النص المفهرس

صفحات 341-360

٧٥٤
كلّ رجلٍ ، وعدلوا البعير بعشرة من الغَنَم، وغابت السَّريّة خمسَ عشرةَ
ليلة .
قال ابن أبى سَبْرَة : فحدّثتُ هذا الحديثَ محمّدَ بن عبد الله بن
عمر بن عُمان فقال : كانوا قد أصابوا فى الحاضر نسوةٌ فاستاقرهنَّ، وكانت
فيهنّ جاريةٌ وضيئةٌ فقدموا بها المدينة . ثم قدم وفدهم مُسلمين ، فلما
قدموا كلَّموا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى السَّبْى، فكلَّم النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم شُجاعاً وأصحابه فى ردِّهنّ، فسلَّموهنَّ ورُدُّوهنَّ إلى أصحابهنَّ .
قال ابن أَبِى سَبْرَة: فأَخبرتُ شيخاً من الأَنصار بذلك فقال: أَمّا
الجارية الوضيئة فكان شُجاع بن وهب قد أَخذها لنفسه بثَمَنٍ فأصابها ،
فلمّا قدم الوفد خيّرها ، فاختارت المقام عند شُجاع بن وهب، فلقد قُتِل
يوم اليمامة وهى عنده ، ولم يكن له منها وَلَدٌ . فقلتُ لابن أَبِ سَبْرة :
ما سمعت أحدًا قطُّ. يذكر هذه السَّريّة. فقال ابن أبى سَبْرَة : ليس
كل العِلم سمعتَه . قال : أَجل واللهِ .
فقال ابن أبى سَبْرَة : لقد حدّثنى إسحاق بن عبد الله سريّةً أُخرى،
قال إسحاق : حدَّثنى ابن كَعب بن مالك أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم بعث قُطْبَة بن عامر بن حَديدة فى عشرين رجلاً إلى حَىٍّ من خَثْعَم
بناحية تَبَالَة، وأمره أَن يَشُنَّ الغارةَ عليهم ، وأَن يسير الليل ويكمُن النهار،
وأَمره أَن يُغذَّ السيرَ . فخرجوا على عشرة أَبْعِرَة يعتقبونها ، قد غيّبوا السلاح؛
فأَخذوا على الفَتْقَ (١ ) حتى انتهَوا إِلى بطن مَسْجِب (٢)، فأخذوا رجلاً فسألوه
(١) الفتق: من مخاليف الطائف. (معجم البلدان، ج ٦، ص ٣٣٨) .١
(٢) هكذا فى الأصل. ولعله يريد ((مسحاه)) وهى من مخاليف الطائف. (معجم البلدان، ج ٨ ،
ص ٥١) .

٧٥٥
فاستعجم عليهم، فجعل يصيح بالحاضر ، فقدّمه قُطْبَة فضرب عنقه .
ثم﴾ أقاموا حتى كان ساعة من الليل ، فخرج رجلٌ منهم طَليعةً فيجد حاضر
نَعَمٍ ، فيه النَّعَم والشاء ؛ فرجع إلى أصحابه فأخبرهم ، فأَقَبل القوم
يدِبُّون دبيباً يخافون الحَرَس ، حتى انتهوا إلى الحاضر وقد ناموا وهدأوا ؛
فكبّروا وشدّوا الغارةَ، فخرج إليهم رجال الحاضر ، فاقتتلوا قتالاً شديدًا
حتى كثرت الجراح فى الفريقين. وأصبحوا وجاء الخَثْعميّون الدَّهْ(١)،
فحال بينهم سيلٌ أَنِيَّ ، فما قدر رجلٌ واحدٌ منهم يمضى حتى أَتَى قُطْبة على
أَهل الحاضر، فأَقْبل بالنَّعَم والشاء(٢) والنساء إلى المدينة ، فكان سِهامهم
أربعة أربعة، والبعير بعشرة من الغَنَم بعد أن خرج الخُمُس . وكان فى
صفر سنة تسع .
غزوة مُؤْتَةٍ (٣)
.جلّنا الواقدى قال: حدّثْنى ربيعة بن عُثمان، عن عمر بن الحَكَم،
قال: بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الحارث بن عُمَير (٤) الأَزدقّ
ثم أَحد بنى لِهْب، إلى ملك بُصرى بكتاب ، فلمّا نزل مُؤّْنة عرض له
شُرَحْبيل بن عمرو الغَسّانِى فقال : أَين تُريد ؟ قال : الشام . قال :
لعلَّك مِن رُسُل محمّدٍ؟ قال: نعم، أَنا رسول رسول الله. فأمر به فأُوثِق
رِباطاً، ثم قدّمه فضرب عُنُقَه صَبْرًا. ولم يُقتَل لرسول الله صلَّى الله عليه
(١) الدهم: العدد الكثير. (النهاية، ج ٢، ص ٣٨).
(٢) فى الأصل: ((فأقبل من النعم والشاء)).
(٣) مؤتة: أدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق. (الطبقات، ج ٢، ص ٩٢).
(٤) فى الأصل: ((الحارث بن عثمان الأزدى))؛ وما أثبتناه عن ح، وعن ابن سعد. ( الطبقات،
ج ٣، ص ٩٢) .

٧٥٦
وسلَّم رسولٌ غيره ، فبلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخبرُ فاشتدّ عليه ،
ونَدَبَ النَّاسَ وأَخبرهم بمَقْتَل الحارث ومَن قتله، فأسرع الناس وخرجوا
فعسكروا بالجُزْف، ولم يُبيِّن رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم الأَمرَ، فلمّا
صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الظهر جلس وجلس أصحابُه، وجاءَ
النُّعمان بن لَّنْخُص(١) اليهوديّ، فوقف على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
مع الناس ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : زيد بن حارثة أمير
الناس، فإِن قُتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبى طالب ، فإن أُصِيب
جَعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أُصِيب عبد الله بن رَواحة فليَرْتَضِ المسلمون
بينهم رجلاً فليجعلوه عايهم . فقال النُّعمان بن فُنْحُص: أبا القاسم ،
إن كنتَ نبيًّا فسمّيت (٢) مَن سمّيت قليلاً أَو كثيرًا أُصيبوا جميعاً، إِنَّ
الأنبياء: فى بنى إسرائيل إذا استعملوا(٣) الرجل على القوم ثم قالوا إن
أُصيب فلان، فلو سمّى مائة أُصيبوا جميعاً . ثم جعل اليهودىّ يقول لزيد
ابن حارثة : اعهدْ، فلا ترجع إلى محمّد أبدًا إن كان نبيًّا ! فقال زيد :
فأَشهدُ أَنه نبيٌّ صادقٌ بارٌ. فلما أَجمعوا المسير وقد عقد رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم لهم اللواء ودفعه إلى زيد بن حارثة - لواء أَبيض - مشى الناس
إلى أمراء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُودّعونهم ويدعون لهم ، وجعل
المسلمون يُودّع بعضُهم بعضاً ، والمسلمون ثلاثةُ آلاف ، فلمّا ساروا من
معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم ، ورَدَّكم صالحين غانمين . قال ابن
رواحة عند ذلك :
(١) فى الأصل: ((النعمان بن مهض))؛ وما أثبتناه من ابن كثير عن الواقدى. ( البداية والنهاية،
ج ٤، ص ٢٤١) .
(٢) فى خ: ((فسيصاب من سميت).
(٣) فى ابن كثير عن الواقدى: ((إذا سموا)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢٤١).

