النص المفهرس

صفحات 241-260

٦٥٤
فلمّا أَصبح أَرسل إِلى عَلىّ بن أبى طالب عليه السلام وهو أَرْمَد . فقال :
ما أُبصِرُ سَهلًا ولا جَبَلًا. قال: فذهب إليه فقال : افتح عينيك. ففتحهما
فتفل فيهما . قال عَلىّ عليه السلام : فما رمدتُ حتى الساعة . ثم دفع إِليه
اللواءَ ، ودعا له ومَن معه من أصحابه بالنصر ، فكان أَوّل مَن خرج إليهم
الحارث أَخو مَرْحَب فى عاديتِه . فانكشف المسلمون وَثبت عَلىَّ عليه السلام
فاضطربا ضرباتٍ فقتله عَلىٌّ عليه السلام ، ورجع أصحابُ الحارث إِلى
الحصن فدخلوه وأغلقوا عليهم، فرجع المسلمون إلى موضعهم، وخرج مَرْحَب
وهو يقول :
قد عَلِمتْ خَيْبَرُ أَنَّى مَرْحَبُ شاكِى السلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
أَضرِبُ أَحيانًا وحِينًا أُضْرَبُ
فحمل عَلىّ عليه السلام فقطَّه (١) على الباب وفتح الباب ، وكان
للحصن بابان .
وحدّثنى ابن أَبِى سَبْرة ،عن خالد بن رباح، عن شيوخٍ من بنى ساعدة
قالوا : قتل أَبو دُجانة الحارثَ أَبا زينب ، وكان يومئذٍ مُعلِمًا بعمامة حمراء ،
والحارث مُعلِمٌ فوق مِغْفَرِه، وياسِر وأُسَير وعامر مُعلِمين.
حدّثى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن عمرو بن أبى عمرو ، قال : نزلتُ بأَرِيحا
زمن سُليمان بن عبد الملك فإذا حَىّ من اليهود ، وإِذا رجلٌ يَهدِج مِن الكِبَر .
فقال : ممن أنتم ؟ فقلنا : من الحجاز. فقال اليهوديّ: وَاشَوقاه إِلى
الحِجاز! أَنا ابن الحارث اليهودىّ فارس خيابِرِ، فَتَلَه يوم خَيْبَر رجلٌ
من أَصحاب محمّدٌ يُقال له أبو دُجانة يومَ نزل محمّد خَيْبَّر، وكنّا ممن
أَجَلَى عمرُ بن الخطّاب إلى الشام. فقلت: أَلا تُسلم؟ قال: أَما إِنه خيرٌ لى
(١) قطره: أى ألقاه على أحد قطريه، وهما جانباه. (الصحاح، ص ٧٩٦).

٦٥٥
لو فَعَلْتُ، ولكنْ أُعيَّر، تُعيّرنى اليهود، تقول: أَبوك ابنُ سيّد اليهود لم يترك
اليهوديّة، قُتل عليها أَبوك وتُخالِه؟
وقال أبو رافع: كنَّا مع عَلىّ عليه السلام حين بعثه النبىّ صلَّى الله
عليه وسلَّمٍ بالراية ، فلفى عَلىّ عليه السلام رجلًا على باب الحصن . فضرب
عَلَيًّا واتقاه بالتُّرس عَلِىٌّ. فتناول عَلى بابًا كان عند الحصن فترّس به عن
نفسه ، فلم بزل فى يده حتى فتح الله عليه الحصن. وبعث رجلًا يُبشّر النبىّ
صَلَى الله عليه وسلَّم بفتح الحصن؛ حصن مَرْحَب ودخولِهم الحصن. ويقال: إِنّ
مَرْحَب برزوهو كالفحل الصَّؤول يرتجز وهو يقول :
قد عَلِمِتْ خَيْبَرُ أَنَّى مَرْحَبُ شاكِى السلاحِ بطَلٌ مُجَرَّبُ
أَضرِبُ أَحيانًا وحِينًا أُضْربُ
يدعُو للبِراز. فقال محمّد بن مَسْلَمَة: يا رسول الله أَنا واللهِ الموتورُ
الثائر، قُتل أَخى بالأمس فائذن لى فى قتال مَرْحَب وهو قاتِل أَخى . فأَذن
له رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى مبارزته ، ودعا له بدعوات ، وأعطاه
سيفه ، فخرج محمّد فصاح: يا مَرْحَب ، هل لك فى البِراز؟ فقال : نعم .
