النص المفهرس

صفحات 261-280

٦٧٤
القَتلى! ، فقال بِلال : يا رسولَ الله ما ظننتُ أَنك تكره ذلك ، وأحببتُ
أن ترى مَصارعَ قومها . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لابنة عمّ صَفيّة:
ما هذا إِلَّا شيطان. وكان دِحْيَة الكلبىّ قد نظر إِلى صَفيّة فسألها رسولَ الله
صَلَى الله عليه وسلَّم، ويقال إِنه وعده جاريةً مِنْ سَبْى خَيْبَر، فأعطاه ابنةً
عمّها .
وحدّثْنى ابنُ أَبِى سَبْرَة، عن أَبِى حَرْمَلَة، عنْ أُخته أُمّ عبد الله ، عن
ابنة أبى القَين المُزَنِىّ، قالت: كنت آلفُ صَفيّة من بين أَزواج النبىّ
صَلَى الله عليه وسلَّم، وكانت تحدّثنى عن قومها وما كانت تسمع منهم
قالت: خرجنا من المدينة حيث أَجلانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأَقمنا
بِخَيْبَر ، فتزوّجنى كِنانة بن أبى الحُقَيق فأَعرس بى قبل قدوم رسول الله صَلّى
الله عليه وسلَّم بأَيّام، وذبح جُزُرًا ودعا باليهود ، وحوّلنى فى حصنه بسُلالِم،
فرأيت فى النوم كأَنّ قمرًا أَقبلَ مِن يَغْرِب يسير حتى وقع فى حِجْرى. فذكرتُ
ذلك لكِنانة زوجى فلَطَم عينى فاخضرّت، فنظر إليها رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلَّم حين دخلتُ عليه فسألنى فأخبرتُه . قالت : وجعلت اليهود ذراريّها
فى الكتيبة، وجَرّدوا حصن النَّطاة للمقاتِلة، فلمّا نزل رسول الله صَلَى الله عليه
وسلَّم خَيْبَر وافتتح حصون النَّطاة ، ودخل علىَّ كنانةُ فقال : قد فرغ
محمّدٌ من النَّطاة، وليس ها هنا أَحدٌ يُقاتل ، قد قُتلت اليهودُ حيث قُتل
أَهلُ النَّطاة وكذبتنا العربُ . فحوَّلنى إلى حصن النِّزار بالشِّقّ ، - قال :
وهو أَحصنُ ممَّ عندنا - فخرج حتى أَدخلنى وابنة عمّى ونُسيّاتٍ معنا .
فسار رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم إِلينا قبل الكتيبة فسُبِيتُ فى النِّزار قبل أن

٦٧٥
ينتهى النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم إلى الكتيبة، فأَرسل بى إلى رَحْلِه، ثم جاءَنا
حين أَمسى فدعانى ، فجئتُ وأَنا مُقَنَّعة حَبِيَّة، فجلستُ بين يديه فقال:
إِن أَقمتِ على دينكِ لم أُكرِهْكِ، ، وإن اخترتِ اللّهَ ورسولَه فهو خيرٌ لكِ.
قالت : أَختارُ اللهَ ورسوله والإِسلام. فأَعتقنى رسولُ اللّه صَلّى الله عليه وسلَّم
وتزوّجنى وجعل عِتقى مَهرى ، فلما أراد أن يخرج إلى المدينة قال أصحابُه :
اليومَ نَعلمُ أَزوجةٌ أَم سُرِّيَةٌ، فإِن كانت امرأَتَه فسَيحجبُها وإلّا فَهَى
سُرِّيَّة. فلما خرج أَمربسِتْر فسُتِرتُ به فعُرِفٍ أَنى زوجة، ثم قَدّم إلىّ البعير
وقدّم فَخِذَه لِأَضَعَ رجلى عليها ، فأَعظمتُ ذلك ووضعتُ فَخِذِى على فَخِذِه ،
ثم ركبتُ. وكنت أَلقَى مِن أَزواجه ، يفخرن علىّ يقلن: يا بنت اليهودىّ.
وكنتُ أَرى رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلَّم يَلْطُف بى ويُكرمنى، فدخل علىّ
يومًا وأَنا أَبكى فقال: مالك ؟ فقلتُ : أَزواجُك يفخرن علىّ ويقلن: يا بنت
اليهودىّ . قالت: فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد غضب ثم قال:
إذا قالوا لك أَو فاخروك فقولى : أَبِى هرون وعَمّى موسى .
قالوا : وكان أَبو شُيَيم المُزَنِىّ - قد أَسلم فحسُنَ إِسلامُه - يُحدّث
يقول : لمّا نغرنا أهلها بحَيفاءَ مع عُيَينة - قدمنا عليهم وهم قارّون هادئون
لم يهجهم هائج - رجع بنا عُيَينة ، فلمّا كان دون خَيْبَر بمكانٍ يقال له
الحَطام عرّسنا من الليل ففزعنا، فقال عُيَينة : أَبشروا إِلى أَرَى الليلة فى
النوم أَنى أُعطِيت ذا الرُّقَيبة - جبلًا بِخَيْبر - قد واللهِ قد أَخذتُ بِرَقَبَة
محمّد . قال : فلمّا قدمنا خَيْبَر قدم عُيَينة فوجد رسولَ الله صلّى الله عليه