٧٥٧
لكننى أَسأَل الرحمنَ مَغْفِرَةً وَضَربةً ذاتَ (١) فَرْعٍ تَقْذِفُ الرَّبَدا (٢)
وهى أَبياتٌ أَنشدنيها شُعَيب بن عُبادة .
حدثّنى ابن أَبِ سَبْرَة ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى ضَلحة ، عن
رافع بن إسحاق ، عن زيد بن أَرْقَمَ ، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
قال: أوصيكم بتقوى الله وبمَن معكم من المسلمين خيرًا ، أَو قال : اغزوا
بسم الله فى سبيل الله، فقاتِلوا من كفر بالله. لا تَغدروا ولا تَغُلّا ولا تقتلوا
وَليدًا، وإِذا لقيت عدوّك من المشركين فَادْعُهم إلى إحدى ثلاث ؛
فأَيَّتهنَّ ما أَجابوك إليها فاقبل منهم وَاكِفُفْ عنهم؛ ادعُهم إلى الدخول
فى الإِسلام ، فإن فعلوا فاقبل منهم واكفُفْ عنهم، ثم ادعُهم إلى التَّحوُّل
من دارهم إلى دار المهاجرين ، فإن فعلوا فأخبرهم أَنَّ لهم ما للمهاجرين .
وعليهم ما على المهاجرين؛ وإِن دخلوا فى الإسلام واختاروا دارَهم ، فأُخبِرهم
أنهم يكونون كأَعراب المسلمين، يجرى عليهم حُكم الله ، ولا يكون لهم
فى الفَىء ولا فى القِسْمَةِ(٣) سىٌ إِلَّ أَن يُحاهدوا مع المسلمين؛ فإِن أَبوا
فادعهم إلى إِعطاءِ الجِزْيَة . فإِن فعلوا فاقبل منهم واكفُفْ عنهم ، فإن
أَبوا فاستعن بالله وقاتِلْهم؛ وإِن أَنت حاصرتَ أَهلَ حِصْنٍ أَو مَدينةٍ فَأَرادوك
أَن تستنزلهم على حُكم الله فلا تستنزلهم على حُكم الله ، ولكن أَنزِلْهم
على حُكمِكَ ، فإِنَّك لا تدرى أَتُصيب حُكم الله فيهم أَم لا . وإِن حاصرتَ
أَهلَ حِصنٍ أَو مدينةٍ فأَرادوك على أَن تجعل لهم ذِمَّة الله وذِمَّة رسوله ، فلا
تجعل لهم ذِّمَّة الله ولا ذِمَّة رسوله ، ولكن اجعل لهم ذِمَّتَك وذمَّةَ أَبيك وذِمَّة
(١) ذات فرع: أى ذات سعة. (شرح أبى ذر، ص ٣٥٤).
(٢) الزبد: رغوة الدم. (شرح أبى ذر، ص ٣٤٤).
(٣) فى ح ((الغنيمة)).

٧٥٨
أَصحابك، فإِنكم إِن تُخفروا ذمَّتَكم وذِمَم آبائكم خيرٌ لكم من أن تُخفروا
ذِمّة الله وذمة رسوله .
حدّثنى أَبوصَفوان، عن خالد بن يَزيد، قال: خرج النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم مُشيِّعاً لأَهلٍ مُؤْتَة حتى بلغ ثَنِيّة الوداع ، فوقف ووقفوا حوله
فقال: اغزوا بسم الله . فقاتِلوا عدوّ الله وعدوّكم بالشام، وستجدون
فيها رجالاً فى الصَّوائِعِ (١) مُعتزلين للنَّاس. فلا تعرَّضوا لهم، وستجدون
آخرين للشيطان. فى رء وسهم مَفاحص (٢) فاقدّعوها بالسّيوف، ولا تَقتُلُنَّ
امرأةٌ ولا صغيرًا مُرضّعاً ولا كبيرًا فانياً، لا تُغرقنَّ نخلاً ولا تَقْطَعنَّ شجرًا ،
ولا تَهدِموا بيتاً .
حدّثنى أَبو القاسم بن عمارة بن غزيّة. عن أبيه ، عن عطاء بن أَبِى
مُسلم. قال: لمّا ودّع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبد الله بن رواحة
قال ابن رواحة: يا رسول الله ، مُرْنى بشىءٍ أَحفظه عنك ! قال : إِنك
قادمٌ غدًا بَلدًا، السُّجود به قليلٌ، فَأَكثِرِ السجود . قال عبد الله : زِدْنى
يا رسول الله! قال: اذكر الله ، فإنه عَون لك على ما تَطلْب . فقام من
عنده حتى إذا مضى ذاهباً رجع إليه فقال: يا رسول الله ، إنّ الله وتْرٌ يُحبّ
الوثْر! قال : يا ابنَ رَواحة . ما عجزتَ فلا تَعجِزِنَّ إِن أَسأْتَ عشراً أَن
تُحسن واحدةً. فقال ابن رواحة: لا أسألك عن شيءٍ بعدَها. قال
(١) الصوامع: جمع . دمعة، وهى بيت النصارى. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٥٢).
(٢) فى الأصل: ((مفاخر))؛ وما أثبتناه عن ح. ومفاحص: جمع مفحص، والمفحص مفعل من
الفحص، ومفحص القطاة موضعها الذى تجثم فيه وتبيض ، أى أن الشيطان قد استوطن رءوسهم فجعلها
له مفاحص كماتستوطن القطا مفاحصها. (النهاية، ج ٣، ٠ ١٨٥).