فبرز إليه مرْحَب وهو يرتجز :
* قَد عَلِمِتْ خَيْبرُ أَنِى مِرْحَبُ »
وخرج محمّد بن مسلَمَة وهو يقول :
قد عَلِمتْ خَيْبَرُ أَنى ماضِ حُذْوٌ إِذا شئتُ وسَمٌّ قاضٍ
ويقال : إنه جعل يومئذٍ يرتجز ويقول :
يا نَفسُ إِلَّا تُقْتَلَى تَمونى لا صبرَ لى بعدَ أَبِ النُّبيتِ
وكان أخوه مَحمود يُكنى بأبى النُّبيت . قال : وبرز كلٌّ واحد منهما
إلى صاحبه. قال: فحال بينهما عُشَرات (١) أَصلها كمِثل أَصل الفحل من
(١) فى الأصل: ((عسرات)). والعشرات: جمع عشر، وهو شجر له صمغ. (الصحاح، ص ٧٤٧)

٦٥٦
النخل وأفنانٌ مُنْكَرة، فكلَّما ضرب أَحدُهما صاحبه استَتَر بالعُشَر حتى
قَطَعا كلَّ ساقٍ لها، وبقى أَصلُها قائمًا(١) كأَّنه الرَّجُلُ القائم. وأَفضى كلٌّ
واحد منهما إلى صاحبه ، وَبَدر مَرْحَب محمّدًا، فيرفع السيفَ ليضربه ، فاتّقاه
محمد بالدَّرَقَة فلَحِج (٢) سيفُه، وعلى مَرْحَب دِرْعٌ مُشمّرة ، فيضرب محمّد
ساقَىْ مَرْحَب فقطعهما. ويقال: لما اتّى محمّدٌ بالدَّرَقَة وشمرت الدِّزع عن
ساقَىْ مَرْحَب حين رفع يديه بالسيف ، فَطَأُطأُ محمد بالسيف فقطع رجليه
ووقع مَرْحَب ، فقال مَرْحب : أَجهِزْ يا محمّد! قال محمد : ذُق الموتَ
كما ذاقه أَخى محمود! وجاوزه ومَرّ به عَلىّ فضرب عنقه وأخذ سَلَبه،
فاختصما إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى سَلَبِهِ، فقال محمد بن مَسْلَمة:
يا رسول الله، واللهِ ما قطعتُ رجليه ثم تركتُه إلّا ليذوقَ مُرّ السلاح وشدّةً
الموت كما ذاق أَخى؛ مكث ثلاثًا يموت، وما منعنى من الإِجهاز عليه شىء،
قد كنتُ قادرًا بعد أن قطعتُ رجليه أَن أُجهز عليه . فقال عَلىَّ عليه السلام:
صَدَق، ضربتُ عنقَه بعد أَن قَطَعْ رِجْلَيه . فأعطى رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم محمّدَ بن مَسْلَمَة سيفَه ودِرْعَه ومِغْفَره وبَيْضَتَه ، فكان عند آل
محمّد بن مَسْلَمَة سيفه فيه كتاب لا يُدْرَى ما هو حتى قرأَه يهودىٌّ مِن يهود
تيماء فإذا فيه :
هذا سَيْفُ مَرْحَبْ مَنْ يَذْهُ يَعْطَبْ
حدّثنى محمد بن الفَضل ، عن أبيه ، عن جابر، وحدّثنى زَكَريّا بن
-زيد، عن عبد الله بن أبى سُفيان، عن أبيه، عن سَلَمَة بن سَلامة، ومُجَمِّع
٠
(١) فى الأصل: ((قائم)).
(٢) لحج السيف: أى نشب فى الغمد فلا يخرج. (الصحاح، ص ٣٣٨).

