النص المفهرس

صفحات 401-420

٨١٤
والعدد والسلاح: وإِنّهم لأَحْلاس(١) الخيل، ورجال الحرب، ورُعاة
الحَدق(٢). فقال العباس بن مِرداس: أَقْصِرْ أيها الرجل! واللّهِ إِنّك لتعلم لنحن
أَفرس على متون الخيل، وأَطعن بالقَنا، وأَضرب بالمَشْرَفيَّة (٣) منك ومن
قومك. فقال عُيَينة: كذبت ولوُّمتَ (٤)! لَنحن أولى بِما ذكرتَ منك،
قد عرفتْه لنا العربُ قاطِيةً. فأَوماً اليهما النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم بيده حتى
سکتا .
واجتمع المسلمون بِمَرِّ الظَّهْران، ولم يبلُغْ قُرَيشًا حَرْفٌ واحدٌ من مسير
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم ، فقد اغتمُّوا وهم يخافون يغزوهم
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فلما نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
مرّ الظَّهْران عِشاء، أمر أصحابه أَن يُوقدوا النيران ، فأَوقدوا عشرة آلاف نار ،
فأَجمعت قُرَيش بعثة أبى سفيان بن حرب يتحَسَّب الأخبار ، وقالوا : إِن
لقيتَ محمّدًا فخذ لذا منه جِوارًا إِلَّا أَن ترى رِقَّةٌ من أصحابه فآذنه (٥) بالحرب.
فخرج أبوسفيان وحكيم بن حزام، فلقيا بُدّيل بن ورقاء فاستتبعاه فخرج معهما ،
فلمّا بلغوا الأَراك من مَرّ الظَّهران رأوا الأبنية والعسكر والنيران، وسمعوا صهيل
الخيلِ ورُغاء الإِبل ، فأَفزعهم ذلك فزعًا شديدًا وقالوا : هؤلاء بنو كعب
حاشتها (٦) الحربُ! فقال بُديل: هؤلاء أكثر من بنى كعب! قالوا :
فتنجّعت (٧) هَوَازِنِ على أرضنا! واللهِ ما نعرف هذا! إنّ هذا العسكر مثل حاجّ الناس!
(١) الأحلاس: جمع حلس، وهو الكساء الذى يلى ظهر البعير تحت القتب. (النهاية، ج ١ ،
ص ٢٤٩) . ويريد : لزومهم لظهور الخيل .
(٢) الحدق: جمع حدقة وهى سواد العين. (الصحاح، ص١ ١٤٥). والمعنى هنا: أنهم يصيبون
العين إذا رموا .
(٣) السيوف المشرفية: تنسب إلى مشارف الشام. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٥٨).
(٤) فى الأصل: ((فلمت)).
(٥) فى الأصل: ((فيؤذونه)).
(٦) فى الأصل: ((جاشتها)). وحاشتها الحرب: جمعتها وساقتها. (الصحاح، ص ١٠٠٣).
(٧) التنجع والانتجاع والنجعة: طلب الكلا ومساقط الغيث. (النهاية، ج١، ص ١٣٨).

٨١٥
قالوا : وقد استعمل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الحرس عمر بن
الخطَّب. وقد ركب العبّاس بن عبد المطّلب بغلة رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم . الدُّلْدُل، عسى أَن يُصيب رسولًا إلى قُرَيش يُخبرهم أَنّ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم داخلٌ عليهم مع عشْرة آلاف ، فسمع صوت أبى سفيان
فقال: أَبا حَنْظَلة! فقال أَبو سُفيان: يا لَبَّيك. أَبْو الفضل! قال العبّاس:
نعم ! قال أبو سُفيان: فما وراءك؟ قال عبّاس : هذا رسول الله فى عشْرة
آلاف من المسلمين ، فأَسلِمْ ، ثَكِلَتكَ أُمُّك وعشيرتك! ثم أقبل على
حكيم بن حزام وبُدَيل بن ورقاء فقال: أَسْلِما ، فإنى لكما جارٌ حتى تنتهوا
إلى رسول الله ، فإنى أَخشى أَن تُقْتَطعوا دون النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم!
قالوا : فنحن معك. قال : فخرج بهم العبّاس الفتى أتى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم ، فدخل عليه فقال : يا رسول الله ، أَبو سُفيان ، وحكيم بن
حِزام، وبُدَيل بن وَرْقاء. قد أَجَّرْتُهم وهم يدخلون عليك . قال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم : أدخِلهم . فدخلوا عليه، فمكثوا عنده عامّة الليل
يستخبرهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، ودعاهم إلى الإِسلام ، وقال :
تشهدون أن لا إله إِلَّ الله وأَنِى رسول الله! فأَّمًا حكيم وبُدَيل فشهدا ، وأَما
أبوسفيان فشهد أن لا إله إلا الله، فلمّا قال ((وأَنّى رسول الله)) قال: واللهِ
يا محمّد ، إِنّ فى النفس مِن هذا لشيئًا يسيرًا بَعْدُ، فَأَرْجِئِها . ثم قال
للعبّاس: قد أجرناهم، اذهبْ بهم إلى منزلك. فلما أَذَّن الصبح أَذَّن العسكر
كلّهم ، ففزع أبو سُفيان من أَذانهم وقال : ما يصنعون ؟ قال العبّاس:
فقلت . الصلاة . قال أبو سُفيان: كم يُصلُّون فى اليوم والليلة ؟ قال :
العباس: يُصلّون خمس صلوات. قال أَبو سُفيان: كثيرٌ والهِ! قال: ثم