٧٥٩
أَبو عبد الله: وكان زيد بن أَرْقَم يقول: كنت فى حِجْر عبد الله بن رواحة
فلم أَرَ والى يَتيمٍ كان خيرًا منه ؛ خرجتُ معه فى وجهه إِلى مُؤَّتَة. وصبّ فى
وصببتُ به(١) فكان يُردفنى خلف رحله، فقال ذات ليلة وهو على راحلته
بين شُعْبَتِى(٢) الرَّحل. وهو يتمثَّل أَبيات شعر :
مَسافَةً أَربعٍ بعد الحِساءِ(٣)
إِذا بَلَّغْتِى وحملتِ رَحلى
ولا أَرجِعْ(٥) إلى أَهلى وَرَائى
فزادُكِ أَنْهُمٌ وخَلاكِ ذَمُّ(٤)
سأَرْضِ الشام ◌ُشتهىَ الثَّوَاءِ(٧)
وَآبَ المُسلمون وغادَرونى (٦)
ولا نَخْلٍ أَسافِلُها رِواءٍ(٨٧)
هنالك لا أُبالى طَلْعِ نَخْلٍ
فلمّا سمعت هذه الأبيات بكيتُ ، فخفقنى بيده (٩) وقال: ما يضرّك
يا لُكَعْ أَن يرزقنى الله الشهادةَ فأَستريح من الدنيا ونَصَبها وهمومها وأحزانها
وأحداثها . ويرجع بين شُعْبتى الرَّحل ، ثم نزل نزلة من الليل فصلَّ ركعتين
وعاقبهما دعاءً طويلاً ثم قال لى : يا غلام! فقلت: لَبّيْك ! قال : هى
إن شاء الله الشهادة .
ومضى المسلمون من المدينة ، فسمع العدوّ بمسيرهم عليهم قبل أن
(١) فى الأصل: ((وصيب وصببت به))؛ وما أنبنناه عن ح .
(٢) شعبتا الرحل: أى طرفاه. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٨٨).
(٣) فى ح: ((الحشاء)). والحساء: جمع حسى، وهو ماء يغور فى الرمل وإذا بحت عنه وجد. (شرح
أبى ذر ، ص ٣٥٥) .
(٤) فى ح: ((فشأنك فانعمى وخلاك ذم)).
(٥) هو مجزوم على الدعاء، دعا على نفسه أن يستشهد ولا يرجع إلى أهله. ( شرح أبى ذر،
ص ٣٥٥) .
(٦) فى ح: ((وخلفونى)).
(٧) ثوى بالمكان ثواء إذا أطال الإقامة به أو نزل فيه. (القاموس المحيط، ج٤، ص ٣١٠).
(٨) فى ح: ((رداء)).
(٩) فى ح: ((بالدرة)).
٠

٧٦٠
ينتهوا إِلى مَقتل الحارث بن عُمير ، فلمّا فَصَل المسلمون من المدينة سمع
العدوّ بمسيرهم فجمعوا الجموع. وقام فيهم رجلٌ من الأَزْد يُقال له شُرَحبيل
بالناس ، وقدم الطَّلائع أَمامَه، وقد نزل المسلمون وادى القُرَى وأقاموا
أَيَّاماً. وبعث أَخاه سَدوس وقُتل سَلِهوس وخاف شُرَحبيل بن عمرو
فتحصّن، وبعث أَخاً له يُقال له وَبْر بن عمرو . فسار المسلمون حتى
نزلوا أَرضَ مَعان من أَرض الشام ، فبلغ الناسَ أَنَّ هِرَقل قد نزل مَآبَ من
أَرْض البَلْقاءِ فى بَهراء وَوَائِل وبَكْر وَخْم وجُذام فى مائةٍ أَلفٍ ، عليهم
رجلٌ من بَلِىّ يُقال له مالكٌ . فلما بلغ ذلك المسلمين أَقاموا ليلتين لينظروا
فى أَمرهم وقالوا: تكتب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فنُخبره الخبر ،
فإِما يردّنا وإِما يَزيدنا رجالاً . فبينا الناس على ذلك من أمرهم جاءهم ابن
رَواحة فشجّعهم ثم قال: واللهِ ما كَّا نُقاتل الناس بكثرة عَدَدٍ ، ولا بكثرة
سلاحٍ، ولا بكثرة خيول. إلّا بهذا الدِّين الذى أكرمنا الله به. انطلقوا!(١)
والهِ لقد رأيتُنا يومَ بَدْرٍ ما معنا إِلَّ فَرَسان، ويومَ أُحُد فرسٌ واحدٌ ؛
وإنما هى إحدى الحُسْنِيَين"، إِما ظهورٌ عليهم فذلك ما وعَدَنا الله ووعدنا
نبيّنا، وليس لوعده خُلْفٌ، وإِما الشهادةُ فتَلحَق بالإِخوان نُرافقهم فى
الجِنان! فشَجُع الناسُ على مثل قول ابن رَواحة .
فحدّثنى رَبيعة بن عُثمان، عن المَقْبُرىّ، عن أبى هريرة ، فال : .
شهدتُ مُوَّتَة، فلما رأينا المشركين رأينا ما لا قِبَل لنا به من العدد والسِّلاح
والكُراع والدِّيباج والحرير والذَّهَب، فبَرِقٍ بصرى، فقال لى ثابت
ابن أَرْقَم : يا أَبا هُرَيرة ، ما لك ؟ كأَنك ترى جموعاً كثيرةً . قلت :
نعم ، قال : تشهدنا ببدر ؟ إِذَّا لم نُنصَر بالكثرة !
(١) فى ح: ((انطلقوا فقاتلوا)).