٦٥٧
ابن يعقوب ، عن أبيه ، عن مُجَمِّع بن حارثة ، قالوا جميعًا : محمّد بن
مسلمة قَتَلَ مَرْحبًا .
قالوا: وبرز أُسَير، وكان رجلاً أَيِّدًّا، وكان إِلى القِصَر، فجعل يصبح؛
مَن يبازر؟ فبرز له محمّد بن مَسْلَمة فاختلفا ضربات ، ثم قَتَلَه محمّد
ابن مَسْلَمة . ثم برز ياسر وكان مِن أَشدّائهم ، وكانت معه حربةٌ يحوش(١)
بها المسلمين حَوًّا ، فبرز له عَلِىٌّ عليه السلام فقال الزُّبَير : أَقسمتُ عليك
ألَّ خلیت بينى وبينه . ففعل علىّ وأقبل یاسر بحربته يسوق بها الناس ،
فبرز له الزُبير، فقالت صَفيّة: يا رسول الله وَاحَزْنَى! ابنى يُقْتَليا رسول الله !
فقال : بل ابنُك يَقْتُله. قال: فاقتتلا فقتلَه الزُّبَير، فقال له رسولُ الله
صَلَى اله عليه وسلّم: فداك عمِّ وخالٌ ! وقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم:
لكلّ نبِىِّ حَوارِىُّ وحَوارِىٌّ الزُّبِيرُ وابنُ عمّتى. فلما قُتْل مَرْحَب وياسر قال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أبشروا، قد ترحَّبتْ خَيْبَر وتيسرت! وَبرز عامر
وكان رجلًا طويلًا جسيمًا، فقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم حين طلع عامر:
أَترونه خمسةَ أَذْرُع؟ وهو يدعو إلى البِراز، يَخطُر بسيفه وعليه درعان ،
مُقُنَّع فى الحديد يَصيح: مَن يبارز؟ فأَحجم الناسُ عنه، فَبَرز إليه عَلِىّ
عليه السلام فضربه ضرباتٍ ، كلُّ ذلك لا يصنع شيئًا ، حتى ضرب ساقيه
فَبَرَك ، ثم ذفّف (٢)عليه فأخذ سلاحه .
فلمّاقُتل الحارثُ ، ومَرْحَب ، وأُسير، وياسر، وعامر ، مع ناس من اليهود كثير
(١) أى يسوقهم. ( الصحاح، ص ١٠٠٣).
(٢) تذفيف الجريح: الإجهاز عليه. (النهاية، ج ٢، ص، ٤٦).

٦٥٨
- ولكن إِنما سُمِّىَ هؤلاءِ المذكورون لأَّنهم كانوا أَهل شجاعة ، وكان هؤلاء
فى حصن ناعِم جميعًا. ولما رُبى محمود بن مَسْلَمَة مِن حصن ناعِم حُمِل
إلى الرَّجيع فمكث ثلاثةَ أَيّام يموت، وكان الذى دَلّى عليه الرحا مَرْحَب ،
فجعل محمود يقول لأَخيه : يا أَخى، بناتُ أَخِيك لا يتبعْن الأَفْياءِ(١)؛
يسألن الناسَ . فيقول محمّد بن مَسْلَمَة: لو لم تَترك مالًا لكان لى مال.
ومحمود كان أكثرهما مالًا - ولم ينزل يومئذٍ فرائضُ البنات- فلمّا كان اليوم
الذى مات فيه محمود وهو اليوم الثالث ، وهو اليوم الذى قُتل فيه مَرْحَب ،
فقال رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم: مَن رجل يُبَشِّر محمود بن مَسْلَمَة أَنّ
الله قد أَنزل فرائض البنات، وأَنّ محمّد بن مَسْلَمَة قد قتل قاتله ؟ فخرج
جُعال بن سُراقة إِليه فأخبره فسُرَّ بذلك، وأَمَرَه أَن يُقْرِىُّ رسولَ اللّه صلّى الله
عليه وسلَّم السلامَ منه. قال: فأَقرأتُه من رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم وقال
محمود : لا أراه يذكُرنى، وكان رسولُ الله صلَى الله عليه وسلَّم يبيت فى
موضعه بالرَّجيع فمات خلافه، فلمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إِلى
منزلة ، وقد جرح عامرُ بنِ الأَكْوَع نفسَه ، حُمل إلى الرَّجيع فمات، فقُبر
عامر بن الأَكْوَعِ معه فى غار. فقال محمّد: يا رسول الله اقطعْ لى عند قَبْر
أَخى. قال: لك حُضْر (٢) الفرس فإن عَمِلت فلك حُضْر فرسَيْن.