٨١٦
رآهم يبتدرون وَضوء النبىّ صَلَى الله عليه وسلَّم، فقال: ما رأَيتُ يا أبا الفضل
مُلْكًا هكذا قطُّ.، لامُلْكَ كسرى، ولا مُلْكَ بنى الأصفر! فقال العباس:
وَيْحك، آمِنْ! قال: أَدْخِلنى عليه يا أَبا الفضل! فأُدخله العبّاس عليه وقال :
يا محمّدٌ استنصرتُ إِلَّهى واستنصرتَ إِلهك ، فلا واللهِ ما لقيتك من
مرّةٍ إِلَّا ظَفِرِتَ على، فلو كان إِلهى مُحِقًّا وإلهك مُبطِلًا غلبتُك! فتشهّد
أبوسفيان أَنّ محمَّدًا رسول الله. ثم قال أبوسُفيان: يا محمّد، جئتَ بأَوْباش(١)
الناس، من يُعرَف ومَن لا يُعرَف، إلى عشيرتك وأَصلك. فقال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم : أَنت أَظلم وأَفجر ، غدرتم بعهد الحُديبية وظاهرتم على بنى
كعب بالإِذْم والعُدوان فى حَرَمِ الله وَأَمْنِه! فقال أَبو سُفيان: وحَيُّكم (٢)
يا رسول الله! لو كنتَ جعلت حِدَّتك ومَكيدتك بِهَوازِن ، فهم أبعد رحمًا
وأَشِدْ لك عداوةً! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنى لأرجو من ربِّى
أن يجمع ذلك لى كلّه بفتح مكَّة، وإعزاز الإِسلام بها، وهزيمة هَوازِن!
وأَن يُغْنِّمنى الله أَموالم وذرارِيَّهم، فإنى راغبٌ إِلى الله تعالى فى ذلك!
قال : وحدّثنى عبد الله بن جعفر، قال : سمعت يعقوب بن عُتبة
يُخبر عن عِكْرِمَة ، عن ابن عبّاس رضى الله عنه، قال: لمّا نزل رسول الله
صلَى الله عليه وسلَّم بِحَرّ الظَّهْران، قال العبّاس بن عبد المطَّلب: وَاصباحٌ
قُريشٍ! والله لئن دخلها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَنْوَةٌ إِنه لَهلاك قُرَيش
آخر الدهر. قال: فأَخذْتُ بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم الشَّهْباء
فركبتها ، وقلت: أَلتمسُ إِنْسانًا أَبعثُه إلى قُرَيش؛ فيلقون رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم قبل أن يدخلها عليهم عَنْوَةً . قال : فواللهِ إنى لغى الأَرَاك أَبتغى
(١) الأوباش من الناس: الأخلاط. (الصحاح، ص ١٠٢٥ ).
(٢) فى الأصل: ((وجيكم))؛ ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات.

٨١٧
إِنساذًا إِذ سمعت كلامًا يقول: واللهِ إِن رأيت كالليلة من (١) النيران. قال:
يقول بُدَيل بن وَرْقاء: هذه واللهِ خُزاعة حاشتها الحرب! قال أَبو سُفيان :
خزاعة أَقلّ وأَذلّ من أن تكون هذه نيرانهم وعسكرهم. قال : وإذا بأَبى
سُفيان فقلت : أَبا حنْظَلَة! فقال: يا لبّيك، أبا الفضل - وعرف صوتى -
مالك ، فداك أبى وأُنِى؟ فقلت: وَيَلك، هذا رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم فى عشْرة آلاف. فقال: بأبى وأمىِّ ! ما تأُمرنى ، هل من حِيلة ؟
قلت : نعم ، تركب عَجُز هذه البغلة فأَذهبُ بك إلى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم، فإِنه والله إن ظُفر بك دون رسول الله، لتُقْتَلنّ. قال أبو سُفيان :
وأَنا واللهِ أَرى ذلك . قال: ورجع بُدَيل وحُكيم ، ثم ركب خلفى، ثم وجّهتُ
به ، كلَّما مررت بنارٍ من نيران المسلمين قالوا : مَن هذا؟ فإذا رأَوفى قالوا:
عمّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن
الخطّاب رضى الله عنه، فلمّا رآنى قام فقال : مَن هذا ؟ فقلت : العبّاس.
قال : فذهب ينظر ، فرأى أبا سفيان خلفى فقال: أَبو سفيان، عدوّ الله !
الحمد لله الذى أَمكن منك بلا عَهْدٍ ولا عَقْدٍ! ثم خرج نحو رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يشتدّ ، وركضتُ البغلة حتى اجتمعنا جميعاً على باب
قُبَّة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. قال: فدخلت على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
ودخل عمر على إِثرى ، فقال عمر: يا رسول الله ، هذا أبو سفيان عدوّ الله ،
قد أَمكن اللهعنه بلا عَهْدٍ ولا عَقْدِ، فدعنى أَضرِبْ عُنُقَه. قال : قلت : يا رسول ،
الله إنى قد أجرتُه ! قال: ثم التزمتُ رسولَالله صلّى الله عليه وسلَّم فقلت: واللهِ
لا يُناج ، الليلة أَحدٌ غيرى - أَو دونى. فلمّا أكثر عمر فيه قلت: مهاَز
يا عمر ! فإِنَّه لو كان رجلٌ من بنى عَدّ بن كعب ما قلت هذا ، ولكنه أَحد
بنى عبد مناف. فقال عمر: مهلًا، يا أَبا الفضل! فوالهِ لَإِسلامك كان
(١) فى الأصل: ((فى النيران)).

٨١٨
أَحبّ إِلَّ من إسلام رجلٍ من آل الخطّاب لو أسلَم. فقال رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم : اذهبْ به ، فقد أَجرتُه لك فَلْيَبِتْ عندك حتى تغدوبه علينا
إِذا أَصبحتَ . فلمّا أَصبحتُ غدوتُ به ، فلما رآه رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم قال: وَيْحك، يا أَبا سُفيان! أَلم يَأْنِ لك أن تعلم أن لا إله إلّا اللّه؟
قال: بأَبِى أَنت، ما أَحْدَمَك وأكرمَك وأَعظم عَفْوَك! قد كان يقع فى نفسى
أنه لو كان مع الله إِلهٌ لقد أَغنى عنى شيئًا بعدُ. قال: يا أبا سفيان،
أَلم يَأْنِ لك أَن تعلم أَنّى رسول الله ؟ قال: بأَبِى أَنت وأُمِّى، ما أَحلمك
وأكرمَك وأَعظم عفْوَك ! أَمّا هذه ، فواللهِ إِنَّ فى النفس منها لَشيئًا بعدُ .
فقال العبّاس: فقلت: وَيْحَكَ، أَشهَدْ أَن لا إِله إِلَّا الله! وأشهدْ أَنَّ
محمّدًا عبده ورسوله قبل - والله - أَن تُقتَل! فقال: فشهد شهادة الحقّ ،
فقال: أَشهدُ أَن لا إِله إِلَّ الله وأشهدُ أَنَّ محمّدًا عبده ورسوله . فقال العباس :
يا رسول الله، إِنك عرفتَ أَبا سُفيان وحبَّه الشَّرَف والفَخْر، اجعل له شيئًا!
قال : نعم ، مَن دخل دار أبي سُفيان فهو آمنٌ ، ومن أَغلق داره فهو آمنٌ .
ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للعبّاس بعد ما خرج: احبسه بمَضيق
الوادى إلى خَطْم(١) الجبل حتى تمرّ به جنود الله فيراها . قال العباس:
فعدلتُ به فى مَضيق الوادى إلى خَطْم الجبل ، فلما حبست أبا سفيان قال :
غدرًا بنى هاشم؟ فقال العباس: إِنَّ أَهل النبوّة لا يغدِرون، ولكن لى إليك
حاجةٌ. فقال أبوسُفيان: فهلًّا بدأتَ بها أَوَلًا! فقلت: إِنّلى إليك حاجةٌ
فكان أَفرخَ لِروعى . قال العباس : لم أكن أَراك تذهب هذا المذهب .
وعبّا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابه ، ومرّت القبائل على قادتها
والكتائب على راياتها ، فكان أَوّل من قَدَّم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
(١) خطم الجبل: أنفه. ( شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٣٦٣).

