النص المفهرس

صفحات 421-440

٨٣٤
قال : أَقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الفتح على بعيرٍ لأسامة بن زيد ،
وأسامة رَديف رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم، ومعه بلال وعُثمان بن طلحة ،
فلما بلغ رأس الثنية أَرسل عُثمان فجاءَه بالمِفتاح فاستقبله به . قالوا :
وكان عُثمان قدم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مع خالد بن الوليد وعمرو
ابن العاص مُسلمًا قبل الفتح ، فخرج معنا من المدينة . قال أبو عبد الله :
وهذا أثبت الوجوه .
وقالوا : إِنَّ عمر بن الخطّاب بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم من
البَطْحاء ومعه عُثمان بن طلحة (١)، وأمره أن يتقدّم فيفتح البيت ، فلا يدع
فيه صورة إِلّ محاها ، ولا تمثالاً، إلّا صورة إبراهيم. فلما دخل الكعبة رأَى
صورة إبراهيم شيخًا كبيرًا يستقسم بالأزلام. ويقال: أمره أَلاّ يدع صورة
إلّا محاها ، فترك عمر صورة إبراهيم ، فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
رأى صورة إبراهيم عليه السلام ، فقال : يا عمر ، أَلم آمرْك أَلّا تدع فيها
صورة إِلَّ محوتَها ؟ فقال عمر : كانت صورة إبراهيم. قال: فَامِحُها .
فكان الزُّهرِى يقول: لمّا دخل النبى صلّى الله عليه وسلَّم فرأى فيها
صورة الملائكة وغيرها ، ورأى صورة إبراهيم عليه السلام ، قال : قاتلهم الله ،
جعلوه شيخًا يستقسم بالأزلام! ثم رأى صورة مَرْيّم ، فوضع يده عليها ثم
قال : امسحوا ما فيها من الصور إلّا صورة إِبراهيم .
قال : وحدّثنى ابن أبى ذِئب ، عن عبد الرحمن بن مهران ، عن عُمير
مولى ابن عبّاس ، عن أسامة بن زيد، قال: دخلت مع رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم الكعبة فرأَى فيها صُوَرًا، فأَمربى أَن آتيه فى الدلو بماءٍ ، فيبلّ
الثوب ويضرب به الصور ، ويقول : قاتل الله قومًا يُصوّرون ما لا يخلقون !
(١) فى السيرة الحلبية، عن الواقدى: ((عثمان بن عفان)). (ج ٢، ص ٢١١).

٨٣٥
قالوا : وأَمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالكعبة فغُلِّقت عليه. ومعه
أسامة بن زيد . وبلال بن رَباح ، وُثمان بن طلحة ، فمكث فيها ما شاء الله ؛
وكان البيت يومئذٍ على ستَّة أَعمدة. قال ابن عمر: فسأَلت بِلالًا كيف
صنع النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم حين دخل البيت ؟ قال: جعل عمودين عن
يمينه وعمودًا عن يساره وثلاثة وراءه، ثم صلّى ركعتين ، ثم خرج رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم والمِفتاح فى يده ، ووقف على الباب خالد بن الوليد
يذْبّ الناس عن الباب حتى خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم .
قال : فحدثْنى عَلىّ بن محمّد بن عُبيد الله ، عن مَنصور الحَجَبِىّ،
عن أُمّه صفيّةٌ بنت شَيبة، عن بَرَّة بنت أبى تِجْراة ١) . قالت: أَنا أَنْظُر
إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين خرج من البيت ، فوقف على الباب
وأخذ بعِضادَتَى (٢) الباب، فأَشرف على الناس وبيده المفتاح ، ثم جعله
فی کُمِّه .
قالوا : فلما أَشرف رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم على الناس ، وقد لِيط.
بهم حول الكعبة فهم جُلوس ، قال: الحمد لله الذى صدق وعده ، ونصر
عبده، وهزم الأحزاب وحده !ماذا تقولون وماذا تظنُّون؟ قالوا: نقول خيرًا
ونظن خيرًا، أَخٌ كريمٌ وابن أَخٍ كريم ، وقد قدرت! فقال رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم: فإِى أَقول كما قال أَخى يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ
لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(٣). أَلا إِنَّ كلّ رِبًا فى الجاهلية، أَو دمٍ،
(١) فى الأصل: ((بجرأة))؛ وما أثبتناه عن ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ١٧٩٣). وعن ابن
الأثير أيضاً . (أسد الغابة، ج ٥ ، ص ٤٠٩) .
(٢) عضادتا الباب: هما خشبتاه من جانبيه. ( الصحاح ، ص ٥٠٦).
(٣) سورة ١٢ يوسف ٩٢

٨٣٦
أَومالٍ، أَو مأْتُرَةٍ ، فهو تحت قدمىَّهاتين إلّاسِدانةَ البيتِ وسِقايةَ الحاج؛
أَلا وفى قتيل العَصا والسوط. الخطأ شِبْهِ العمد، الدِّية مُغلَّظةٌ مائة ناقة ، منها
أربعون فى بُطونها أَولادُها. إنَّ الله قد أَذهب نَخْوَة الجاهلية وتكبُّرها بآبائها،
كلُّكم مِن آدم وآدمُ مِن تُرابِ، وأكرمكم عند الله أتقاكم . أَلا إِنَّ الله حرٌّ
مكّة يوم خَلَق السمواتِ والأرض، فهى حرامٌ بِحِرْمَة الله، لم تحِلّ لأَحدٍ
قبلى ، ولا تحِلُّ لأَحدٍ كائنٍ بعدى، ولم تَحِلّ لى إلاَّ ساعةً من النهار
- يُقصّرها رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بيده هكذا - لا يُنَفَّر صَيْدُها
ولا يُعْضَد (١) ◌ِضاهُها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتها إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، ولا يُخْتَلى خَلاها (٢).
فقال العبّاس، وكان شيخًا مُجَرِّبًا: إِلّ الإِذْخِرَ (٣) يا رسول الله، فإِنه لا بدّ
منه، إِنه للقبر وطُهور البيوت. قال: فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
ساعة ، ثم قال : إِلّ إِلإِذخِرَ فإِنه حلال. ولا وصية لوارث، وإِنَّ الولد للفراش
وللعاهر الحَجَرَ(٤)، ولا يحلُّ لامرأةٍ تُعطِى من مالها إِلّ بإذن زوجها ، والمسلم
أخو المسلم، والمسلمون إخوةٌ، والمسلمون يدٌ واحدةٌ على مَن سِواهم ، تتكافأُ
دماوُّهم ، يردّ عليهم أَقصاهم ، ويَعْقِد عليهم أدناهم، ومُشِدُّهم على مُضعِفهم (٥)
وَمَيْسَرتهم على قاعدهم؛ ولا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ ، ولا ذو عهدٍ فى عهده .
ولا يَتوارث أَهلِ مِلَّتَيْن مُخْتلِفَتَين، ولا جَلَبَ ولا جنَب (٦)؛ ولا تُوُّخَذ صدقات
(١) يعضد: أى يقطع. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣١٤).
(٢) الخلا: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا، وإختلاؤه: قطعه. (النهاية، ج ١، ص ٣١٩).
(٣) الإذخر: حشيش طيب الريح. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٤).
(٤) أى الخيبة، يعنى أن الولد لصاحب الفراش من الزوج أو السيدولزانى الخيبة والحرمان، كقولك مالك
عندى غير التراب وما بيدك غير الحجر. ( النهاية، ج ١، ص ٢٠٣).
(٥) المشد الذى دوابه شديدة قوية، والمضعف الذى دوابه ضعيفة، يريد أن القوى من الغزاة يساهم
الضعيف فما يكسبه من الغنيمة . (النهاية ، ج ٢ ، ص ٢٠٨).
(٦) لا جلب ولا جنب: الجلب يكون فى شيئين أحدهما فى الزكاة؛ وهو أن يقدم المصدق على أهل الزكاة