وكان حِصن الصَّعْب بن مُعاذ فى النّطاة، وكان حصن اليهود فيه الطعام
والوّدَك والماشية والمتاع ، وكان فيه خمسمائة مقاتل ، وكان الناس قد أَقاموا
أَيَّامًا يقاتلون وليس عندهم طعامٌ إِلَّ العَلَف (٣). قال مُعِّب الأَسْلَمِىّ:
(١) فى الأصل: ((إلا فيا))، ولعل ما أثبتناه أقرب إلى السياق. والأفياء: جمع فىء.
(٢) حضر الفرس: عدوه. (النهاية، ج ١، ص ٢٣٤). أى لك بأرض خيبر هذا القدر .
(٣) فى الأصل: ((الغلق)).

٦٥٩
أصابنا معشرَ أَسْلَمِ خَصاصةٌ حين قدمنا خَيْبَر ، وأَقمنا عشرةُ أَيّام على
حصن النَّطاة لا نفتح شيئًا فيه طعام ، فأَجمعت أسلم أَن يُرسلوا أَشْماء بن
حارثة فقالوا : ايتِ محمّدًا رسولَ الله فقُلْ: إِنّ أَسلم يُقرئونك السلام ويقولون
إِنّا قد جَهِدنا من الجوع والضَّعف. فقال بُرَيدة بن الحُصَيب: واللهِ إِن
رأَيتُ كاليوم قطُّ أَمرًا(١) بين العرب يصنعون [فيه] هذا ! فقال هند بن
حارثة : واللهِ إِنّا لنرجو أَن تكون البعثةُ إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
مِفتاحَ الخير . فجاءَه أَسْماءُ بن حارثة فقال: يا رسول الله ، إنّ أَسلم تقول :
إِذّا قد جَهِدنا من الجوع والضَّعف فادعُ اللهَ لنا. فدعا لهم رسول الله صَلّى الله
عليه وسلَّم فقال: واللهِ ما بيدى ما أَقريهم(٢). ثم صاح بالناس فقال: اللّهمّ
افتحْ عليهم أعظمَ حصن فيه، أكثره طعامًا وأكثره وَدَكًا. ودفعوا اللواءُ إِلى
الحُباب بن المُنْذِر بن الجموح، ونَدَب الناس، فما رجعنا حتى فتح اللهُ
علينا الحصن - حصن الصَّعب بن مُعاذ. فقالت أُمّ مُطاع الأَسْلَمِيّة ،
وكانت قد شهدت خَيْبَر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلِّم فى نساء، قالت:
لقد رايت أَسْلَم حين شكوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما شكوا من شدّة
الحال ، فندب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الناسَ فنهضوا، فرأَيتُ أَسْلَم أول
مَن انتهى إلى حصن الصَّعْب بن مُعاذ ، وإِنّ عليه لخمسمائة مُقاتل ، فما
غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فتحه الله ، وكان عليه قتال شديد . برز
رجلٌ من اليهود يقال له يوشع يدعو إلى البِراز ، فبرز إِليه الحُبابُ بن
المُنْذِرِ فاختلفا ضرباتٍ فقتله الحُبابُ. وبرزآخر يقال له الزَّيَّال ، فبرز له
عُمارة بن عُقبة الغِفارىّ فَبَدُره الغِفارىُّ فيضربه ضربةً على هامته ، وهو
يقول: خُذْها وأَنا الغلامُ التِفارى ! فقال الناس: بطل جِهادُه. فبلغ رسولَ الله
(١) فى الأصل: ((أمر)).