٨١٩
خالد بن الوليد فی بنی سُليم ، وهم ألف ، فیھم لواءً يحمله عبّاس بن مِرداس
السّلَمِىّ، ولواءٌ يحمله خُفافٍ (١) بن نُدْبَة، ورايةٍ يحملها [الحجّاج بن
عِلاط.](٢).
قال أبو سفيان : مَن هؤلاء ؟ قال العبّاس: خالد بن الوليد. قال :
الغلام ؟ قال : نعم. فلما حاذى خالد العباس ، وإلى جنبه أبو سُفيان،
كبر ثلاثًا، ثم مضوا. ثم مرّ على إثره الزُّبَير بن العَوّام فى خمسمائة - منهم
مهاجرون وأَفناءُ (٣) العرب - ومعه رايةٌ سوداءُ، فلمّا حاذّى أَبا سفيان كبّر
ثلاثًا وكبّر أَصحابه ، فقال : مَنِ هذا ؟ قال: الزُّبَير بن العوّام . قال :
ابن أُختك؟ قال : نعم . ومرّ بنو غِفار فى ثلاثمائة، يحمل رايتهم أَبو ذَرٌ
الغِفارى - ويُقال إِيْماءُ بن رَحْضَة - فلمّا حاذوه كبّروا ثلاثًا . قال :
يا أَبا الفضل، مَن هؤلاء؟ قال : بنو غِفار. قال: مالى مولبنى غِفار! ثم
مضت أسلم فى أربعمائة ، فيها لواءان يحمل أحدهما بريدة بن الحُصَيب،
والآخر ناجية بن الأَعْجَم، فلمّا حاذوه كبّروا ثلاثًا. قال : من هؤلاء؟ قال :
أسلم. قال: يا أبا الفضل، مالى والأَّسلم! ما كان بيننا وبينها مرَّةٌ قطُّ ..
قال العبّاس: هم قوم مسلمون دخلوا فى الإِسلام . ثم مرّت بنو عمرو بن
كعب فى خمسمائة، يحمل رايتهْم بُسْر(٤)بن سُفيان. قال: مَن هؤلاء؟
قال : بنو كعب بن عمرو. قال : نعم، هؤلاء حلفاءُ محمّد! فلمّا حاذوه
(١) فى الأصل: ((حفاف بن بدله))؛ وما أثبتناه عن الزرقانى، عن الواقدى. (شرح على المواهب
المدنية، ج ٢، من ٣٦٤). وعن ابن عبد البر أيضا. (الاستيعاب، ص ٤٥٠).
(٢) الزيادة من الزرقانى، عن الواقدى. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٣٦٤).
(٣) يقال: هو من أفناء الناس إذا لم يعلم ممن هو". (الصحاح، ص ٢٤٥٧).
(٤) فى الأصل: ((بسير)) على صيغة التصغير. وما أثبتناه من الزرقانى، عن الواقدى. (شرح على
المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٣٦٤). ومن ابن عبد البر أيضا. (الاستيعاب، ص ١٦٦).
- - -

٨٢٠
كبّروا ثلاثًا. ثم مرَّت مُزَينة فى أَلفِ ، فيها ثلاثة ألوية وفيها مائة فَرَس،
يحمل ألويتها النُّعمان بن مُقرِّن ، وبلال بن الحارث ، وعبد الله بن عمرو ؛
فلمّا حاذوه كبّروا ، فقال : من هؤلاء ؟ قال: مُزَينة . قال: يا أَبا الفضل
مالى ولمُزينة! قد جاءتنى تُقَعْقِع من شَواهِقِها (١). ثم مرّت جُهَينة فى ثمانمائة
مع قادتها ، فيها أربعة أَلوية، لواءٌ مع أَبِى رَوْعَة مَعْيَد بن خالد ، ولواءٌ مع
◌ُويد بن صَخر ، ولواء مع رافع بن مَكيث، ولواءٌ مع عبد الله بن بدر (٢). قال:
فلمّا حاذوه كبّروا ثلاثًا. ثم مرّت كِنانة، بنولَيث، وضَمْرَة، وسعد بن بكر
فى مائتين ، يحمل لواءهم أبو واقدِ اللَّيْىّ، فلما حاذوه كبّروا ثلاثًا، فقال:
مَن هؤلاء ؟ قال : بنو بكر. قال : نعم ، أَهل شُؤْم واللهِ! الذين غزانا
محمّد بسببهم ، أما واللهِ ما شُورِرْتُ فيه ولا عَلِمتُه ، ولقد كنت له كارهًا
حيث بلغنى، ولكنه أَمْرٌ حُمَّ ! قال العبّاس: قد خار الله لك فى غزو محمّدٍ
صلَّى الله عليه وسلَّم ، ودخلتم فى الإِسلام كافَّة .
قال : وحدّثنى عبد الله بن عامر، عن أبى عَمرة بن حماس قال : مرّت
بنو لَيث وحدها ، وهم مائتان وخمسون ، يحمل لواءها الصَّعْب بن جُثَّامة،
فلمّا مَرّ كَبَّروا ثلاثًا فقال: مَن هؤلاء؟ قال: بنولَيث. ثم مرت أَشجع
- وهم آخر مَن مرّ وهم ثلثمائة، معهم لواءان، لواءٌ يحمله مَعْقِل بن
◌ِنان، ولواءٌ مع نُعَيم بن مسعود. فقال أبو سُفيان: هؤلاء كانوا أَشدّ العرب
على محمّدٍ. فقال العبّاس : أدخل الله الإِسلام فى قلوبهم ، فهذا من فضل الله
عزَّ وجلّ ! فسكت ثم قال: ما مضى بعدُ محمّد! قال العبّاس: لم يمض
(١) الشواهق: جمع شاهق، وهو الجبل المرتفع. (الصحاح ، ج ١٥٠٥):
(٢) فى الأصل: ((عبد الله بن زيد))؛ وما أثبتناه من الزرقانى، عن الواقدى. ( شرح على المواهب
الدنية، ج ٢، ص ٣٦٤). ومن ابن عبد البر أيضاً. (الاستيعاب، ص ٨٧١ ).

