النص المفهرس
صفحات 281-300
٦٩٤ عليهما السلام من الشعير والتمر ثلاثمائة وَسق ، والشعير من ذلك خمسة وثمانين وَسقًا ، لفاطِمَة من ذلك مائتا وَسق . ولأسامة بن زيد مائة وخمسون، منها أربعون شعيرًا وخمسون وسقًا نوىً، ولأُمّ رِمْثَة بنت عمر بن هاشم بن المطَّلب خمسة أَوساق شعير، وللمِقداد بن عمرو خمسة عشر وَسقًا شعيرا . وحدّثنى موسى بن يعقوب ، عن عمّته ، عن أُمّها ، قالت : بعنا طُعمةَ المِقداد بن عمرو من خَيْبَر خمسة عشر وَسقًا شعيرًا من مُعاوية بن أَبی سُفيان بمائة ألف درهم . بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أَعطى محمّد رسول الله لأبى بكر بن أبى قُحافة مائة وَسق . ولعَقيل بن أبى طالب مائة وأربعين ، ولبنى جعفر بن أبى طالب خمسين وَسقًا، ولربيعة بن الحارث: مائة وَسق، ولأَبِى سُفيان بن الحارث بن عبد المطّلب مائة وَسق، وللصَّلْت بن مَخْرَمَة بن المطَّلب ثلاثين وسقًا، ولأَّبِى نَبْقَة خمسينِ وَسقًا ،ولرُ كانة بن عبد يَزيد خمسين وَسقًا ، وللقاسم بن مَخْرَمَة بن المطّلب خمسين وَسقًا، ولمِسطَح بن أثاثة بن عَبّاد وأخته هند ثلاثين وَسقًا، ولصَفيّة بنت عبد المطَّلب أَربعين وَسقًا، ولبُحَينة بنت الحارث(١) بن المطَّلب ثلاثين وَسقًا، ولضُباعة بنت الزُّبير بن عبد المطّلب أربعين وَسقًا، وللحُصَين، وخَديجة، وهند بن عُبيدة بن الحارث مائة وَسق، ولأُمّ الحَكَم بنت الزُبير بن عبد المطَّلب ثلاثين وَسِقًا، ولأُم هانىء بنت أبى طالب أَربعين وَسقًا، ولجُمانة بنت أبى طالب ثلاثين وَسِقًا، ولأُمّ طالب بنت أبى طالب ثلاثين وَسقًا ، ولقيس بن (١) فى الأصل: ((لحينة بنت الأرث)). والتصحيح عن ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ١٧٩٣). ٦٩٥ مَخْرَمَة بن المطَّلب خمسين وَسقًا، ولأَبِى أَرْقَم خمسين وَسقًّا، ولعبد الرحمن ابن أبى بكر أربعين وَسِقًّا، ولأَّبِى بَصْرَة أَربعين وَسقًا، ولابن أَبِى حُبَيش ثلاثين وَسقًا، ولعبد الله بن وهب وابنيه خمسين وَسقًا، لابنيه أَربعين وَسِقًّا، ولنُمَيْلة الكلبىّ من بنى لَيث خمسين وَسقًا، ولأُمّ حبيبة بنت جحش ثلاثين وَسقًّا، ولمَا كان بن عَبْدَة ثلاثين وَسقًا، ولمُحَيِّصَة بن مسعود ثلاثين وَسقًا، وأَوصى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم للرّهاويِّين (١) بطُعمةٍ من خُمُس خيبر بِجادّ (٢) مائة وَسق، وللدّاريّين بِجادّ مائة وَسق، وهم عشرة من الداريّين قدموا من الشام إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فأَوصى لهم بطعمة مائة وسق : هانىءُ بن حبيب، والفاكه بن النُّعمان ، وجَبَلَة بن مالك ، وَأَبوهند بزيَرٌ وَأَخوه الطيّب بن بَرّ، سمّاه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عبد اله، وتميم بن أَوس، ونُعَيم بن أَوس، ويزيد بن قيس ، وعَزيز بن مالك، سمّاه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عبد الرحمن، وأَخوه مُرّة بن مالك، وأوصى للأشعريّین بِجادّ مائة وَسق . أخبرنا عبد الوهاب بن أبى حيَّة قال: حدّثنا ابن الثَّلْجىّ قال : حدثنا الواقدىّ قال: حدّثنى مَعْمَر، عن الزُّهرىّ، عن عُبَيد الله بن عبد الله بن عُتبة ، قال: لم يوصِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِلاَّ بثلاثة أشياء، للداريّين بِجادّ مائة وَسق، وللأَشعريّين بِجادّ مائة وَسق، وللرّهاويّين بجادّ مائة وَسق، وأَن يُنفذ جيش أسامة بن زيد، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عقد له (١) الرهاوبين: نسبة إلى زهاوة وهى قبيلة من اليمن، ويقال فيها: رهاء بالهمز أيضاً وهو الأصح. قال بعض أهل النسب: رهاوة بفتح الراء قبيلة ينسب إليهارهاوى، والرهاء نفر بالجزيرة ينسب إليها رهاوى بضم الراء ( شرح أبى ذر، ص ٣٥٠) . (٢) فى الأصل: ((نحاد)). والتصحيح عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ٣٦٧). وبجاد مائه وسف: أى ما يجد منه مائة وسف، أى يقطع. ( شرح أبى ذر، ص ٣٥١) . ٦٩٦ إِلى متمتل أبيه، وأَلَّ يُترَك بجزيرة العرب دينان . قالوا: ثم استشار رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم جبريل فى قسم خُمُس خيبر فأشار عليه أن يقسمه فى بنى هاشم وبنى المطّلب وبنى عبد يغوث . وحدثنى مَعْمَر، عن الزُّهرىِّ، عن سَعيد بن المُسَيِّب قال: قال جُبَيْر ابن تعليم : لمَّا قسم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم سهم ذوى القربى بخيبر من بنى هاشم وبنى المطّلب مشيت أَنا وعثمان بن عَفَّان حتى دخلنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فقلنا : يا رسول الله ، هؤلاء إِخواننا من بنى المطّلب لا ننكر فضلهم لمكانك الذى وضعك الله به منهم ، أَفرأيت إِخواننا من بنى المطّلب ، إِنَّما نحن وهم منك بمنزلةٍ واحدة ، أَعطيتَهم