٨٣٧
المسلمين إلّا فى بيوتهم وبأَفنيتهم ، ولا تُنْكَح المرأة على عمّتها وخالتها ،
والبَيِّنَة على من ادَّعى واليمين على من أنكر ، ولا تُسافر امرأةٌ مسيرة
ثلاثٍ إلّا مع ذى مَحْرَم ، ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح ، وأنهاكم عن
صيام يومين ، يوم الأضحى ويوم الفِطر، وعن لبْستين! لا يَحْتَبِ (١)
أحدُكم فى ثوبٍ واحدٍ يُفضِى بعَوْرته إلى السّماءِ، ولا يشتمل الصَّمَّاء (٢)، ولا
إخالكم إلّا وقد عرفتموها .
قال : ثم نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ومعه المِفتاح، فتنحَّى
ناحيةَ المسجد فجلس، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قد قبض السِقاية
من العباس وقبض المِفتاح من عُثمان ، فلمّا جلس قال : ادعوا إِلىَّ عُثمان!
فدُعى له عُثمان بن أَبى طَلحة، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قال
لعُثمان يومًا، وهو يدعوه إلى الإِسلام ، ومع عُثمان المِفتاح، فقال:
لعلَّك سترى هذا المفتاح بيدى أَضعه حيث شئتُ! فقال عُثمان : لقد
هلكتْ إِذَا قُرَيْشٌ وذلَّت. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: بل عَمِرت
فينزل موضعاً ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها؛ ليأخذ صدقتها ، فنهى عن ذلك وأمر أن
تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم . والثانى أن يكون فى سباق، وهو أن يتبع الرجل فرسه فيزجره
ويجلب عليه ويصيح حثاً له على الجرى ، فنهى عن ذلك. والجنب فى السياق أن يجنب فرساً إلى
فرسه الذى يسابق عليه فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب ، وهو فى الزكاة أن ينزل العامل بأقصى
مواضيع أصحاب الصدقة ثم يأمر بالأموال أن تجنب إليه ؛ أى تحضر، فنهوا عن ذلك ؛ وقيل: هو
أن يجنب رب المال بماله أى يبعده عن موضعه حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد فى اتباعه وطلبه .
( النهاية ، ج ١، ص ١٨٠٤١٦٩ ) .
(١) احتبى بالثوب: اشتمل، أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها. (القاموس المحيط، ج ٤،
ص ٣١٥) .
(٢) اشتمال الصماء: هو أن يتجلل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانباً، وإنما قيل لها صماء لأنه يسد على يديه
ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التى ليس فيها خرق ولا صدع . والفقهاء يقولون: هو أن
يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فتنكشف عورته .
(النهاية، ج ٢، ص ٢٧٥).

٨٣٨
وعَزَّت يومئذٍ. فلمّا دعانى بعد أَخذه المِفتاح ذكرت قَوْلَة ١٠ كان قال.
فأقبلت فاستقبلته ببِشْرٍ واستقبلى بِبِشْرٍ ، ثم قال : خُذوها يا بنى أَبى
طَلحة تالدةً خالدةً. لا ينزِعها إِلّا ظالمٌ؛ يا عُثمان . إِنّ الله استأُمنكم
على بيته ، فكُلوا بالمعروف. قال عُثمان : فلما ولَّيت نادانى فرجعت إليه .
فقال : ألم يكن الذى قلت لك؟ قال:فذكرت قوله لى بمكّة فقلت : بلى ،
أَشهدُ أَنك رسول الله! فأَعطاه المِفتاح، والنبىّ صلّى الله عليه وسلّم
مُضطجِعٌ بثوبه . وقال : أَعينوه! وقال : قُمْ على الباب وكُلْ بالمعروف.
ودفع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم السِّقاية إلى العبّاس، فكان العبّاس يليها
دون بنى عبد المطّلب فى الجاهليّة وولده بعدهم. فكان محمّد بن الحنفيَّة
كلّم فيها ابن عباسٍ ، فقال ابن عباس: مالك ولها؟ نحن أولى بها فى
الجاهليَّة، وقد كان أَبوك كلّم فيها فأَقمتُ البيّنة؛ طَلْحةً بن عُبَيد الله،
وعامر بن رَبيعة، وأَزهر بن عبد عَوف، ومَخْرَمَة بن نوفل، أَنّ العبّاس كان
يليها فى الجاهليّة وأَبوك فى ناديته (١) بِعُرَنَةٍ (٢) فى إِبله، وكان رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم أعطاها العبّاس يوم الفتح. فعرف ذلك مَن حضر،
فكانت بيد عبد الله بن عبّاسٍ بعد أبيه، لا يُنازعهم فيها مُنازع، ولا
يتكلَّم فيها مُتكلِّم. وكان للعبّاس مالٌ بالطائف، كَرْمٌ كان يُحمّل
زبيبه إليها فيُنبذفى الجاهلية والإسلام، ثم كان عبد الله بن عبّاس يفعل
.مثل ذلك ، ثم كان عَلىّ بن عبد الله بن عبّاس يفعل مثل ذلك إلى
اليوم .
قال : وجاءَ خالد بن الوليد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فقال:
(١) ندت الإبل إذا رعت فيما بين النهل والعلل، تندو ندوا، فهى نادية. (الصحاح، ص ٢٥٠٦).
(٢) فى الأصل: ((يعرفه)). وعرنة: واد بحذاء عرفات. (معجم، البلدان ج ٦، ص ١٥٩).