٨٢١
بعدُ، لو رأيت الكتيبة التى فيها محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم رأَيت الحديد
والخيل والرجال، وما ليس لأحدٍ به طاقة ، قال : أَظن واللّهِ يا أبا الفضل؛
ومن له بهؤلاء طاقة ؟ فلما طلعت كتيبة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخضراء
طلع سواءٌ وَغَبْرَةٌ من سنابك الخيل ، وجعل الناس يمرّون، كلّ ذلك يقول :
ما مرّ محمّدٌ ! فيقول العبّاس: لا. حتى مرّ يسير على ناقته القَصواء بين أَبى
بكر وأُسَيد بن حُضَير وهو يُحدّثهما ، فقال العبّاس : هذا رسول الله فى
كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار ، فيها الرايات والألوية ، مع كلّ
بَطْنٍ من الأَنصار رايةٌ ولواءٌ، فى الحديد لا يُرَى منهم إِلَّ الحَدَق ، ولعمر بن
الخطّاب رضى الله عنه فيها زَجَلٌ - وعليه الحديد - بصوتٍ عالٍ وهو
يُزعجها ، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل ، مَن هذا المتكلّم ؟ قال : عمر
ابن الخطّاب. قال: لقد أَمِرَ أَمْرُ بنى عدِىّ بعد - واللهِ قِلَّةٍ وذِلَّةٍ! فقال
العبّاس: يا أَبا سُفيان، إِنّ الله يرفع مَن يَشاءُ(١) بما يَشاءُ، وإِنَّ عمر مِمَّن
رفعه الإِسلام. ويُقال: كان فى الكتيبة أَلْفُ دارعٍ. وأعطى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم رايتَه سعدَ بن عُبادة وهو أمام الكتيبة ، فلمّا مرّ سعد براية النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم نادى: يا أَبا سُفيان! اليوم يوم المَلْحَمَة ! اليوم
تُستَحل الحُرمة! اليوم أَذلّ الله قُرَيشًا! فأقبل رسول الله صلّىالله عليه وسلَّم حتى
إذا حاذَى أَبا سُفيان ناداه : يا رسول الله ، أَمرتٌ بقَتْل قومك؟ زعم سعد
ومَن معه حين مرّ بنا قال ((يا أَبا سُفيان ، اليَوم يَومُ المَلحَمة ! اليَوم
تُستحلّ الحُرْمَة! اليوم أَذلّ اللهُ قُرَيْشًا! )) وإنى أَنشدُك اللّهَ فى قومك ،
فأَنت أَبرّ الناس ، وأرحم الناس، وأَوصل الناس. قال عبد الرحمن بن
(١) فى الأصل: ((ما يشاء)).

٨٢٢
عَوف وعُثمان بن عَفَّان: يا رسول الله، ما بأُمن سعدًا أَن يكون منه فى قُر يش
صَوْلَة. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اليوم يوم المَرحمة! اليوم
أَعزّ الله فيه قُرَيشًا! قال : وأَرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إِلى سعد
فعزله ، وجعل اللواء إِلى قيس بن سعد، ورأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
أَنَّ اللواء لم يخرج من سعدٍ حين صار لابنه. فأَبى سعدٌ أَن يُسلم اللواء إلَّا
بأمارةٍ من النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأَرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بعِمامته ، فعرفها سعدٌ فدفع اللواء إلى ابنه قیس.
قال : فحدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن سعيد بن عمرو بن شُرَحبيل ، عن
أَهله ، قالوا : دخل واللّهِ سعد بلوائه حتى غَرَزَه بالحَجُون . وقال ضِرار بن
الخطَّب الفهرىّ: ويُقال إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَمر عَلَيًّا رضى الله
عنه فأَخذ اللواءِ، فذهب عَلىّ عليه السلام بها حتى دخل بها مكَّة فَفَرَزَها
عند الرُّكن. وقال أبوسفيان: ما رأيتُ مثل هذه الكتيبة قطّ.، ولا خبّرنيه
مُخَبِّر ! سبحانَ الله، ما لأَّحدِ بهذه طاقةٌ ولا يدان! ثم قال: لقد أَصبح
مُلْك ابن أَخيك الغَداةَ عظيمًا! قال ، قلت : وَيْحَك يا أَبا سُفيان ، ليس
بِمُلْكِ ولكنها نُهُوَّةٌ . قال : نعم !
قال : فحدثنى عبد الله بن يَزيد، عن عبد الله بن ساعدة، قال: قال
له العبّاس: فَانْجُ وَيْحَك فأَدْرِك قومَك قبل أن يدخلَ عليهم . قال : فخرج
أبو سفيان فتقدّم النَّاس كلّهم حتى دخل من كَدَاءٍ (١) وهو يقول : من
أُغلق بابه فهو آمِن ! حتى انتهى إلى هند بنت عتبة، فأَخذت برأسه
فقالت : ما وراءَك؟ قال : هذا محمّد فى عشرة آلاف عليهم الحَديد ، وقد
(١) كداء: جبل بمكة. (معجم ما استعجم، ص ٤٦٩).

٨٢٣
جعل لى: مَن دخل دارى فهو آمِن ، ومن أغلق بابه فهو آمِنٌ ، ومن طرح
السلاح فهو آمِنٌ . قالت: قبّحك الله رسولَ قَوْم. قال: وجعل يصرخ بمكّةً :
يا معشر قُرّيش، وَيْحُكُم! إِنه قد جاءَ ما لا قِبَل لكم به! هذا محمّد فى
عشرة آلافٍ عليهم الحديد، فأَسلِموا! قالوا: قبّحك الله وافِدَ قَوْمٍ ! وجعلت
هند تقول : اقتلوا وافِدَكم هذا، قبّحك الله وافِدَ قوْمٍ. قال : يقول أَبو
سُفيان: وَيْلَكم، لا تَغرّنّكم هذه من أنفسكم! رأيت ما لم تَرَوْا! رأَيت
الرجال والكُراع والسلاح ، فلا لأحدٍ بهذا طاقة !
قالوا : وانتهى المسلمون إلى ذى طُوىِ، فوقفوا ينظرون إلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم حتى تلاحق الناس . وقد كان صفوان بن أُمَّة . ويعِكْرِمَة
ابن أبى جَهل ، وسُهَيل بن عمرو قد دَعَوْا إِلى قتال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم، وضَوَى إِليهم ناسٌ من قُرَيش وناسٍّ من بنى بكر وهُذيل . وتلّسوا
السلاح ، ويُقسمون باللهِ لا يدخلها محمّدٌ عَنْوَةً أبدًا . فكان رجل من بنى
الدِّيل يُقال له: حماس بن قيس بن خالد الدِّيلىّ ، لمّا سمع برسول الله
صَلى الله عليه وسلَّم جلس يُصلح سلاحه، فقالت له امرأته: لمَن تُعِدّ هذا؟
قال : محمّدٍ وأصحابه، فإِى أَرجو أن أُخدمك مِنهم خادمًا فإِنّك إليه
محتاجة . قالت: وَيْحَك، لا تفعل ولا تُقاتل محمدًا! واللهِ لَيضلّنّ هذا
عنك لو رأيتَ محمّدًا وأصحابه. قال: ستَرَين. فال: وأَقبل رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم فى كتيبته الخضراء ، وهو على ناقته القصواء . معتجرًا
بِشُقَّة بُره ١) حِبَرَة:"
قال : فحدثنى محمّد بن عبد الله، عن عبّاد بن أبى صالح، عن أبيه .
(١) الشقة: النصف. والخبرة: ضرب من ثياب اليمن. (شرح أبى ذر. ص ٣٦٩).

