النص المفهرس
صفحات 361-380
٧٧٤ جُنْبُ ومعه ١٠٪ لم يزد على أن غسل فرجه بماءٍ وتيمٌم، فسكت رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم . فلمّا قدم عمرو على النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم سأله عن صلاته فأخبره فقال: والذي بعثك بالحقّ لو اغتسلتُ لمُتُّ. لم أجد قطُ. بردّامثله. وقد قال الله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكْمْ إِنّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحيمًا﴾. (١) فضحك رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يبلغنا أنه قال شيئًا سريّة الخَبَط (٢) أَميرها أَبو عُبَيدة قال الواقدىّ: حدثنى داود بن قيس. ومالك بن أنس، وإبراهيم بن محمّد الأَنصارىّ من ولد ثابت بن قيس بن شَمّاس. وخارجة بن الحارث؛ وبعضهم قد زاد فى الحديث. قالوا : بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَبا عُبَيدة بن الجرّاحِ فى سريّةِ فيها المهاجرون والأنصار. وهم ثلثمائة رجل، إلى ساحل البحر إلى حىٌّ مِنْ جُهَينة؛ فأَصابِهم جوعٌ شديدٌ، فَأَمر أَبو عُبَيدة بالزاد فجُمع حتى إِذا كانوا لَيَقْتسمون الثَّمْرَة، فقيل لجابر: فما يُغنى ثُلُث تمرة ؟ قال : لقد وجدوا فَقْدَها. قال: ولم تكن معهم حمولة (٣). إِنما كانوا على أقدامهم ، وَأَباعريحملون عليها زادهم. فأَكلوا الخَّبَط .. وهو يومئذٍ ذو مَشْرَة(٤)، حتى إِنّ شِدْق أَحدِهم بمنزلة مِشفر البعير العَضَّة ، فمكثنا على ذلك حتى قال -. (١) سورة ؛ النساء ٢٩ (٢) الخبط: ورق بنفض بالمحابط ويجفف ويطحن ويخلط بدقبق أو غيره وبوخف بالماء. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٥٦). (٣) الحمولة: ما يحتمل علبه الناس من الدواب. (النهاية، ج ١، ص ٢٦١ ). (٤) المشره: شبه خوصة تخرج فى العضاه وفى كثير من الشجر، أو الأغصان الخضر الرطبة قبل أن تتلون بلون. ( القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٣٣). ٧٧٥ قائلهم : لولقينا عدوًّا ما كان بنا حركةٌ إِليه . لِما بالناس من الجهد. فقال قيس بن سعد: مَن يشترى منى تمرًا بجُزُر . يُوفينِ الجُزُر ها هنا وأُوفيه التمر بالمدينة؟ فجعل عمر يقول: واعَجَبَاه لهذا الغلام ، لا مال له يَدّاذُ فى مال غيره !. فوجد رجلًا من جُهينة، فقال قيس بن سعد: بعنى جُزرًا وأُوفيك يسِقَةً (١) من تمرِبالمدينة. قال الجُهَنِىّ، واللهِ ما أَعرفُك، ومن أَنت؟ قال : أَنا قيس بن سعد بن عبادة بن دُليم (٢) . قال الجُهَنىّ: ما أَعرفتَنى بنسبك! أَما إِنّ بينى وبين سعد خُلَّة ، سيّد أَهل يثْرِب. فابتاع منهم خمس جُزُر كلّ جزور بوَسْقَين من تمرٍ ، يَشرُط. عليه البدوىّ، تمرٍ ذَخيرةٍ مُصلَّبةٍ (٣) من تمر آل دُلَيم. قال : يقول قيس: نعم . فقال الجُهَنِىّ : فَأَشهِدْ لى. فأَشْهِدَ له نَفَرًا من الأَنصار ومعهم نَفَرٌ من المهاجرين . قال قيس: أَشهِدْ من تُحبّ. فكان فيمن أَشهد عمر بن الخطّب رضى الله عنه، فقال عمر: لا أَشهد! هذا يَدّانُ ولا مال له، إِنما المال لأَبيه. قال الجُهَىّ: واللهِ، ما كان سعدٌ لَيُخْنِى(٤) بابنه فى سِقَةٍ من تمر! وأرى وجهًا حسنًا وفعالًا شريفًا . فكان بين عمر وبين قيس كلام حتى أغلظ. له قيس الكلامَ؛ وأخذ قيس الجُزُر فنحرها لهم فى مواطن ثلاثة ، كلّ يوم جَزورًا ، فلمّا كان اليوم الرابع نهاه أَميره وقال : تُريد أَن تُخفر (٥) ذمّتك ولا مال لك؟ حدّثْنى محمّد بن يحيى بن سَهل ، عن أبيه ، عن رافع بن خديج ، قال: أَقبل أَبو عُبَيدة بن الجرّاح ومعه عمر بن الخطّاب رضى الله عنهم فقال: (١) السقه: جمع وسف وهو الحمل، وقدره الشرع بستين صاعاً. ويروى أيضاً بالتين المعجمه. ( النهاية، ج ٢، ص ١٦٩). (٢) فى الأصل: ((دوليم))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٨، ص ٣٣٠). (٣) صلب: أى يبس. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٩٣). (٤) أى بسلمه ويخفر ذمته، هو من أختى عليه. (النهاية، ج ٢، ص ٤). (٥) فى الأصل: ((أن تخرب))؛ وما أثبتناه عن السيرة الخليية. (ج ٢، ص ٣١٥). ٧٧٦ عزمت عليك أَلا تنحر ؛ أَتُريد أَن تُخفر ذمتك ولا مال لك ؟ فقال فيس: يا أَبا عُبَيدة، أَتُرى أَبا ثابت وهو يقضى دَين الناس، ويحمل الكَلّ (١)، ويُطعم فى المجاعة، لا يقضى سِقَة تمرٍ لقومٍ مُجاهدين فى سبيل الله ! فكاد أَبو عُبَيدة أَن يَلين له ويتركه حتى جعل عمر يقول : اعزم عليه ! فعزم عليه فأَبى عليه أن ينحر. فبقيت جزوران معه حتى وجد القوم الحُوت ، فقدم بهما قيس المدينة ظَهرًا يتعاقبون عليها . وبلغ سعد ما كان أَصاب القومَ من المجاعة فقال : إِن يكن قيسٌ كما أَعرفه فسوف ينحر للقوم . فلمّا قدم قيس لقيه سعد فقال : ما صنعتَ فى مجاعة القوم حيث أصابهم ؟ قال : نحرتُ . قال : أَصبتَ ، انحرْ! قال : ثم ماذا ؟ قال : نجرت . قال : أَصبت! قال: ثم ماذا؟ قال: ثم نحرت . قال: أَصبت، أنحْرْ! قال : ثم ماذا ؟ قال : نُهيتُ . قال : ومَن نهاك ؟ قال: أَبو عُبَيدة بن الجراح أَميرى. قال : ولِمَ ؟ قال: زعم أنه لا مال لى وإنما المال لأَّبيك ، فقلت : أبى يقضى عن الأَباعد، ويحمل الكَلّ(١). ويُطعم فى المجاعة ، ولا يصنع هذا بى ! قال: فلك أربع حوائظ. (٢). قال: وكتب له بذلك كتابًا . قال: وأَنى بالكتاب إِلى أَبى عُبَيدة فشَهِد فيه ، وأَتى عمر فأبى أن يشهد فيه - وأدنى حائطٍ. منها يُجَذّ خمسين وَسْقًا. وقدم البدوىّ مع قيس فأوفاه سِقَته وحمله وكساه ، فبلغ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فعلُ قيس فقال : إِنه فى بیت جود . حدّثْنى مالك بن أَنَس، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله ، (١) فى الأصل: ((ويحمل فى الكل)). (٢) الحوائط: البساتين. (السيرة الحلبية، ج ٢، ص ٣١٦). ٧٧٧ فأَلقى لنا البحر حودًا مثل الظَّرِب(١)، فأَكل الجيش منه اثنتى عشرة ليلة، ثم أَمر أَبو عُبَيدة بضِلَعٍ من أضلاعه فنُصب، ثم أَمر براحلةٍ فرُحلت. ثم مرّ تحتها فلم يُصبها . حدّثنى ابن أَبِى ذِئبٍ ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله، قال: إِن كان الرجل ليجلس فى وقْب (٢) عينه، وإِن كان الراكب ليمرّ بين ضِلَعَين من أضلاعه على راحلته . حدّثْنى عبد الله بن الحِجازىّ، عن عمر بن عُثمان بن شُجاع ، قال : لما قدم الأَعرابىّ على سعد بن عُبادة قال: يا أَبا ثابت! واللهِ، ما مثل ابنك صنعتُ ولا تركتُ بغير مال ؛ فابنك سيّد من سادة قومه ، نهانى الأَمير أَن أَبيعه . قلت : لِمَ ؟ قال : لا مال له ! فلما انتسب إِليك عرفته فتقدّمت لِما عرفتُ أَنك تسمو على معالى الأخلاق وجسيمها ، وأَنك غير مُذُمُّ بمن لا معرفة له لديك. قال : فأَعطى ابنه يومئذٍ أَموالًا عِظامًا. سريّة خَضِرَة، أَميرها أَبو قتادة فى شعبان سنة ثمان حدّثنا الواقدىّ قال: حدّثّنى محمّد بن سَهل بن أَبِى حَتْمَة ، عن أبيه ، قال : قال عبد الله بن أَبى حَدْرَو(٣) الأَسْلمىّ: تزوّجتُ ابنة سُراقة بن حارثة النَّجّارىّ وكان قُتل ببدر ، فلم أُصب شيئًا من الدنيا كان أحبّ إِلىَّ من مكانها ، فأَصدقتُها مائتى درهم ، فلم أجد شيئًا أَسوقُه إِليها فقلت : (١) الظرب: الجبل الصغير. (النهاية، ج ٣، ص ٥٤). (٢) كلمة غامضة فى الأصل؛ وما أثبتناه عن السيرة الحلبية. (ج ٢، ص ٣١٥). ووقب العين: نقرتها. (الصحاح ، ص ٢٣٤) . (٣) فى الأصل: ((عبد الله بن أبى جدرد))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج٣٢، ص ١٠٨). ٧٧٨ على اله وعلى رسوله المُعَوَّل. فجئتُ النبىّ صَلَى الله عليه وسلَّم فأخبرتُه، فقال: كم سُقتَ إِليها ! قلت : مائتى درهم . فقال : لو كنتم تغترفونه من ناحية بطحان(١) ما زدتم. فقلت: يا رسول الله، أَعِنّى فى صداقها. فقال رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم : ما وافقتُ عندنا شيئًا أُعينك به، ولكنى قد أجمعتُ أَن أَبعث أَبا قتادة فى أربعة عشررجلًا [فى سرية] ، فهل لك أن تخرج فيها؟ فإِنِى أَرجو أَن يُغنّمك الله مَهْر امرأتك. فقلت: نعم. فخرجنا فكنا سنَّة عشر رجلًا بأَبِى قَتادة وهو أَميرنا، وبَعثَنا إِلى غَطَفان نحو نَجْد فقال : سيروا الليلَ واكمُنوا النهارَ، وثُنّوا الغارةَ ، ولا تقتلوا النساء والصبيان . فخرجنا حتى جئنا ناحية غَطَفان، فهجمنا على حاضرٍ منهم عظيمٍ. قال : وخَطَبَنا أبو قتادة وأَوصانا بتقوى الله عزّ وجلّ، وأَلَّف بين كلّ رجلين وقال: لا يُفارق كلُّ رجلٍ زميله حتى يُقْتَل أَو يرجع إلى فيُخبرنى خبره ، ولا يأْتنى رجلٌ فأَسأَل عن صاحبه فيقول ، لا علم لى به! وإِذا كبّرتُ فَكَبِّروا ، وإِذا حملت فاحملوا ، ولا تُمعنوا فى الطلب. فأَحَطْنا بالحاضر فسمعتُ رجلًا يصرخ: يا خَضِرَة! فتفاءَلتُ وقلت: لأُصيبنَّ خيرًا ولاًجمعن إِلىّ امرأتى! وقد أَتيناهم ليلًا. قال : فجرّد أبو قتادة سيفه وجرّدنا سيوفنا ، وكبّر وكَبَّرنا معه ، فشددنا على الحاضر فقاتل رجالٌ ، وإذا برجلٍ طويلٍ قد جرد سيفه صّلْتًا، وهو يمشى القَهْقَرَى ويقول: يا مسلم ، هلمّ إلى الجنّة! فاتّعته ثم قال: إِنّ صاحبكم لذو مكيدة، وإن أَدره هو الأمر. وهو يقول : الجنّة ! الجنّة ! يتهكّم بنا . فعرفتُ أَنه مُستقبل فخرجت فى أثره، فيُنادينى صاحبى: لا تُبعِد، فقد نهانا أَميرنا أَن نُمعِن فى الطلب! فأدركتُه فرميتُه على (١) بطحان: اسم وادى المدينة. (النهاية، ج ١، ص ٨٣). ٦ ٧٧٩ جُرَيداء مَتْنه (١) ، ثم قال : ادنُ يا مسلم إلى الجنة ! فرميته حتى قتلته بنَبْلى ، ثم وقع ميّتًا فأَخذت سيفه. وجعل زميلى يُنادى: أين تذهب؟ إنّ واللهِ إِن ذهبتُ إِلى أبى قَتَادة فسألنى عنك أَخبرتُه. قال: فلقيته قبل أَبى قتادة فقلت : أَسأَلَ أَميرى عنى ؟ فقال: نعم ، وقد تغيّظ. علىّ وعليك. وأخبرنى أَنهم جمعوا الغنائم - وقتلوا مَن أَشرف لهم - فجئتُ أَبا قَتَادة فلامنى فقلت : قتلتُ رجلًا كان من أَمره كذا وكذا ، فأخبرته بقوله كلّه . ثم استقنا النَّجَم، وحملنا النساءَ، وجُفون السيوف معلّقة بالأَقْتَاب (٢). فأصبحت - وبعيرى مقطور (٣) - بامرأة كأَّنها ظَبْىٌ، فجَعلتْ تُكثر الالتفات خلفها وتبكى ، قلت : إِلى أَىّ شىءٍ تنظرين؟ قالت : أَنظر واللهِ إلى رجلٍ لئن كان حيًّا ليستنقذنا منكم. فوقع فى نفسى أَنّه الذى قتلتُه فقلت : قد واللهِ قتلته، وهذا سيفه مُعَلَّق بالقَتَب إِلى غِمْده. فقالت: هذا واللهِ غِمْد سيفه، فشِمْهُ (٤) إِن كنت صادقًا. قال: فشِمتُه فطَبَق (٥). قال: فبكت ويئست. قال ابن أبى حَدْرَد: فقدمنا على النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم بالنَّعَم والشاء. فحدّثنی أبو مودود ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى حَدْرَه(٦)، عن أَبيه ، قال : لمّا رجعت من غزوة خَضِرَة وقد أَصبنا فَيئاً، سَهْم كلّ رجل (١) أى وسطه، وهو موضع القفا المنجرد عن اللحم؛ تصغير الجرداء. (النهاية، ج ١ ، ص ١٥٤) .- (٢) الأقتاب: جمع قتب، وهو الإكاف الصغير على قدر سنام البعير. ( القاموس المحيط ، ج ١ ، ص ١١٤). (٣) قطرت البعير: طلبته بالقطران. ( الصحاح، ص ٧٩٥). (٤) شمت السيف: أغمدته. وشمته: سللنه، وهو من الاضداد. (الصحاح، ص ١٩٦٣). (٥) الطبق: يدل على وضع شىء مبسوط على مثله حتى يغطيه. (مقابيس اللغة، ج ٣، ص ٤٣٩). (٦) فى الأصل: ((عبد اللّه بن أبى جدرد)). ٧٨٠ اثنا عشر بعيرًا ، دخلتُ بزوجتى فرزقنى اللهُ خيرًا . وحدّثنى عبد الله بن جعفر، عن جعفر بن عمرو، قال: غابوا خمسَ عشرةٍ ليلة، وجاءوا بمائتى بعير وألف شاة، وسَبَوْا سبيًا كثيرًا. وكان الخُمُس. معزولًا، وكان سُهمانهم اثنى عشر بعيرًا، يعدل البعير بعشر من الغَنَم. حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى حَدْرَد، عن أبيه ، قال: أَصبنا فى وجهنا أربع نسوة ، فيهن فتاة كأنها ظَبْىٌ ، من الحداثة والحلاوة شىءٌ عجب ، وأَطفال من غلمان وجَوار ، فاقتسموا السّبى وصارت تلك الجارية الوضيئة لأَبى قتادة. فجاءَ مَحْمِيَة بن جَزْء الزُّبيديّ فقال: يا رسول الله ، إِنّ أَبا قَتادة قد أَصاب فى وجهه هذا جاريةٌ وضيئةً ، وقد كنتَ وعدتَنى جاريةً من أَوّل فَىءٍ يُفِىءُ اللهُ عليك. قال : فأَرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى أَبى قتادة فقال : ما جاريةٌ صارت فى سهمك ؟ قال : جاريةٌ من السَّبْى هى أَوضأُ ذلك السَّبى، أَخذتُها لنفسى بعد أَن أَخرجنا الخُمُس من المَغنم . قال: هَيْها لى . فقال : نعم ، يا رسول الله. فأخذها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدفعها إلى مَحْمِيَةٍ بن جَزء الزُّبَيْدى . شأن غزوة الفتح حدّثنى محمّد بن عبد الله، وموسى بن محمّد ، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن يَزيد، وابن أبى حَبيبة، وابن أَبِى سَبْرَة ، وعبد الحميد بن جعفر، وعبد الرحمن بن عبد العَزيز، ويونس بن محمّد، ومحمّد بن يحيى بن سهل ، ٧٨١ وابن أَبى حثْمَة ، ومحمّد بن صالح بن دِينار ، ونُجَيح ، وأُسامة بن زيد ، وحِزام بن هشام، ومُعاذ بن محمّد بن يحيى بن عبد الله بن أبى قتادة ، ومَعْمر بن راشد ؛ فكلُّ قد حدّثْنى من حديث الفتح بطائفة ، وبعضُهم أَوعى له من بعضٍ ، وغير هؤلاءِ قد حدّثنى أيضًا ، فكتبتُ كلَّ ما سمعت منهم ، قالوا : كانت خُزاعة فى الجاهليّة قد أصابوا رجلًا من بنى بكر أخذوا ماله ؛ فمر رجلٌ من خزاعة على بنى الدِّيل بعد ذلك فقتلوه ، فوقعت الحرب بينهم ، فمر بنو الأُسود بن رزْن - ذُوَّيب ، وسلمى، وكُلْثوم- على خُزاعة فقتلوهم بِعَرَفَة عند أَنصاب الحَرَم . وكان قوم الأَسود يُؤَّدّون فى الجاهليّة دِيَتَين بفضلهم فى بنى بكر ، فتجاوزوا وكفّ بعضهم عن بعض من أجل الإِسلام ، وهم على ما هم عليه من العداوة فى أنفسهم، إلا أنه قد دخل الإِسلام عليهم جميعًا فأمسكوا ، فلمّا كان صُلْحِ الحُدَيبية دخلت خزاعة فى عَقد رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وعَهْده، وكانت خُزاعة حلفاء لعبد المطّب، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عارفًا، ولقد جاءته يومئذٍ خُزاعة بكتاب عبد المطّب فقرأه. قال ابن واقد: وهو (( باسمك اللَّهمّ، هذا حِلف عبد المطلب بن هاشم لخُزاعة ، إِذ قدم عليه سَراتهم وأَهل الرأى، غائبهم مُقَرُّ بما قضى عليه شاهدُهم . إِنّ بيننا وبينكم عُهودَ الله وعُقُودَه ، مالا يُنسَى(١) أَبْدًا، ولا يأْتِى بلَدِّ (٢)، اليد واحدةٌ والنصر واحدٌ ، ما أَشرف ثبير ، وثبت حِراء، وما بلَّ بحرٌ صوفة (٣)، لا يزداد فيما بيننا وبينكم إلّا (١) فى الأصل: ((لا تنسبنى)). وما أثبتناه عن الزرقانى. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٣٤٥) . (٢) الله: الخصومة الشديدة. (النهاية ، ج ٤، ص ٥٨). (٣) فى الأصل: ((ما أسروه سر وثبت حرا وما تل بحر صونه)). والتصحيح من الزرقانى. ( شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٣٤٥). وثبير وحراء جيلان بمكة. (معجم البلدان ، ج ٢، ص ٧ ؛ ٢٣٩) . ٧٨٢ تجدّدًا أَبدًا أَبدًا، الدَّهْرَ سَرْمَدًا)). فقرأه عليه أُبىّ بن كعب فقال: ما أعرفَنى بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف! فكلّ حِلف كان فى الجاهلية فلا يزيده الإِسلام إلّا شدّة، ولا حِلف فى الإِسلام . وجاءَته أَسْلم وهو بغَدير الأَشطاط. (١) ، جاءَ بهم بريدة بن الحُصَيب فقال: يا رسول الله، هذه أَسْلَم وهذه مَحالّها ، وقد هاجر إليك مَن هاجر منها وبقى قومٌ منهم فى مواشيهم ومعاشهم . فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: أنتم مُهاجرون حيث كنتم. ودعا العلاء بن الحضرمىّ فأَمره أن يكتب لهم كتاباً، فكتب: ((هذا كتابٌ من محمد رسول الله لأَسْلَم. لِمَن آمن منهم بالله، وشَهِدٍ أَنه لا إِله إِلّ الله وأَنْ محمّدًا عبده ورسوله؛ فإنه آمِنُ بأمان الله، وله ذمّة الله وذمّة رسوله . وإِنّ أَمرنا وأمركم واحدٌ على من دَهَمنا مِن الناس بظُلٍ، اليد واحدة والنصر واحدٌ ، ولأَهل باديتهم مثل ما لأَهل قَرارهم ، وهم مُهاجرون حيث كانوا)). وكتب العَلاء بن الحضرمىّ. فقال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه: يا رسول الله ، نِعمَ الرجلُ بُرَيدةُ بن الح صيب لقومه، عظيم البركة عليهم؛ مررنا به ليلة، مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة ، فأَسلم معه مِن قومه مَن أَسلم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: نِعمَ الرجل بُرَيدة لقومه وغير قومه يا أبا بكر ، إِنّ خير انقوم من كان مُدافعًا عن قومه ما لم يأْثم ، فإنّ الإِئمَ لا خير [ فيه] . حدّثنى عبد الله بن عمرو بن زهير ، عن مِحْجن بن وَهب (٢)، قال: كان آخر ما كان بين خُزاعة وبين كِنانة أَنَّ أَنَس بن زُنِيمِ الدِّيلِىّ هجا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، فسمعه غُلامٌ من خُزاعة فوقع به فشَجَّه ، فخرج (١) غدير الأشطاط: على ثلاثة أميال من عسفان مما يلى مكة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٢}. (٢) فى الأصل: ((محجر بن وهب). ٧٨٣ إلى قومه فأُراهم شُجْته فثار الشَّرُّمع ما كان بينهم ، وما تطلب بنو بكر من ◌ُزاعة من دمائها. فلمّا دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرًا من صُلحِ الحُدَيبية تكلّمت بنو نُفائة من بنى بكر أَشراف قُرَيش - واعتزلت بنو مدْلِيجٍ فلم ينقضوا العهْد - أَن يُعينوا بالرجال والسلاح على عدوهم من خُزاعة ؛ وذكَّروهم القتلى الذين أَصابت خُزاعة لهم ، وضربوهم بأَرحامهم ، وأخبروهم بدخولهم معهم فى عقْدهم وعَهْدهم ، وذهاب خُزراعة إلى محمدٍ فى عَقْدِه وَعَهْدِه، فوجدوا القومَ إلى ذلك سراعًا إِلّا أَبا سُفيان ، لم يُشاوَر فى ذلك ولم يَعلَم؛ ويُقال: إنهم ذاكروه فأَبى عليهم . وجعلت بنو نُفاثة ويكر يقولون: إنما نحن ! فأَعانوهم بالسلاح والكُراع والرجال ودسوا ذلك سرًّاً لئلا تَحذّر خُزاعة، [فهم ] آمنون غارّون بحال المُوادعة وما حجز الإِسلام بينهم. ثم اتّعدت قُرَيش الوَتير موضعًا بمَنِ معها ، فوافوا للميعاد ، فيهم رجالٌ من قُرَيش من كبارهم مُتنكّون مُنتقبون؛ صَفوان بن أُمَية ، ومِكْرَز بن حَفْص بن الأَخيف ، وحُوَيَطب بن عبد العُزّى، وأَجلبوا معهم أَرِقًّاءهم ، ورأس بنى بكر نوفل بن مُعاوية الدُّوَّ، فبيّتوا خُزاعة ليلًا وهم غارّون آمنون من عدوّهم ، ولو كانوا يخافون هذا لكانوا على حَذَرٍ وعُدَّةٍ ، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا بهم إلى أَنصاب الحَرَم، فقالوا: يا نَوفل، إِلَهَك، لَهَك ! قد دخلتَ الحرم ! قال : لا إِله لى اليوم ، يا بنى بكر! قد كنتم تسرقِود الحاجّ، أَفلا تُدركون تأْركم من عدوّكم؟ لا يُريد أحدكم يخُقى. امرأته حتى يستأذنىّ، لا يُؤَخَّر أَحدٌ منكم اليوم بعد يومه هذا من ثأُره . فلما انتهت خُزاعة إلى الحرم ، دخلت دار بُدَيل بن ورقاء ودار رافع الخُزاعيّين وانتهوا بهم فى عَماية الصبح، ودخلت روما قُرَيش فى منازلهم وهم ٧٨٤ يظنّون أَلَّا يُعرَفوا ، وأَلّا يبلغ هذا محمّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم . حدّثنى عبد الله بن عامر الأَسلمىّ، عن عطاء بن أبى مَروان ، قال : قتلوا منهم عشرين رجلًا، وحضروا خُزاعة فى دار رافع وبُدَيل، وأَصبحت خُزاعة مُقَتَّلين على باب بُدَيل - ورافع مولى لخُراعة. وتنحَّت (١) قُرَيش ونَدِموا على ما صنعوا، وعرفوا أَنّ هذا الذى صنعوا نَقْض للمُدَّةِ والعَهْد الذى بینھم وبین رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . حدّثنى عبد الله بن عمرو بن زُهَير ، عن عبد الله بن عِكْرِمة بن عبد الحارث بن هشام ، قال : وجاءَ الحارث بن هشام وابن أبى رَبيعة إِلى صفوان بن أُمَية، وإِلى سُهَيل بن عمرو، وعِكْرِمَةٍ بن أبى جَهل ، فلاموهم فيما صنعوا من عونهم بنى بكر ، وأَنّ بينكم وبين محمّد مُدَّة ، وهذا نَقْضُ لها . وانصرف ذلك القوم ودسّوا إِلى نَوفل بن مُعاوية، وكان الذى ولى كلامَه سُهَيل بن عمرو ، فقال : قد رأيت الذى صنعنا بك وأصحابك وما قتلت من القوم، وأنت قد حضرتهم تُريد قَتْلَ مَن بقى منهم، وهذا ما لا نُطاوعك عليه فَاتركْهم لنا. قال : نعم. فتركهم فخرجوا. فقال ابن قَيس الرُّقَيات يذكر سُهَيل بن عمرو : كثرتهم (٣) بمكَّة الأحياءُ خالط. (٢) أَخوالَه خزاعة لمّاً وقال فى ذلك ابن لُعْط. الدِّيلىُّ (٣): رَدَدْنَا بَنِى كَعب سأَذْوقَ (٥) ناصلٍ أَلا هَلْ أَنِى قُصْوَى(٤) العَشيرةِأَنَّنا (١) فى الأصل: ((ونخبت))، ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات. (٢) فى ديوان ابن قيس الرقيات: ((حاط)). (ص ٩٢). (٣) فى الأصل: ((كثر بهم)). والمثبت من ديوان ابن قيس الرقيات. (ص ٩٣). (٤) قصوى: أى أبعد. ( شرح أبى ذر، ص ٣٦٥). (٥) تقول العرب: رددته بأفوق ناصل إذا رددته خائبا. والأفوق: السهم الذى انكسر فوقه وهو طرفه الذى يلى الوتر. والناصل: الذى زال نصله أى حديده الذى يكون فيه. (شرح أبى ذر، ص٣٦٥). ٧٨٥ وعِندَ بُدَلٍ مَحْبِساً غير طائلٍ حَبسناهُمُ فى دارةِ العبدِ رافعٍ نَفَخنا لهم مِن كلّ شِعْبٍ بِوابلٍ (١) حبسناهُمُ حتى إذا طالَ يومُهِمْ أُسودٌ تَبَارَى فِيهِمُ بِالقَوَاصِل (٢) ذبحناهُمُ ذبح التّيوسِ كأَنَّنا قال : ومشى الحارث بن هشام وعبد الله بن أبى ربيعة إلى ابى سُفيان فقالا : هذا أَمْرٌ لا بد له من أَن يُصلَحِ؛ والهِ لئن لم يُصلِح هذا الأمر لا يروعكم إلّ محمّد فى أصحابه! قال أبو سُفيان: قد رأَت مِند بنت عُتبة رؤيا كرهتُها. وأَفظعتُها وخفتُ من شرّها . فقال القوم: ما هى؟ قال : رأَت دمًا أَقبل من الحَجون يسيل حتى وقف بالخَنْدَمَةِ (٣) مَلِيًّا، ثم كان ذلك الدم لم يكن. فكره القوم هذا ، وقالوا : هذا شَرٌّ . فحدّثْنى مجَمِّع بن يعقوب، عن أَبيه، قال: لما رأَى أَبو سُفيان ما رأى من الشرّ قال: هذا واللهِ أَمْرٌ لم أَشهده ولم أُغِب عنه، لا حُمل هذا إلّا عَلىَّ ؛ ولا واللهِ ما تُوورت ولا هويت حيث بلغنى! واللهِ ليغزونا محمّدٌ إِن صدقنى ظنّى وهو صادق، ومالى بدُّ أَن آتى محمدًا فأُكلّمه أَن يَزِيد فى الهُدْنَة ويُجدّد العَهْد قبل أن يبلغه هذا الأَمر. فقالت قُرَيَش: قد واللهِ أَصبتَ الرأى! ونَدمت قُرَيش على ما صنعت من عَون بنى بكرٍ على خُزاعة ، وعرفوا أَنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لن (٤) يَدَعهم حتى يغزوهم. فخرج أبو سفيان، وخرج معه مولّ له على راحلتين، فأَسرع السير وهو يرى أنه أَوّل (١) الوابل: المطر الشديد، وأراد به هنا دفعة الخيل. (شرح أبى ذر، ص ٣٦٥). (٢) يجوز أن يريد هنا السيوف. وسيف فاصل وقصال، أى قاطع. (أساس البلاغة، ص ٧٧٢). (٣) الخندمة: جبل بمكة. (معجم ما استعجم، ص ٣١٩). (٤) فى الأصل: ((لم يدعهم)) . ٧٨٦ من خرج من مكَّة إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم . قال أبو عبد الله : وقد سمعنا وجهًا من أمر خُزاعة لم أَرَ عليه الناس قبلنا ولا يعرفونه، وقد رواه ثِقَةٌ، ومُخرجه الذى رُد إليه ثِقَةٌ مُقنِعٌ ، فلم أَرَ أَحدًا يعرف له وجهًا! إِلّا أَنَّ الناس قبلنا ينفونه ويقولون: لم يكن؛ وذ کرته لابن جعفر ومحمّد بن صالح ولأَبى معْشَر وغيرهم ممن له علم بالسريّة فكلُّهم يُنكره ولا يأتى له بوجهٍ . وكان أَوّل الحديث ،أَنه حدَّثنى الثقّة عندى،أنه سمععمرو بن دينار، يُخبر عن ابن عمر ، أَنه لما قدم رَكْب خُزاعة على رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فأخبره بمن قُتل منهم ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: فمَن تُهْمَتكم وظِنَّتكم ؟ قالوا : بنو بكر. قال : كلّها؟ قالوا : لا ، ولكن تُهْمَتنا بنو نُفاثة قَصْرةً ، ورأس القوم نوفل بن مُعاوية النُّهانىّ. قال : هذا بطنٌ من بنى بكر وأَنا باعثُ إِلى أَهل مكَّة فسائلهم عن هذا الأمر ومُخيّرهم فى خِصالٍ . فبعث إليهم ضَمْرة يُخيّرهم بين إحدى ثلاث خِلال، بين أَن يَدُوا خُزاعة أَو يبرأَوا [من ] حِلف نُفاثة، أَو يَنبِذِ إِليهم على سَواء. فأَتاهم ضَمْرَةُ رسولُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وخبّرهم بالذى أرسله رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم ،يخيّهم بين [أن] يدوا قتلى خُزاعة، أَو يبرأَوا [من] حِلِف نُفاثة، أَويَنبِذوا إليهم على سواء. فقال قُرَطَة بن عبد عمرو الأَعجمىّ: أَمَّا أَن نَدِىَ قتلى خُزاعة؛ فإنَّ نُفاثة قوم فيهم عُرامٌ (١) فلا نَديهم حتى لا يبقى لنا سَبَدٌ ولا لَبَدٌ (٢)، وأَمّا أَن نبراً من حِلف نُفائة فإنه ليس قبيلة فى العرب تحجّ (١) العرام: الشدة والقوة والشراسة. (النهاية، ج ٣، ص ٨٩). (٢) فى الأصل: ((لا يبقى لنا سيد ولا لبد)). والسيد: الشعر؛ والبد: الصوف. أى لا يبقى لنا شئ. (الصحاح ص ٥٣٠). ٧٨٧ هذا البيت أَشد تعظيمًا لهذا البيت من نُفاثة ، وهم حلفاوُّنًا فلا نبرأُ من حِلفهم، ١٠ بقى لنا سَبَدٌ ولا تَبَدٌ(١)، ولكنّا نَنيذِ إِليه على سَواء. فرجع ضَمْرَة إِلى رسول اله صلّى الله عليه وسلَّم بذلك من قولهم، فبعثت قُرَيش أَبا سُفيان بن حرب تسأَل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أَن يُجدّد العَهْد، وندمت قُرَيش على ردّ الرسول بما ردّه. قال أبو عبد الله : فكلّ أَصحابنا أنكروا هذا الحديث. وقال : فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بالأَنقاب (٢) وعمّى عليهم الأخبار حتى دخلها فُجاءَةً - حتى ذكرتُ هذا الحديث لحِزام بن هِشام الكعبى فقال: لم يُضيّعَ الذى حدّثك شيئًا، ولكن الأمر على ما أقول لك - ندمت قُرَيش على عون نُفاثة وقالوا : محمدٌ غازينا ! قال عبد الله بن سعد بن أبى سَرْح - وهو عندهم يومئذٍ كافرٌ مُرتدٌّ- إِنَّ عندى رأيًا؛ أَنّ محمّدًا ليس يغزوكم حتى يُعذر إليكم ويُخيّركم فى خِصالٍ كلّا أَهون عليكم من غزوه. قالوا: ما هى؟ قال: يُرسل أَن ادُوا قتلى خُزاعة وهم ثلاثة وعشرون قتيلاً ، أَو تَبرأوا من حِلف مَن نقض العَهْد بيننا .- بنو نُفاثة - أَو ننبِذ إليكم الحرب (٣)؛ فما عندكم فى هذه الخصال ؟ قال القوم : آخر ما قال ابن أبى السَّرْح! وقد كان به عالمًا. فقال سُهَيل بن عمرو : ما خَصْلَةٌ أَيسر علينا من التبَرّؤْ مِنْ حِلف بنى نُفاثة . قال شيبة ابن عُثمان العَبْدَرَىّ: حفظتَ أَخوالك وغضبتَ لهم! قال سُهَيل: وأبو قُرَيْشٍ لم تَلده خُزاعة . قال شَيبة : لا ، ولكنّا نَدِى قتلى خُزاعة ، فهو أهون (١) فى الأصل: ((سبدا ولا لبدا)). (٢) الأنقاب: طرق المدينة. (النهاية، ج٤، ص ٢١٨). (٣) فى الزرقانى عن الواقدى: ((أو ننبذ إليكم على سواء)). (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢ ، ص ٣٤٦) . ٧٨٨ علينا . فقال قُرَطَة بن عبد عمرو: لا واللهِ، لا يُودَون(١) ولا نبرأُ من حِلف نُفَّائة، ابن الغَوْث (٢) بنا وأعمدة لشدّتنا، ولكن نَنبِذ إِليه على سواء! فقال أبو سُفيان : ما هذا بشىءٍ! وما الرأى لنا إلّا جحْد هذا الأمر، أن تكون قُرَيش دخلت فى نَفْض عَهْدٍ وَقَطْعِ مُدَّة ، فإِن قطعه قومٌ بغير هَوَّى منَّا ولا مشورة فما علينا. قالوا : هذا الرأى، لا رأى غيره؛ الجُحْد لكلّ ما كان من ذلك! [قال]: وإِنى لم أَشهده ولم أُوامِر فيه، وأَنا فى ذلك صادقٌ ؛ لقد كرهتُ ما صنعتم وعرفت أَن سيكون له يومُ عَماس(٣). قالت قُرَيش لأَبى سُفيان : وَاخرجْ أَنت بذلك! حتى خرج إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم . قال أبو عبد الله : فذكرت حدیث حزام لابن جعفر وغيره من أصحابنا فلم يُنكروه ، وقالوا : هذا وجهُه ! وكتبه منى عبد الله بن جعفر . حدّثنى عبد الله بن عامر الأَسْلَمِىّ، عن عطاء بن أَبِى مَروان ، قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشة: قد حِرت فى أَمر خُزاعة . قال ابن واقد : فقالت عائشة رضى الله عنها: يا رسول الله أَتُرى قُرَيشًا تجترىء (٤) على نقض العَهْد بينكم وبينهم وقد أَفناهم السيف ؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ينقضون العَهد لأَمرٍ يُريده الله تعالى بهم. قالت عائشة : خيرٌ أَو شرٌّ يا رسول الله ؟ قال : خيرٌ! فحدثنى حِزام بن هشام بن خالد الكعبىّ ، عن أبيه ، قال : وخرج عمرو (١) فى الزرقانى عن الواقدى: ((لا ندى)). (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٣٤٦). (٢) هكذا فى الأصل . (٣) يوم عماس: أى مظلم. (الصحاح ، ص ٩٤٩). (٤) فى الأصل: ((أن تجترى)). ٧٨٩ ابن سالم الخُزاعىّ فى أربعين راكبًا من خُزاعة يستنصرون رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ويُخبرونه بالذى أَصابهم وما ظاهرت عليه قُرَيش - فأَعانوهم(١) بالرجال والسّلاح والكُراع، وحضر ذلك صفوان بن أُمّة فى رجالٍ من قومهم مُتَنكِّرين، فقتلوا بأَيديهم - ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالسٌ فى المسجد فى أصحابه؛ ورأس خُزاعة عمرو بن سالم ، وقام يُنشد رسول اله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأَذن له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واستمع منه. فقال : حلفَ أَبينا (٢) وأَبِيكِ الأَعْلَدَا(٣) اللَّهم إِنِّى ناشدٌ محمّدًا ثُمَّتَ أَسلمنا ولم تَنْزِعِ يَدَا قد كُنْمُ وُلْدًا وكذّا والِدَا ونقضوا ميثاقَكَ الْمُؤَكَّدَا إِنَّ قُريشًا أَخْلَفوكَ المَوْعِدَا وادعُ عِبادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدا فانْصُرْ هداك اللهُ نَصْرًا أعتدا(٤) فى فَيْلَتِ (٥) كالبَحْرِ یجری مُزْبِدا فيهم رسولُ اللهِ قد تَجَرَّدًا هم بَيَّتونا بالوَتَيرِ هُجَّدًا(٧) قَرْمٌ (٦) لَقَرْمٌ مِنْ قُرومٍ أَصْيَدًا وزَعموا أَنْ لستُ أَدعو أَحدًا وَأَقَلُّ عَددًا نَتلو القرآنَ رُكَّعًا وُسُجَّدا وهم أَذَلُّ وهم فلما فرغ الرَّكْب قالوا : يا رسول الله، إِنّ أَنَس بن زُنَيم الدِّيلىّ قد هجاك . فهَدَر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم دمه، فبلغ أَنّسَ بن زُنَيم ، فقدم (١) أى أعانت قريش بنى نفاثة على خزاعة. انظر ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٩٧). (٢) فى الأصل: ((حلفا نيبا))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحق. (السيرة النبوية، ج ١، ص ٣٦). (٣) الأتلد: القديم. (شرح أبى ذر، ص ٣٦٧) . (٤) فى الأصل: ((مويدا))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ٣٦). وأعتد : حاضر، من المشى العتيد وهو الحاضر. ( شرح أبى ذر ، ص ٣٦٧). (٥) الفيلق: الجيش. (الصحاح ، ص ١٥٤٥) . (٦) القرم: السيد. (الصحاح، ص ٢٠٠٩). (٧) الهجد: النيام، وقد يكون الهجد أيضا المستيقظين، وهو من الأضداد. (شرح أبى ذر، ص٣٦٧). ٧٩٠ على رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم معتذرًا مما بلغه، فقال : أَأَنت الَّذِى تُهدَى مَعَدُّ بأَمرِهِ فما حملتْ مِنِ ذاقةٍ فوقَ رَحْلِها أَحَثْ على خَيرٍ وَأَوَسَعِ نائِلًا وأَكْسَى لِبْرِدِ الخالِ (٢) قبل اجتِذابِه تَعَلَّمْ رسولَ اللهِ أَنَّكَ مُدْرِكِى الله أَنَّكَ قادِرٌ تَعَلَّمْ رسولَ اللهِ أَنّى هَجوّتُه ونُبِّی رسولُ سِوى أَنَّنِى قد قلتُ يا وَيْحَ فِئْيةٍ أَصابَهُمُ مَن لَم يكُن لِيمانِهِم ذُوَّيْبٌ وَكُلثومٌ وسَلمى تتابعوا على أَنّ سَلمى ليس فيهم كمثله وإِنِّىَ لا عِرضًا خَرَفْتُ ولا دَمًّا بَلِ اللهُ يَهديهمْ وقال لَكَ اشْهَد أَبَرَّ وَأَوْفِى ذِمَّةً من مُحمَّدٍ إِذا راحَ يَهتزُّ اهتزازَ المُهَنَّدِ (١) وأَعَى برأسِ السابقِ (٣) المُتُجرِّدِ وأَنَّ وَعيدًا مِنْكَ كالأَخْذِ باليَدِ ١ على كلّ سَكْنٍ(٤)مِن تِهامٍ ومُنْجِدٍ فَلَا رفعَتْ سَوطى إِلىّ إِذَنْ يَدى أُصيبوا بنَحْسِ يوم طَلْقٍ (٥) وأَسعدٍ كِفاءَ فعزت عَبْرَتِى وَتَبَلُّدِى (٦) جميعًا فإِلّ تَدمعِ العينُ أَكْمَدٍ وإِخْوتِه أَو هَل مُلوكٌ كأَعْبُدٍ مَرَقتُ فَفَكِّرْ عالِمَ الحقِّ وَاقصِدٍ أَنشدنيها حِزام . وبلغت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قصيدته واعتذاره، وكلّمه ذَوفل بن معاوية الدِّيلى فقال: يا رسول الله، أَنت أَولى الناس بالعفو ، ومَن منَّا لم يعادك ويُؤذِك، ونحن فى جاهليَّة لا ندرى (١) المهند: السيف المطبوع من حديد الهند. (الصحاح، ص ٥٥٤). (٢) الخال: ضرب من برود اليمن. (شرح أبى ذر، ص ٣٧٦). (٣) السابق: الفرس. والمتجرد: الذى يتجرد من الخيل فيسبقها. (شرح أبى ذر، ص ٣٧٦). (٤) السكن : أهل الدار. (الصحاح ، ص ٢١٣٦) . (٥) الطلق: اليوم السعيد، يقال يوم طلق إذا لم يكن فيه حر ولا برد ولا شىء يؤذى. ( شرح أبى ذر ، ص ٣٧٦) . (٦) التبلد: التحير. (شرح أبى ذر، ص ٣٧٦). ٧٩١ ما نأُخذ وما ندع حتى هدانا الله بك من الهَلَكَة، وقد كذب عليه الرَّسْب وكثّروا عندك. فقال: دع الرَّكْب، فإِنا لم نجد بتِهامة أَحدًا من ذى رَحِمٍ ولا بعيد الرَّحِم كان أَبِرَّ بنا من خُزاعة. فأُسكت نوفل بن مُعاوية ، فلمّا سكت قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: قد عَفوتُ عنه. قال نوفل: فداك أبى وأمىّ ! وحدّثنى عبد الحميد بن جعفر بن عمران بن أَبِى أَنَس؛ عر ابن عبّاس رضى الله عنه، قال: قام رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وهو يَجُرّ طَرَف رِدائه ، وهو يقول: لا نُصِرتُ إِن لم أَنْصُر بنى كعب ممّا أَنْصُر منه نفسى ! وحدّثنى حزام بن هشام، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: لكأَنكم بأَّبِى سُفيان قد جاءَ يقول: ((جدّد العهد وزِدْ فى الهُدنة)) وهو راجعٌ بسخطه. ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لعمرو بن سالم وأصحابه: ارجعوا وتفرّقوا فى الأودية! وقام رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فدخل على عائشه وهو مُغضَب. فدعا بماءٍ فدخل يغتسل . قالت عائشة: فأَسمعه يقول وهو يصبّ الماءَ عليه : لا نُصِرتُ إِن لم أَنْصُر بنى كعب! وخرج أبو سُفيان من مَّة وهو مُتخّوف الذى صنع عمرو بن سالم وأصحابه أن يكونوا جاءوا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم . وكان القوم لمّا أَتوا الأَبْواءَ راجعين تفرّقوا، وذهبت طائفةٌ إِلى الساحل تُعارض الطريق ، ولزم بُديل بن أُم أَصْرَم فى نُفَيرٍ معه الطريق ، فلقيه أبو سُفيان ، فأَشفقِ أَبو سُفيان أن يكون بُديل جاءَ محمّدًا ، بل كان اليقين عنده ، فقال للقوم: أَخْبِرونى عن يَغْرِب ، مُنْذ كم ٧٩٢ عَهْدكم بها ؟ فقالوا: لا علم لنا بها . فعرف أنهم كتموه ، فقال : أَما معكم من تمر يَذْرب شىءٌ تُطعموناه؟ فإِنَّ لِتمر يَغْرِب فضلًا على تمر تِهامة. قالوا: لا. قال: ثم أَبت نفسه أَن تُقرّه (١) حتى قال: يا بُدَيل، هل جئتَ محمّدًا؟ قال : لا إما فعلتُ ،ولكثى سرت فى بلاد كعب وخُزاعة من هذا الساحل فى قتيلٍ كان بينهم.فأَصلحتُ بينهم. قال: يقول أبوسفيان: إِنك واللهِ - ما علمتُ - بَرُّ واصلٌ. ثم قايلهم أبر سفيان حتى راح بديل وأصحابه ، ثم جاءً منزلهم ففتٌ أَبعار أَباعرهم فوجد فيها ذَوَّى، ووجد (٢) فى منزلهم نوّى من تمر عَجْوَة كأنها أَلْسِنَة الطَّير ، فقال أَبو سُفيان : أَحلفُ باللهِ لقد حاءَ القومُ محمّدًا! وكان القوم لمّا كانت الوقعة خرجوا من صبح ذلك اليوم . فساروا إِلى حيث لقيهم أبو سُفيان ثلاثًا . وكانت بنو بكر قد حبست خُزاعة فى دار بُدَيل ورافع ثلاثة أَيّام لم يُكلِّموا فيهم، وائتمرت قُرَيش أن يخرج أبوسفيان، فأقام يومين ثم خرج ، فهذا خمس بعد مقتل خُزاعة . وأَقبل أبو سُفيان حتى قدم المدينة فدخل على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا محمد، إنى كنت غائبًا فى صُلح الحُدَيبية، فَاشِدُد العَهْدِ وزِدْنا فى المُدَّة. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هل كان قِبَلَكم حَدَثٌ ؟ قال: مَعاذَ الله! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فنحن على مُدَّتنا وصُلْحنا يوم الحديبية ، لا نُغيّر ولا نُبدّل . ثم قام من عنده فدخل على ابنته أُم حَبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم طوتْه دونه ، فقال : أَرغبتِ بهذا الفراش عنى أَوبى عنه ؟ قالت : (١) فى الأصل: ((يقرة)). (٢) فى الأصل: ((ووجدوا)). ٧٩٣ بل هو فراش رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنت امرؤٌ نَجَسٌ مُشرك ! قال: يا بُنَيّة، لقد أصابك بعلمك شرٌّ! قالت: هدانى الله للإِسلام، وأنت يا أَبتِ سَيِّدُ قُرَيش وكبيرُها، كيف يسقط. عنك الدخول فى الإِسلام ، وَأَنت تَعْبُد حجرًا لا يسمع ولا يُبصر ؟ قال: يا عُجَباه، وهذا منكِ أَيضاً ؟ أَأتركُ ما كان يَعْبُد آبائى وأتبع دين محمّدٍ ؟ ثم قام من عندها فلقى أَبا بكر الصِّدّيق رضى الله عنه فكلّمه وقال : تُكلِّم محمّدًا وتُجير أَنتٍ بين الناس؟ فقال أبو بكررضى الله عنه: جوارى فى جِوار رسول الله صلّى اله عليه وسلَّم. ثم لقى عمر رضى الله عنه فكلّمه بمثل ما كلّم به أبو بكر ، فقال عمر : والهِ، لو وجدتُ الذَّرَّ(١) تُقاتلكم لأَعنتُها عليكم! قال أبوسفيان: جُزيتَ مِن ذى رحِمٍ شرًّا. ثم دخل على عُثمان بن عَفّان رضى الله عنه فقال: إنه ليس فى القوم أَحدٌ أَقرب بى رحِمًا منك، فزِدْ فى الهُدْنة وجَدد العَهْد ؛ فإِنّ صاحبك لن (٢) يَرُده عليك أَبْدًا؛ واللهِ ما رأيت رجلاً قطُ. أكثر إكرامًا لصاحبٍ من محمّدٍ لأَصحابه! قال عثمان رضى الله عنه : جِوارى فى جِوار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . وحدّثنى عبد الله بن محمد، عن أبيه ، قال : دخل على فاطمة بنت النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فكلَّمها فقال: أَجيرى بين الناس! فقالت: إنما أنا امرأة . قال : إِنّ جِوارك جائزٌ ، قد أَجارتْ أُختك أبا العاص بن الرَّبيع، فأَجاز ذلك محمدٌ. قالت فاطمة: ذلك إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم! وأَبتْ ذلك عليه. فقال: مُرِى أَحدَ بنيك يُجير بين الناس! (١) الذر: النمل الأحمر الصغير. (النهاية، ج ٢، ص ٤٤). (٢) فى الأصل: (( لم يرده)).