٧٦١
حدّثنى بُكَير بن مِسمار ، عن ابن كعب التُرَظىّ ، وابن أَبِ سَبْرة ،
عن عمارة بن غَزيّة ◌َم أحدهما يزيد على الآخر فى الحديث ، قال : لما
التقى المسلمون والمشركون، وكان الأُمراء يومئذٍ يُقاتلون على أَرجُلِهم ، أَخذ
الدّواءَ زيدُ بن حارثة، فقاتل الناس معه، والمسلمون على صفوفهم . فقُتل
زيد بن حارثة . قال ابن كعب القُرظىّ، أَخبرنى مَن حضر يومئذٍ قال :
لا، ما قُتل (١) إِلَّ طعناً بالرُّمح. ثم أَخذه جعفر، فنزل عن ذَرِسِ له
شقراءَ فَعَرْقَبَها(٢) ، ثم قائل حتى قُتل .
وحدّثنى عبد الله بن محمّد، عن أبيه، قال : ضربه رجلٌ من الروم
فقطعه . نصفين ، فوقع أَحدُ نصفَيْهِ فى حَرْمٍ ، فوجد فى نصفه ثلاثون
أَو بضعٌ وثلاثون جُرِحًا .
حدّثّنى أَبو معْشَر ، عن نافع ، عن ابن عمر، قال: وُجد مما قُتل من
بدن جعفر ما بين مَنكبيه اثنان وسبعون ضربةً بسيف أو طعنةٍ برمح .
حدّثنی یحیی بن عبد الله بن أبى قتادة ، عن عبد الله بن أبى بكر بن
صالح ، عن عاصم بن عمر ، قال: وُجد فى بدن جعفر أكثر من ستّين
جُرِحًا ، ووُجد به طعنةٌ قد أَنفذَتْه .
حدَّثنى محمّد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وحدَّثَنِى
عبد الجَبّار بن عمارة بن عبد الله بن أبى بكر ، زاد أحدهما على صاحبه فى
الحديث قالا : لما التّى الناس بمُؤْتَة جلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
على المنبر وكُشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى مُعتّرَكهم ، فقال
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبّب
(١) فى الأصل: ((ماقيل إلا طعن بالرمح)).
(٢) عرقبها: قطع عرقوبها، وعرقوب الدابة فى رجلها بمنزلة الركبة فى يدها. (الصحاح، ص ١٨٠).

٧٦٢
إليه الحياة وكرّه إليه الموت وحبَّب إِليه الدنيا! فقال: الآن حين استحكم
الإِيمانُ فى قلوب المؤمنين تُحبّب إِلىّ الدنيا !فمضى قُدُمًاحتى استُشهِد، فصلّى
عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وقال: استغفروا له، فقد دخل الجنَّة وهو
يَسْعَى ! ثم أَخذ الرايةَ جعفر بن أبى طالب، فجاءَه الشيطان فمنَّه الحياة
وكَرَّه إِليه الموتّ، ومنَّاه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الإيماذُ فى قلوب
المؤمنين تُمَنّينى الدنيا! ثم مضى قُدُمًا حتى استُشهِد، فصلّى عليه رسول الله
صَلَى الله عليه وسلَّم ودعا له ، ثم قال : استغفروا لأَخيكم فإِنه شهيدٌ ،
دخل الجنّة فهو يَطير فى الجنَّة بِجناحَين من ياقوت حيث يشاءُ من الجنَّة.
ثم أَخذ الرايةَ بعده عبدُ الله بن رَواحة ، فاستُشهِد ودخل الجنَّة مُعترضاً .
فشقَّ ذلك على الأَنصار. فقال رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم : أَصابه
الجراح . قيل: يا رسول الله، ما اعتراضه؟ قال: لمّا أَصابته الجراح نَكّل.
فعاتب نفسه فشّجُع ، فاستُشهِد فدخل الجنة . فسُرِّى عن قومه .
حدَّثْنى عبد الله بن محمّد بن عمر بن عَلىّ، عن أَبيه ، قال : قال
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: رأيت جعفرًا مَلَكًا يَطير فى الجنّةٌ تَدْمَى
قادمتاه، ورأيت زيدًا دون ذلك فقلت: ما كنت أَظنّ أَنْ زَيدًا دون جعفر. فأَتِى
جبريل عليه السلام فقال: إِنَّ زَيدًا ليس بدون جعفر . ولكنا فضلنا
جعفرًا لقرابته منك .
حدّثنى يحيى بن عبد الله بن أبى قتادة، عن المَقْبُرىّ ، عن أَبِى
هريرة قال، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: خير الفرسان أَبو قتادة، وخير
الرَّجَّالة سَلَمَة بن الأَْوَع .
حدّثْنى نافع بن ثابت ، عن يحيى بن عَبَّاد، عن أبيه، أَنَّ رجلًا من

٧٦٣
بنى مُرَّة كان فى الجيش، قيل له : إِنَّ الناس يقولون إِنَّ خالدًا انهزم من
المشركين. فقال: لا واللهِ ما كان ذلك! لمّا قُتل ابن رواحة نظرتُ" إِلى
أ اللواء قد سَقَط.، واختلط المسلمون والمشركون، فنظرت إلى اللواء فى يد خالد
مُنهزمًا ، واتَّبعناه فكانت الهزيمة .
حدّثنى محمّد بن صالح ، عن رجل من العرب ، عن أبيه، قال: لمّا
قُتِل ابن رَواحة انهزم المسلمون أسوأ هزيمةٍ رأيتها قطُّ. فى كلّ وجهٍ. ثم إِنّ
المسلمين تراجعوا ، فأَقبل رجلٌ من الأَنصار يُقال له ثابت بن أَرْقَم . فأخذ
اللواءَ وجعل يصيح بالأَنصار، فجعل الناس يئوبون إليه من كلّ وجٍ وهم
قليل وهو يقول : إِلَّ أَيُّها الناس! فاجتمعوا إِليه . قال : فنظر ثابت إِلى
خالد بن الوليد فقال: خُذ اللواء يا أَبا سُلَيمان! فقال : لا آخذُه ، أَنت
أَحقّ به، أَنت رجلٌ لك ◌ِنُّ، وقد شهدتَ بدرًا. قال ثابت: خُذْهِ أَيُّها
الرجل! فواللهِ ما أَخذته إَا لك! فأَخذه خالدٌ فحمله ساعة ، وجعل المشركون
يَحمِلون عليه، فثبت حتى تَكَرْكَر(١) المشركون،. وحمل بأصحابه ففضّ
جَمْعًا من جُمْعِهم، ثم دهمه منهم بَشَرٌ كثيرٌ ، فانحاش المسلمون فانكشفوا
راجعين .
حدّثنى ابن أبى سَبْرة، عن إسحاق بن عبد الله ، عن ابن كعب بن
مالك ، قال : حدّثْنِى نَفَرٌ من قومى حضروا يومئذٍ قالوا: لمّا أَخذ اللواء
انكشف بالناس فكانت الهزيمة ، وقُتل المسلمون ، واتَّبعهم المشركون ،
فجعل قُطبة بن عامر يصيح : يا قوم ، يُقْتَل الرجلُ مُقبِلًا أَحسن أَن يُقتَل
مُدبِرًاً! يصيح بأَصحابه فما يثوب إليه أَحدٌ ، هى الهزيمة ، ويتبعون
صاحب الراية مُنهزمًا .
(١) تكركر الرجل فى أمره، أى تردد. (المسحاح، ص ٨٠٥).