٨٣٩
لِمَ قاتلتَ وقد نُهيتَ عن القتال؟ فقال: هم يا رسول الله بد أونا
بالقتال، ورشقونا بالنَّبْل، ووضعوا فينا السِّلاح . وقد كففت
ما استطعتُ، ودعوتهم إلى الإِسلام، وأن يدخلوا فيما دخل فيه الناس
فأَّدَوا، حتى إذا لم أجد بُدًّا قاتلتهم، فظفَّرنا الله عليهم وهربوا فى
كلّ وجهٍ يا رسول الله. ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : قضى
الله خيرًا ! ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا معشر المسلمين ،
كُفُّوا السّلاح، إلّا خُزاعة عن بنى بكر إلى صلاة العصر. فخّبّطوهم (١)
ساعةً ، وهى الساعة التى أُحِلَّتْ لرسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
لم تَحِلَّ لأَحدٍ قبله؛ وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم نهى أَن يُقْتَل
مِن خُزاعة أَحدٌ. قال أَبو اليَسَر : فدخلنا مع خالد بن الوليد من
اللِّيط .. فكانوا هم الذين بدأونا بالقتال وأَبَوا أن يدّعونا ندخل (٢)،
وكلَّمهم خالد بن الوليد وأعذر إليهم، فأَبَوْا. قال خالد : احملوا
عليهم ! فحملنا فما قاموا لنا فُواقَ (٣) ناقة حتى هربوا، ونهانا عن
الطلب. قال أَبو اليَسَر: فجعلت أَحذِمُ(٤) بسيفى، وهَوَيت إلى رجلٍ
فضربته فاعتزل إِلى خُزاعة، فسُقط. فى يدى فجعلت أَسأَل عنه ،
فقيل لى : إِنه من الحَيا - أَخو خُزاعة . فحمدت الله ألّا أَقتل أَحدًا
من ◌ُزاعة .
قالوا : وأقام أبو أحمد عبد الله بن جحش على باب المسجد على
(١) خبطوهم: أى ضربوهم. ( لسان العرب، ج ٩، ص ١٥٠).
(٢) فى الأصل: ((أن ندخل)).
(٣) أى ما بين الحلبين من الوقت. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٧٨).
(٤) حذم: قطع. ( الصحاح، ص ١٨٩٥).

٨٤٠
جملٍ له حين فرغ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من خطبته ، وهو
يصيح : أَنشد بالله يا بنى عبد مَناف حِلفي ، وأَنشد بالله يا بنى
عبد مَناف دارى (١)! قال: فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عُثمان
ابن عَفَّان ، فسارٌ عثمان بشىءٍ ، فذهب عثمان إلى أبى أحمد فسارّه ،
فنزل أبو أحمد عن بعيره وجلس مع القوم، فما سُمع أبو أحمد
ذاكرَها حتى لقى الله، فقيل لعثمان بعد وفاة رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : ماذا قال لك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الفتح أن
تقوله لأَبى أحمد؟ فقال : لم أَذكره فى حياة رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم، أَأذكره بعد وفاته؟ وكان أبو أحمد قد حالف إِلى حَرْب
ابن أُمَيّة ، وكان المطّلب بن الأسود قد دعاه إِلى أَن يُحالفه وقال :
دمى دون دمك ومالى دون مالك! وحالف حَرْبَ بن أُمَيّة فقال أبو أحمد
فى ذلك :
وأَنا ابنُكُم وحليفُكُم فى العَشْرِ
أَبَنِى أُمَيّة كيف أُخذَلُ فيكمُ
وخَبَأْتُكُم لِنوائِبِ الدَّهرِ
ولقد دعانى غيرُكم فأَبيتُهُ
وكانوا يتحالفون فى العشر من ذي الحجّة قيامًا ، يتماسحون كما
يتماسح(٢) البَيِّعان(٣)، وكانوا يتواعدون قبل العشر، وكان أبو سُفيان
قد باع داره من ابن عَلْقَمَة العامرىّ بأربعمائة دينار ، فجعل له
مائة دينار ، ونَجَّم (٤) عليه ما فضل .
(١) ذكر ابن إسحاق قصة عدوان أبى سفيان على دار بنى جحش. انظر (السيرة النبوية، ج ٢ ،
ص ١٤٥ ) .
(٢) تماسحا: تصافقا. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٤٩).
(٣) البيعان: أى البائع والمشترى. (أساس البلاغة، ص ٧٣).
(٤) تنجيم الدين: هو أن يقرر عطاؤه فى أوقات معلومة متتابعة، مشاهرة أو مساناة. (النهاية،
ج ٤ ، ص ١٢٩ ) .

٨٤١
قال : فحدّثنى أَهل أبى أحمد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
لك بها دارٌ فى الجنّة . وقال أبو أحمد فى بيع داره لأبى سفيان ،
أُنشدنيها عمرو بن عُثمان الجَحشىّ:
أَقَطَعْت عَقْدَك بيننا والحادثاتُ إِلى نَدَامَهْ
عَشْرِ التى فيها القِيامَةْ
أَلا ذكرتَ ليالىَ الـ
عَقْدى وعَقْدُك قائمٌ
دار ابن عَمِّك بِعتَها
لا عَوْقَ (١) فيه ولا أَثَامَهْ
تَشرِى بها عنك الغَرَامَةْ
طُوَّقْتَها طَوَقَ الحَمامَةْ
اذهبْ بها إِذهبْ بها
قِ وأَسوأُ الخُلُقِ الرَّغَامَةْ
ولقد جريتَ(٢) إلى العُقو
فيه المَقامةُ والسَّلامَةْ
قَد كنتُ آوِى فى ذُرِى
د ابن عمرو لابن مامَهْ (٣)
ما كان عَقْدُك مثل عَقْ
قالوا : وكان إساف ونائلة رجلا وامرأة ، الرجل إِساف بن عمرو (٤)
والمرأة نائلة بنت سُهيل(٥) من جُرْهُم، فزنيا فى جوف الكعبة
فمُسِخا حجرين، فاتخذتهما قُرَيش يعبدونهما، وكانوا يذبحون
عندهما ويحلقون رؤوسهم إذا نَسَكوا ، فخرج من أحدهما امرأة
شمطاءُ سوداءُ تخمش وجهها، عريانة، ناشرة الشَّعَر ، تدعوبالويل. فقيل
لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى ذلك فقال : تلك نائلة يئست أن
تُعبَد فى بلادكم أبدًا. ويقال إِنَّ إِبليس رنَّ ثلاث رنَّاتٍ ، رئَّةٌ حين
(١) الموق: الحبس والصرف والتثبيط. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٧٠).
!
(٢) فى الأصل: ((وأجريت))، ولا يستقيم الوزن بها؛ ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات.
(٣) فى الأصل: ((أمامه))، ولا يستقيم الوزن بها.
(٤) هكذا فى الأصل: وفى ابن الكلبى: ((إساف بن يعلى)). ( كتاب الأصنام، ص ٩).
(٥) هكذا فى الأصل: وفى ابن الكلبى: ((نائلة بنت زيد)). (كتاب الأصنام، ص ٩).

