رأسه ، وقال: لم أَجد دينًا خيرًا من دينكم
ولا أَقدمَ . ثم أخبرهم كيف صنع وكيف قتل قاتل أخيه .
قال : وحدّثنى عبد الله بن يَزِيد الهُذَلِىّ، عن أبى حُصَين الهُذَلِىّ، قال:
لمّا قُتل النَّفَر الذين أَمر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بقتلهم سُيع النَّوْح
عليهم بمكّة، وجاءَ أَبو سُفيان بن حَرب فقال: فداك أبى وأمىّ ، البَقِيَّةَ(٢)
فى قومك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: لا تُقْتَل قُرَيشُ صرا بعد
اليوم ! يعنى على الكفر .
قال : وحدثنى يزيد بن فِراس ، عن عِراك بن مالك ، عن الحارث بن
البَرصاء، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يقول: لا تُغزَى
قُرَيش بعد اليوم إلى يوم القيامة ! يعنى على الكفر .
قال : وحدّثْنى ابن أَبِى سَبْرة، عن حُسَين بن عبد الله، عن عِكْرِمَة،
عن ابن عبّاس قال: أَمر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بقتل وَحْشِىٌّ
(١) الأخادع: عروق فى القفا، وإنما هما أخدعان فجمعهما مع ما يليهما. (شرح أبى ذر،
ص ٣٣٤) .
(٢) البقية: الإبقاء. ( لسان العرب، ج ١٨، ص ٨٦).

٨٦٣
مع النَّفَرَ ، ولم يكن المسلمون على أَحد أَحرص منهم على وَحْشِىّ . وهرب
وَحْشِىّ إِلى الطائف ، فلم يزل به مُقيمًا حتى قدم فى وفد الطائف على رسول
الله صلّى الله عليه وسلَّم، فدخل عليه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله . وأَنَّ
محمّدًا رسول الله . فقال: وَحْشِىّ؟ قال: نعم . قال : اجلسْ، حَدِّثنى كيف
قتلتَ حَمزةٍ. فأخبره ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: غَيِّبْ عَنِّى
وجهَك !قال: فكنت إِذا رأيته تواريت عنه. ثم خرج الناس إلى مُسَيْلِمَةٍ(١).
فدفعت إِلى مُسَيْلِمَةٍ فزرقته(٢) بالحَرْبَة، وضربه رجلٌ من الأَنصار ، فربُّك
أَعلم أَيّنا قتله .
قال : وحدّثنى إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبى ربيعة ، عن
أبيه، قال: أَرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عام الفتح. فاستسلف من عبد الله
ابن أبى ربيعة أربعين ألف درهم فأَعطاه، فلمّا فتح الله عليهم مَوازِن
وغنَّمه أموالها ردَّها وقال: إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الحَمْدُ والأَداءُ. وقال: بارك الله
لك فى مالِك وولدِك !
قال : وحدّثنى عبد الله بن زيد الهُذَلِىّ، عن أَبِى حُصَين الهُذَلّ، قال:
استقرض رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم من ثلاثة نَفَرٍ من قُرَيْشٍ : من صَفوان
ابن أُمَية خمسين ألف درهم فأَقرضه ، واستقرض من عبد الله بن أبى ربيعة
أربعين ألف درهم، وإستقرض من حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى أَربعين أَلِف
درهم ، فكانت ثلاثين ومائة ألف: فقسمها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بين أَصـ حابه من أَهلِ الصّعْف.
قال : فأخبرنى رجلٌ من بنى كِنانة - كانوا مع رسول الله صلّى اله عليه
وسلَّم فى الفتح، أنه قسم فيهم دراهم ، فيُصيب الرجل خمسين درهمًا
(١) أى فى حروب الردة .
(٢) زرقه به: رماه. (القاموس المحيط، ح ٣، ص ٢٤٠).