٧٦٤
حدّثنى إسماعيل بن مُصعَب ، عن إبراهيم بن يحيى بن زيد ، قال :
لما أَخذ اللواءَ ثابت بن أَرْقَم ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ، قال ثابت :
اصطلحتم على خالد؟ قالوا : نعم. فأخذه خالد فانكشف بالناس.
حدثنى عَطَّاف بن خالد قال : لمّا قُتل ابن رواحة مساءً بات خالد بن
الوليد، فلما أَصبح غَدا، وقد جعل مُقدِّمته ساقَتِه. وساقَته مُقَدِّمته ، ومَيمنته
ميسرته،وميسرته مَيمنته ، فأَنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهَيأتهم ،
وقالوا: قد جاءَهم مَدَدٌ! فرُعبوا فانكشفوا مُنهزئين، فقُتلوا مَقْتُلَة لم
يُقتَلها قومٌ .
حدَّثنى عبد الله بن الفُضَيل، عن أبيه ، قال: لمّا أَخذ خالد الراية قال
رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم: الآن حَمِى (١) الوطيس! قال أبو عبد الله:
والأَّوّل أَثبت عندنا؛ أَنّ خالدًا انهزم بالناس. قال ابن أبى الزِّناد: بلغت
الدماءُ بين الخيل موضع الأَشاعر (٢) من الحافر (٣)؛ والوطيس أيضًا ذاك، وإِذا
حمى ذلك الموضع من الدابة كان أَشدّ لعَدْوِها .
حدّثنى داود بن سنان قال : سمعت ثعلبة بن أبى مالك يقول : انكشف
خالد بن الوليد يومئذٍ حتى عُيّروا بالفِرار، وتشاءَم الناسُ به .
حدّثنى خالد بن إلياس ، عن صالح بن أبى حَسّان ، عن عُبَيد بن
حُنين، عن أبى سعيد الخُدرىّ ، قال : أَقبل خالد بن الوليد بالناس
(١) أى الآن اشتدت الحرب. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٥٧) .
وقال ابن الأثير : الوطيس التنور، وقيل هو الضراب فى الحرب، وقيل هو الوطء الذى يعطس
الناس، أى يدقهم. وقال الأصمعى: هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطؤها. ( النهاية،
ج ٤، ص ٢٣٤) .
(٢) أشارع الناقة: جوانب حياتها. (الصحاح، ص ٦٩٨).
(٣) الحافرهنا: الدابة. (النهاية، ج ١، ص ٢٣٩).

٧٦٥
مُنهزمًا، فلمّا سمع أَهلُ المدينة بجيش مُوَّتَة قادمين تلقّهم بالجُرْف ،
فجعل الناس يَحْثُون فى وجوههم التُّراب ويقولون: يا ذُرّار، أَفَرَرتم فى سبيل
الله ؟ فيقول رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم: ليسوا بغُرّار، ولكنهم محُرّارٌ
إن شاء الله !
حدّثْنى خالد بن إلياس ، عن أبى بكر بن عبد الله بن مُتبة ، يقول :
ما لقى جيش بُعثوا معنا ما لقى أصحاب مُؤْثَة من أَهل المدينة ؛ لقيهم أَهل
المدينة بالشرّ حتى إِنّ الرجل لينصرف إلى بيته وأهله، فيدقّ عليهم الباب
فِيَأْبُون أَن يفتحوا له ، يقولون : أَلا تقدّمتَ مع أصحابك؟ فأَمَا مَن كان
كبيراً من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فجلس فى بيته استحياءً
حتى جعل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُرسل إليهم رجلًا رجلًا، يقول: أَنتم
الگُرّار فی سبیل الله !
حدّثنى مُصْعَب بن ثابت ، عن عامر بن عبد الله بن الزُّبَير ، عن أبى
بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : كان فى ذلك البعث
سَلَمَة بن هشام بن المُغيرة ، فدخلت امرأته على أُمّ سَلَمَة زوج النبىّ
صَلَّى الله عليه وسلَّم ، فقالت أُمّ سَلَمة: مالى لا أَرَى سَلَمَة بن هِشام؟
اشتكى شيئًا ؟ قالت امرأته: لا واللهِ، ولكنه لا يستطيع الخروج؛ إِذا خرج
صاحوا به وبأَصحابه ((يا ذُرّار، أَفررتم فى سبيل الله؟)). حتى قعد فى البيت.
فذكرتْ ذلك أُمّ سَلَمَة لرسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صَلَى
الله عليه وسلَّم: بل، هم الكُرّار فى سبيل الله ، فليخرج ! فخرج.
حدثنى خالد بن إلياس ، عن الأَعْرَج، عن أبي هُرَيرة ، قال : كنَّا
نخرج ونسمع ما نكره من الناس، لقد كان بينى وبين ابن عمِّ لى كلام ،
فقال : إِلّا فِرارك يوم مُؤْتَة! فما دريتُ أَى شىءٍ أَقولُ له .

٧٦٦
جدّثنى مالك بن أبى الرَّجّال، عن عبد الله بن أبى بكر بن حزم ،
عن أُمّ عيسى بن الحزّار، عن أُمّ جَعفر بنت محمّد بن جعفر، عن جدّتها
أسماء بنت عُمَيس، قالت : أَصبحتُ فى اليوم الذى أُصيب فيه جعفر
وأصحابه فأَتانى رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم، ولقد هيأْتُ أَربعين مَنَّا(١)
من أُدْم (٢)، وعجنتُ عجينى، وأَخذتُ بَنِىّ فغسلت وجوههم ودهنتهم؟
فدخل علىّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا أَسماءُ ، أَين بنو جعفر؟
فجئت بهم إليه فَضَمَّهم وشَمَّهم ، ثم فَرَفَتْ عيناه فبكى ، فقلت : أَىْ
رسول الله، لعلَّك بلغك عن جعفر شىٌ؟ فقال: نعم ، قُتل اليوم . قالت:
فقمت أَصيحُ ، واجتمع إلىّ النساءُ . قالت: فجعل رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم يقول: يا أَسماءُ، لا تقولى هُجْرًا (٣) ولا تضربى صدرًا! قالت: فخرج
رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم حتى دخل على ابنته فاطمة وهى تقول: وَاعَمّاه!
فقال رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم: على مثل جَعفر فَلْتبكِ الباكية ! ثم قال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اصنعوا لآآل جعفر طَعامًا، فقد شُغد عن
أنفسهم اليوم .
حدّثنى محمّدبن مُسلم، عن يحيى بن أَبى يَعْلَى، قال: سمعت عبد الله
ابن جَعفر يقول: أَنا(٤) أَحفظُ. حين دخل رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم على
أُمّى فنعى لها أَبى، فأَنظرُ إِليه وهو يمسح على رأسى ورأس أَخى ، وعيناه
(١) المن: الذى يوزن به، وهو الرطل. (شرح أبى ذر، ص ٣٥٦).
(٢) الأدم: ما يؤكل مع الخبز أى شىء كان. (النهاية، ج ١، ص ٢١).
(٣) الهجر: الإفحاش فى المنطق. ( الصحاح، ص ٨٥١ ) .
(٤) فى الأصل: ((إنما أحفظ)). وما أثبتناه عن ح.