٨٤٢
لُعِن فتغيّرت صورته عن صورة الملائكة ، ورَنَّةً حين رأَى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يُصلِّى قائمًا بمكّة، ورنّةً حين افتتح رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم مكَّة . فاجتمعت ذريّته، فقال إبليس : ايئسوا
أَن ترُدُّوا أُمَّة محمّد على الشرك بعد يومهم هذا ، ولكن افشوا فيهم
النَّوح والشِّعر .
وكان أَوّل من نصب أَنصاب الحَرَم إِبراهيم ، وجبريل يُريه،
ثم لم تُحرَّك حتى كان إسماعيل فجدّدها، ثم لم تُحرَّك حتى كان
قُصَىّ فجدّدها، ثم لم تُحرِّك حتى كان يوم الفتح ،فبعث رسول الله
صَلَى الله عليه وسلَّم تميم بن أسد الخُزاعىّ فجدّد أَنصاب الحَرَم،
ثم لم تُحرَّك حتى كان عمر بن الخطّاب ، فبعث أربعةٌ من قُرَيش
كانوا يَبدون فى بَواديها؛ مَخْرَمَة بن نَوْفَل ، وأَزهر بن عبد عَوف،
وحُوَيْطِب بن عبد العُزَّى، وأبو هود سعيد بن يَربوع المخزوميّ . ثم
كان عُثمان بن عفَّان فبعث هؤلاء النفر ، ثم كان مُعاوية عام حجَّ
فبعث هؤلاء النفر .
قال : فحدّثنى ابن أبى سَبْرَة، عن المِسْوَر بن رِفاعة ، قال :
لمّا حجّ عبد الملك بن مروان أرسل إِلى أَكبر شيخٍ يعلمه يومئذٍ من
خُزاعة ، وشيخ من قُرَيش، وشيخ من بني بكر. ثم أُمرهم بتجديده،
وكلّ وادٍ فى الحَرَم فهو يسيل فى الحِلّ ولا يسيل وادٍ من الحِلّ فى
الحَرَمَ إِلّا فى موضعٍ واحدٍ عند التَّنْعيم. وكان يقال: ولا يُنَفَّرصيدها.
قال : لا يخرج من الظلّ إلى الشمس، ويقال: لا يُذعَر.
قال : حدّثنى عبد الملك بن نافع ، عن أبيه ، قال : كان ابن

٨٤٣
عمر يغشاه الحَمام على رحله ، وثيابه، وطعامه ، ما يُطْرَد ؛ وكان
ابن عبّاس يُرخِّص أَن يُكَشْكَشْ(١). وقوله: لا تحلّ لُقَطَة ضالّها إِلّا
لمُنْشِد؛ يقول: لا يأكلها كما يأكل اللُّقَطَة فى غيرها من البلدان.
قالوا : خرج غَزَىٌّ(٢) من هُذَيل فى الجاهليّة وفيهم جُنَيدِب بن
الأَدْلَع يُريدون حَىَّ أَحمر بأسا، وكان أحمر بأُسا رجلًا من أسلم
شجاعًا لا يُرام ، وكان لا ينام فى حيّهِ؛ إنما ينام خارجاً من حاضره ،
وكان إذا نام غطَّ خَطيطًا مُنكَرًا لا يخفى مكانه ، وكان الحاضر إِذا
أتاهم فَزَعٌ صرخوا بأَحمر بأسا فيثوب مثل الأَسد . فلمَّا جاءَهم
ذلك الغَزِىّ من هذيل قال لهم جُنَيْدب بن الأَدلع: إِن كان أحمر
بأسا فى الحاضر فليس إليهم سبيل ، وإن كان له غطيطٌ. لا يخفى ،
فدعونى أَتسمّع. فتسمّع الحِسّ فسمعه، فأَمَّه حتى وجده نائمًا
فقتله ، ووضع السيف فى صدره ثم اتّكاً عليه فقتله ، ثم حملوا على
الحىّ ، فصاح الحىّ: ياأَحمر بأُسا! فلا شيء، لا أَحمر بأسا
قد قُتل . فنالوا من الحاضر حاجتهم ثم انصرفوا ، فتشاغل الناس
بالإِسلام ، فلمّا كان بعد الفتح بيومٍ دخل جُنَيدِب بن الأَدلع معه
يرتاد وينظر - والناس آمِنون - فرآه جُنْدُب بن الأَعجم الأَسلمىّ،
فقال: جُنَيدِب بن الأَدلع ، قائل أحمر بأُسا! فقال : نعم .
فخرج جُنْدُب يستجيش عليه ، وكان أَوّل من لقى خِراش بن أُمَيّة
الكَعبيّ ، فأخبره، فاشتمل خِراشٌ على السيف ثم أقبل إليه، والناس
حوله وهو يُحدّثهم عن قتل أحمر بأُسا ، فبينا هم مجتمعون عليه
(١) أى يطرد؛ والكش: الطرد والزجر. (تاج العروس، ج ٤، ص ٣٤٥).
(٢) الغزى: جمع الغازى، وهم جماعة القوم الذين يغزون. (شرح أبى ذر، ص ٣٧٢).