٨٦٤
أَوَأَقلّ أَو أكثر ، ومن ذلك المال بعث إلى بنى جذيمة .
قال : وحدّثنى سُفيان بن سعيد، عن الكلبىّ، عن صالح، عن المطّلب
ابن أبى وَداعة. قال : طاف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالبيت فى يوم.
صائفٍ ، وعَلِش فاستسقى. فقال رجلٌ: يا رسول الله، عندنا شرابٌ من
هذا الزبيب، أَفلا أَسقيك منه ؟ قال: بلى. قال : فبعث الرجل إلى بيته
فأَنى بقَدَحٍ عظيمٍ ، فأَدناه النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم من فيه. فوجد له ريحًا
شديدة فكرهه فردّه. قال: ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بماءٍ ، ثم دعا
به . قال : وأُتِ بماءٍ من زَمْزَم فصبّه عليه حتى رأيت الماءَ يفيض من جانبه ،
وشرب منه حاجته ، ثم ناوله الذى عن يمينه وقال : مَن أَرابه من شرابه رَيبٌ
فليكسِرْه بالماء .
قال : حدّثنى أسامة بن زيد ، عن أَسلم ، وهشام بن سعد ، عن زيد
ابن أسلم، عن أَبى وَعْلَة ، عن ابن عبّاس، قال: أَهدى صديقٌ لرسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم من ثقيف رَاوية خمر، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
أَما علمت أَنَّ الله تعالى حرّمها ؟ فسارّ الرجل غلامَه: اذهب بها إِلى الحَزْوَرَة
فبِعْها. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : بِمَ أَمرتَه؟ قال: ببَيْعِها.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ الذى حرّم شُرْبَها حرَّم بَيْعها!
فبلغنى أَنها فُرِّغَتْ فى البطحاء.
قال : وحدّثنى ابن أَبِى ذِئب، عن الزُّهرىِّ، قال: نهى رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم يوم الفتح عن ثَمَن الخمر، وثَمَن الخنزير، وثَمَن
المَيْتَة، وَثَمَن الأصنام، وحُلوان الكاهن(١).
قال: وحدّثنى سَعيد بن بشير، عن عبد الكريم بن أبى أُمَيّة ، عن
(١) هو ما يعطاه من الأجر والرشوة على كهانته. (النهاية، ج ١، ص ٢٥٦).

٨٦٥
عطّاء بن أبى رباح، عن جابر بن عبد الله، قال : قيل لرسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم يوم الفتح : ما ترى فى شُحوم الميْتَة يُدهَن بها السِّقَاء؟ فقال
صلّى الله عليه وسلَّم: قاتل الله اليهود! حَرّم عليهم الشُّحوم فباعوها
فأَكلوا ثَمَنَها .
قال : وحدّثنى مَعْمَر، عن الزُّهرِىّ، عن ابن المُسَيِّب ، قال: سُئِل
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ عن ثَمَن الخمر، فقال: قاتل الله
اليهود ! حرّم عليهم الشَّحم فباعوه فأكلوا ثمنه .
قال : وحدّثنى مَعْمَر ، وابن أَبِى ذِئْب ، عن الزُّهرى، عن الرَّبيع بن
سَبْرَة، عن أبيه ، قال: حرّم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم متعة النساء
یومئذ .
١٠
قال : وحدّثنى ابن أَبى ذِئب، ومَعْمَر، عن الزُّهرىّ، عن أَبِى سَلَمَة
ابن عبد الرحمن بن عَوف، عن أبى عمرو بن عَدِىّ بن الحَمراء ، قال :
سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يقول يوم الفتح وهو بالحَزْوَرَة :
واللهِ إِنَّكِ لخيرُ أَرض الله وأَحبّ أَرض الله إِلىّ، ولولا أَنِى أُخرجتُ منكِ
ما خرجتُ !
قال : حدّثنى سَعيد بن عبد الله، عن ابن أَبِى مُلَيكة ، عن النبىّ
صلّى الله عليه وسلَّم مثل ذلك وقال: لولا أَنَّ أَهلَكِ أَخرجونفى ما خرجتُ .
قال : وحدّثنى شيخٌ من خُزاعة ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان
لبنی عبد الدار غلامٌ یقال له جبر ، و کان یھودیًا ، فسمع رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم قبل الهجرة يقرأ سورة يوسف، فعرف الذى ذكر فى ذلك، فاطمأَنَّ
إلى النبيّ صلى الله عليه وسلَّم فأسلم ، فلمّا ارتدّ عبد الله بن سعد بن أبى
سَرْح عن إسلامه رجع إلى مكَّة فأخبر أهله بإسلامه ، وكان العبد يكتم