٧٦٧
تُهَرافان الدُّموعَ حتى تقطر لحيته. ثم قال: اللَّهمّ، إنّ جَعفرًا قد قَدِم إلى
أَحسن الثَّواب، فَاخْلُفْه فى ذرّيّته بأحسنما خلفتَ أَحدًا من عبادك فى ذرّيّته!
ثم قال : يا أَسماءُ، أَلا أُبشّرك؟ قالت: بلى، بأَبِى أَنت وأُمّى ! قال: فإِنّ الله
عزّ وجلّ جعل لجعفر جناحين يطير بهما فى الجنّة! قالت: بأَبِى وأُمّى
يا رسول الله، فَأَعْلِم الناسَ ذلك! فقام رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم وأخذ
بيدى ، يَمسح بيده رأسى حتى رَقِى على المنبر، وأجلسنى أَمامه على الدَّرَجة
السُّفلى، والحُزْن يُعرَف عليه، فتكلّم فقال: إنّ المرءَ كثيرٌ بأخيه وابن
عمّه ، أَلا إِنّ جعفرًا قد استُشهِد، وقد جعل الله له جناحين يطير بهما فى
الجنّة. ثم نزل رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم فدخل بيته وأدخلنى، وأَمر
بطعامٍ فصُنع لأَهلى، وأرسل إلى أَخى فتغدّينا عنده واللهِ غداء طيّبًا مُباركًا ؛
عمَدَت سَلْمَى خادمته إلى شعيرٍ فطحنته، ثم نَسَفَته ، ثم أُنضجته وأَدَمَته
بزيت ، وجعلت عليه فُلْفُلًا. فتغدّيت أَنا وأَحى معه فأَقمنا ثلاثة أَيَّام فى
بينه ، ندور معه كلَّما صارفى إِحدى بيوت نسائه ، ثم رجعنا إلى بيتنا ،
فأَّتِى رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم وأَنا أُساوم بشاةٍ أَخٍ لى، فقال: اللَّهمّ
بارك فى صَفْقَتِهِ . قال عبد الله: فما بعت شيئًا ولا اشتريت إَّ بُورك فيه .
حدَّثنى عمر بن أبى عاتِكة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ،
من عائشة رضى الله عنها، قالت: لما قدم نَعىُ جعفر عرفنا فى رسول الله
صلى الله عليه وسلَّم الحزن. قالت: قديمًا ما ضرّ الناسَ التكلُّف (١)؛ فأَناء
رجلٌ فقال: يا رسول، اله، إِنّ النساءَ قد عَنّيننا بما يبكين. قال رسول الله
صَلَى الله عليه وسلَّم : فارجع إليهنّ فأَسكِّهنّ ، فإِن أَبينَ فَاحثُ فى أَفواههنّ
٠
(١) التكلف : كثرة السؤال والبحث عن الأشياء الغامضة التى لا يجب البحث عنها. (النهاية،
ج ٤، ص ٣١) .

٧٦٨
التُّراب. فقلت فى نفسى: أَبْعدك الله! ما تركتَ نفسك، وما أَنت بمُطيع
، رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
حدّثنى سُلَيمان بن بِلال، عن يحيى بن سعيد ، عن عَمْرَة ، عن
عائشة ، قالت: أَنا أَطَّلِع من صِير (١) الباب فأُسمعُ هذا .
حدّثنى عبد الله بن محمّد، عن ابن عقيل ، عن جابر بن عبد الله ،
قال : أُصيب بها ناسٌ من المسلمين ، وغَنِمِ المسلمون بعضَ أَمْتِعَة المشركين ،
فكان مما غنموا خاتمًا جاء به رجلٌ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال:
قتلتُ صاحبه يومئذٍ ! فنفَّله رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِيّاه
وقال عَوف بن مالك الأَشْجعىّ : لقيناهم فى جماعة من قُضاعة وغيرهم
من نَصارى العرب ، فصافّنا فجعل رجلٌ من الروم يسلّ على المسلمين
ويُغرى بهم على فَرَسِ أَشقر، عليه سلاحٌ مُذهَبٌ ولجامٌ مُذهَبٌ ، فجعلتُ
أَقول فى نفسى : مَن هذا ؟ وقد رافقنى رجلٌ من أَمداد (٢) حِمْيَر، فكان معنا
فى مسيرنا ذلك ليس معه سيفُ، إِذ نحر رجلٌ من القوم جزورًاً
فسأَله المددىُّ طائفةٌ من جلده ، وهبه له فبسطه فى الشمس وأوتد على
- أَطرافه أوتادًا، فلمَّا جفَّ اتَّخذ منه مِقِبضًا وجعله دَرَقةٌ. فلمّا رأى ذلك
المددىّ ما يفعل ذلك الرومىّ بالمسلمين كَمَن له خلف صخرة ، فلما مرّ به
خرج عليه فعرقب فَرَسه ، فقعد الفَرَسُ على رجليه وخرّ عنه العِلْجِ(٣)،
وشدّ عليه فعلاه بسيفهٍ فقتله .
(١) فى الأصل: ((صر الباب)). والصير: شق الباب. (النهاية، ج ٣، ص ٨).
(٢) الأمداد: جمع مدد، وهم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون المسلمين فى الجهاد. ( النهاية،
ج ٤، ص ٨٤) .
(٣) العلج: الرجل من كفار العجم. (الصحاح، ص ٣٣٠).