٨٤٤
إذ أقبل خِراش بن أُمَيّة مشتملًا على السيف، فقال: هكذا عن (١)
الرجل ! فواللهِ ما ظنّ الناس إلا أنه يُفرِّج عنه الناس لينصرفوا عنه،
فانفرجوا (٢) عنه، فلمّا انفرج الناس عنه حمل عليه خراش بن أُمَيّة
بالسيف فطعنه به فى بطنه، وابن الأَدلع مُستندٌ إلى جدار من
جُدُر مكَّة ، فجعلت حِشْوَتُه تَسايل من بطنه، وإنّ عينيه لتبرقان فى
رأسه وهو يقول: قد فعلتموها يا معشر خُزاعة ! فوقع الرجل فمات ،
فسمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقتله ، فقام خطيبًا - وهذه
الخُطبة الغدَ من يوم الفتح بعد الظهر - فقال: أَيُّها الناس ، إِنَّ
الله قد حرّم مكّة يوم خَلَق السمواتِ والأرض، ويوم خَلَق الشمس
والقمر، ووضع هذين الجبلين، فهى حرامٌ إلى يوم القيامة. لا يَحِلِّ
المُؤمنٍ بالله واليوم الآخر أَن يَسْفِك فيها دمًا، ولا يَعْضِد فيها شجرًا؛
لم تَحِلَّ لأَحدٍ كان قبلى، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدى، ولم تَحِلَّ لى إَلا
ساعةٌ من نهار ، ثم رجعتْ كَحُرمَتِها بالأمس ، فليُبلِّغ شاِدُكم
غائِبَكم . فإن قال قائل: قد قاتل فيها رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم
فقولوا : إِنَّ اللّه قد أَحدَّها لرسوله ولم يُحِلَّها لكم! يا معشر خُزاعة،
ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد والهِ كَثُر [القتل] (٣) إِن نَفَع؛ وقد
قتلتم هذا القتيل ، واللهِ لأَدِيَنَّه ! فمن قُتل بعد مَقامى هذا فأهله
بالخِيار ، إن شاءوا فَدَمُ قتيلهم ، وإِن شاءوا فَعَقْلُه .
(١) هكذا: اسم سمى به الفعل ومعناه تنحوا عن الرجل، وعن متعلقة بما فى ((هكذا)) من معنى الفعل.
( شرح أبى ذر ، ص ٣٧٢) .
(٢) فى الأصل: ((فانفرج عنه)).
(٣) الزيادة من ابن إسحاق للتوضيح. (السيرة النبوبة، ج ٤، ص ٥٨).

٨٤٥
فدخل أبو شُرَيح [على] عمرو بن سعيد بن العاص، وهو يُريد
قتال ابن الزَّبَير ، فحدّثه هذا الحديث وقال : إِنّ النبىّ صَلّى الله
عليه وسلَّم أمرنا أَن يُبلِّغ الشاهد الغائب، وكنتُ شاهدًا وكنتَ
غائبًا، وقد أَدّيتُ إليك ما كان النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمر به،
فقال عمرو بن سَعيد : انصرفْ أَيّها الشيخ، فنحن أعلم بِحُرمتها منك،
إنه لا يمنع من ظالم، ولا خالع طاعة ، ولا سَافِك دم . فقال أبو شُرَيح:
قد أَدّيتُ إِليك ما كان النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَمر به، فأَنت
وشأنك !
قال : حدّثنى عبد الله بن نافع، عن أبيه، أَنه أُخبر ابن
عمر ما قال أبو شُرَيَح لعمرو بن سعيد ، فقال ابن عمر : رحم الله
أَبا شُرَيح ! قد قضى الذى عليه، قد علمتُ أَنَّ رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم قد تكلّم يومئذٍ فى خزاعة حين قتلوا الهُذَّ بأَمرٍ لا أَحفظه،
إلّا أنى سمعت المسلمين يقولون قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (فأَّديه))(١).
قال: حدّثنى عمرو بن عُمَّير بن عبد الملك بن عُبَيد، عن جُوَيرية (٢)
بنت الحُصَين ، عن عمران بن الحُصَين ، قال : قتله خِراش بعد ما نهى
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن القتل، فقال: لو كنتُ قائلًا مؤمنًا بكافٍ
لقتلتُ خِراشًا بالهُذُلىّ. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خُزاعة يُخرجون
دِيَتْه ، فكانت خُزاعة أُخرجت دِيّته. قال عِمران بن الحُصَين : فكأَّى أَنظر
إِلى غَنَمِ عُفْرٍ (٣) جاءت بها بنو مُدلِج فى العَقْل، وكانوا يُعاقلونها فى
(١) فى الأصل: ((قاديه)).
(٢) كلمة غامضة فى الأصل شكلها: ((حرس))؛ ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) عفر: أى بيض. (النهاية، ج ٣، ص ١٠٩).

٨٤٦
الجاهليّة ثم شَدَّ الإِسلام، وكان أَوّلَ قتيل وداه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
فى الإِسلام .
قال : وحدّثنى ابن أبى الزِّناد، عن عبد الرحمن بن حَرْمَلَة ، عن ابن
المُسَيِّب، قال : أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بنى كعب، فأَعطوا
القتيل مائةً من الإِبل. قالوا: وجاءت الظُّهْر ، فأَمر رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم بِلالًا أَن يُؤَّذِّن بالظُّهْر فوق ظَهْر الكعبة يومئذٍ ، وقُرَيش فوق
رُؤُوس الحبال ، وقد فرَّ وُجوههم (١) وَتَغَيَّبوا خوفًا أَن يُقتلوا ، فمنهم من
يطلب الأَمان، ومنهم من قد أُومِن. فلمّا أَذّن بِلالُ ورفع صوته كأَشدّ ما يكون،
فلما بلغ ((أَشهد أَنَّ محمَّدًا رسول الله))، تقول جُويرية بنت أبى جَهل: قد
لعَمرى رفع لك ذِكْرَك! أَمَّ الصلاة فسنُصِّى، واللهِ لا نُحِبُّ مَن قَتَل الأَحبّة
أَبدًا؛ ولقد كان جاءَ أَبى الذى جاءَ محمّدًا من النُّبُوَّة فردّها ولم يُرِدْ خِلافَ
قومه . وقال خالد بن أسيد : الحمد لله الذى أَ كرم أبى فلم يسمع هذا اليوم !
وقال الحارث بن هشام : وَاتُكْلاه! ليتنى مِتُّ قبل هذا اليوم ، أَسمعُ
بِلالًا يَنْهَقى فوق الكعبة! وقال الحَكَم بن أَبى العاص: هذا واللهِ الحَدَث
العظيم أَن يصيح عبد بنى جُمَح على بَنيّة أَبى طَلحة . قال سُهَيل بن عمرو:
إن كان هذا سَخّط الله فسيُغيّه، وإِن كان رضاء الله فسيُقِرّه. وقال أبو سفيان:
أَمّا أَنا فلا أَقول شيئًا، لو قلت شيئًا لأَخبرتْه هذه الحَصباءُ! فأتى جبريل
عليه السلام رسولَ الله صلى الله عليه وسلَّم فأخبره خبرهم .
قال: فحدّثنى موسى بن محمّد، عن أبيه ، قال : قال سُهَيل بن عمرو :
ولمّا دخل رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم مكَّةً وَظَهَر، انقحمتُ (٢) بيتى
(١) فى الأصل: ((وجههم)).
(٢) أى رميت بنفسى فيه. (لسان العرب، ج ١٥، ص ٣٦٠).