٨٦٦
إِسلامه من أهله قبل أن يدخل بيته، فعذَّبوه أَشدّ العذاب حتى قال لهم الذى
يُريدون ، فلمّا فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم مكّة جاء إلى النبيّ صلّى الله
عليه وسلَّم فشكا إليه ، وأخبره ما لقى فى سبب عبد الله بن سعد . قال :
فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ثَمَنَه فاشترى نفسه فعَتَق، واستغنى
ونكح امرأةٌ لها شَرَف .
قال : حدّثنى إبراهيم بن يزيد، عن عطاء بن أبى رَبَاح ، قال: جاءَ
رجلٌ إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يوم الفتح فقال : إنى نذرتُ أَن
أُصِّى فى بيت المَقْدِس إِن فتح الله عليك مكَّة. فقال رسول الله صَلَى الله عليه
وسلَّم: ها هنا أَفضل. فردّ ذلك عليه ثلاثًا . وقال رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم : والذى نفسى بيده ، لَصلاةٌ ها هنا أفضل من أَلفٍ فيما سواه من
البُلْدان! وقالت ميمونة زوج النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم: يا رسول الله، إِنى
جعلت على نفسى ، إِن فتح الله عليك مكَّة ، أَن أُصِلّى فى بيت المَقْدِس .
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: لا تَقْدِرين على ذلك، يحول بينك
وبينه الروم. فقالت : آتى بخفيرٍ يُقبل ويُدبر . فقال : لا تقدرين
على ذلك ، ولكن ابعثى بزَيْتٍ يُسْتَصْبَح(١) لكِ به فيه، فكأَنَّكِ أَتَيْتِه .
فكانت مَيمونة تبعث إلى بيت المَقْدِس كلَّ سنة بمالٍ يُشتَرِى به زَيْتٌ
يُسْتَصْبَح به فى بيت المَقْدِس ، حتى ماتت فأَوصت بذلك.
قال : حدّثنى ابن أَبِى ذِئب ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن عَوْف ،
وإبراهيم بن عبد الله بن مُحرِز ، قالا: لمّا فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
مكَّة جلس عبد الرحمن بن عَوْف فى مجلسٍ فيه جماعةٌ ، منهم سعد بن
(١) يستصبح: أى يسرج السراج. (النهاية، ج ٢، ص ٢٥٠).

٨٦٧
عُبادة ، فمرّ نِسْوَةٌ من قُرَيشِ على ذلك المجلس ، فقال سعد بن عبادة :
قد كان يُذكَّر لنا من نساء قُرَيش حُسْنٌ وجمالُ (١) ؛ ما رأينا هنّ كذلك!
قال : فغضب عبد الرحمن حتى كاد أن يقع بسعد وأغلظ. عليه ، ففرّ منه
سعدٌ حتى أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا رسول الله، ماذا لقيتُ
من عبد الرحمن! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: وماله؟ فأَخبره
بما كان. قال : فغضب النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم حتى كأَنَّ وجهه ليتوقَّد ، ثم
قال : رأيتَهنّ وقد أُصِبْنَ بآبائهن وأبنائهن وإخوانهن وأزواجهنّ ؛ خير
نساءٍ ركبن الإِبل نساءُ قُرَيش! أَحناه(٢) على وَلَدٍ ، وأَبذلُه لَزَوْجٍ
بما مَلَكت يدٌ!
وكان أبو الطُّفَيل عامر بن واثلة يقول: رأيت رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم يوم فتح مكّة، فما أَنسى شدَّة بياضه وسواد شعره، وإِنَّ من الرجال لَمَن
هو أطول منه ، ومنهم من [ هو ] أقصر منه، مشی ويمشون حوله . قال :
فقلت لأُمّى: من هذا؟ فقالت: رسول الله . قيل له : ما ثيابه ؟ قال :
لا أدرى.
قال : وحدّثنى عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن عَبَّاد ، قال: دخلنا بعد
فتحها بأَيّام ننظر ونرتاد وأنا مع أبى ، فنظرت إلى رسول الله صَلّى الله عليه
وسلَّم ،فساعةً رأيته عرفته وذكرت رؤيتى إيّاه بذى المَجاز ، وأَبو لَهَب يتبع
أثره يومئذٍ، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: لا حِلْفَ فى الإِسلام ، ولن
(١) فى الأصل: ((حسنا وجمالا)).
(٢) إنما وحد الضمير وأمثاله ذهابا إلى المعنى، تقديره: احى من وجد أو خلق أو من هناك، ومثله قوله:
أحسن الناس وجها وأحسنه خلقاً، وهو كثير فى العربية ومن أفصح الكلام. (النهاية ، ج ١ ،
ص ٢٦٧) .