٦٧٦
وسلَّم قد فتح خَيْبَر وغنَّمه اللهُ ما فيها ، فقال عُيَينة: أَعطِى يا محمد
ممَّا غنمتَ مِن حُلفائى فإِنِى انصرفتُ عنك وعن قتالك وخذلتُ حلفان ولم
ء
أكثر عليك، ورجعتُ عنك بأربعة آلاف مقاتل. فقال رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم : كذَبتَ ، ولكنّ الصّاح الذى سمعتَ أَنفَركِ إِلى أَهلِك .
قال : أَجِزنى يا محمّد. قال: لك ذو الرُّقَيبة. قال عُيَينة: وما ذو
الرُّفَيبة؟ قال : الجبل الذى رأَيتَ فى النوم أنك أخذته. فانصرف عُيينة
فجعل يتدسّسُ إلى اليهود ويقول: ما رأيتُ كاليوم أَمرًا؛ والله ما كنتُ أَرى
أَحدًا يُصيب محمّدًا غيركم. قلت: أَهل الحصون والعُدّة والثَّرْوَة، أَعطيتم
بأيديكم وأنتم فى هذه الحصون المَنيعة، وهذا الطعام الكثير ما يُوجد له
آكل ، والماءُ الواتن. قالوا: ند أردنا الامتناع فى قلعة الزُّبَير ولكن الدُّبول (١)
قُطعت عنا، وكان الحَرُّ ، فلم يكن لنا بقاءٌ على العَطَش. قال: قد ولّيتم
من حصون ناعم مُنهزمين حتى صرتم إلى حصن قلعة الزُّبَير . وجعل يسأَل
عمن قُتل منهم فيُخْبَر ، قال: قُتل واللّهِ أَهلُ الجِدّ والجَلَد ، لا نظام ليهود
بالحجاز أبدًا. ويسمع كلامَه ثَعلبةُ بن سَلّام بن أبى الحُقَيق ، وكانوا يقولون
إِنه ضعيف العقل مُختلِط ، فقال: يا عُيَينة ، أَنت غررتهم وخذلتَهم
وتركتهم وقتالَ محمّد ، وقبل ذلك ما صنعتَ ببنى قُرَيْظَة! فقال عُيَينة :
إِنّ محمّدًا كادنا فى أَهلنا ، فنفرنا إليهم حيث سمعنا الصريخ ونحن نظنٌ
أَنّ محمّدًا قد خالف إليهم ، فلم نَرَ شيئًا فكررنا إليكم لننصركم . قال
ثَعلبة: ومَن بقى تَنصُره؟ قد قُتل من قُتل وبقی من بقی فصار عبدًا محمّد ،وسبانا ،
(١) فى الأصل: ((الذيول)).

٦٧٧
وقَبَضَ الأَموال! قال: يقول رجل من غَطَفان لعُيَينة: لا أَنت نصرتَ حلفاءَك
فلم يعدّوا عليك حِلْفَنا! ولا أَنت حيث ولّيت - كنتَ أَخذتَ تَمْرَ خَيْبر
من محمّدٍ سنةً! والهِ إنى لأَرى أَمرَ محمّدٍ أَمرًا ظاهرًا ، ليظهرنّ على مَن ناوأَه.
فانصرف عُيَيْنة إِلى أَهله يَفتِلُ يديه، فلمّا رجع إلى أهله جاءه الحارث بن
عوف ، قال : أَلم أَقُلْ لك إِنك تُوضِع فى غير شىء ؟ واللهِ لَيظهرن محمدٌ
على مَن بين المشرق والمغرب ، اليهود كانوا يُخبروننا هذا. أَشهدُ لَسمعتُ
أَبا رافع سَلَام بن أبى الحُقَيق يقول: إِنَّا نَحسد محمّدًا على النبوّة حيث
خرجت من بنى هرون ، وهو نبىّ مرسل واليهود لا تُطاوعنى على هذا ، ولنا
منه ذِبْحان، واحد بِيَثْرِب وآخر بِخَيْبَر. قال الحارث، قلت لِسَلَام:
بملك الأَرض جميعًا؟ قال : نعم والتوراةِ التى أُنزلت على موسى ، وما أُحبُّ
أن تعلم اليهود بقولی فیه!
قالوا : لمّا فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم خَيْبَر واطمأنّ جعلت
زينب بنت الحارث تسأل : أَىُّ الشاةِ أَحبُّ إِلى محمّد؟ فيقولون : الذراع
والكتف. فعمدتْ إِلى عَنْزٍ لها فذبحتها، ثم عمدت إلى سَمِّلا بطىّ(١)، قد
شاورت اليهود فى سُموم فأُجمعوا لها على هذا السَّمّ بعينه، فسمَّت الشاةً وأكثرت
فى الذراعين والكتفين. فلمّا غابت الشمس صلّى رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم المغرب وانصرف إلى منزله، ويجدزينب جالسةٌ عندرَحْله فيسأل عنها فقالت:
أبا القاسم ، هَديّة أَهديتُها لك. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يأكل
الهَديّة ولا يأْكل الصدقة، فأَمر رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم بالهَديّة
فقُبضت منها ووُضعت بين يديه، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
(١) لبط بفلان: إذا صرع من عين أوحمى. (لسان العرب، ج ٩، ص ٢٦٣).

٦٧٨
لأَصحابه وهم حُضور، أو مَن حضر منهم: ادنوا فتعشّوا ! فدنوا فمدّوا
أيديهم، وتناول رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم الذراع . وتناول بِشْرُ بن
البَراءِ عَظْمًا، وأَنهش رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم منها نَهْشًا وانتهش بشر. فلمّا
ازدرد رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم أُكْلَته ازدرد بِشْر. فقال رسول الله صلّى
الله عليه وسلَّم: كُفُّوا أيديكم فإِنّ هذه الذراع تُخبرنى أنها مسمومة . فقال
بِشر بن البراء: قد واللهِ يا رسول الله وجدتُ ذلك مِن أُكْلَتِى التى أَكَلْتُها ،
فما منعنى أَن أَلْفِظَها إِلّا كراهية أُنغّصُ إِليك طعامك، فلمّا تسوّغتَ ١٠ فى
يدك لم أَرغب بنفسى عن نفسك ، ورجوتُ أَلّا تكون ازدردتها وفيها نَعْى) (١).
فلم يَرِمِ بِشرٌ من مكانِهِ حتى عاد لونُه كالطَّيْلَسان. وماطَلَه وجعُه سنةً
لا يَتَحوّل إِلّا ما حُوّل، ثم مات منه. ويقال لم يَقُم من مكانه حتى مات،
وعاش رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بعد ذلك ثلاث سنين. ودعا رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم بزَينب فقال: سممتِ الذراع؟ فقالت : مَن أَخبرك؟
قال : الذراع. قالت : نعم. قال : وما حملكِ على ذلك؟ قالت: قتلتَ أَبى
وعمّى وزوجى، ونِلْتَ مِن قوى ما نِلْتَ، فقلتُ : إِن كان نبيًّا فستُخبره
الشاةُ ما صنعتُ ، وإِن كان مَلِكًا استرحنا منه. فاختُلِف علينا فيها ، فقال
قائلٌ رواية: أَمر بها رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فقْتلت ثم صُلبت . وقال
قائلٌ رواية : عَفا عنها . وكان نفرٌ ثلاثةٌ قد وضعوا أَيديهم فى الطعام ولم
يُسيغوا منه شيئًا. فأمر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابه فاحتجموا
أوساطَ. رُءُوسهم مِن الْشاة، واحتجم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم تحت
كتفِهِ الْيُسْرَى. ويقال: احتجم على كاهِله، حجمه أَبو هِند بالقَرْن والشَّفْرَة.
(١) فى الأصل: ((بغى)).