وتركْتُنا . فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: إِنّ بنى المطّلب لم يفارقونى فى الجاهليّة والإِسلام؛ دخلوا معنا فى الشِّعب، إنما بنو هاشم وبنو المطّلب شىءٌ واحدٌ! وشبّك رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بين أَصابعه. قالوا : وكان عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث يحدّث قال : اجتمع العباس بن عبد المطّلب ورَبيعة بن الحارث فقالا: لو بعثنا هذين الغلامين - لى ولالفضل بن عبّاس - إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فكلَّماه فأَمَّرهما على هذه الصدقات ، فأَدّيا ما يُؤَّدّى الناس ، وأَصابا ما يُصيبون من المنفعة. فبُعث بى والفَضل فخرجنا حتى جئنا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فسبقناه، وانصرف إِلينا من الظهر وقد وقفنا له عند حجرة زينب ، فأَخذ بمناكبهما فقال : أَخرجا ما تُسرَّان(١)! فلما دخل دخلا عليه فكلّماه فقالا: يا رسول الله جئناك !تؤمّرف على هذه الصدقات فنؤَدّى ما يؤدِّى الناس ، ونُصيب ما يُصيبون من (١) فى الأد!((مروان)». لعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات. ٦٩٧ المنفعة . فسكت ورفع رأسه إلى سقف البيت ثم أقبل علينا فقال : إِنّ الصدقة لا تَحِلّ لمحمّدٍ ولا لآل محمّد ، إنما هى أوساخ الناس. ادعُ لى مَحمِيَة بن جَزاء الزُّبَيدىّ وَأَبا سُفيان بن الحارث بن عبد المطلَّب. فقال لمَحِمِيَة : زوِّج هذا ابنتك - للفَضل. وقال لأَبى سُفيان: زوِّج هذا ابنتك - لعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث. وقال لمَحمِية : أَصدِق عنهما مما عندك من الخُمُس! وكان يكون على الخُمُس. فكان ابن عبّاس يقول : قد دعانا عمر إِلى أَن يُنكَح فيه أيامانا ويُخدَم منه عائلنا ، ويقضى منه غارمُنا ، فأَبينا عليه إلّا أَن يُسلمه كلِّه، وأَبى ذلك علينا. حدّثنى مُصعب بن ثابت ، عن يزيد بن رُومان، عن عُروة بن الزُّبَير أن أبا بكر وعمر وَعلِيًّا(١) عليهم السلام جعلوا هذين السهمين على اليتامى والمساكين. وقال بعضهم : فى السلاح والعُدّة فى سبيل الله. وكانت تلك الُّعمةُ تُوُخذ بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فى حياتهوفى خلافة أبى بكر، وعمر ، وعُثمان ، ومُعاوية ، رضى الله عنهم ، حتى كان يحيى بن الحكم فزاد فى الصاع ◌ُدُس المُدّ ، فأعطى للناس بالصاع الذى زاد ، ثم كان أَبان ابن عُثمان فزاد فيه فأعطاهم بذلك ، وكان من مات من المُطعَمين أَو قُتل فى حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وأبى بكر فإنه يرثه تلك الطُّعمةَ مَن ورث ماله . فلمّا ولى عمر بن الخطّب قبض طُعمة كلّ من مات ولم يورِّثه، فقبض دُ : زيد بن حارثة، وقبض طُعمة جعفر بن أبى طالب، وكَلّمه فيه ٠١، فقال: ((على)). ٦٩٨ عَلىّ بن أبى طالب فأَبى؛ وقبض طُعمة صَفيّة بنت عبد المطّلب، فكلَّمه الزُّبَير فى ذلك حتى غالظه فأَبى عليه بردّه ، فلمّا أَلحّ عليه قال : أُعطيك بعضه . قال الزُّبَيرِ : لا والله، لا تخلفْ تمرةً واحدةً تحبسها عنِّى ! فأبى عمر تسليمه كلِّه إِليه. قال الزُّبَير: لا آخذه إِلّا جميعًا! فأبى عمر وأبى أن يردّ على المهاجرين . وقبض طُعمة فاطمة، فكُلِّم فيها فأبى أن يفعل. وكان يُجيز لأَزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ما صنعن ، فماتت زينب بنت جحش فى خلافته فخلّى بين ورثتها وبين تلك الطُّعمة، وأجاز ما صنعن فيه من بيع أَوهبة ، وورث ذلك كلٌّ من ورثهنّ ولم يفعل بغيرهنّ . وأَبِى أَن يُجيز بيعَ مَن باع تلك الطُّعمة، وقال : هذا شىءٍ لا يُعرَف ، إِذا مات المُطْعَم بطل حقُّه فكيف يجوز بيعُه ؟ إلّا أَزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فإِنه أَجاز ما صنعن ، فلمّا ولى عُثمان كُلِّم فى تلك الطُّعمة(١) فردّ على أسامة ولم يردّ على غيره. فكلَّمه الزُّبَير فى طُعمة صَفيّةَ أُمِّ فأَبى يردّه وقال: أَنا حاضرك حين تكلَّم عمر، وعمر يأبى عليك يقول ((خُذْ بعضَه))، فأَنا أُعطيك بعضه الذى عرض عليك عمر، أَنا أُعطيك الثُلُثَين وأَحتبسُ الثلث. فقال الزُّبَير: لا واللهِ ، لا تمرة واحدة حتى تسلّمه كلّه أَو تحتبسه. حدّثنى شُعَيب بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر ، عن أَبيه ، قال : لمّا تُوقِّى أَبو بكر رضى الله عنه كان ولده ورثته يأخذون طُعمته من خَيْبَر ؛ مائة وَسْق فى خلافة عمر وعثمان، وورثت امرأَته أُمّ رُومان بنت عامر بن عُوَيمر الكِنانيّة (٢)، وحَبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبى زْهَير، (١) فى الأصل: ((فى تلك المطعم)). (٢) فى الأصل: ((الكتابية)). والتصحيح من ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ١٩٣٥). ٦٩٩ فلم يزل جاريًا عليهنّ حتى كان زمن عبد الملك أو بعده فقُطع . قال أبو عبد الله: سأَلت إبراهيم بن جَعفر عمَّن أَعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم من خُمُس خَيْبَر فقال: لا تسأل عنه أَحدًا أبدًا أَعلم مِنِّى؛ كان مَن أُعطِى منه طُعمةٌ جرت عليه حتى يموت ، ثم يرثه مِن ورثته ، يبيعون ويُطعمون ويهَبون ؛ كان هذا على عهد أبى بكر وعمر وعثمان. قلت : ممَّن سمعتَ ذلك؟ قال : من أَبى وغيره من قومى. قال أبو عبد الله : فذكرتُ لعبد الرحمن بن عبد العزيز هذا الحديث فقال : أَخبرنى من أثق به أَنّ عمر كان يقبض تلك الطُّعمة إِذا مات الميّت فى حياة أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم وغيرهنّ. ثم يقول: تُوقِّيت زينب بنت جحش فى سنة عشرين فى خلافة عمر فقبض طُعمتها ، فكُلِّم فأَبى أن يُعطيها الورثة . قال : إِنما كانت من النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم ◌ُعمةً ما كان المرء حيًّا، فإذا مات فلا حقّ لورثته. قال: فكان الأَمر على ذلك فى خلافة عمر حتى تُوقِّى، ثم ولى عثمان. وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم أَطعم زيد بن حارثة طُعمةً من خَيْبَر لم يكن له بها كتاب ، فلمّا تُوقِّى زيد جعلها النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم لأسامة بن زيد. قلت: فإنّ بعضَ من يروى يقول : كلَّم أسامة بن زيد عمر وعثمان فى طُعمة أبيه فأَبى، قال : ما كان إِلّ كما أخبرتُك. قال أَبو عبد الله: هذا الأمر. تسمية من استُشهد بخيبر مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من بنى أُمَيّة من حلفائهم: ربيعة بن أَكثم، قُتل بالنَّطاة، قتله الحارث اليهودىّ ؛ وثَقْف بن عمرو بن سُمَيط، قتله أُسَير اليهودىّ ؛ ورفاعة بن 1 ٧٠٠ مَسروح، قتله الحارث اليهودىّ. ومن بنى أسد بن عبد العُزّى: عبد الله بن أَبِى أُمَيّة بن وهب حليفٌ لهم وهو ابن أُختهم، قُتل بالنَّطاة. ومن الأَنصار محمود بن مَسْلَمَة دلّ عليه مَرْحَب رحِى من حِصن ناعِم بالنَّطاة . ومن بنى عمرو بن عَوف: أَبو الضَيَّاحِ!١) بن النُّعمان، شهد بدرًا؛ والحارث بن حاطب قد شهد بدراً، وعَدِىّ بن مُرّة بن سراقة؛ وأَوس بن حبيب ، قُتل على حِصن ناعم؛ وأُنَيف بن وائلة (٢)، قُتل على حِصن ناعم. ومن بنى زُرَيق: مَسعود بن سعد ، قتله مَرْحَب . ومن بنى سَلِمَة : بِشر بن البراء بن معرور ، مات من الشاة المسمومة ؛ وفُضَيل بن النُّعمان ، وهو من العرب ، مِن أَسلم ؛ وعامر بن الأكوع ، أَصاب نفسه على حِصن ناعِم فدُفن هو ومحمود بن مَسْلَمَةَ فى غارٍ واحدٍ بالرَّجيع . ومن بنى غِفار: عُمارة بن عُقبة بن عَبّاد بن مُلَيل ، ويَسار ، العبد الأسود ، ورجلٌ من أَشجع؛ فجميع من استُشهد خمسةَ عشرَ رجلًا . وقد اختُلِف فى الصلاة عليهم فقال قائلٌ: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عليهم ، وقال قائلٌ: لم يصلِّ عليهم. وقُتل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلًا. وأعطى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جَبَلَة بن جَوّال الثَّعلبىّ كلّ داجن بخَيْبَر، ويقال: أَعطاه كلّ داجن فى النَّطاة ، ولم يُعطه من الكَتيبة ولا من الشِّقّ شيئًا . (١) فى الأصل: ((أبو صباح بن النعمان)). والتصحيح عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص٧٧ ). (٢) فى الأصل: ((أنيف بن وائل)). والتصحيح من ابن عبد البر يروى عن الواقدى. ( الاستيعاب، ص ١١٥) . ٧٠١ ذكر ما قيل من الشعر فى خيبر قال ناجية بن جُنْدَب الأَسْلَمىّ : يا عِبادَ اللهِ فِيما نَرْغَبْ ما هو إِلّ مَأْكَلٌ ومَشْرِبْ وجَنَّةٌ فيها نَعيمٌ مُعجِبْ وقال أيضًا : أَنَا لِمَن أُبصرنى ابنُ جُنْدَبْ يا رُبّ قِرْنٍ (١) قد تركتُ أَنْكَبْ (٢). طاح عليه(٣) أَنْسُرُ وثَعْلَبْ أَنشدنى هذا عبد الملك بن وهب من ولد ناجية قال : ما زلت أرويها لأَّبِى وأنا غلام . حدّثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن عبد الله بن أبى بكر بر حزم ، أَنه سُئل عن الرِّهان التى كانت بين قُريش حين سار رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إِلى خَيْبَر فقال: كان حُويطب بن عبد العُزَّى يقول: انصرفت من صُلحِ الحُدَيبية وأَنا مُستيقن أَن محمّدًا سيظهر على الخلق ، وتأبى حَميّة الشيطان إِلّا لزومَ دينى، فقدم علينا عَّاس بن مِرداس السّلَمِيّ فخَبّرنا أَنّ محمّدًا سار إِلى خَيابِرِ ، وأَنّ خَيابِر قد جمعت الجموع فمحمّدٌ لا يُفلت، إِلى أَن قال عبّاس: مَن شاءَ بايعتُه لا يُفلت محمّد. فقلت : أَنا أُخاطرك. فقال صفوان بن أُمَيّة: أَنا معك يا عَبّاس. وقال نَوفل بن (١) القرن: الذى يقاوم فى قتال أو شدة. (شرح أبى ذر، ص ٣٤٩). (٢) الأنكب: المائل إلى جهة. ( شرح أبى ذر، ص ٣٥٠). (٣) طاح: هلك. (الصحاح، ص ٣٨٩) . ٧٠٢ مُعاوية: أَنا معك يا عبّاس. وضوَى(١) إِلىّ نفرٌ من قُرَيش، فتخاطرْنا مائة بعير خُماسًا إلى مائة بعير، أَقول أَنا وحَيِّزِى (٢) ((يظهر محمّد)). ويقول عبّاس وحَيِّه: (تظهر غَطَفان)). فاضطرب الصوت، فقال أَبو سفيان بن حرب : خشيت واللَّاتِ حَيِّز عباس بن مِرداس. فغضب صَفوان وقال: أدركتْك المنافية! فأَسكت أبو سفيان ، وجاءه الخبر بظهور رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فأخذ حُويطب وحَيِّزه الرهن . قالوا: وكانت الأَيْمُن تُحْلَف (٣) عن خيبر؛ وكان أهل مگَّة حین توجه رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إِلى خَيْبَر قد تبايعوا بينهم ، منهم من يقول : يظهر الحَليفان أَسَد وغِفار واليهود بِخَيْبَر ، وذلك أَنَّ اليهود أَوعبت فى حلفاءها ، فاستنصروهم وجعلوا لهم تمر خَيْبَر سنة ، فكانت بينهم فى ذلك بيوعٌ عظامٌ . وكان الحَجّاجِ بن عِلاط. السُّلَمِىّ ثم البَهْزِىّ قد خرج يُغير فى بعض غاراته، فذُكر له أَنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بِخَيْبَر فأسلم وحضر مع رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم خَيْبَر، وكانت أُمّ شَيبة بنت عُمَير بن هاشم أُخت مُصعَب العَبدىّ امرأَته، وكان الحجّاج مُكثرًا ، له مال كثير ، معادن الذهب التى بأَرض بنى سُلَيم ، فقال : يا رسول الله ، ائذن لى حتى أَذهب فآخذ ما لى عند امرأتى ، فإن علمتْ بإسلامى لم آخذ منه شيئًا ، فأَذن له رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم وقال: لا بدّ لى يا رسول الله من [ أن] أَقول . فأذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أن يقول ما شاءَ. قال الحجّاج: (١) ضوى: مال. (النهاية، ج ٣، ص ٢٨). (٢) فى الأصل: ((حيزى)). والحيز: الناحية. (لسان العرب، ج ٧، ص ٢٠٨). (٣) فى الأصل: ((وكان أيمن يحلف)). ٧٠٣ فخرجتُ فلما انتهيت إلى الحَرَم هبطت فوجدتهم بالثنيّة البيضاء ، وإِذا بهم رجالٌ من قُرَيش يتسمّعون الأخبار ، قد بلغهم أَنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد سار إلى خيْبَر ، وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفًا ومَنَّعَة ورجالًا وسلاحًا، فهم يتحّبون الأخبار مع ما كان بينهم من الرِّهان، فلما رأَونى قالوا: الحجّاج ابن عِلاط. عنده واللهِ الخبر! يا حجّاج، إِنه قد بلغنا أَنّ القاطع (١) قد سار إِلى خَيْبَر بلد اليهود وريف الحجاز. فقلت : بلغنی أنه قد سار إِليها وعندى من الخبر ما يَسُرّكم . فالتبطوا(٢) بجانبَىْ راحتى يقولون: يا حجّاج أَخْبِرِنا. فقلت : لم يلق محمّدٌ وأصحابه قومًا يُحسنون القتال غير أَهل خَيْبَر. كانوا قد ساروا فى العرب يجمعون له الجموع وجمعوا له عشرة آلاف ، فهزم هزيمة لم يُسمَع قطُّ. بمثلها، وأُسر محمّد أَسرًا، فقالوا : لن نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكَّة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منَّا ومنهم ! ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان فى عشائرهم ويرجعون إلى ما كانوا عليه ، فلا تقبلوا منهم وقد صنعوا بكم ما صنعوا . قال : فصاحوا بمكّة وقالوا : قد جاءكم الخبر، هذا محمّد إنما يُنتَظر أَن يُقدَم به عليكم . وقلت : أَعينونى على جمع مالى على غُرَمانى فأَنا أُريد أَن أَقدَّم فأُصيب من محمّد وأصحابه قبل أن تسبقنى التجّار إلى ما هناك. فقاموا فجمعوا إِلىّ مالى كأَحثّ جمْعٍ سمعتُ به ، وجئت صاحبتى وكان لى عندها مال فقلت لها : مالى ، على أَلحقُ بخَيْبَر فأُصيبَ من البيع قبل أن يسبقنى التجّار إِلى مَن انكسر هناك مـ المسلمين(٣). وسمع ذلك العبّاس فقام، فانخذل ظهره فلم يستقدم (١) يعنون قاطع الأرحام ، أى رسول الله. (٢) التبط القوم به: أى أطافوا به ولزموه. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٨٢). (٣) فى الأصل: ((قبل أن يسبقى التجار وانكسر من هنا) من الماءمن)). ٧٠٤ القيام ، فأَشفق أَن يدخل داره فيُؤْذَى، وعلم أَن سَيُؤْذَى عند ذلك، فأمر باب داره يُفتَح وهو مستلق، فدعا بابنه قُتَم وكان يُشبَّه بالنبىّ صلّى الله عليه وسلَّم ، فجعل يرتجز ويرفع صوته أَلَّا يشمَت به الأعداءُ. وحضر بابَ العبّاس بين مَغيظ. محزون ، وبين شامت ، وبين مسلم ومسلمة ، مقهورين بظهور الكفر والبغّى ، فلمّا رأى المسلمون العبّاس طيِّبةً نفسُه طابت أنفسهم واشتدّت مُنَّتهم (١)، ودعا غلامًا له يقال له أبو زُبَينة فقال له: اذهبْ إِلى الحَجّاج فقلْ، يقول العبّاس: ((الله أَعلى وأجلُّ من أن يكون الذى تُخبر حقًّا)). فجاءه فقال الحَجّاج : قُل لأَّبِى الفَضل : أَحِّتى فى بعض بيوتك حتى آتَيَك ظُهرًا ببعض ما تحبّ، فاكتم عنّى. فأقبل أبو زُبَينة يبشّر العَبّاس ((أَبشر بالذى يسرّك)) فكَّنه لم يمسّه شىءٌ ، ودخل عليه أَبو زُبَينة فاعتنقه العبّاس وأَعتقه وأخبره بالذى قال ، فقال العبّاس: لِلُه علىّ عِثْق عشر رِقاب! فلمّا كان ظُهرًا جاءَه الحَجَّاجِ فناشده الله : لتكتمنّ علىّ ثلاثة أَيَّام . فواثقه العبّاس على ذلك ، قال : فإنى قد أَسلمتُ ولى مال عند امرأتى ودين على الناس، ولو علموا بإِسلامى لم يدفعوا إِلىّ ؛ تركتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قد فتح خَيْبَر ، وجَرَت ◌ِهامُ الله ورسوله فيها وانتثل (٢) ما فيها، وتركتُه عروسًا بابنة حُيَّىّ بن أَخْطَب، وقُتل ابن أبى الحُقَيق. قال: فلمّا أَمسى الحجّاج من يومه خرج ، وطال على العبّاس تلك الليالى، ويقال: إِنما استنظر العبّاسَ يومًا وليلة، وجعل العبّاس يقول: يا حجّاج، انظر ما تقول فإنى عارف بِخَيْبَر؛ هى ريف الحجاز أَجمع، وأَهل المَنَعَة والعُدّة فى الرجال. أَحقًّا ما تقول ؟ قال : إِى واللهِ ، فاكتم عنى يومًا وليلة. حتى إذا مضى الأجل والناس (١) المنة بالضم: القوة. ( الصحاح، ص ٢٢٠٧). (٢) أى استخرج وأخذ. (النهاية ، ج ٤، ص ١٢٥). ٧٠٥ بموجون فى شأن ما تبايعوا عليه، عمَد (١) العبّاس إِلى حُلّةٍ فلبسها، وتخلَّق الخلوق وأخذ فى يده قضيبًا ، ثم أقبل يخطر حتى وقف على باب الحجّاج بن عِلاط.، فقرعه فقالت زوجته : لا تدخل، أَبا الفَضل ! قال: فأين الحجّاج؟ قالت : انطلق إلى غنائم محمّد ليشترى منها التى أصابت اليهود منهم قبل أَن تسبقه التجّار إليها . فقال لها العبّاس : فإِنّ الرجل ليس لك بزوجٍ. إلّا أَن تتبعى دينه؛ إنه قد أسلم وحضر الفتح مع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، وإِنما ذهب بماله هاربًا منك ومن أهلك أَن يأُخذوه. قالت: أَحقًّا يا أَبا الفَضل ؟ قال : إِى واللهِ! قالت: والثَّواقبِ إِنك لصادق . ثم قامت تُخبر أهلها، وانصرف العبّاس إلى المسجد وقُرَيش يتحدّثون بما كان من حديث الحجّاج ، فلمّا نظروا إِليه وإلى حاله تغامزوا وعجبوا من تجلُّده، ثم دخل فى الطواف بالبيت ، فقالوا : يا أبا الفَضل، هذا واللهِ التجلّد لحرّ المُصيبة! أين كنت منذ ثلاث لا تطلع؟ قال العبّاس : كلّ والذى حلفتم به ، لقد فتح خَيْبَر وتُرك عروسًا على ابنة ملكهم حُيَّىّ بن أَخْطب ، وضرب أَعناق بنى أبى الحُقَيق البيض الجِعاد الذين رأَيتموهم سادةَ النَّضير من يَغْرِب ، وهرب الحَجّاج بماله الذى عند امرأته . قالوا: مَن خبّرك بهذا؟ قال العبّاس : الصادق فى نفسى ، الثقة فى صدرى ، فابعثوا إِلى أَهله! فبعثوا فوجدوا الحَجّاج قد انطلق بماله واستكتم أَهله حتى يُصبح، فسألوا عن ذلك كلّه فوجدوه حقًّا ، فكُبت المشركون وفرح بذلك المسلمون ، ولم تلبث قُریش خمسة أَيَّام حتى جاءهم الخبر بذلك . (١) فى الأصل: ((وعمد)). ٧٠٦ باب شأُن فَدَك(١) قالوا : لما أَقبل رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم إِلى خَيْبَر فدنا منها ، بعث مُحَيِّصَة بن مَسعود إلى فدَكِ يدعوهم إلى الإِسلام ويخوِّفهم أن يغزوَهم كما غزا أهل خَيْبر ويحُلّ بساحتهم . قال مُحَيِّصة : جئتهم فأَقمت عندهم يومين، وجعلوا يتربصون ويقولون: بالنَّطاة عامر، وياسر، وأُسير، والحارث وسيِّد اليهود مَرْحَب، ما نرى محمّدًا يقرب حَراهم (٢)، إِنّ بها عشرة آلاف مُقاتل. قال مُحَيِّصَة : فلمّا رأيت خبثهم أردت أَرحل راجعًا ، فقالوا: نحن نُرسل معك رجالاً يأُخذون لنا الصُّلِح - ويظنُّون أَنّ اليهود تمتنع. فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتْل أَهل حِصن ناعِم وأَهل النَّجْدة منهم ، ففتّ ذلك أعضادَهم وقالوا لِمُحَيِّصَة : اكتمْ عنَّا ما قلنا لك ولك هذا الحَلْ! لِحَلَى نسائهم ، جمعوه كثيرًا. فقال مُحَيِّصَة: بل أُخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بالذى سمعتُ منكم . فأخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم بما قالوا. [قال مُحَيِّصَة]: وقدم معى رجلٌ من رؤسائهم يقال له ذُون بن يوشّع فى نفرٍ من اليهود، صالحوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَّم أَن يحقن دماءهم ويُجليهم ويُخَلُّوا بينه وبين الأَموال . ففعل ، ويقال : عرضوا على النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم أَن يخرجوا من بلادهم ولا يكون للنبىّ صلّى الله عليه وسلَّم عليهم من الأموال شىءٌ ، وإِذا كان جُذاذها جاءُوا فجذّوها ، فأبى النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم (١) بينها وبين المدينة يومان. (معجم البلدان ، ج ٦، ص ٣٤٢). (٢) الحرا : جناب الرجل، يقال: اذهب فلا أراك بحراى. (النهاية، ج ١، ص ٢٢٢). ٧٠٧ أَن يقبل ذلك وقال لهم مُحَيِّصَة: مالكم مَنَعَة ولا رجال ولا حصون ، لو بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إليكم