٨٦٨٠
يزيد حِلْف الجاهليّة الإِسلامُ إِلَّا شِدَّة. وكانت أم هانىء تُحدِّث تقول:
ما رأيت أحدًا كان أَحسن ثَغْرًا من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وما رأيت
بطن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إلّا ذكرت القراطيس (١) المَئنيّة بعضها
على بعض - تعنى معُكَنه (٢) - وقد رأيته دخل يوم الفتح قد ضَفَر رأسه
بِضَفَائِرَ (٣) أربع .
قال : وحدّثنى عَلىّ بن يزيد، عن أبيه، عن عمّته، عن أُمّ سَلَمَة زوج
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قالت: ضَفَرَت (٤) رأس النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
بذى الحُلَيفة أربع ضَفائِر ، فلم يحلّه حتى فتح مكَّة ومقامه بمكّة ، حتى
حين أَراد أن يخرج إلى حُنَين حلَّه وغسلتُ رأسه بسِدْر.
قال : حدّثنى عبد الله بن يزيد ، عن أبى حُصَين الهُدَلّ، قال: لمّا
أَسلمت هند بنت عتبة أرسلت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بهديّةٍ
- وهو بالأَبْطَح- مع مولاةٍ لها، بجَدْيَين مَرْضوفَين (٥) وقَدِّ (٦). فانتهت الجارية
إِلى خَيْمة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسلّمت واستأذنت، فأذن لها
فدخلت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو بين نسائه أُم سَنَمَة زوجته
وميمونة، ونساء من نساء بنى عبد المطّلب، فقالت: إِنَّ مَوْلاتى أرسلت إليكَ
بهذه الهديّة، وهى مُعْتَذِرةٌ إِليك وتقول : إِنَّ غَنَمنا اليوم قليلة الوالدة.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: بارك الله لكم فى غنمكم، وأكثر
(١) القراطيس: جمع قرطاس، وهو الصحيفة من أى شىء كانت، وهو أيضا برد مصرى. (القاموس
المحيط ، ج ٢، ص ٢٤٠) .
(٢) المكن: جمع العكنة، وهى ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمناً. (القاموس المحيط، ج ٤،
ص ٢٤٩ ) .
(٣) فى الأصل: ((ظفر رأسه بظفائر)). والضفائر: الذوائب المضفورة. (النهاية، ج ٣، ص ٢١).
(٤) فى الأصل: ((ظفرت)).
(٥) المرضوف: الذى يشوى على الرضف، والرضف: الحجارة المحماة على النار. (النهاية، ج ٢،
ص ٨٥) .
(٦) القد: جلد السخلة. ( القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٢٥).