٦٧٩
وقالوا : وكانت أُمّ بِشر بن البراء تقول: دخلتُ على رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم فى مرضه الذي مات فيه وهو محموم فمسسته فقلت : ما وجدت
مثل [ما] وُعك (١) عليك على أَحد. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
كما يُضاعَف لنا الأَجر كذلك يُضاعَف لنا البَلاء ؛ زعم الناسُ أَنّ برسول
الله ذاتَ الجَنْب! ما كان الله ليُسلِّطها علّ. إِنما هى هُمَزَةٌ من الشيطان.
ولكنه مِنِ الأُكْلَة التى أَكلتُ أَنا وابنُك يومٍ خَيْبَر . ما زال يُصيبنى منها
عِدادٌ(٢) حتى كان هذا أَوان انقطاع(٣) أَبْهَرِى(٤). فمات رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم شهيدًا. ويُقال: إِنّ الذى مات فى الشاة مُبَشِّر بن البراء. وبِشْر
أثبتُ عندنا ، وهو المجتَمَع عليه.
قال عبد الله: سألت إبراهيم بن جعفر عن قول زينب ابنة الحارث
((قتلتَ أَبِى)) قال: قُتل يوم خَيْبرِ أَبوها الحارث وعَمُّها يَسَار، وكان أَخبرٌ
الناس، هو الذى أُنزِل من الشِّقّ، وكان الحارث أَشجعَ اليهود، وأَخوه زَبير
قُتل يومئذ، فكان زوجُها سيّدّهم وأَشجعهم سَلّام بن مِشْكَم، كان مريضًا
وكان فى حصون النَّطاة فقيل له : إنه لا قتالَ فيكم فكنْ فى الكتيبة. قال :
لا أَفعل أبدًا. فقُتل وهو مريض، وهو أَبو الحَكَم الذى يقول فيهِ الرَّبيع بن
أَبى الحُقَيق :
ولمَّا تَداعَوْا بأَسيافِهِمْ فكان الطِّعَانُ دَعَوْنا سَلَاما
(١) الوعك: الحمى. (النهاية، ج ٤،"ص ٢٢١).
(٢) العداد: اهتياج ومع المديغ، وذلك إذا تمت له سنة من يوم لدغ هاج به الألم. (النهاية، ج٣، ص٧١).
(٣) فى الأصل. ((انقطع))، وما أثبتناه من السيرة الحلية. (ج ٢، ص ١٨١).
(٤) الأبهر: العرق المتعلق بالقلب. (السيرة الحلبية، ح ٢، ص ١٨١).

٦٨٠
وكنَّا إِذا ما دَعَوْنا بهِ سَقَيْنَا سَرَاةَ العَدُوِّ السّمَاما
وهو كان صاحب حربِهم ولكنّ اللهَ شغله بالمرض .
قالوا : واستعمل رسولُ الله صَلَى الله عليه وسلَّم على الغنائم يوم خَيْبَر
فَرْوَة بن عمرو البَياضىّ ، وكان قد جمع ماغنم المسلمون فى حصون النَّطاة
وحصون الشِّق وحصون الكتيبة ، لم يترك على أحدٍ من أَهل الكتيبة إِلّا
ثوبًا على ظهره من الرجال والنساء والصبيان ، وجمعوا أَثائًا كثيرًا وبَزًّا
وقطائفَ وسلاحًا كثيرًا، وغَنمًا وبَقَرًا، وطعامًا وأُدْمًا كثيرًا. فأَمّ الطعام
والأُدْمِ والعَلَف فلم يُخمّس ، يأُخذ منه الناسُ حاجتَهم ، وكان من احتاج
إلى سلاحٍ يقاتل به أخذه من صاحب المَغْم ، حتى فتح الله عليهم فردّ
ذلك فى المغنم . فلمّا اجتمع ذلك كلُّه أمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
فجزىْ خمسةَ أَجزاء ، وكُتب فى سهمٍ منها ((الله)) وسائرُ السُّهْمان أَغفال.
فكان أَوّل ما خرج سهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يُتخيّر فى الأخماس،
ثم أمر رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم ببيع الأربعة الأخماس(١) فيمن يُريد ،
فجعل فَرْوَة يبيعها فيمن يُريد ، فدعا فيها النبى صلّى الله عليه وسلَّم
بالبركة وقال : اللَّهمّ أَلق عليها النَّفاق! قال فَرْوَة بن عمرو: فلقد رأيتُ
الناس يتداركون علىّ ويتواثبون حتى نَفَق فى يومين، ولقد كنت أَرى أَنّا
لا نتخلصُ منه حِينًا لكثرته . وكان الخُمُس الذى صار إلى رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم من المغنم يُعطى منه على ما أراد اللهعن السلاح والكُسوة ، فأَعطى منه
أهل بيته من الثياب والخَرَز والأَثاث، وأعطى رجالًا من بنى عبد المطّلب
ونساءً ، وأعطى اليتيم والسائل. وجُمعت يومئذٍ مصاحفُ فيها التوراة من
المغنم ، فجاءت اليهود تطلبها وتُكلّم فيها رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم،
(١) فى الأصل: ((أخماس)).
٠