٨٢٤
عن أبى هريرة ، قال : دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ وعليه عمامة
سوداء، ورايته سوداءُ، ولواؤه أسود، حتى وقف بذى طُوَّى وتوسّط النَّاس وإِنّ
عُنْذُونَه (١) لِيَمَسّ واسطة الرَّحْلِ أَو يَقْرُب منه، تواضعًا لله تعالى حين رأَى
ما رأَى من فتح الله وكثرة المسلمين. ثم قال: العَيْشُ عَيْشُ الآخرة! قال:
وجعلت الخيل تمعج (٢) بذی ◌ُوَّی فی کلّ وجه ، ثم ثابت وسکنت حیث
توسّطهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم .
قال : حدّثنى يعقوب بن يحيى بن عَبّاد، عن عيسى بن مَعْمَر ، عن
عَبّاد بن عبد الله ، عن أسماء بنت أبى بكر ، قالت : وصعد أَبو ◌ُحافة
يومئذٍ بصُغْرَی بناته ، قُرَیبة بنت أبى قُحافة ، تقوده حتى ظهرت به إلى أبى
قُبَيس - وقد ذهب بصره - فلما أَشرفت به على أَبِى قُبَيس قال: يا بُنَيّة،
ماذا تَرَيْن ؟ قالت : أَرى رجلًا يسعى بين ذلك السَّواد مُقبلًا ومُديرًا. قال :
ذلك الوازع (٣) يا ثُنَية، انظرى ما تَرَيْن! قالت: تفرّق السواد . قال:
قد تفرّقت الجيوش! البيت ! البيتَ! قالت : فنزلتُ به . قال : فجعلت .
الجارية تَرَعَب لِما ترى، فيقول: يا بنيّة، لا تخافى! فواللهِ إنّ أَخاك
عتيقًا(٤) لَآثَرُ أصحاب محمّد عند محمّد. قال: وعليها طَوْق من فضّة،
فاختلسه بعضُ من دخل .
قالوا : فلمّا دخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول أبو بكر رضى الله
عنه : أَنشد باللّهِ طَوق أُختى ! ثلاث مرّات. ثم قال: يا أُخيّة احتسبى طوقك.
فإِنّ الأمانة فى الناس قليل .
(١) العثنون: اللحية. (النهاية ، ج ٣، ص ٦٩).
(٢) معج: أى أسرع. (القاموس المحيط، ص ٢٠٧).
(٣) الوازع: يريد أنه صالح للتقدم على الجيش وتدبير أمرهم وترتيبهم فى قتالهم. (النهاية، ج ٤،
ص ٢٠٨) .
(٤) فى الأصل: ((عتبق)).

٨٢٥
قالوا : ثم التفت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى رجلٍ من الأَنصار
إلى جنبه، فقال: كيف قال حَسّان بن ثابت ؟ فقال (١):
حـ
عَدِمنا خيلَنا إن لم تَرَوْها تُثير النَّفْعَ من ◌َتِفَى كَداء
ثم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّمِ الزُّبَير بن العَوّام أَن يدخل من
كُدِّى (٢)، وأمر خالد بن الوليد أَن يدخل من اللَّيط. (٣) ، وأَمر سعد بن عُبادة
أن يدخل من كَداء، والراية مع ابنه قيس، ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
فدخل من أَذاخِرٍ. ونهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن القتال، وأمر
بقتل ستّة نَفَر وأربع نسوة: عِكْرِمَة بن أبى جَهل ، وهَبّار بن الأسود، وعبد الله
ابن سعد بن أبى سَرْح، ومِقِيَس بن صُبابة اللَّيْىّ، والحُويرث بن نُقَيذ(٤).
وعبد الله بن هلال بن خَطّل الأَدْرَمِىّ، وهند بنت عُتية بن ربيعة، وسارة
مولاة عمرو بن هاشم، وقَيْنَتَين لأَّبِى خَطَل: قُرَينا وقُرَيبة ؛ ويقال: فَرْتَنا
وَأَرْنَبة . فكلّ الجنود دخل فلم يَلْقَ جمعًا ، فلمّا دخل خالد بن الوليد وجد
جمعًاً من قُرَيش وأَحابيشها(٥) قد جمعوا له . فيهم صفوان بن أُمَيّة ،
وعِكْرِمَة بن أبى جَهل ، وسُهَيل بن عمرو ، فمنعوه الدخول ، وشهروا السلاح ،
ورمَوا بالنَّبْل، وقالوا: لا تدخلها عَنْوَةً أَبدًا! فصاح خالد بن الوليد فى
أصحابه وقاتلهم. فقتل منهم أربعة وعشرين رجلًا من قُرَيْشٍ، وأربعةٌ من
(١) ذكر ابن اسحاق هذا البيت ضمن قصيدة طويلة لحسان بن ثابت. ( السيرة النبوية، ج ٤ ،
ص ٦٤). وأنظرٍ ديوان حسان . (ص ١).
(٢) كدى: جبل قريب من كداء. (معجم ما استعجم، ص ٤٦٩).
(٣) الليط: موضع بأسفل مكة. (معجم ما استعجم، ص ٤٩٩).
(٤) فى الأصل: ((الحويرث بن نفيل))، وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٩٨).
وعن البلاذرى أيضا. (أنساب الأشراف، ج ١، ص ٣٥٧) .
(٥) فى الأصل: ((أجانيسها)).