٨٤٧
وأَغلقتُ علىّ بابى، وأرسلت إلى ابنى عبد الله بن سُهَيل أَن أطلب لى جِوارًا
من محمّدٍ ، وإنى لا آمن أَن أُقْتَل . وجعلتُ أَنذكَّر أَثرى عند محمّدٍ وأصحابه ،
فليس أحدٌ أَسوأً أَثرًاً منِّى، وإنى لقيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم
الحُدَيبية بما لم يَلقه أَحدٌ، وكنت الذى كاتبتُه، مع حُضورى بدرًا وأُحُدًا ،
وكلّما تحرَّكت قُريش كنت فيها . فذهب عبد الله بن سُهَيل إلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، تُوَّمّنه؟ فقال: نعم ، هو آمِنٌ بأَمان
الله، فلْيظهر! ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمن حوله: مَن لق
سُهَيل بن عمرو فلا يُشد النَّظَرَ إِليه، فليخرج؛ فلعَمرى إِنّ سهيلًا له عَقْلٌ
وشَرَف ، وما مثل سُهَيلٍ جَهِل الإِسلام ، ولقد رأَى ما كان يُوضع فيه أنه لم
يكن له بنافعٍ ! فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم ، فقال سُهَيل: كان والله بَرًّا؛ صغيرًا وكبيرًا! فكان سُهَيل يُقبل
ويُدبر ، وخرج إلى حُنَين مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم وهو على شركه حتى
أَسلم بالجِعِرَّانة .
وهرب هُبِيرة بن أَبِى وَهْب - وهو يومئذٍ زوج أُمّ هائى بنت أبى طالب -
هو وابن الزِّبَعْرَى جميعًا حتى انتهى إلى نَجران، فلم يأُمنا من الخوف حتى دخلا
حصن نَجْران ، فقيل لهما : ما وراءَ كما؟ قالا : أَمّا قُرَيش فقد قُتلت ،
ودخل محمّدٌ مكَّة ، ونحن والله نرى أن محمّدًا سائرٌ إِلى حصنكم هذا! فجعلت
بَلْحارث وكعب يُصلحون ما رثَّ من حصنهم ، وجمعوا ماشيتهم ، فأَرسل
حَسان بن ثابت أَبيادًا يُريد بها ابن الزَّبَعْرَى، أَنشد نيها ابن أبى الزِّناد :
لا تَعْدَمَنْ (١) رجلًا أَحَلَّكَ بُغْضُه نَجرانَ فى عَيْشٍ أَحَدَّ (٢) لئيم.
(١) فى الأصل: ((لا بعد من))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ٦٠).
(٢) الأحد : هو القليل المنقطع. ومن رواه أجد فمعناه منقطع أيضاً، وقد يجوز أن يكون معناه :
فی عیش لئيم جدًّا. ( شرح أبى ذر ، ص ٣٧٣) .

٨٤٨
خَمانةً خَوفاءَ (١) ذاتَ وُصُومِ(٢)
بَلِيَتْ قَنَاتُك فى الحروبِ فَأُلْقِيَتْ
وعذابُ سُوءٍ فى الحياةِ مُقِيمٍ
غضب الإِلهُ. على الرِّبَعْرَى وابنِه
فلمّا جاءَ ابنَ الزِّبَعْرَى شعر حَسان تهيّاً للخروج، فقال هُبَيرة بن أبى
وَهب : أَين تُريد يا ابن عمّ؟ قال: أَردتُ واللهِ محمّدًا. قال: أَتُريد أَن تتبعه ؟
قال: إِى واللهِ! قال: يقول هُبَيرة: يا ليت أَنى رافقتُ غيرك! واللهِ، ما ظننت
أَنك تتبع محمّدًا أَبدًا! قال ابن الزِّبَعْرَى : هو ذاك ، فعلى أَىّ شىءٍ نُقيم
مع بنى الحارث بن كعب وأترك ابن عمى وخير الناس وأَبرّهم(٣)، ومع قومى
ودارى. فانحدر ابن الزِّبَعْرَى حتى جاءَ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَّم وهو
جالسٌ فى أصحابه، فلمّا نظر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليه قال: هذا
ابن الزِّبَعْرَى، ومعه وجهٌ فيه نور الإِسلام. فلمّا وقف على رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم قال: السلام عليكم ، أَى رسول الله ! شهدتُ أَن لا إله إلا الله وأنك
عبده ورسوله ، والحمد لله الذى هدانى للإِسلام، لقد عاديتك وأَجْلَبت
عليك ، وركبتُ الفرس والبعير ، ومشيت على قَدَمىّ فى عداوتك، ثم
هربت منك إِلى نَجْران، وأَنا أُريد أَلَّا أَقرَب الإِسلام أبدًا، ثم أراد بى الله
عزّ وجلّ منه بخيرٍ ، فأَلقاه فى قلبى وحبّبه إلىّ، وذكرت ما كنت فيه من
الضلالة ، واتباع مالا ينفع ذا عَقْل، من حجر يُعْبَد ويُذبَح له ، لا يدرى مَن
عبده ومَن لا يعبده . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : الحمد لله الذى
هداك للإِسلام ، إِنَّ الإِسلام يَجُبّ ما كان قبله! وأَقام هُبَيرة بنّجران ،
وأَسلمت أُمّ هانى ، فقال هُبَيرة حين بلغه إِسلامُها يوم الفتح :
(١) فى الأصل: ((جمانة خوفاً))؛ وقناة خمانة: ضعيفة. (لسان العرب، ج ١٦، ص ٣٠٠).
(٢) الوصوم: جمع وصم، وهو العيب فى الحسب. (لسان العرب، ج ١٦، ص ١٢٦).
(٣) فى الأصل: ((وأبره)).