٦٨١
أَن تُرَدَّ عليهم. ونادى منادى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم : أَدُّوا الخَيْطَ.
والمِخْيط، فإِنّ الْغُلول عارٌ وشَنارٌ ونارٌ يومَ القيامة. فباع يومئذٍ فَرْوَة
المتاع ، فأَخذ عِصابةً فعصب بها رأسه ليستظلّ بها من الشمس ، ثم رجع
إلى منزله وهى عليه فذكر فخرج فطرحها . وأُخبِر بها رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلَّم ، فقال : عِصابةٌ من نارٍ عصبتَ بها رأسَك . وسأَل
رجلٌّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ من الفَىء شيئًا، فقال رسول الله
صَلّى الله عليه وسلَّم: لا يَحِلّ لى من الفع خيطٌ. ولا مِخْيَطُ.، لا آخذُ ولا أُعطى .
فسأله رجلٌ عِقالا فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: حتى نقسم الغنائم ثم
أُعطيك عقالاً، وإن شئتَ مِرارًا(١). وكان رجلٌ أَسود مع النبيِّ صَلّى الله
عليه وسلَّم يُمسك دابته عند القتال يقال له كَرْكَرة ، فقُتل يومئذ، فقيل :
يا رسول الله استُشْهِد كَرْكَرة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم : إِنه
الآن ليُحرَق فى النار على شَملةٍ غلّها. فقال رجلٌ من القوم: يا رسول الله .
أَخذتُ شِراكين يومئذٍ كذا وكذا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم:
شِراكان من نار. وتوفّى يومئذٍ رجل من أَشْجَع، وإنهم ذكروه لرسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم فقال: صلُّوا على صاحبكم . فتغيّرت وجوه الناس لذلك
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: إِنّ صاحبكم غَلّ فى سبيل الله . قال زيد بن
خالد الجُهَنىّ: ففتّشنا متاعَه فوجدنا خَرَزًا من خَرَز اليهود لا يَسْوَى درهممن.
وكان نفرٌ من المسلمين أَصابوا خَرَزًا من خَرَز اليهود وكانوا رفقاء؛ فتال.
المحدّث لهذا الحديث : لو كان الخَرَز عندكم اليوم لم يسوَ درهمين .
فأُتِى بذلك الخَرَزِ إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بعد ما فرغ من المقدم .
(١) المرار: الحبل. (النهاية، ج ٤، ص ٨٨).

٦٨٢
فقالوا: يا رسول الله، نسينا ! هذا الخَرَز عندنا! فقال رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم : كلُّكم يحلف بالله أنه نسيه ؟ قالوا : نعم . فحلفوا بالله جميعًا
أنهم نسوه، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بسرير الموتى فسُجن عليهم
بالرِّباط، ثم صلّى عليهم صلاة الموتى. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
يجد الغُلول فى رَحل الرجل فلا يعاقبه ، ولم يُسمَع أَنه أَحرق رَحل أَحدٍ وُجِد
فى رَحله ، ولكنه يُعنَّف ويوَّنَّب ويُؤْذَى ويُعرَّف الناس به .
قالوا: واشترى يوم خَيْبَرَ تِبْرًا(١) بذهبٍ جُزافًا، فَلَهى عنه رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم. وكان فَضالة بن عُبَيد يحدّث يقول: أصبتُ يومئذٍ قلادةً
فبعتُها بثمانية دنانير ، فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، فقال:
بِعِ الذهب وزنًا بوزن . وكان فى القلادة ذهبٌ وغيره فرجعتُ فيها . واشترى
السّعدان تِبرًا بذهب أحدهما أَكثر وزنًا ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم: أَربيتما فرُدّا! ووجد رجلٌ يومئذٍ فى خَرِبَةٍ مائتى درهم، فأَخذ منها
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم الخُمُس ودفعها إليه .
وسُمع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ يقول: مَن كان يُؤمن بالله
واليوم الآخر فلا يسقٍ (٢)ماءه زَرْعَ غيره، ولا يبعْ (١٣ شيئًا من المَغْنَم حتى
يُعلَم ، ولا يركبْ دابّةً من المغنم حتى إِذا بَراها (٤) ردّها ، ولا يلبس ثوبًا من
المَغْنَم حتى إِذا أَخلقه ردّه ، ولا يأْتِ من السّبى حتى تستبرئُ وتَحيض
حَيْنَة، وإن كانت حُبلى حتى تضع حملها. ومرّ رسول الله صلّى الله عليه
(١) التبر: الذهب والفضة أو فتاتهما قبل أن بصاغا، فإذا صيغا فهما ذهب وفضة. ( القاموس المحيط،
ح ١، ص ٣٧٩) .
(٢) فى الأصل: ((فلا يسقى)).
(٣) فى الأصل: ((ولا يبيع)).
(٤) فى الأصل. ((إذ يراها)). وبراها: عزلها (القاموس المحيط، ح ٤، ص ٣٠٢).

٦٨٣
وسلَّم يومئذٍ على امرأَةٍ مُجِحِّ(١) فقال: لمن هذه؟ فقيل: لفلان. قال:
فلعلّه يطَوِّها؟ قالوا : نعم . قال : كيف بولدها يَرِثه وليس بابنه ، أَو
يسترقُه وهو يعدو فى سمعه وبصره؟ لقد هممتُ أَن أَلعنه لعنةً تتبعه فى
قبره .
قالوا : وقدم أَهل السفينتين (٢) من عند النَّجاشىّ بعد أَن فُتحت خَيْبَر،
فلمّا نظر النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم إلى جعفر قال: ما أدرى بأَيّهما أَنا
أُسَرّ ، بقدوم جعفر أَو فتح خَيْبَر! ثم ضمّه رسول الله وقبّل بین عينيه .
وقدم الدَّوسيُّون فيهم أبو هُرَيرة والطُّفيل بن عمرو وأصحابهم ونفرٌ من
الأَشْجَعَيّين ، فكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أصحابه فيهم أن يشركوهم
فى الغنيمة . قالوا: نعم يا رسول الله. ونظر أَبان بن سعيد(٣) بن العاص إلى
أَبي هُرَيرة فقال: أَمَّا أَنت فلا. فقال أبو هُرَيرة: يا رسول الله ، هذا
قائل ابن قَوْقَل. قال أَبان بن سعيد: يا عَجَباه لِوَبْرٍ (٤) تَدّى علينا مِن قَدُوم
ضأْنِ (٥)! ينعَى علىّ قَتْلَ امرىءٍ مُسلمٍ أَكرمه اللهُ على يدِى ولم يُهنّى
u
على يده .
قالوا: وكان الخُمُس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم من كلّ مَغْنَم
غنمه المسلمون ، شهده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَو غاب عنه. وكان لا يقسم
الغائبٍ فِى مَغْنَمٍ لم يشهده ، إلّا أَنه فى بدرٍ ضرب لثمانية لم يشهدوا ، كلّهم
(١) المجح: الحامل المقرب التى دنا ولادها. (النهاية، ج ١، ص ١٤٤).
(٢) فى الأصل: ((السقبفتين))؛ والتصحيح عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ٣).
(٣) فى الأصل: ((أبان بن سعد))، والتصحيح عن ابن عبد البر. (الاستبعاب، ص ٦٢).
(٤) الوبر: دوبية على قدر السنور، غبراء أو بيضاء حسنة العينين شديدة الحباء حجازية، وإنما شبهه
بالوبر تحقيراً له . ( النهاية، ج ١، ص ١٩٠) .
(٥) فى الأصل: ((من قدم صاد)). والتصويب عن ابن الأثبر حيث قال: هى ثنية أوجبل السراة من
أرض دوس . وقبل : القدوم ما تقدم فى الشاة وهو رأسها ، وإنما أراد احتقاره وصغر قدره .
( النهاية، ج ٣، ص ٢٣٥).