٧٦٩
حدّثْنى بُكَير بن مِسمار، عن عُمارة بن غَزِيّة(١)، عن أبيه، قال:
حضرتُ مُوَّثَةٍ ، فبارزتُ رجلًا يومئذٍ فَأَصبتُه، وعليه يومئذٍ بيضةٌ له فيها ياقوتةٌ ،
فلم يكن ممّى إِلَّا الياقوتة فأَخذتُها ؛ فلمّا انكشفنا وانهزمنا رجعتُ بها
المدينة، فأتيت بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فنفَّلنيها فبعتها زمن عمر
ابن الخطّاب رضى الله عنه بمائة دينارٍ ، فاشتريت بها حديقة نخل
ببنى خَطْمَة .
ذكر من استُشهِد بمُؤْتَة من بنى هاشم وغيرهم
استُشهِد من بنى هاشم : جعفر بن أبى طالب ، وزيد بن حارثة . ومن
بنى عَدىّ بن كعب : مَسعود بن الأَسود بن حارثة بن نَضْلَة . ومن بنى عامر
ابن لُوَّىّ ، ثم من بنى مالك بن حُسَيل : وَهب بن سعد بن أبى سرْح.
وقُتل من الأَنصار ، ثم من بنى النَّجار من بنى مازن : سُراقة بن عمرو بن
عطيّة بن خَنساءً . ومن بنى النَّجَّار : الحارث بن النُّعمان بن يساف بن
نَضْلَة بن عمرو بن عَوف بن غَنْم بن مالك . ومن بنى الحارث بن الخزرج :
عبد الله بن رواحة ، وعُبادة بن قيس. ثم رجعوا إلى المدينة .
غزوة ذات السّلاسِل (٢)
حدثنى رَبيعة بن عُثمان ، عن ابن رُومان؛ وحدّثْنى أَفْلَح بن سعد ،
عن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيش ، عن أبى بكر بن حزم ؛ وحدثنى
(١) فى الأصل: ((عمارة بن خزيمة)). وقد صححناه فى أماكن أخرى من هذا الكتاب.
(٢) ذات السلاسل: وراء وادى القرس، وبينها وبين المدينة عشرة أيام. (الطبقات، ج ٢،
ص ٩٤ ) .

٧٧٠
عبد الحميدبن جعفر ؛ فكلُّ قد حدّثنى منه طائفةً، وبعضهم أوعى للحديث
هن بعض. فجمعتُ ما حدّثونى. وغير هؤلاء المُسَمَّين قد حدّثنى أيضًا.
قالوا : بلغ رسولَ الله صَلَى الله عليه وسلَّم أَنّ جَمْعًا من بَلِىٌّ وقُضاعة قد
تجمّعوا يُريدون أَن يَدنوا إِلى أَطراف رسول الله صَّى الله عليه وسلّم ، فدعا
· رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم عمرو بن العاص فعقد له لِواءً أَبيض. وجعل
معه رايةً سوداء، وبعثه فى سَراة المهاجرين والأنصار - فى ثلاثمائة - عامر بن
رَبيعة، وصُهَيب بن سِنان. وأَبو الأَعْور سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفّيل،
وسعد بن أبى وَقَّص؛ ومن الأَنصار: أُسَيد بن حُضَير، وعَبّاد بن بِشر،
وسَلَمَة بن سلامة، وسعد بن عُبادة . وأمره أن يستعين بمن مرّ به من العرب.
وهى بلاد بَلِّ وعُدْرَة وبَلْقَيْن، وذلك أَنّ عمرو بن العاص كان ذا رحِم.
بهم ؛ كانت أُمّ العاص بن وائل بَلَوِيّةً، فأَراد رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
يتأَلّفهم بعمروٍ. فسار، وكان يَكمُن النهار ويسير الليل ، وكانت معه
ثلاثون فَرَسًّا، فلمّا دنا من القوم بلغه أَنّ لهم جَمْعًا كثيرًا ، فنزل قريبًا
منهم عِشاءً وهم شاتُون، فجمع أصحابه الحَطَب يُريدون أَن يَصطَلوا .. وهى
أَرضُ باردةٌ - فمنعهم ؛ فشقّ ذلك عليهم حتى كلّمه فى ذلك بعضُ المهاجرين
فغالظه ، فقال عمرو : أُمِرتَ أَن تسمح لى وتُطيع ! قال : فافعل !
وبعث رافع بن مَكيث الجُهَنىّ إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يُخبره
أَنّ لهم جمْعًا كثيرًا ويستمدّه بالرجال، فبعث أَبا عُبيدة بن الجَرّاح وعقد
له لواءً، وبعث معه سَراة المهاجرين- أبى بكر وعمر رضي الله عنهما - والأنصار،
وأَمره رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم أن يلحق عمرو بن العاص. فخرج أبو
عُبَيدة فى مائتين ، وأمره أن يكونا جميعًا ولا يختلفا. فساروا حتى لحقوا

٧٧١
بعمرو بن العاص، فأَراد أَبو عُبيدة أَن يَوُّم الناسَ ويتقدّم عمرًا ،
فقال له عمرو : إِنما قدمتَ علىّ مدَدًا لى، وليس لك أَن تَوُّمَّنِى، وأَنا الأَّمير؛
وإِنما أَرسلك النبىّ صِلَى الله عليه وسلَّم إِلىّ مَدَدًا. فقال المهاجرون: كَلَّا،
بل أنت أَمير أَصهابئْ وِهو أَمير أصحابه! فقال عمرو : لا . بل أَنتم
مَدَدُّ لنا! فلما رأَى أَبُو عُبَيدة الاختلاف- وكان حسنَ الخُلُق، ليّن الشِّيمَة -
قال : لِتطمئنّ يا عمرو، وتعلمنّ أَنّ آخر ما عَهِد إِلىّ رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم أَن قال: ((إِذا قدمتَ على صاحبك فتَطاوعا ولا تَخْتَلِفا)). وإِنك
واللهِ إِن ◌َصَيْتَنِى لأُطيعنّك! فأَطاع أبو عُبَيدة ، فكان عمرو يُصلّى بالناس.
فَآب إِلى عمرو جَمْعٌ - فصاروا خمسمائة - فسار الليل والنهار حتى وَطِى ءٌ
بلاد بَلِيٍّ ودَوَّخها (١). وكلّما انتهى إلى موضعٍ بلغه أنه كان بهذا الموضع
جَمْع فلما سمعوا به تفرّقوا ، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلٍّ وُذرة وبَلْقَيْن،
ولقى فى آخر ذلك جَمْعًا ليس بالكثير ، فقاتلوا ساعةً وترامَوْا بالنَّبْل، ورُمى
يومئذ عامر بن ربيعة (٢) بسَهْمٍ فَأُصيب ذراعه . وحمل المسلمون عليهم
فهربوا، وأَعجزوا هربًا فى البلاد وتفرّقوا. ودوّخ عمرو ما هناك وأقام أَيّمًا
لا يسمع لهم بجَمْعٍ ولا بمكانٍ صاروا فيه ، وكان يبعث أصحاب الخيل
فيأتون بالشاء والنَّعَم، وكانوا يَنْحَرون ويَذْبَحون. لم يكن فى ذلك أكثر
من ذلك، ولم تكن غنائم تُقسم إلّا ما ذُكر له .
وكان رافع بن أبى رافع الطائىّ يقول: كنت فيمن نفر مع أَبى عُبيدة
ابن الجرّاح ، وكنت رجلًا أُغير فى الجاهلية على أموال الناس ، فكنت
(١) دوخ البلاد: قهرها واستولى على أهلها. (الصحاح، ص ٤٢١).
(٢) فى الأصل: ((عمار بن ربيعة)). وما أثبتناه من ابن الأثير. (أسد الغابة، ج ٣، ص ٨٠).
١