(٢) فى الأصل: ((أقويهم)).

٦٦٠
صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: ما بأسُ به، يُؤْجَر (١) ويُحمّد .
وكان أَبو اليَسَر يحدّث أَنهم حاصروا حصنَ الصَّعب بن معاذ ثلاثة
أيَّام، وكان حصنًا مَنيعًا ، وأقبلتْ غَنَمٌ لرجلٍ من اليهود ترتع وراءَ حصنهم ،
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: مَن رجلٌ يُطعمنا مِن هذه الغَنم؟
فقلتُ : أَنا يا رسول الله، فخرجتُ. أَسعى مثل الظَّبِى، فلمّا نظر إِلىّ رسولُ
الله صَلَى الله عليه وسلَّم مُولِّيًا قال: اللَّهمّ مَتِّعْنا به! فأدركتُ الغنم وقد
دخل أَوَّلُها الحصن ، فأخذتُ شاتين مِن آخرها فاحتضنتهُما تحت يدى ،
ثم أَقبلتُ أَعدو كأَن ليس معى شىء حتى أتيتُ بهما رسولَ الله صَلَى الله
عليه وسلَّم ، فأَمر بهما رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم فذُبحتا ثم قسمهما ،
فما بقى أحدٌ من أَهل العسكر الذين هم معه محاصرين الحصن إلَّا أَكل
منها. فقيل لأَبى اليَسَر : وكم كانوا؟ قال : كانوا عددًا كثيرًا. فيقال:
أَين بقيّةُ الناس؟ فيقول: فى الرَّجيع بالمعسكر. فُسُمع أَبو اليَسَر - وهو
شيخ كبير - وهو يبكى فى شىء غاظه من بعض ولده ، فقال: لَعمرى بقيتُ
بعد أصحابى ومُتّعوا بى وما أُمتَّع بهم! لِقول رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم :
اللَّهم مَتِّعْنا به ! فبقى فكان مِن آخرهم .
وكان أبو رُهم الغِفارىّ يحدّث قال: أَصابنا جوعٌ شديدٌ ، ونزلنا خَيْبَر
زمان البَلَح ، وهى أَرض وخيمة حارَّةٌ شديدٌ حَرُّها . فبينا نحن محاصرون
حصنَ الصَّعب بن مُعاذ فخرج عشرون حمارًا منه أَو ثلاثون ، فلم يقدر
اليهود على إدخالها، وكان حصنُهم له منَعَةٌ، فأَخذَها المسلمون فانتحروها ،
(١) فى الأصل: ((يزجر)). وما أثبتناه عن السيرة الحلبية. (ج ٢، ص ١٦٤).

٦٦١
وأَوقدوا النيران وطبخوا لحومَها فى القُدور والمسلمون جياع، ومَرّ بهم رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم وهم على تلك الحال فسأل فأُخبِر فأمر مُنادِيًا: إِنّ
رسولَ الله ينها كم عن الحُمُر الإِنسِيّة - قال : فَكَفُوا الْقُدور - وعن مُتعة
النساء، وعن كلّ ذى ناب ومِخْلَب .
وحدثنى ابن أبى سَبرة، عن الفُضَيل بن مبشِّر. قال: كان جابر بن عبد اله
يقول: أَطْعَمَنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحومَ الخيل، فَذَبَح قومٌ من
المسلمين خيلاً من خيلهم قبل أن يُفتَح حصنُ الصَّعب بن معاذ، فقيل
لجابر : أَرأَيتَ البغال ، أَكنتم تأكلونَها ؟ قال : لا .
وحدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صَعْصَعَة .
عن الحارث بن عبد الله بن كعب ، عن أُمّ عُمارة ، قالت : ذبحنا بخَيْبَر
لبنى مازن بن النَّجار فرسّين، فكنا نأُكلُ منهما قبل أَن يُفتَح حصنُ
الصَّعب بن معاذ.