٦٨٤
مستحقٌّ فيها. وكانت خَيْبَرِ لأَهل الحُدَيبية ، مَن شهدها منهم أَو غاب
عنها . قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأُّخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ
هَذِهِ﴾(١) يعنى خَيْبَر. وقد تخلّف عنها رجال: مُرَىّ بن ◌ِنان، وأَيْمَن بن
عُبَيَد ، وسباع بن عُرْفُطَة الغِفارىّ ، خلفه على المدينة ، وجابر بن عبد الله
وغيرهم . ومات منهم رجلان ، فأَسهم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لمن
تخلّف منهم ومن مات ، وأسهم لمن شهد خَيْبَر من الناس ممَّن لم يشهد
الحُدَيبية. وأَسهم لِرُسُلٍ كانوا يختلفون إِلى أَهل فَدَك، مُحَيِّصَة بن مسعود
الحارثّ وغيره ، فأَسهم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ولم يحضروا.
وأسهم لثلاثة مرضى لم يحضروا القتال : سُوَيَد بن النُّعمان ، وعبد الله بن
سعد بن خَيْثَمة ، ورجل من بنى خُطامة ، وأسهم للقتلى الذين قُتلوا من
المسلمين.
وحدّاللى ابن أبى سَبْرَة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن
ابن أَبِى صَعْصَعَة ذلك. وقد قال قائل : إِنما كانت خَيْبَر لأَهل الحُدَ بية ،
لم يشهدها غيرهم ولم يُسهم فيها لغيرهم. والقول الأَوّل أَثبت عندنا
أَنّ قومًا شهدوا خَيْبَر فأَسهم لهم ولم يكونوا شهدوا الحُدَيبية .
حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن قُطَير الحارثّ ، عن حِزام بن سعد بن
مُحَيِّصَة قال: فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بعشرة من يهود المدينة
غزا بهم إلى خَيْبَر، فأَسهم لهم كُهمان المسلمين . ويقال: أحذاهم ولم
يُسهم لهم، وكان معهم مَملوكون، منهم عُمَير مولى آبى اللَّحْم. قال عُمَير:
ولم يُسهم لى وأعطانى خُرْنَ (٢) متاع، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
(١) سورة ٤٨ الفتح ٢٠
(٢) الخرئى: أثاث البيت. (النهاية، ج ١، ص ٢٨٦).

٦٨٥
مُحذيهم(١). وخرج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم من المدينة عشرون
امرأة: أُمّ سَلَمَة زوجته، وصَفيّة بنت عبد المطّلب، وأُمّ أَيْمَن، وَسَلْمَى
امرأة أبى رافع مولاة النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم ، وامرأة عاصم بن عَدىّ ولدت
سَهلة بنت عاصم بخَيْبَر، وأُمّ عُمارةٍ نُسَيبة بنت كعب ، وأُمّ مَنيعٍ وهى
أُمّ شُباث، وكُعَيبة بنت سعد الأَسْلَميّة، وأُمّ مُناعِ الأَسلميّة، وأُمّ سُلَيم
بنت مِلحان، وأُمّ الصَّحّاك بنت مَسعود الحارثيّة ، وهند بنت عمرو
ابن حِزام، وأُمّ العَلاء الأَنصاريّة، وأُمّ عامر الأَشْهَلِيّة، وأُمّ عَطيّة الأَنصارية،
وَأُمّ سَليط . .
وحدَّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن سُلَيمان بن سُحَيم، عن أُمّ عَلَىّ بنت
الحَكَم ، عن أُمَيّة بنت قيس بن أبى الصَّلت الغِفاريّة ، قالت : جئت
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فى نسوة من بنى غِفار فقلنا: إنّا نُريد يا رسول
الله أن نخرج معك فى وجهك هذا فنداوىَ الجرحى ونُعين المسلمين بما
استطعنا . فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: على بركة الله ! قالت :
فخرجنا معه وكنت جارية حديثة السنّ ، فأَردفنى رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم على حقيبة رحله ، فنزل الصبح فأَناخ وإِذا أَنا بالحقيبة عليها
دمٌّ منِّى؛ وكانت أَوّل حيضة حِضتها ، فتقبّضتُ إِلى الناقة واستحييت .
فلمّا رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ما بى ورأى الدم قال: لعلك نُفست!
فلت : نعم. قال: فأَصلحى من نفسك، ثم خذى إناءً من ماءٍ ، ثم
اطرحى فيه ملحاً واغسلى ما أصاب الحقيبة من الدم ثم عودى. ففعلت ،
(١) فى الأصل: ((مجزيهم)).