٨٤٩
أَشاقتكَ مِندٌ أَم ناكَ(١)سُؤَالُها
وقد أَرَّقَتْ(٣) فى رأسٍ حِصْنٍ مُمَنَّعٍ
وإِنِّىَ من قومٍ إِذا جَدَّ جِدُّهمْ
وإنى لَحامٍ مِن وراء عشيرتى
وإِنّ كَلَامَ المرءِ فى غير كُنْهِهِ
وإن كنتِ قد تابعتِ دینَ محمدٍ
فكونى على أَعلى سَحيقٍ بِهَضْبَةٍ(٦)
كذاك النَّوِى أَسبابُها وانفِتَالُها(٢)
بِنَجرانَ يَسرِى بعد ليلٍ(٤) خَيَالُها
على أَىّ حالٍ أَصبح اليومَ حالُها
إِذا كَرِهَتْ نَحْوَ العَوالِ فِحالُها (٥)
لكالنَّبْل تَهوِى ليس فيها نِصالهًا
وَقَطَّعَت الأَرحامَ منكِ حِبالُها
مُلَمْلَمَةٍ (٧) حَمْراءَ يَبْسِ تِلالُها
أقام بنجران حتى مات مشركًا .
قال : حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن موسى بن عُقبة، عن المُنذِر بن جَهْم
قال : لمّا كان يوم فتح مكَّةُ هرب حُوَيْطِب بن عبد العُزّى حتى انتهى
إلى حائط. عَوف فدخل هناك ، وخرج أبو ذرّ لحاجته وكان داخِلَه ، فلمّا رَآه
هرب حُوَيْطِب فناداه أَبوذرّ : تعال، أَنت آمن ! فرجع إليه فسلّم عليه ،
ثم قال : أَنت آمن ، فإن شئت أدخلتك على رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ،
وإِن شئتَ فاذهبْ إِلى منزلك. قال : وهل لى سبيلٌ إلى منزلى؟ أُلْقَى فأُقْتَل
قبل أَن أَصل إلى منزلى، أَو يُدخَل علىّ منزلى فأُقْتَل. قال: فأَنا أَبلغ معك
(١) نآ ك: أى بعد عنك. (شرح أبى ذر، ص ٣٧٤).
(٢) انفتالها: أى تقلبها من حالة إلى حالة. (شرح أبى ذر، ص ٣٧٤).
(٣) أرقت: أزالت النوم. ( شرح أبى ذر، ص ٣٧٤).
(٤) فى ""صل: ((بعدهن))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية ، ج ٤، ص ٦٢).
(٥) الفحال : جمع الفحل .
(٦) فى الأصل: ((سجوق نهيضة))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ٦٣]
والسحيق: البعيد. (الصحاح، ص ١٤٩٥). والهضبة: الكدية العالية . (شرح أبى ذر ،
ص ٣٧٥ ) .
(٧) الململمة: المستديرة. (شرح أب ذر، ص ٢٧٥).

٨٥٠
منزلك. فبلغ معه منزله، ثم جعل يُنادى على بابه: إِنّ حُوَيْطِبًا آمنٌ ،
فلا يُهْجَم عليه! ثم انصرف أَبو ذرّ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فأَخبره ، فقال : أَو ليس قد أَمَّنَّا كلّ الناس إِلَّ مَن أَمرتُ بقتله ؟
قال : فحدّثْنِى ابن أبى سَبْرَة، عن موسى بن عُقبة ، عن أبى حَبيبة مولى
الزُبير ، عن عيد الله بن الزُّبَير ، قال: لمّا كان يوم الفتح ، أَسلمت هند
بنت ◌ُتبة ، وأَسلمت أُم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عِكْرِمة بن أبى
جَهل، وأَسلمت امرأة صفوان بن أمَيّة، البَغوم بنت المُعَذَّل، من كِنانةً،
وأَسلمت فاطمة بنت الوليد بن المُغيرة ، وأَسلمت هند بنت مُنَبِّه بن
الحَجّاج ، وهى أُمّ عبد الله بن عمرو بن العاص ، فى عشر نسوةٍ من
قُرَيش، فأَتين رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بالأَبْطَحِ ، فبايعْنه فدخلن
عليه، وعنده زوجته وابنته فاطمة ، ونساءً من نساء بنى عبد المطَّلب،
فتكلَّمت هند بنت عُتبة فقالت : يا رسول الله، الحمد لله الذى أَظهر
الدين [الذى] اختاره لنفسه، لِتمسّنى رحمتك(١) يا محمّد، إنى امرأةٌ
مؤمنةٌ بالله مُصدِّقة. ثم كشفت عن نِقابها فقالت : هند بنت عتبة . فقال
رسول الله صَلَى الله عليه وسلّم: مرحبًا بك. فقالت: والله يا رسول الله،
ما على الأَرض من أَهل خِباءٍ أَحبّ إِلىَّ أَن يَذِلُّوا من [أَهل آخِبائك، ولقد
أصبحت وما على الأَرض من أَهل خِباءٍ أَحبّ إِلىّ أَن يعرُّوا من [أَهل ]
خِبائك. فقال رسول الله صَّى الله عليه وسلّم: وزيادة أيضاً! ثم قرأَ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم عليهنّ القرآن وبايعهنّ ، فقالت هند من بينهنّ :
يا رسول الله، نُماسحك. فقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: إنى لا أُصافح
(١) فى الأصل: ((لتمسى رحمك))؛ وما أثبتناه عن الزرقانى. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢،
ص ٣٧٧) .

٨٥١
النساء ، إِنَّ قولى لمائة امرأة مثلُ قولى لامرأةٍ واحدة . ويقال : وضع على يده
ثوبًا ثم مسحْن على يده يومئذٍ . ويقال : كان يُؤْتِى بقَدَحٍ من ماءٍ ، فيُدخل
يده فيه ثم يدفعه إِليهنّ فيُدخلن أَيديَهزّ فيه . والقول الأَوّل أَثبتها عندنا :
(إنى لا أُصافح النساء)). ثم قالت أُمّ حَكيم امرأة عِكْرِمة بن أبى جَهل:
يا رسول الله، قد هرب عِكْرِمَة منك إلى اليمن، وخاف أَن تَقتله فأَمِّنْه
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: هو آمن. فخرجت أُمّ حكيم فى طلبه
ومعها غلام لها رومىّ ، فراودها عن نفسها ، فجعلت ثُمنِّيه حتى قدمت على
حَىّ من عَكّ(١)، فاستغاثتهم عليه فأَوثقوه رِباطًا، وأَدركت عِكْرِمَة وقد
انتهى إلى ساحلٍ من سواحل تِهامة فركب البحر ، فجعل نُوقىّ السفينة
يقول له : أَخلصْ! فقال: أَىّ شىءٍ أَقول؟ قال: قل لا إله إلّ الله . قال
عِكْرِمَة : ما هربتُ إِلَّمن هذا. فجاءَت أُمّ حَكيم على هذا الكلام ، فجعلت
تُلحّ إليه وتقول: يا ابن عمّ، جئتك من عند أَوصل الناس وأَبر الناس وخير
الناس ، لا تُهلِك نفسك. فوقف لها حتى أَدركته فقالت: إنى قد استأُمنت
لك محمدًا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم. قال : أَنتِ فعلتِ؟ قالت : نعم ،
أَنا كلّمته فأَمَّنك . فرجع معها وقال : ما لقيتِ من غلامك الرومىّ ؟ فخبّرته
خبره فقتله عِكْرِمة ، وهو يومئذٍ لم يُسلم. فلمّا دنا من مكّة قال رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه: بأُنبكم ◌ِكْرِمَة بن أَبِى جَهل مُؤْمِنًا مُهاجرًا ،
فلا تَسُبّوا أَباه(٢)، فإنّ سبّ الميّت يُؤْذى الحى ولا يبلغ الميّت. قال:
وجعل يعِكْرِمَة يطلب امرأته يُجامعها ، فتأبى عليه وتقول: إِنك كافر وأَنا مُسلمة.
فيقول: إِنّ أَمرًا منعك منِّى لَأَمْرٌ كبير. فلمّا رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
(١) عك: مخلاف من مخاليف مكة التهامية. (معجم ما استعجم، ص ٢٢٣).
(٢) فى الزرقانى، عن الواقدى: ((فلا تسبوا أبر الناس)). (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٣٧٦).