وحدّثنى ذَور بن يزيد ، عن صالح بن يحيى بن المقدام ، عن أبيه ،
عن جدّه قال: سمعتُ خالد بن الوليد يقول: حضرتُ رسول الله صَلّى الله عليه
وسلَّم بخَيْبَر يقول: حرامٌ أَكلُ الحُمُر الأَهلِيّة والخيل والبغال. قالوا: وكلّ
ذِى نابٍ من السباع، ومِخلَب مِن الطير. قال الواقدىّ: الثبتُ عندنا أَنّ
خالدًا لم يشهد خَيْبَر ، وأَسلم قبل الفتح هو وعمرو بن العاص وعُثمان بن
طلحة بن أَبى طَلحة أَوّلَ يومٍ من صفر سنة ثمان .
وكان ابنُ الأَكْوَعِ يقول : كنّا على حصن الصَّعب بن مُعاذ، أَسلَمُ
بأَجمعها، والمسلمون قد حصروا أَهلَ الحصن ، فلقد رأيتُنا وصاحب رايتِنا
سعد بن عُبادة، فانكشف المسلمون، فأَخذ الرايةَ فغدونا معه . وغدا عامر
ابن ◌ِنان فلقى رجلاً من اليهود ، وبَدَره اليهودىُّ فيضرب عامرًا ، قال عامر :

٦٦٢
فاتقيتُهُ بدَرَفتى فنبا سيف اليهودىّ عنه . قال عامر: فأَضربْ رِجل اليهودىّ
فَأَقطعُها . ورَجَع السيف على عامر فأصابه ذبابُه منَزَف فمات. فقال أُسَيد
ابن حُضْير: حبِط. عملْه. فبلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : كذب
مَن قال ذلك! إِن له لأجرين. إِنه حامدٌ مُحامدٌ. وإنه لَيَعوم فى الجنَّة عوْمَ
الدُّغْموص (١).
حدّثنى خالد بن إلياس . عن جعفر بن محمود بن محمّد ، عن محمّد
ابن مَسْلَمَة فال: كنت فيمن ترّس عن النبيّ صلى الله عليه وسلَّم، فجعلتُ
أَصيح بأصحابه : تراموا بالحَحف! ففعلوا فرمونا حتى ظننتُ أَلَّا يُقلعوا،
فرأيتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ربى بسهم. فما أَخطأً رجلًا منهم ،
وتَبِسْمِ إِلىّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وانفرجوا ودخلوا الحصن .
حدّثنى ابن أبى سبْرة . عن إسحاق بن عبد الله بن أَبِى فَرْوَة ، عن
عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ، عن أبيه . قال : لما انتهينا إلى حصن
الصعب بن معاذ ، والمسلمون جياع والأَطعِمةُ فيه كلُّها ، وغزا بنا الحُباب
ابن المُنْذِر بن الجموح ومعه رايتنا وتبعه المسلمون ، وقد أَقمنا عليه يومين
نقاتلهم أَشدَّ القتال ، فلمَّا كان اليوم الثالث بَكر رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم عليهم، فخرج رجل مِن اليهود كأَّنه الدَّقَل (٢) فى يده حربةٌ له، وخرج وعاديته
معه فرمَوا بالنبل ساعةً سِراعًا، وترَّسْنا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
(١) الدعموص: الدخال فى الأمور، أى إنه سياح فى الجنة دخال فى منازلها لا يمنع من موضع. (النهاية،
ج ٢ ، ص ٢٥) .
(٢) الدقل: خشبة يمد عليها شراع السفينة. (النهاية، ج ٢، ص ٢٨).