٦٨٦
فلمّا فتح الله خيبر رَضّخ لنا من المفىء ولم يُسهم ، وأخذ هذه القلادة التى
ذَرَين فى عنقى فأَعطانيها وعلَّقها بيده فى عنقى، فواللهِ لا تفارقنى أبدًا .
وكانت فى عنقها حتى ماتت وأوصت أَن تُدفَن معها، وكانت لا تطهر إلّ وجعلت
فى طَهورها ملحًا، وأوصت أَن يُجعلَ فى غُسلها ملحٌ(١) حين غُسّلت.
حدّثْنى عبد السَّلام بن موسى بن جُبَيْر ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن
عبد الله بن أُنَيس ، قال : خرجتُ مع النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم إلى خَيْبَر
ومعى زوجتى حبلى، فنْفِست بالطريق فأَخبرتُ رسولَ الله صلّى الله عليه
وسلَّم فقال: انقعْ لها تَمرًا فإذا أنعم بَلُّه فَامْرُتْه (٢) ثم تشربه. ففعلتُ
فما رأَت شيئًا تكرهه . فلمّا فتحنا خَيْبَر أَحْذى النساء ولم يُسهم لهنّ ،
فأَحذى زوجتى وولدى الذى وُلد. قال عبد السَّلام : لست أدرى غلامأم
جارية .
وحدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة،عن إسحاق بن عبد الله، عن عمر بن الحَكَم ، عن
أُمّ العَلاءِ الأَنصاريّة قالت: فأَصابى ثلاثُ خرزات ، وكذلك
أَصاب صواحبى، وأُّتِى يومئذٍ برِعات (٣) مِن ذهب، فقال: هذا لبنات
أَخى سعد بن زرارة ، فقدم بها عليهنّ فرأَيت ذلك الرِّعاث عليهنّ ، وذلك
من خُمُسه يوم خَيْبَر .
حدّثنى عبد الله بن أَبى يحيى، عن ثُبَيتة بنت حَنْظَلَة الأَسْلَمِيّة،
عن أُمّها أُمّ سِنان قالت: لمّا أَراد رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم الخروج
(١) فى الأصل: ((ملحا)).
. (٢) فى ابن كثير عن الواقدى: ((فإذا انغمر فأمر به لتشربه)). (البداية والنهاية، ج ٤، ص ٢٠٥)
(٣) الرعاث: القرطة؛ وهى من حلى الأذن. (النهاية، ج ٢، ص ٨٧).

٦٨٧
جئته فقلت : يا رسول الله، أَخرجُ معك فى وجهك هذا، أَخرز (١) السّقاءَ،
وأُداوى المرضى والجريح إِن كانت جراح - ولا يكون - وَنظرُ الرَّحْل . فقال
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم : أخرجى على بركة الله فإِنّ لك صواحب قد
كلَّمنى وأَذنتُ لهنّ مِن قومك ومن غيرهم ، فإِن شئتِ فمع قومك وإن شئتِ
فمعنا . قلت : معك! قال: فكونى مع أُمّ سَلَمَة زوجتى . قالت: فكنت
معها ، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يغدو من الرّجيع كلّ يومٍ عليه
الدِّرع ، فإِذا أَمسى رجع إلينا ، فمكث على ذلك سبعة أَيَّام حتى فتح اله
النَّطاة ، فلمّا فتحها تحوّل إلى الشِّقّ وحوّلنا إِلى المنزلة، فلمّا فتح خَيْبَر
رضخ لنا من الفيء، فأَعطانى خَرَزًا وأَوضاحًا(٢) من فضّة أُصيبت فى المَغْنَم،
وأعطانى قطيفةً فَدَكيّة ، وبُرْدًا يمانيًّا، وخمائل (٣)، وقِدْرًا من صُفر(٤). وكان
رجالٌ من أصحابه قد جُرحوا فكنت أُداويهم بدواءٍ كان عند أهلی فیبراون،
فرجعتُ مع أُمّ سَلَمَة فقالت لى حين أردنا ندخل المدينة ، وكنت على بعيرٍ
من إبل النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم منحه لى ، فقالت : بعيرك الذى تحتك
لك رَقَبَتُه أَعطاكيه رسول الله. قالت: فحمدتُ الله وقدمت بالبعير فبعته
بسبعة دنانير . قالت : فجعل الله فى وجهى ذلك خيرًا .
قالوا : فأَسهم للنساءِ، وأَسهم لسَهلة بنت عاصم، وُلدت بخَيْبَر ، ووُلد
لعبد الله بن أُنَيس بخَيْبَر ، فأُسهم للنساء والصبيان. ويقال: رضخ للنساء
والصبيان ولم يجعلهم كأهل الجهاد .
(١) فى الأصل: ((نخرز)).
(٢) الأوضاح: جمع وضح، وهو الحلى من فضة. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٥٥).
(٣) الخمائل: جمع الحملة، وهى الثوب المخمل كالكساء. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٧١).
(٤) الصفر: من النحاس. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٧١).

٦٨٨
وحدّثنى يعقوب بن محمّد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى
صَعْصَعَة ، عن الحارث بن عبد الله بن كعب ، قال : رأيت فى رَقَبَة أُمّ
عُمارةٍ خَرَزًا حُمْرًا فسأَلْتُها عن الخَرَز فقالت: أَصاب المسلمون خَرَزًا فى
حصن الصَّعب بن مُعاذ دُفن فى الأَرض، فأتى به إلى رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم فأَمر به بمن معه من النساء فأُحصين، فكنًّا عشرين امرأة، فقسم ذلك
الخَرَز بيننا هذا وأَرضح لنا من الفيءٍ، قَطيفةً ودُرْدًا يمانيًا ودينارين،
وكذلك أَعطى صواحبى. قلت : فكم كانت سُهمان الرجال ؟ قالت :
ابتاع زوجى غَزيّةُ بن عمرو متاعًا بأَحدَ عشَرَ دينارًا ونصف، فلم يطالب
بشىءٍ ، فظنّنا أَنّ هذه سُهمان الفرسان - وكان فارسًا - وباع ثلاثة أُسهم
فى الشِّق زمنَ عُثمان بثلاثين دينارًا. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قد
قاد فى خَيْبَر ثلاثة أَفراس، لِزاز والظَّرِب والسَّكْب (١)؛ وكان الزُّبَير بن
العوَّام قد قاد أَفراسًا، وكان خِراش بن الصِّمَّة قد قاد فرسين ، وكان البَراءُ
ابن أوس بن خالد بن الجَعد بن عوف - أبو إبراهيم (٢) ابن النبىّ صلّى
الله عليه وسلَّم الذى أَرضعه - قد قاد فرسين؛ وكان أبو عمرو الأنصارىّ قد
قاد فرسين. قال : فأَسهم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم لكلّ مَن كان
له فَرَسان خمسة أَسهم ، أربعة الفرسَيه وسهمًا له، وما كان أكثر من
فرسَين لم يُسهم له. ويقال إنه لم يُسهم إِلَّ لفرسٍ واحد ، وأثبت ذلك
أنه أسهم لفرسٍ واحد . ويقال: إنه عرّب العربىّ يوم خَيْبَر وهجّن الهجين،
فأَسهم للعربىّ وألقى الهجين . وقال بعضهم : لم يكن الهجين على عهد
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، إنما كانت العِراب حتى كان زمن عمر بن
(١) فى الأصل: (السكت))؛ وما أثبتناه من كتب السيرة الأخرى.
(٢) إنما قيل له أبو إبراهيم لأن زوجته أم بردة أرضعته بلبنه. (الاستيعاب، ص ١٥٣).