٨٢٦
هُذَيل ، وانهزموا أَقبح الانهزام حتى قُتلوا بالحَزْوَرة (١) وهم مُوتُّون فى كلّ وجهِ .
وانطلقت طائفةٌ منهم فوق رُوس الجبال ، واتّعهم المسلمون ، فجعل أَبو
سُفيان بن حرب وحكيم بن حزام يصيحان: يا معشر قُرَيش ، علامَ تقتلون
أنفسكم؟ مَن دخل داره فهو آمِنٌ ، ومن وضع السلاح فهو آمِن . فجعل
الناس يقتحمون الدور ، ويُغلقون عليهم ، ويطرحون السلاح فى الطُّرُق حتى
يأخذها المسلمون. ولمّا ظهر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على ثنيّة أَذاخِر
نظر إلى البارِقة (٢) فقال: ما هذه البارِقة ، أَلم أَنْه عن القتال؟ قيل:
يا رسول الله، خالد بن الوليد قُوتل ، ولو لم يُقاتَل ما قائل ! فقال رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم: قضى الله خيرًا! قال: وجعل يتمثّل بهذه الأبيات ، وهو
يُقاتل خارجة بن خُوَيَلِد الكعبىّ ، أَنشدنيها 1
] (٣) عن أَبيه :
كلُجَّةِ بحْرِ نال فيها سريرُها
إِذا ما رسولُ اللهِ فينا رأيتنا
رُدَيْنِيّةٌ(٤) يَهدِى الأَصَمَّ خَرِيرُها (٥)
إِذا ما ارتدينا الفارسيّةَ فوقَها
لها ناصرٌ عَزَّتَ وعزّ نصيرُها
] (٦) وإِنّ محمّدًا
]
وأقبل ابن خَطَل جائيًا من مكة، مُدجَّجًا فى الحديد، على فَرَسٍ
ذَنوب (٧)، بيده قَنَاةٌ. وبنات سَعيد بن العاص قد ذُكر لهنّ أَنَّ رسول الله
(١) الحزورة: سوق مكة وقد دخلت فى المسجد لما زيد فيه. (معجم البلدان، ج ٣، ص ٣٧١).
(٢) بارقة السيوف: لمعانها، يقال: برق بسيفه وأبرق إذا لمع به. (النهاية، ج ١، ص ٧٤).
(٣) كلمة عامضة، رسمها فى الأصل: ((حرايد)).
(٤) القناة الردبنبة والرمح الردينى، زعموا أنه منسوب إلى امرأة السمهرى تسمى ردبنة. وكانا بقومان
القناة بخط هجر. ( الصحاح ، ص ٢١٢٢).
(٥) فى الأصل: ((جربرها))؛ وما أثبتناه أقرب إلى السياق. والخرير: صوت الماء والربح.
( القاموس المحيط، ج ٢ ، ص ١٩ ).
(٦) بياض بالأصل .
(٧) الذنوب: الفرس الطويل الذنب. (الصحاح، ص ١٢٨).

٨٢٧
صلَّى الله عليه وسلّمَ قد دخل، فخرجن قد نَشّرن رؤوسهنّ، يضربن بخُمُرِهِنّ
وجوهَ الخيل، فضربهنّ ابن خَطَل جائيًا من أَعلى مكّةً فقال لهنّ: أَمَا والله
لا يدخلها حتى تَرَيْن ضَرْبًا كأَفواه المزاد (١)! ثم خرج حتى انتهى إلى
الخَنْدَمة، فرأى خيل المسلمين ورأى القتال، ودخله الرُّعْب حتى ما يستمسك
من الرِّعْدة ، حتى انتهى إلى الكعبة فنزل عن ذَرَسه ، وطرح سلاحه ، فأَتِى
البيت فدخل بين أَستاره .
قال : وحدّثنى حِزام بن هشام ، عن أبيه ، قال : أَخذ رجلٌ من بنى
كعب دِرْعَه، وصَفَفه(٢)، ومِغْفَره، وبَيْضَته، وسيفه، وأَدرك فَرَسه غائرًا
فأَدركه فاستوى عليه ، ولحق النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالحَجُون . قالوا :
وأقبل حِماسُ بن خالد مُنهزِمًا حتى أَنى بيته ، فدقّه ففتحت له امرأته
فدخل ، وقد ذهبت روحه ، فقالت : أَين الخادم الذى وعدتنى ؟ ما زلت
منتظرتك منذ اليوم تُسخّر به ! قال: دعى عنك، أُغلقِى بابى ! فإِنه مَن أَغلق
بابه فهو آمنٌ ! قالت: ويحك! أَلم أَنْهَك عن قتال محمّد ؟ وقلت لك:
((ما رأيته يُقاتلكم من مرّة إِلَّا ظهر عليكم))، وما بابنا؟ قال: إِنه لا يُفْتَح على
أحدٍ بابُه . ثم قال - أُنشدنیها ابن أبى الزناد :
وأَنْتِ لو شهدتِنا بالخَنْدَمَهْ إِذْ فَرّ صَفوانٌ وَقَرّ عِكْرِمَةْ
لم تَنْطَقِى فى اللَّوْمِ أَدنى كَلِمَةْ
وَأَبو يزيد(٣) كالعجوز المُؤْتِمَهْ(٤)
(١) المزاد: جمع المزادة، وهى الراوية. قال أبو عبيد: لا تكون إلا من جلد بن تفأم بجلد تالث
بينهما لتتسع. (الصحاح ، ص ٤٧٩) .
(٢) فى الأصل: ((وصفاصة)). والصفف: ما بلبس تحت الدرع. (القاموس المحيط، ج ٣،
ص ١٦٣ ) .
(٣) هو سهيل بن عمرو خطيب فريش. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٢٧٢).
(٤) المؤثمة: المرأة التى قتل زوجها فبقى لها أيتام. (شرح أبى ذر، ص ٣٧٠).

٨٢٨
وضربتنا(١) بالسُّيوفِ المُسْلِمَةْ لهم زَئِيرٌ(٣) خَلْفَنَا وَغَمْغَمَهْ (٣)
قال : وأَقبل الزُّبَيْر بن العَوام بمن معه من المسلمين حتى انتهى بهم إلى
الحَجُون، فغَرز الرَّاية عند منزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ولم يُقَتل من
المسلمين أحدٌ إلّا رجلان من أصحابه ، أَخطآ طريقه فسلكا غيرها
فقُتلا؛ كُرْزِ بن جابر الفِهِرِىّ ، فقام عليه خالد الأشقر وهو جَدّ حِزام بن
خالد حتى قُتل ، وكان الذى قتل خالدًا ابنُ أَبى الجذعِ الجُمَحِىّ .
قال : فحدّنى قُدامة بن موسى ، عن بَشير مولى المازنيِّين ، عن جابر بن
عبد الله ، قال : كنت ممن لزم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فدخلت
معه يوم الفتح من أَذاخِر ، فلمّا أُشرف على أَذاخِر نظر إلى بيوت مكَّة ،
ووقف عليها فحمد الله وأثنى عليه ، ونظر إلى موضع قُبَّته فقال : هذا منزلنا
يا جابر، حيث تقاسمت علينا قُرَيَشُ فى كُفْرِها. قال جابر: فذكرت
حديثًا كنت أَسمعه منه صلَّى الله عليه وسلَّم قبل ذلك بالمدينة: ((مزلنا
غدًا إِن شاء الله إذا فتح الله علينا مكَّة فى الخَيْف (٤) حين تقاسمو علىّ
الكُفْرِ )). وكنا بالأَبْطَحِ وُجاهَ شِعْب أبى طالب حيث حُصر رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم وبنو هاشم ثلاث سنين
قال : حدّثنى عبد الله بن زيد، عن أبى جعفر، قال : كان أبو رافع
(١) هكذا فى الأصل والبلاذرى. (أنساب الأشراف، ج ١، ص ٣٥٧). وفى ابن إسحاق:
((واستقبلتهم)). (السيرة النبوية، ج ٤، ص ٥١).
(٢) فى الأصل: ((لهم زبير))؛ وما أثبتناه عن البلاذرى. (أنساب الأشراف، ج ١، ص ٣٥٧).
والزئير: صوت الأسد فى صدره. ( الصحاح ، ص ٦٦٦ ).
(٣) الغمغمة: أصوات الأبطال فى الحرب. (شرح أبى ذر، ص ٣٧٠).
(٤) الخيف: هو بطحاء مكة، وقيل مبتدأ الأبطح، وهو الحقيقة فيه، لأن أصله ما انحدر من الجبل
وارتفع من المسيل . ( معجم البلدان ، ج ٣ ، ص ٥٠٠) .