٨٦٩
والدتَها! فرجعت المولاة إلى هند فأخبرتها بدعاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فسُرَّتْ بذلك ، فكانت المولاة تقول: لقد رأينا من كثرة غنمنا ووالدتنا
ما لم نكن نَرَى قَبْلُ ولا قريبًا، فتقول هِند: هذا دُعاءُ رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم وبركته ، فالحمد لله الذي هدانا للإِسلام! ثم تقول : لقد
كنت أَرى فى النوم أَنى فى الشمس أبدًا قائمة، والظلّ منّى قريبٌ لا أَقدر
عليه ، فلمّا دنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منَّا رأيت كأَّى دخلت الظلّ.
قال أبو حُصَين: وقدمتْ على النبى صلَّى الله عليه وسلَّم إحدى نساء بنى
سعد بن بَكْرٍ - إِمّا خالَةٌ أَوعمّةٌ - بِنِحْىٍ (١) مملوء سمنًا وجِرابٍ أَقِطٍ.(٢) ،
فدخلتْ عليه وهو فى الأَبْطَح ، فلما دخلت انتسبت له ، فعرفها رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم ودعاها إلى الإِسلام ، فأَسلمت وصدّقت ، ثم أمر رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقبول هديّتها، وجعل يُسائلها عن حليمة فأخبرته
"أنها تُوَّقِّيت فى الزمان. قال: فذَرَفت عينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم
سألها : مَن بقى منهم ؟ فقالت: أَخواك وأُختاك، وهم والهِ محتاجون إلى
برِّك وصِلَتك، ولقد كان لهم مَوْئِل(٣) فذهب. وقال لها رسول الله صلَى الله
عليه وسلَّم: أين أَهلك؟ فقالت: بذَنَب أَوْطاس. فأَمر لها رسول الله صلّى اله
عليه وسلَّم بكسوة ، وأعطاها جملًا ظَعِينةً(٤) ، وأعطاها مائتىدرهم ، وانصرفت
وهى تقول : نِعمَ واللهِ المكفولُ كنتَ صغيرًا، وزِعمَ المرءُ كنت كبيرًا،
عظيم البركة .
قال: فحدّثنى عبد الله بن يَزيد، عن سعيد بن عمرو الهُذَلِىّ ، قال:
(١) النحى: الزق الذى يجعل فيه السمن خاصة. (لسان العرب، ج ٢٠، ص ١٨٣).
(٢) الأقط: لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به. (النهاية، ج ١، ص ٣٦).
(٣) فى الأصل: ((موبل)). والموئل: الملجأ. (الصحاح، ص ١٨٤٨).
(٤) فى الأصل: ((جمل ظعنته)). والظعينة: الجمل الذى يظعن عليه. (النهاية، ج ٣، ص ٥٥).

٨٧٠
.
لمّا فتح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مكَّة بثَّ السرايا ، فبعث خالد بن
الوليد إلى العُزَّى، وبعث إلى ذى الكَفَّين - صنم عمرو بن حُمَمَةً - الطُّفَيْلَ بن
عمرو الدَّوْسىّ ، فجعل يحرّقه بالنار ويقول :
يا ذا الكَفَّين لستُ من عِبادِ كا مِيلادُنا أَقدمُ من ميلادِكًا
أَنا حَششتُ النارَ فِى فُؤَادٍ كا
وبعث سعد بن زيد الأَشْهلىّ إِلى مَناة بالمُشَلَّل فهدمه ، وبعث عمرو بن
العاص إلى صنم ◌ُذيل - سُواع - فهدمه، فكان عمرو يقول : انتهيت إليه
وعنده السادِن ، فقال: ما تُريد؟ فقلت : هَدْم سُواع. فقال : مالك وله ؟
فقلت : أَمرنى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ! قال : لا تقدر على
هَدْمه . قلت: لِمَ ؟ قال : يمتنع. قال عمرو : حتى الآن أَنت فى الباطل !
وَيْحك هل يسمع أَو يُبصر؟ قال عمرو : فدنوت إليه فكسرته ، وأمرت
أصحابى فهدموا بيت خزانته، ولم يجدوا فيها شيئًا ، ثم قال للسادن :
كيف رأيتَ ؟ قال: أَسلمت لله. ثم نادى مُنادى رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم بمكّة: مَن كان يُؤْمِن بالله وبرسوله فلا يدَعنَّ فى بيته صَنَمًا إلَّا كسره.
قال : فجعل المسلمون يكسرون تلك الأصنام ، وكان عكرمة بن أبى جَهل
حين أَسلم لا يسمع بصَنَمٍ فى بيتٍ من بيوت قُريش إلَّا مشى إليه حتى
يكسره ، وكان أبو تُجْراة يعملها فى الجاهلية ويبيعها. قال سعد بن عمرو :
أخبرنى أنه كان يراه يعملها ويبيعها . ولم يكن رجل من قُرَيش بمكّة إلَّا وفى
بیته صنّمٌ .
قال : وحدّثنى ابن أبى سَبْرَة، عن سُليمان بن سُحَيم، عن بعض آل
جُبير بن مُطْعِم، عن جُبَير بن مُطعِم، قال : لمّا كان يوم الفتح نادى