مائة رجل لساقوكم إليه. فوقع الصُّلح بينهم أنّ لهم نصف الأرض بتربتها لهم ، ولرسول الله صلّى الله عليه وسلَّم نصفها ، فقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ذلك. وهذا أثبت القولين . فأَقرّهم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم على ذلك ولم يبلغهم ، فلمّا كان عمر ابن الخطَّب وأَجلى يهود خَيْبَر، بعث عمر إليهم من يقوّم أَرضَهم ، فبعث أَبا الهَيْثَم بن النَّيِّهَان وقَرْوَة بن عمرو بن حَيَّان بن صخر ، وزيدبن ثابت، فقوّموها لهم؛ النخل والأَرض ، فأَخذها عمر بن الخطّاب ودفع إليهم نصف قيمة النخل بتربتها ، فبلغ ذلك خمسين ألف درهم أَو يزيد - كان ذلك المال جاءَه من العراق - وأجلاهم عمر إلى الشام. ويقال: بعث أَبا خَيْثَمة الحارثيّ فقوّمها . انصراف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من خَيْبَر إلى المدينة قال أَنَس: أنصرفنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم من خَيْبَر وهو يُريد وادى القُرَى، ومعه أُمّ سَلَمَة بنت مِلحان، وكان بعض القوم يُريد أَن يسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم صَفيّة حتى مرّ بها فأَّلقى عليها رِداءه ، ثم عرض عليها الإِسلام فقال : إِن تكونى على دينك لم نُكرهك ، فإِن اخترتِ الله ورسوله اتخذتُك لنفسى. قالت: بل أختار الله ورسوله. قال: فأعتقها فتزوّجها وجعل عِتقها مهرها. فلمّا كان بالصَّهْباءِ قال لأُمّ سُلَيم : انظرى صاحبتك هذه فامشطيها! وأَراد أَن يُعرِّس بها هناك، فقامت أُمّ سُلَيم - قال أَنَس: وليس معنا فَساطيط. ولا سُرادِقات - فأخذتْ كسائين ٧٠٨ وعباءتين فسترتْ بهما عليها(١) إِلى شجرة فمشطتْها وعطرتْها ، وأَعرس بها رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم هناك. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لمَّا خرج من خَيْبَر ، وقُرّب بعيرُها وقد سترها النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم بثوبه ، أَدنى فخذه لتضع رجلها عليه، فأَبت ووضعت ركبتها على فخذه، فلمّا بلغ ثِبارًا أَراد أَن يُعرِّس بها هناك، فأَبت عليه حتى وجد فى نفسه ، حتى بلغ الصَّهْباء فمال إلى دَومة هناك فطاوعته ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ما حملك على ما صنعتٍ حين أردت أن أَنزل بشِبار - وثِبار على ستة أَميال والصَّهباءُ على اثنى عشرميلًا - قالت : يا رسول الله خفتُ عليك قرْب اليهود ، فلمّا بعدت أَمنتُ. فزادها عند النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم خيرًا وعلم أنها قد صدقته، ودخلت عليه مساءً تلك الليلة، وأَولم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ عليها بالحَيس (٢) والسَّويق والتمر، وكان قِصاعهم الأَنْطاع(٣) قد بُسطت ، فرُئى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم يأكل معهم على تلك الأَنْطاع. قالوا: وبات أَبو أَيّوب الأَّنصارىّ قريبًا من قُبَّته آخذًا بقائم السيف حتى أصبح ، فلمّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بُكرةً فكبّر أَبو أيّوب فقال : مالك يا أَبا أيوب ؟ فقال : يا رسول الله ، دخلتَ بهده الجارية وكنتَ قد قتلتَ أَباها وإخوتها وعمومتها وزوجها وعامّة عشيرتها ، فخفت أَن تغتالك . فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وقال له معروفًا . فلمّا نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة أَنزل صَفيّة فى منزل الحارثة بن النَّعمان ، وانتقل حارثة عنها. وكانت عائشة وحَفْصَة يداً واحدةً (١) فى الأصل: ((عليهما)). (٢) الحيس: الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن. (النهاية، ج ١، ص ٢٧٤). (٣) الأنطاع: جمع نطع [بكسر النون] وهو بساط من الأديم. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٨٩). ٧٠٩ فأرسلت عائشة بريرة إِلى أُمّ سَلَمَة تسلِّم عليها - وكانت أُمّ سَلَمَة زوج النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم مع النبى صلّى الله عليه وسلَّم فى غزوة خَيْبَر- وتسألها عن صَفيّةً أَظريفةٌ هى؟ فقالت أُمّ سَلَمَة : مَن أَرسلك ، عائشة؟ فسكتت فعرفت أُمّ سَلَمَة أَنها أرسلتها ، فقالت أُمّ سلَمة : لَعمْرِى إِنها الظريفة ، وإِنّ رسولَ الله صَلَى الله عليه وسلَّم لها لمُحِبُّ. فجاءَت بَريرة فأخبرت عائشة خبرَها ، فخرجت عائشة ستنكِّرةً حتى دخلت على صَفيّةً وعندها نسوةٌ من الأَنصار، فنظرت إِليها وهى مُنتقبة. فعرفها رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم. فلما خرجت رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إليها فقال : يا عائشة كيف رأَيتِ صَفيّة؟ قالت: ما رأيتُ طائلًا ، رأَيت يهوديّة بين يهوديَّات - تعنى عمّاتها وخالاتها - ولكنى قد أُخْبِرت أَنك تُحِبّها، فهذا خيرٌ لها مِن لو كانت ظريفةً . قال : يا عائشة ، لا تقولى هذا فإِنِى عرضتُ عليها الإِسلام فأَسرعت وأسلمت وحُسُن إِسلامها. قال : فرجعت عائشة فأخبرت حَفْصَة بظَرْفِها، فدخلت عليها حَفْصَة فنظرت إِليها ثم رجعت إلى عائشة فقالت : إِنها لظريفة وما هى كما قلتِ . فلما أَتَى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم الصَّهْباء سلك على بِرْمَةٍ(١) حتى انتهى إلى وادى القُرَى يُريد مَن بها مِن اليهود. وكان أَبو هُريرة يحدّث قال : خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم من خَيْبَر إِلى وادى القُرَى، وكان رِفاعة بن زيد بن وَهب الجُدامىّ قد وهب لرسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عبدًا أَسود يقال له مِدْعَمْ (٢)، وكان يُرِّل لرسول الله صلّى الله عليه (١) برمة: من أعراض المدينة قرب ((بلاكث)) بين خيبر ووادى القرى، به عيون ونخل. (وفاء الوفا، ج٢، ص ٢٦٠) . (٢) فى الأصل: ((مدغم)). والتصحيح عن ابن كثير يروى عن الواقدى، وهكذا ذكره ابن عبد البر أيضا . (الاستيعاب ، ص ١٣٨٢) . ٧١٠ وسلَّم. فلمّا نزلوا بوادى القُرَى انتهينا إلى اليهود وقد ضَوَى إِليها أُناسُ من العرب ، فبينا مِدْعَم يَحُطُّ رَحْل النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم ، وقد استقبلتنا اليهود بالرمى حيث نزلنا ، ولم يكن على تَعبيةٍ وهم يصيحون(١) فى آطامهم، فيُقبل سهمٌ عائرٌ (٢) فأَّصاب مِدْعَمًا فقتله، فقال الناس : هَنيئًا لك الجنّة ! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: كلاًّ والذى نفسى بيده ، إِنّ الشَّمْلة التى أُخذها يوم خَيْبَر من المغانم لم يُصبها المَقْسم تشتعل عليه نارًا. فلما سمع بذلك الناس جاءَ رجلٌ إِلى النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم بشِراكِ(٣) أَو بشِراكين ، فقال النبيّ صَلَى الله عليه وسلَّم : شِراك من نار! أَو شِراكان من نار . وعَّى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أصحابه للقتال وصفّهم ، ودفع لواءَه إلى سعد بن عُبادة، ورايةً إِلى الحُباب بن المُنْذِر ، ورايةً إلى سهل بن حُنَيف ، ورايةً إِلى عَبّاد بن بِشْر. ثم دعاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إلى الإِسلام وأخبرهم إِن أَسلموا أحرزوا أموالَهم وحقنوا دماءهم وحسابُهم على الله . فبرز رجلٌ منهم وبرز إليه الزُّبَير بن العَوّام فقتله ؛ ثم برز آخر فبرز إليه الزُّبَير فقتله ؛ ثم برز آخر فبرز له عَلىّ عليه السلام فقتله؛ ثم برز آخر فبرز له أَبو دُجانة فقتله ، ثم برز آخر فبرز له أَبو دُجانة فقتله ؛ حتى قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم منهم أحدَ عشرَ رجلاً، كلَّما قُتل رجلٌ دعا من بقى إلى الإِسلام . ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذٍ فيصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله ، (١) فى الأصل: ((يضيجون)). وما أثبتناه عن ابن كثير يروى عن الواقدى. (البداية والنهاية، ج ١، ص ٣١٨). (٢) العائر من السهام: ما لا يدرى راميه. ( القاموس المحيط، ج ٢، ص ٩٧). (٣) الشراك: أحد سيور النعل التى تكون على وجهها. (النهاية، ج ٢، ص ٢١٦). ٧١١ فقاتلهم حتى أَمَسَوا(١) وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قِيدَ رُمح حتى أُعطوا بأيديهم، وفتحها عَنْوَةً، وغنّمه(٢)اللهُ أَموالَهم وأَصابوا أَثائًا ومتاعًا كثيرًا. وأقام رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم بوادى القُرَى أَربعة أَيَّام ، وقسم ما أَصاب على أصحابه بوادى القُرَى، وترك النخل والأرض بأيدى اليهود وعاملهم عليها. فلمّا بلغ يهودَ تَيْماءَ(٣) ما وطىءَ به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خَيْبَر وفَدك ووادى القُرَى، صالحوا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم على الجِزية ، وأقاموا بأيديهم أموالهم . فلمّا كان زمن عمر رضى الله عنه أَخرج يهود خَيْبِر وفَدَك، ولم يُخرج أَهل تَيْماءَ ووادى القُرَى؛ لأنهما داخلتان فى أَرض الشام، ويرى أنّ ما دون وادى القُرَى إِلى المدينة حجازٌ، وأَنّ ما وراء ذلك من الشام . وانصرف رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم من وادى القُرَى راجعًا بعد أَن فرغ من خَيْبَر ومن وادى القُرَى وغنّمه اللهُ ، فلمّا كان قريبًا من المدينة سرى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليلته، حتى إِذا كان قْبَيل الصبح بقليلٍ نزل وعرّس . وقال: أَلا رجلٌ صالحٌ حافظٌ. لعَينه يحفظ لنا صلاةً الصبح؟ فقال بلال: أَنا يا رسول الله ! قال : فوضع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم رأسه ووضع الناس رؤوسهم، وجعل أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه يقول لبلال: يا بلال احفظْ. عينَك! قال : فاحتبيتُ (٤) بعَباعتى واستقبلتُ الفجر، فما أدرى متى وضعت جنبى إِلّا أَنى لم أستيقظ. إلّا باسترجاع الناس وحَرّ الشمس ، وأَخذتنِى الأَلسنةُ باللوم؛ وكان أَشدّهم عَلَىَّ أَبو بكر . وفرغ (١) فى ابن كثير عن الواقدى: ((أمسى)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٠:٢١٨ (٢) فى ابن كثير عن الواقدى: ((فغنمهم)). (البداية والنهاية، ج٤، ص ٢١٨). (٣: تهاء: على ثمانى مراحل من المدينة بينها وبين الشام. (وفاء الوفا، ج١، ص ٢٧٢). (٤) الاحباء: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعها به مع مقبره وبعدهابها. والنهابة، ٥ ١، ص ١٩٩) . ٧١٢ رسولُ الله صَلَى الله عليه وسلَّم فكان أَهون لائمةً من الناس ، فقال رسول الله صَلَى الله عليه وسلّم: من كانت له حاجة فلْيقضها . فتفرّق الناس فى أُصول الشجر، وقال صلّى الله عليه وسلَّم: أَذِّنْ يا بِلال بالأَذان الأَوّل. قال بلال : وكذلك كنت أَفعل فى أَسفاره ، فأُذّنت فلمّا اجتمع الناس قال رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم: اركعوا ركعَّى الفجر. فركعوا ثم قال : أَقِيم يا بِلال! قأَقمتُ فتقدّم رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم فصَّى بالناس . قال بِلال : فما زال يصلّى بنا حتى إِنّ الرجلَ لَيَسْلُت (١) العَرَقَ من جبينه من حَرّ الشمس ، ثم سلَّم فأقبل على القوم فقال : كانت أنفسنا بيد الله، ولو شاءَ قبضها وكان أَوْلَى بها ، فلمّا ردّها إِلينا صلّينا. ثم أَقبل على بِلال فقال: مَهْ يا بلال ! فقال : بأبى وأمىّ ، قبض نفسى الذى قبض نفسك. فجعل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يتبسّم . ولمّا نظر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إِلى أُحُد قال رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم : أُحُد جبل يُحبّنا ونُحبّه؛ اللَّهمّ إِنى أُحرّم ما بين لابَتَّى المدينة! قال: وانتهى إلى الجُرْف ليلًا، فنهى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أَن يطرق الرجل أَهلَه بعد صلاة العشاء . فحدّثنى يعقوب بن محمّد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صَّعْصَعة ، عن الحارث بن عبد الله بن كعب ، عن أُمّ عُمارة ، قالت : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يقول وهو بالجُرْف: لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء. قالت : فذهب رجلٌ من الحىّ فطرق أَهلَه فوجد ما يكره فخلّ (١) سلت: مسح. (النهاية، ج ٢، ص ١٧٢). ٧١٣ سبيله ولم يَهِجْه(١) ، وضنّ بزوجته أن يفارقها وكان له منها أَولاد وكان يحبها ، فعصى رسولَ الله صَلّى الله عليه وسلَّم ورأى ما يكره . حدّثنى عبد الله بن نوح الحارثىّ، عن محمّد بن سَهل بن أبى حثْمَة، عن سعد بن حِزام بن مُحَيِّصَة ، عن أبيه ، قال : كنّا بالمدينة والمجاعة تُصيبنا ، فنخرج إلى خَيْبَر فنُقيم بها ما أَقمنا ثم نرجع ، وربّما خرجنا إلى فَدَك وتيماء. وكانت اليهود قومًا(٢) لهم ثمار لا يُصيبها قَطْعُهُ(٣)، أَما تَيماءُ فعينٌ جاريةٌ تخرج من أَصل جبلٍ لم يُصبها قطعُه منذ كانت ، وأَما خَيْبر فماءُ واتِن، فهى مُغَفَّرة(٤) فى الماء، وأَما فَدَك فمثل ذلك . وذلك قبل الإِسلام، فلما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم المدينة وفتح خَيْبَر قلت لأصحابى: هل لكم فى خَيْبَر فإِنّا قد جَهِدنا وقد أصابنا مجاعة؟ فقال أصحابى : إِنّ البلاد ليس كما كانت ، نحن قوم مسلمون وإنما نَقدَم على قومٍ أَهلِ عداوةٍ وغِشَّ للإِسلام وأهله ، وكنّا قبل ذلك لا نعبد شيئًا. قالوا : قد جَهِدنا ، فخرجنا حتى قدمنا خَيْبَر ، فقدمنا على قومٍ بأيديهم الأَرض والنخل ليس كما كانت؛ قد دفعها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم على النصف؛ فأَما سَراة اليهود وأَهل السَّعَة منهم قد قُتلوا - بنو أَبِى الحُقَيق وَسَلَام بن مِشْكُم ، وابن الأَشْرَف - وإِنما بقى قومُ لا أَموال لهم وإِنما هم عمّال أيديهم . وكنّا نكون فى الشِّقِّ يومًا وفى النَّطاة يومًا وفى الكتيبة يومًا، فرأينا الكتيبة خيرًا لنا فأَّقمنا بها أَيّامًا ، ثم إِنّ صاحبى ذهب إِلى الشِّقّ فبات عنى وقد (١) فى ابن كتير عن الوافدى: ((فخلى سبيلها ولم يهجر وضن)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢١٩). ولم يهجه: أى لم يزعجه ولم ينفره. (النهاية، ج٤، ص ٢٦٠). (٢) فى الأصل: ((قوم)). (٣) أى قطع الماء . (٤) فى الأصل: ((معفدة)). ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات. وغفره: أى غطاه. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٠٣).