٧٧٢
أَجمع الماءَ فى البيض - بَيض النَّعام - فأَجعله فى أماكن أَعرفُها ، فإِذا مررت
بها وقد ظمئتُ استخرجتها فشربت منها . فلما نَفَرت فى ذلك. البعث
قلت : واللّهِ لآختارنٌ لنفسى صاحبًا ينفعنى الله به. فاخترت أَبا بكر
الصِّدّيقِ فصحبتُه، وكانت له عَبَاءَةٌ فَدَكِيّة (١)، فإِذا ركب خلّها (٢) عليه
بخِلالِ ، وإذا نزلنا بَسَطَها . فلما قَفَلْنا قلتُ: يا أبا بكر ، رحمك الله !
عَلِّمنى شيئًا ينفعنى اللهُ به . قال: قد كنت فاعلًا ولو لم تسألنى ؛ لا تُشرك
بالله، وأَقمِ الصلاة، وَآتِ الزكاة، وصُم رمضان، وحُجَّ البيت واعتمِرْ،
ولا تَتَأَّمَّرْ (٣) على اثنين من المسلمين. قال: قلت: أَما ما أَمرتَنى به من الصلاة
والصوم والحج فأَنا فاعله، وأَما الإمارة فإنى رأَيتُ الناس لا يُصيبون هذا
الشّرَف وهذا الغِنى وهذه المنزلة عند رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وعند الناس
إَّ بها . قال : إِنك استنصحتَنى فجهدتُ لك نفسى ؛ إِنَّ الناس دخلوا فى
الإِسلام طوعا وكرها فأَجارهم (٤) الله من الظلم، وهم عُوّاد الله وجيران الله ، وفى
أمانته ، فمن أَخفر فإِنما يُخفر الله فى جيرانه ؛ وإنَّ شاة أحدكم أَو بعيره
ليذهب فيَظَلّ ناتثًا (٥) عَضَلُه غَضَبًا لجاره، والله من وراء جاره . قال: فلما
تُوقِّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واستُخلف أبو بكر رضى الله عنه جئتُه
فقلت : يا أَبا بكر ، أَلم تَنهنى أَن أَتأَّمَّر على اثنين؟ قال : بلى ، وأنا على
ذلك! قال : فما لك تأمّرت على أُمَّة محمد ؟ قال : اختلف الناسُ وخشيتُ
(١) لعلها منسوبة إلى فدك،. وهى قرية قريب من خيبر بينها وبين المدينة ست ليال. (وفاء الوفا،
ج ٢، ص ٣٥٥).7
(٢) خلها عليه: أى جمع بين طرفيها بخلال من عود أو حديد. (النهاية، ج ١، ص ٣١٨).
(٣) تأمر عليهم: تسلط. (الصحاح، ص ٥٨٢).
(٤) فى الأصل: ((فأرجامٍ)).
(٥) الناقى": المرتفع المنتفخ. والعضل: جمع عضلة، وهى القطعة من اللحم الشديدة. ( شرح أبى ذر ،
ص ٤٥٤ ) .

٧٧٣
عليهم الهلاك ، ودعوا إلىّ فلم أجد لذلك بُدًّا .
قال : وكان عَوف بن مالك الأَشجعىّ رفيقًا لأبى بكر وعمر رضى الله
عنهما معهما فى رَحلهما، فخرج عَوف يومًا فى العسكر فمرّ بقومٍ بأيديهم
جزورٌ قد عجزوا عن عملها ، فكان عَوف عالمًا بالجُزُر فقال: أَتُعطونى
عليها وأقسمها بينكم ؟ قالوا: نعم نُعطيك عُشَيرًا منها. فنحرها ثم جزأَها
بينهم، وأعطوه منها جزأً فأَخذه فأَتى به أصحابه، فطبخوه وأكلوا منه .
فلمّا فرغوا قال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما : من أين لك هذا اللَّحم ؟
فَأَخبرهما فقالا: واللهِ ما أَحسنتَ حين أَطعمتَنا هذا. ثم قاما يتقيّآن ، فلما
فعل ذلك أبو بكر وعمر فعل ذلك الجيش، وقال أبو بكر وعمر رضى الله
عنهما لعَوف : تعجّلت أَجرك! ثم أَتى أَبا عُبَيدة فقال له مثل ذلك.
وكان عمرو بن العاص حين قفلنا احتلم فى ليلةٍ باردةٍ كأَشدّ ما يكون
من البرد ، فقال لأَصحابه: ما ترون؟ قد واللهِ احتلمتُ ، وإِن اغتسلت مُتُّ !
فدعا باءٍ فتوضّاً وغسل فرجه وتيمّم ، ثم قام فصَّى بهم ؛ فكان أَوّل من
بعث عَوف بن مالك بَريدًا. قال عَوف بن مالك : فقدمت على رسول الله
صَلَى الله عليه وسلَّم فى السَّحَر وهو يُصَلّى فى بيته، فسلَّمت عليه، فقال رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم: عَوف بن مالك؟ قلت: عَوف بن مالك يا رسول الله!
قال : صاحب الجَزور ؟ قلت : نعم. ولم يزد على هذا شيئًا ، ثم قال :
أَخِرنى! فأخبرتُه بما كان فى مسيرنا وما كان بين أبى ◌ُبَيدة بن الجَرّاح
وبين عمرو بن العاص ومُطاوعة أَبى عُبَيدة ، فقال رسول الله صَلَى الله عليه
وسلَّم : يرحم الله أَبا عُبَيدة بن الجَرّاح! ثم أَخبرته أَنّ عمرًا صلَّى بنا وهو