٨٧١
مُنادى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: مَن كان يُؤْمن بالله فلا يتركنّ فى
بيته صَنَمًا إِلَّا كسره أَو حرقه، وثَمَنه حَرام. قال جُبير: وقد كنت أرى
قبل ذلك الأصنام يُطاف بها مكَّة، فيشتريها أَهل البدو فيخرجون بها إلى
بيوتهم ، وما من رجل من قُرَيْشٍ إِلّ وفى بيته صَنَمُ، إذا دخل مَسَحه وإِذا
خرج مَسّحه تبرّ كًا به .
قال : وحدّثنى عبد الرحمن بن أبى الزِّناد، عن عبد المجيد بن سُهَيل ،
قال : لمّا أَسلمت هند بنت عتبة جعلت تضرب صَنَمًا فى بيتها بالقَدومِ،
فِلْذَةً فِلْدَةً ، وهى تقول : كنّا منك فى غُرور !
قال: وحدّثنى محمّد، عن الزُّهرى، عن عُبيد الله بن عُتُبة ، قال:
أَقام رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بمكّة خمس عشرةَ ، يُصلِّى ركعتين.
قال: حدّثّنى مَخْرمة بن بُكير، عن أبيه عرّاك بن مالك، قال : أَقَام
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عشرين ليلة، يُصلِّ ركعتين.
* * *
۔۔
تم بعون الله تعالى الجزء الثانىمن مغازى الواقدى،
ويليه الجزء الثالث وأوّله ((شأن هدم العُزّى)).

فهرست موضوعات
الجزء الثانى
صفحة
ذكر ما كان من أمر ابن أُبِیّ .
٤١٥
.
ذكر عائشة رضى الله عنها وأصحاب الإفك
غزوة الخندق .
٤٤٠
٤٢٦
ذکر نعيم بن مسعود
ما أنزل الله من القرآن فى الخندق
٤٩٤
ذكر من قتل من المسلمين يوم الخندق
.
٤٩٥
ذكر من قتل من المشرکین
.
غزوة بنى قريظة .
٤٩٦
ذکر سعد بن معاذ
.
٥٢٥
٥٢٩
ذكر من قتل من المسلمين فى حصار بنى قريظة .
٥٣١
شأن سريّة عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نُبيح
٥٣٤
٥٣٥
غزوة القُرْطاء .
۔
غزوة بنى لِحْيان
٥٣٧
غزوة الغابة
٥٤٩
ذكر من قتل من المسلمين ومن المشركين
.
٠
·
٤٨٠
٤٩٦
ذ کر قسم المغْنم وبيعه .
٥٢١

صفحة
سريّة عُكَّاشة بن محْصن إلى الغَمْر.
٠
٥٥٠
سريّة محمّد بن مَسْلَمَة إلى ذى القصّة.
٥٥١
سريّة أميرها أبو عبيدة إلى ذى القصّة
٥٥٢
٥٥٣
٠
سرية زيد بن حارثة إلى العيص.
سريّة زيد بن حارثة إلى الطَّرَف .
٥٥٥
سريّة زيد بن حارثة إلى حِسْمىَ .
٥٦٠
سريّة أميرها عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة الجَنْدَل .
سريّة علىّ بن أبى طالب عليه السلام إلى بنى سعد يفتدك
٥٦٢
٥٦٤
٥٦٥
سريّة زيد بن حارثة إلى أُمّ قِرِفَة.
ذکر من قتل أُمّ قرفة .
٥٦٦
سريّة أميرها عبد الله بن رواحة إلى أُسیر بن زارم
ء
٥٦٨
سريّة أميرها كُرْز بن جابر .
٥٧١
٦٣٣
غزوة الحُديشبِية
غزوة خيبر .
تسمية سُهمان الكتيبة
٦٩٣
٦٩٣
ذکر طُعْم النبى صلّى الله عليه وسلّم فى الكتيبة أز واجه وغيرهم
سمية من استشهد بِخَيْبر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
٦٩٩
ذكر ما قيل من الشعر فى خيبر
٧٠١
٠
٧٠٦
شأن فدك
٧٠٧
٠
انصراف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من خيبر إلى المدينة
سريّة عمر بن الخطّاب رضى الله عنه إلى تُرّبّة
·
٧٢٢
سريّة أبی بکر رضى الله عنه إلى نجد
٠
٠
٧٢٢
٠