٦٨٩
الخطّاب وفتح العراق والشام، ولم يُسمَعَ أَنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
ضرب لمن كان معه من الخيل لنفسه إلّا لفرسٍ واحد ، هو معروف، سهم
الفرس . وسهم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فى النَّطاة ثلاثة أَسهم ، لفرسه سهمان
وله سهم ، كان مع عاصم بن عَدىّ.
وحدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن إسحاق بن عبد الله بن أَبِى فَرْوَة ،
عن حِزام بن سعد بن مُحَيِّصَة ، قال : خرج سُوَيَد بن النُّعمان على فرس ،
فلمَّا نظر إلى بيوت خَيْبَر فى الليل وقع به الفرس ، فعَطِب الفرسُ وكُسرت
يد سُوَيَد ، فلم يخرج من منزله حتى فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
خَيْبَر ، فأَسهم له رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم سهمَ فارس.
قالوا : وكانت الخيل مائتى فرس. ويقال : ثلاثمائة ، ومائتان أَثْبت
عندنا. وكان الذى ولى إِحصاءَ المسلمين زيد بن ثابت ، فقسم النبىّ
صلّى الله عليه وسلَّم بينهم الذى غنموا من المتاع الذى بِيع ، ثم أَحصاهم
ألفًا وأربعمائة ، والخيل مائتى فرس. فكانت السُّهمان على ثمانية عشر سهمًا،
وهم الذين ضرب لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بالسُّهمان، ولخيلهم أربع
عشرة مائة ، والخيل مائتى فرس لها أَربعمائة سهم . فكانت سُهمان المسلمين
التى أَسهمها رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فى النَّطاة أَو فى الشِّقّ ثلاثة
أسهمٍ فَوضى لم تُعرف على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ولم تُحَدّ ولم
تُقسم، إنما لها رؤساءٌ مُسمَّون، لكلّ مائةٍ رأسٌ يُعرَف يَقْسَم على أصحابه
ما خرج من غلَّتها ، فكان رؤساؤهم فى الِّقّ والنَّطاة : عاصم بن عَدىّ ،
وعَلىّ بن أبى طالب عليه السلام ، وعبد الرحمن بن عَوف، وطلحة بن مُبيد الله
رضوان الله عليهم. وسهْم بنى ساعدة، وسهْم بنى النَّجّار لهم رأس ، وسهم

٦٩٠
حارثة بن الحارث ، وسهم أَسلم وغِفار، وسهم بنى سَلِمَة - وكانوا أكثر
ورأسهم مُعاذ بن جَبَل - وسهم عُبَيدة رجل من اليهود ، وسهم أَوس ، وسهم
بنى الزُّبَير، وسهم أُسَيد بن حُضَير ، وسهم بلحارث بن الخزرج ، رأسه
عبدالله بن رواحة ، وسهم بَياضة ، رأسه فَرْوَة بن عمرو ، وسهم ناعم .
فهذه ثمانية عشر سهمًا فى الشِّقّ والنَّطاة فوضى يقبض رؤساؤهم الغَلَّةً منه،
ثم يُفَضّ عليهم، ويبيع الرجل سهمه فيجوز ذلك. وإِنَّ رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم اشترى من رجلٍ من بنى غِفار سهمه بخَيْبَر ببعيرين ثم قال له
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أَعلمُ أَنَّ الذى آخذ منك خير من الذى أُعطيك،
والذى أُعطيك دون الذى آخذمنك، وإن شئت فَخُذْ وإن شئت فأَمسِك!
فأَخذ الغِفارىّ. وكان عمر بن الخطّاب يشترى من رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم فى سهم ، وأَخذ من أصحابه وهم مائة ، وهو سهم أَوس كان يُسمّى
سهم اللَّفيف حتى صار لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه، وابتاع محمّد بن
مَسْلَمَة من سهم أَسلم سُهمانًا، ويقال: إِنّ أَسْلَم كانوا بضعة وسبعين ،
وغفار بضعة وعشرين فكانوا مائة ، ويقال: كانت أَسلم مائة وسبعين، وغِفار
بضعة وعشرين، وهذا مائتا سهم، والقول [ الأَوّل ] أَثبت عندنا .
وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لما فتح خَيْبَر سأله اليهود فقالوا :
يا محمّد ، نحن أرباب النخل وأهل المعرفة بها. فساقاهم (١) رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم خَيْبَر على شَطْرٍ من التمر والزرع، وكان يُزْرَع تحت
النخل ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: أُقرّكم على ما أقرّكم الله .
(١) ساقى فلان فلانا نخله أو كرمه إذا دفعه إليه واستعمله فيه على أن يعمره ويسقيه ويقوم بمصلحته من
الإبار وغيره، فما أخرج الله منه فللعامل سهم من كذا وكذا سهماًمما تغله والباقى لمالك النخل. ( لسان العرب،
ج ١٩، ص ١١٨) .