٨٢٩
قد ضرب لرسول الله صَلَى الله عليه وسلَّمْ قُبَّة بالحَجُون من أَدَمٍ ، فأقبل رسول
اللّه صَلّى الله عليه وسلَّم حتى انتهى إلى القُبّة، ومعه أُم سَلَمَة وميمونة.
قال : حدّثنی معاوية بن عبد الله بن ◌ُبید الله ، عن أبيه، عن أبى رافع ،
قال : قيل للنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَلا تنزل منزلك من الشِّعب؟ قال :
فهل ترك لنا عَقيلٌ(١) منزلًا؟ وكان عَقيل قد باع منزل رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمَّة. فقيل لرسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم : فانزلْ فى بعض بيوت مكَّة فى غير منازلك! فأَبى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم وقال : لا أُدخلُ البيوت. فلم يزل مُضْطَرِبًا بالحَجُون لم يدخل
بيتًا ، وكان يأتى إلى المسجد من الحَجُون.
قال: وحدثنا ابن خَديج ، عن عَطَاء ، قال: لمّا هاجر رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة لم يدخل بيوت مكَّة، فاضطرب بالأَبْطَح فى
عُمرة القَضية ، وعام الفتح ، وفى حجَّته .
قال : وحدثّنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن محمّد بن جُبَير بن مُطعِم، عن أبيه ،
عن جَدِّ (٢) قال: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُضْطَرِبًا بالحَجُون فى
الفتح ، ويأتى لكلّ صلاة.
قالوا : وكانت أُمّ هانىء بنت أبى طالبٍ تحت هُبَيرة بن أبى وهْب
المَخْزومىّ، فلما كانيوم الفتح دخل عليها حَمَوان لها - عبد الله بن أبى ربيعة
المَخزومى ، والحارث بن هشام - فاستجارا بها وقالا: نحن فى جوارك! فقالت:
نعم ، أَنتما فى جِوارى. قالت أُم هانىء: فهما عندى إِذ دخل عَلىّ فارسًا ،
مُدجَّجًا فى الحديد، ولا أَعرفه، فقلت له: أنا بنت عمِّ رسول الله صلّى الله
(١) أى عقيل بن أبى طالب .
(٢) هكذا فى الأصل. ويلاحظ أن مطعم بن عذى جد محمد المذكورمات قبل بدر بنحوسبعة أشهر.
انظر أسد الغابة . ( ج ١ ، ص ٢٧١) . ولعل الخبر عن سعيد بن حمد بن جبير بن
مطعم کما سیجی فی ص ٨٥٨ .

٨٣٠
عليه وسلَّم . قالت : فكفّ عنِّى وأسفر عن وجهه ، فإِذا علىّ عليه السلام ،
فقلت : أَخى ! فاعتنقته وسلَّمت عليه ، ونظر إليهما فشهر السيف عليهما .
قلت : أَخى مِن بين الناس يصنع بى هذا ! قالت : وألقيت عليهما ثوباً،
وقال : تُجيرين المشركين؟ وحُلْتُ دونهما فقلتُ: واللهِ لتبدأَنَّ بى قبلهما !
قالت : فخرج ولم يَكَدْ؛ فأَغلقتُ عليهما بيتًا ، وقلت : لا تخافا!
قال : فحدّثْنى ابن أبى ذِئب ، عن المَقْبُرىّ ، عن أبى مُرّة مولى عَقیل ،
عن أُمّ هانىء، قالت : فذهبتُ إلى خِياءِ رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم
بالبَطْحاءِ فلم أَجده، ووجدت فيه فاطمة فقلت : ماذا لقيتُ من ابن أُمِّى
عَلىٍّ ؟ أجرتُ حَمَوين لى من المشركين فَتَفَلَّتَ عليهما ليقتلُما ! قالت :
فكانت أَشدّ علىّ من زوجها وقالت : تُجيرين المشركين؟ قالت: إِلى أَن طلع
رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم وعليه رهَجَةً(١) الغُبار، فقال: مرحبًا بفاخِتَةً(٢)
أُمِّ هانىُ ! وعليه ثوبٌ واحدٌ، فقلت: ماذا لقيتُ من ابن أُمِّى علىٌّ؟ما كِدْتُ
أَنفلِتُ منه! أَجرتُ حَمَوين لى من المشركين فتَفَلَّتَ عليهما ليقتلهما !
فقال رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم: ما كان ذاك، قد أَمَّنَّا مَن أَمَّنتِ،
وأَجرنا من أجرتِ . ثم أَمر فاطمة فَسَكَبَتْ له غسلًا فاغتسل، ثم صلَّى ثمان
ركعاتٍ فى ثوبٍ واحد مُلتِفًا به ، وذلك ضحّى فى فتح مكَّة .
قالوا : قالت : فرجعتُ إِليهما فأَخبرتهما وقلت لهما : إِن شئتما فأَفيما
وإِن شئتما فارجعا إلى منازلكما. قالت: فأَقاما عندى يومين فى منزلى ، ثم
انصرفا إِلى منازلهما. قالت : فكنت أَكون مع النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم فى
خِبائه بالأَبطَح حتى خرج إلى حُنَين. قالت : فَأَتَى آتٍ إِلى رسول الله صَلّى
~.
(١) الرهجة: آثار الغبار. (الفاموس المحيط، ح ١، ص ١٩١).
(٢) فى الأصل. ((بناجية أم هانى"))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٨، ص ٣٢).