٨٥٢
عِكْرمَة وثب إِليه - وما على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رداء - فَرَحًا بعِكْرِمة،
ثم جلس رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فوقف بين يديه ، وزوجته مُنتقِبة ،
فقال: يا محمّد إنّ هذه أخبرتنى أَنك أَمّنتنى. فقال رسول الله صَلَى الله
عليه وسلّم : صدَقَتْ ، فأَنت آمن! فقال عِكْرِمَة : فإلى ما تدعويا محمّد؟
قال: أَدعوك إِلى أَن تشهد أن لا إله إَّ الله وأَنى رسول الله، وأن تُقيم
الصلاة، وتُؤْتِىَ الزكاة - وتفعل، وتفعل، حتى عدّ خِصال الإِسلام. فقال
عِكْرِمَة : والهِ ما دعوتَ إِلّ إلى الحقّ وأمرٍ حسنٍ جميلٍ ؛ قد كنتَ واللهِ فينا
قبل أن تدعو إلى ما دعوتَ إِليه وأنت أَصدقُنا حَديثًا وأَبرُّنَا بَرًّا. ثم قال
عِكْرِمَة: فإِنِى أَشهد أن لا إله إِلّ الله، وأَشهد أَنّ محمّدًا عبده ورسوله. فسُرّ
بذلك رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم؛ ثم قال: يا رسول الله، علِّمْنى خيرَ شىءٍ
أَقوله. قال: تقول أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأَنَّ محمّدًا عبده ورسوله . قال
عِكْرِمَة : ثم ماذا؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: تقول: أُشهد اللهَ
وأُشهد مَن حضر أَنى مُسلمٌ مُهاجرٌ مُجاهدٌ . فقال عِكْرِمَة ذلك. فقال رسول
الله صَلَى الله عليه وسلَّم: لا تسألنى اليوم شيئًا أُعطيه أحدًا إِلّا أَعطيتكه.
فقال عِكْرِمَة : فإِنِى أسألك أن تستغفر لى كلّ عداوة عاديتُكَها ، أَو مسيرٍ
وَضَعْتُ فيه ، أَو مَقامٍ لقيتك فيه ، أو كلامٍ قلته فى وجهك أو وأنت غائب
عنه. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اللّهمّ اغفر له كلّ عداوةٍ
عادانيها ، وكلّ مسيرٍ سار فيه إلى موضعٍ يُريد بذلك المسير إِطفاء نورك ،
فاغفر له ما نال منِّى من عِرْض، فى وجهى أَو وأَنا غائبٌ عنه ! فقال
عِكْرِمَة : رضيت يا رسول الله . ثم قال عِكْرِمَة: أَما والهِ يا رسول الله، لا أَدَعُ
نفقة كنت أُنفقها فى صدِّ [عن] سبيل الله إلّا أَنفقت ضِعْفها فى سبيل

٨٥٣
الله، ولا قتالاً (١) كنت أُقاتل فى صدِّ عن سبيل الله إِلّ أَبليت ضِعْفه فى
سبيل الله. ثم اجتهد فى القتال حتى قُتل شهيدًا، فردّ رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم امرأته بذلك النِّكاح الأَوَّل .
وأَمّا صَفوان بن أُمَيّة، فهرب حتى أَتَى الشُّعَيْبة (٢). وجعل يقول لغلامه
يسار وليس معه غيره : وَيْحك، انظر مُن ترى! قال: هذا عُمَير بن
وَهْب. قال صَفوان: ما أَصنع بعُمَير؟ واللهِ ما جاءَ إِلَّ يُريد قتلى ، قد ظاهر
محمّدًا على. فلحِقِه فقال : يا عُمَير ، ما كفاك ما صنعت بى ؟ حمّلتَنِى
دَينك وعِيالك ، ثم جئت تُريد قتلى! قال : أَبًا وَهْب ، جُعلت فداك!
جئتك من عند أَبرّ الناس وأَوَصَل الناس. وقد كان عُمَير قال لرسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم : يا رسول الله ، سيّد قومى خرج هاربًا ليقذفَ نفسه فى
البحر ، وخاف أَلَا تُؤَمِّنه، فأَمِّنْه فِداك أَبى وأُمّى! فقال رسول الله صَلّى الله
عليه وسلَّم : قد أَمنته. فخرج فى أَثره ، فقال: إِنَّ رسول الله صَلّى الله عليه
وسلَّم قد أَمِّنَك. فقال صَفوان: لا والله، لا أَرجع معك حتى تأتينى بعَلامةٍ
أعرفها . فرجع إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله ، جئت
صَفوان هاربًا يُريد أن يقتل نفسه فأخبرته بما أَمنتَه: فقال: لا أُرجع حتى
تأنى بعلامة أَعرفها. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : خذ عمامتى .
قال: فرجع عُمَير إليه بها، وهو البُرْد الذى دخل فيه رسول الله صَلّى الله
عليه وسلَّم يومئذٍ مُعتجِرًا(٣) به، بُرْد حِبَرَة(٤). فخرج عُمَير فى طلبه الثانية.
(١) فى الأصل: ((ولا قتال)).
(٢) الشعيبة : مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز، وهو كان مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدة. (معجم
البلدان ، ج ٥ ، ص ٢٧٦) .
(٣) الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه وبرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئاً تحت ذقنه .
( النهاية، ج ٣ ، ص ٦٩) .
(٤) الخبرة : ضرب من ثياب اليمن. (شرح أبى ذر، ص ٣٦٩).