٦٩١
فكانوا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم حتى تُوقِى ، وأَبى بكر ، وصدرٍ
من خلافة عمر ، وكان يبعث عبد الله بن رَواحة يَخرُص عليهم النخل ،
فكان يخرصها فإِذا خرص قال: إن شئتم فلكم وتضمنون نصفَ ما خرصتُ ، وإِن
شئتم فلنا ونضمن لكم ما خرصتُ . وإنه خرص عليهم أربعين ألف وَسْقٍ ،
فجمعوا له حُليًّا من حُلىّ نسائهم فقالوا : هذا لك ، وتجاوزْ فى القَسْم .
فقال: يا معشر اليهود ، واللهِ إِنكم لمن أَبغض خلق الله إِلىّ، وما ذاك يحملنى
أَن أَحيفَ عليكم. قالوا: بهذا قامت السموات والأرض! فكان عبد الله بن
رَوَاحة يَخْرُص عليهم ، فلمّا قُتل يوم مُؤَّتة بعث رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم أَبا الهَيْئَم بن التَّيِّهان يَخْرُص عليهم، ويقال: جَبّار بن صَخْر ، فكان
يصنع بهم مثل ما كان يصنع عبد الله بن رواحة، ويقال: الذى خرصبعد ابن
رواحة عليهم فَرْوَة بن عمرو . قالوا: وجعل المسلمون يَقَعون فى حرثهم
وبَقْلهم بعد المُساقاة وبعد أَن صار ليهود نصفه، فشّكت اليهود ذلك إلى
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم خالد بن
الوليد ، ويقال : عبد الرحمن بن عَوف ، فنادى : إِنّ الصلاة جامعة ، ولا يدخل
الجنَّة إِلّا مُسلم. فاجتمع الناس ، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فحمد
الله وأثنى عليه ثم قال: إِنّ اليهود شَكَوْا إِلىّ أَنكم وقعتم فى حظائرهم، وقد
أَمَّاهم على دمائهم وعلى أموالهم والذى فى أيديهم من أراضيهم ، وعاملناهم،
وإنه لا تحلّ أَموال المعاهَدِينِ إِلّا بحقِّها . وكان المسلمون لا يأُخذون من
بقولهم شيئًا إِلّ بثمن، فربما قال اليهودىّ للمُسلم: أَنا أُعطيكه باطلاً(١)]
فيأبى المُسلم إلّا بثمن.
قال ابن واقد: وقد اختلف علينا فى الكتيبة ، فقال قائل: كانت
(١) فى الأصل: ((أنا أعطكيه باطل)).

٦٩٢
للنبىّ صلّى الله عليه وسلَّم خالصةً ولم يُوجف (١) عليها المسلمون، إِنما كانت
لرسول الله صلّى الله عليه وسلَّم .
وحدّثنى عبد الله بن نوح، عن ابن غُفَير ، وموسى بن عمرو بن عبد الله
ابن رافع ، عن بشيربن يسار. وحدّثنى إبراهيم بن جعفر ، عن أبيه ، أنهم
كانوا يقولون ذلك. وقال قائل : هى خُمُس رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
من خَيْبر، من الشِّقّ والنَّطاة. وحدّثنى قُدامة بن موسى ، عن أبى بكر بن
محمّد بن عمرو بن حِزام ، قال : كتب إِلىّ عمر بن عبد العزيز فى خلافته
أن افحصْ لى عن الكتيبة. قال أبو بكر : فسأَلتُ عمْرَة بنت عبد الرحمن
فقالت : إِنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لما صالح بنى أَبِى الحُقَيق
جزأَ النَّطاة والِّقّ والكتيبة خمسة أجزاء، وكانت الكتيبة جزءًا منها ، ثم
جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمس بَعَراثٍ ، وأَعلم فى بَعَرَةٍ منها،
فجعلها لِله ، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: اللَّهمّ اجعل سهمك فى
الكتيبة . فكان أَوّل ما خرج منها الذى فيه مكتوبٌ على الكتيبة ، فكانت
الكتيبة خُمُس النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم، وكانت السُّهمان أَغفالاً ليس
عليها علامات ، وكانت فَوضى للمسلمين على ثمانية عشر سهمًا . قال
أبو بكر : فكتبتُ إلى عمر بن عبد العزيز بذلك.
وحدثنى أَبو بكر بن أَبى سَبْرَة ، عن أبى مالك، عن حِزام بن سعد بن
مُحَيَصَة ، قال : لمّا خرج سهم النبىّ صلّى الله عليه وسلَّم وكان الشِّقّ
والنَّطاة أربعة الأَخماس للمسلمين فَوضى .
وحدّثنى عبد الله بن عَون، عن أبى مالك الحِمْيَرىّ ، عن سعيد بن
(١) أوجف دابته: حثها. (النهاية، ج ٤، ص ١٩٦).

٦٩٣
المُسَيِّب، وحدّثنى محمّد (١)، عن الزُّهرِىّ، قال: الكتيبة خُمُس رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم. قال: فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يُطعم مَن
أَطعم فى الكتيبة ويُنفق على أهله منها . قال ابن واقد : والثبت عندنا أنها
خُمُس النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم من خَيْبَر ؛ لأَن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
لم يُطعم من الشِّقّ والنَّطاة أَحدً اوجعلها سُهمانًا للمسلمين، وكانت (٢) الكتببة التى
أَطعم فيها. كانت الكتيبة تُخرَص ثمانية آلاف وَسْق تمر، فكان (٣) لليهود
نصفها أربعة آلاف، وكان يُزْرَع فى الكتيبة شعيرٌ، فكان يُحصَد منها ثلاثةُ
آلاف صاع، فكان للنبىّ صلّى الله عليه وسلَّم نصفُه؛ ألف وخمسمائة صاع
شعير ، وكان يكون فيها نَوى فربّما اجتمع ألف صاع فيكون لرسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم نصفه، فكلّ هذا قد أعطى منه رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم المسلمين من الشعير والتمر والنوى .
تسمية سُهمان الكتيبة
خُمُس رسولِ الله صلّى الله عليه وسلَّم وحدَه، وسُلالِم ، والجاسمَين ،
وسهما النساء، وسهما مِقِسَم - وكان يهوديًّا - وسهما عَوان، وسهم غِرِّيث،
وسهم نُعَيم ، وهو اثنا عشر سهمًا .
ذكر طُعم النبيّ صلى الله عليه وسلم فى الكتيبة أزواجّه وغيرهم
أطعم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم كلّ امرأةٍ من نسائه ثمانين وَسْقًا
تمرًا وعشرين وسْقًا شعيرًا. وللعباس بن عبد المطلب مائتى وَسق، ولفاطِمَة وَعَلَّ
(١) أى محمد بن عبد اللّه.
(٣) فى الأصل: ((فكانت)).
(٢) فى الأصل: ((وكان)).