٨٣١
الله عليه وسلَّم فقال : يا رسول الله ، الحارث بن هشام وابن أبى ربيعة
جالسان فى ناديهما متفضّلان (١) فى المُلاءِ المُزَعْفَر (٢). فقال رسول الله
صَلَى الله عليه وسلَّم: لا سبيل إليهما، قد أَمْنّهما! قال: ومكث رسول الله
صَلَى الله عليه وسلَّم فى منزله ساعةً من النهار واطمأنّ واغتسل، ثم دعا براحلته
القَصْواء فأُدْنِيَت إلى باب قُبَّته ، ودعا لِلبس السلاح ، والمِغْفر على رأسه،
وقد صَفَّ له الناسُ ، فركب براحلته والخيل تَمْعج بين الخَنْدَمَة إِلى الحَجون ،
ومرَّ رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم وأبو بكر رضى الله عنه إلى جنبه يسير
يُحادثه ، فمرّ ببنات أبى أُحيحة بالبطحاء حذاء منزل أبى أُحَيحة وقد نشرن
رُؤُوسهنَّ، يلطِمِن وجوهَ الخيل بالخُمُر، فنظر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
إلى أبى بكر فتبسَّم ، وذكر بيت حَسّان بن ثابت فأَنشده أبو بكر
رضى الله عنه (٣) :
يُلَطِمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّسَاءُ
تَظَلُّ جِيادُنا مُتَمَطُّراتِ (٤)
ولمّا انتهى رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم إلى الكعبة فرآها، ومعه
المسلمون ، تقدّم على راحلته فاستلم الرُّكن بِمِحْجنه ، وكبّر فكبّر المسلمون
لتكبيره، فرجعوا التكبير حتى ارتجت مكَّة تكبيرًا حتى جعل رسول الله
صَلَى اللّه عليه وسلَّم يُشير إليهم : اسكتوا! والمشركون فوق الجبال ينظرون.
ثم طاف رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بالبيت على راحلته، آخذٌ بِزِمامها
(١) التفضل: التوشح وأن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه. ( لسان العرب، ج ١٤ ،
ص ٤١ ) .
(٢) الملاء: جمع ملاءة وهى الريطة، أى الثوب الين. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٤٢٩ج ٢،
ص ٣٦٢) .
(٣) ذكر ابن إسحاق القصيدة كلها. ( السيرة النبوية، ج ٤، ص ٦٥).
(٤) متمطرات: أى مصوبات بالمطر؛ ويقال: متمطرات أى يسبق بعضها بعضاً. (شرح أبى ذر ،
ص ٣٧٥) .

٨٣٢
محمّد بن مَسْلَمَة، وحول الكعبة ثلاثمائة صَنَمٍ، وستّ صَنَمًا مُرَصِّصةٌ
بالرَّصاص وكان هُبَل أَعظمها ، وهو وُجاهَ الكعبة على بابها، وإِساف ونائلةُ
حيث ينحرون ويذبحون الذبائح ، فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
كلّما مرَّ بصنَمٍ منها يُشير بقضيبٍ فى يده [ويقول]: (جَاءَ الحَقُّ وَزَهَنَ
الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾(١) . فيقع الصنم لوجهه.
قال : حدّثنى ابن أبى سَبْرَةَ، عن حُسَين بن عبد الله، عن عِكْرِمَة ،
عن ابن عباس رضى الله عنه، قال: ما يزيد رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
أَن يُشيربالقضيب إلى الصَّنم فيقع لوجهه، فطاف رسول الله صلّى الله عليه .
وسلَّم سبعًا على راحلته يستلم الرِّكن الأسود بِمِحْجنه فى كلّ طَوافٍ ، فلما
.فرغ من سبعه نزل عن راحلته، وجاءَ مَعْمَر بن عبد الله بن نَضْلَة فأخرج
راحلته ؛ ثم انتهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم إلى المقام، وهو يومئذٍ
لاصقُ بالكعبة، والدِّرْع عليه والمِغفر، وعمامته بين كَتِفَيه، فصلّى ركعتين
ثم انصرف إلى زَمْزم فاطَِّع فيها ، وقال: لولا أَن يُغلَب بنو عبد المطّلب
لنزعتُ منها دلْوًا. فنزع له العباس بن عبد المطّلب دَلْوًا فشرب منه. ويقال:
الذى نزع الدَّلْوَ أَبو سُفيان بن الحارث بن عبد المطّلب. وأمر بهُبَل فكُسر
وهو واقفٌ عليه. فقال الزُّبَيربن العَوّام لأَبى سُفيان بن حرب : يا أبا سفيان،
قد كُسِر ◌ُبَل! أَما إنّك قد كنت منه يوم أُحُد فى غُرُور ، حين تزعم أنه
قد أَنْعم! فقال أبو سُفيان: دَعْ هذا عنك يا ابن العوام ، فقد أَرى لو كان
مع إِله محمّد غيرُه لكان غير ما كان!
قالوا : ثم انصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فجلس ناحيةٌ من
(١) سورة ١٧ الإسراء ٨١

٨٣٣
المسجد والناس حوله ، ثم أَرسل بِلالًا إِلى عُثمان بن طَلْحَة يأتيه بمِفتاح
الكعبة ، فجاء بلال إِلى عُثمان فقال: إِنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يأُمرك
أَن تأنثى بيِفتاح الكعبة. قال عثمان: نعم. فخرج عُثمان إِلى أُمّه وهى
بنت شَيْبَة، ورجع بِلال إلى النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم فأخبره أنه قال نعم،
ثم جلس بِلال مع الناس. فقال عُثمان لأُمّه ، والمفتاح يومئذٍ عندها :
يا أُمّ، أَعطنى المِفتاح فإِنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قد أرسل إلىّ
وأمرنى أن آتى به إليه. فقالت أُمّه : أعيذك بالله أن تكون الذى تذهب
مَأْثُرةُ (١) قومه على يديه. قال: فواللهِ لتدفَعَنَّه إِلىّ أَوْ لِيأْتِينَّك غيرى فيأخذه
منك. فأَدخلته فى حُجزتها (٢) وقالت: أَى رجل يُدخل يده ها هنا؟ فبينا هم
على ذلك وهو يُكلِّمها إذ سمعت صوت أبى بكر وعمر فى الدار ، وعمر رافع
صوته حين رأَى إِبطاءَ عُثمان: يا عُثمان ، اخرج إلىّ! فقالت أُمّه : يا بنىّ،
خذ المفتاح فَأَن تأخذه أَنت أحب [إلى] من [أن] بأُخذه تَيْمُ وعَدىّ .
قال : فأَخذه عثمان فأَى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فناوله إياه ، فلما
ناوله بسط العباس بن عبد المطلب يده فقال: يا نبِيّ الله ، بأبي أنت
اجمعْ لنا الحِجابة والسِقاية. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أُعطيكم
ما تُرْزَكُون فيه، ولا أُعطيكم ما تَرْزَكُون (٣) منه. وقد سمعت أيضًا فى قبض
المفتاح بوجهٍ آخر .
قال : حدثنى إِسمعيل بن إبراهيم بن عُقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ،
(١) "، الأصل: ((أن يكون الذى يذهب)). والمأثرة: الخصلة المحمودة التى تتوارث ويتحدث مها.
( شرح أبى ذر ، ص ٣٧١) .
(٢) حجزة السراويل: التى فيها التكة. (الصحاح، ص ٨٦٩).
(٣) قال أبو على: إنما معناه إنما أعطيتكم ما تمنون كالسقاية التى تحتاج إلى مؤن، فأما السدانة فيرزا
لما الناس بالبعث إليها ، يعنى كسوة البيت . (شرح أبى ذر، ص ٣٧١).