٦٦٣
وأَمطروا علينا بالنَّبل ، فكان نَبْلُهم مثل الجَراد حتى ظننتُ أَلَّا يُقلعوا ،
ثم حملوا علينا حملةً رجلٍ واحدٍ ، فانكشف المسلمون حتى انتهوا إلى رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو واقف ، قد نزل عن فرسه ومِدعَم(١) يُمسك
فرسه . وثبت الحُبابُ برايتنا ، واللهِ ما يزول - يُراميهم على فرسه ، وندب
رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم المسلمين وحضّهم على الجهاد ورغَّبهم فيه،
وَأَخبرهم أَنّ اللهَ قد وعده خَيْبَر يُغنِّمه إِيّها. قال: فأَقَبل الناس جميعًا
حتى عادوا إِلى صاحب رايتهم ، تم زَحَف بهم الحُباب فلم يزل يدذو قليلًا
قليلاً، وترجع اليهود على أدبارها حتى لحمها الشرُّ فانكشفوا سراعًا . ودخلوا
الحصن وغلّقوا عليهم . ووافوا على جُدُره - وله جُدُر دون جُدُر - فجعلوا يرموننا
بالجَنْدَل (٢) رميًا كثيرًا، ونحّونا عن حصنهم بوفع الحجارة حتى رجعنا إلى
موضع الحُباب الأَول. ثم إِن اليهود تَلاومَتْ بينها وقالت: ١٠ نستبقى
لأَنفسنا ؟ قد قُتل أَهلُ الجِدّ والجلَد فى حصن ناعم. فخرجوا مُستميتين،
ورجعنا إِليهم فاقننلما على باب الحصن أَشدَّ القتال، وقُتل يومئذٍ على الباب
ثلاثة من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - أبو صَيّاح. وقد شهد
بدرًا، ضربه رجلٌ منهم بالسيف فأَطنّ قِحْفَ رأْسِه ؛ وعَلِىّ بن مُرَّة بن
◌ُراقة ، طعنه أَحدُهم بالحربة بين ثديه فمات ؛ والثالث الحارث بن حاطب
وقد شهد بدرًا ، رماه رجل من فوق الحصن فدمغه . وقد قتلنا منهم على
الحصن عِدَّة، كلَّما قتلنا منهم رجلًا حملوه حتى يُدخلوه الحصن. ثم حمل
صاحبُ رايتنا وحملنا معه ، وأَدخلنا اليهودَ الحصن وتبعناهم فى جوفه ، فلمّا
دخلنا عليهم الحصن فكأنهم غَنَم ، فقتلنا مَن أَشرفَ لنا ، وأَسرْنا منهم .
(١) هو العبد الأسود مولى رسول أنه صلى الله عليه وسلم. ( الاستيعاب، ص ١٤٦٨).
(٢) الجندل. الحجارة. (لساد العرب، ح ١٣، ص ١٣٦).

٦٦٤
وهربوا فى كلّ وجهٍ يركبون الحَرّة يُريدون حصنَ قلعة الزُّبير، وجعلنا نَدَعُهم
يهربون، وصعد المسلمون على جُدُره فكبّروا عليه تكبيرًا كثيرًا، ففَتَنْنا
أَعضادَ اليهود بالتكبير ، لقد رأيتُ فِتيانَ أَسْلَم وغِفار فوق الحصن يُكبِّرون ،
فوحدنا واللهِ مِن الأَطعمة ما لم نظنّ أَنه هناك؛ من الشعير، والتمر، والسمن،
والعسل ، والزيت . والوَدَك . ونادى مُنادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: كُلُوا
واعلفوا ولا تحتملوا . يقول: لا تخرجوا به إلى بلادكم. فكان المسلمون
يأخذون من ذلك الحصن مُقَامَهم طعامَهم وعَلَف دوابّهم ، لا يُمْنَع أَحد أَن
يأُخذَ حاجته ولا يُخَمَّس الطعام. ووجدوا فيه من البَزّ والآنية، ووجدوا خَوابى،
السَّكَر . فأُمروا فكسروها، فكانوا يكسرونها حتى سال السَّكّر فى الحصن ،
والخوابى كبار لا يُطاق حَمْلُها. وكان أَبو ثَعلبة الخُشَنى يقول: وجدنا فيه
آنيةً من نُحاسٍ وفّخَارٍ كانت اليهود تأكل فيها وتشرب . فسأَلْنا رسولَ الله
صَلَى الله عليه وسلَّم فقال: اغسلُوها واطبخوا وكُلوا فيها واشربوا. وقال :
أَسخنوا فيها الماء ثم اطبخوا بعد، وكُلُوا واشربوا. وأَخرجنا منه غنمًا كثيرًا
وبقرًا وحُمُرًا، وأَخرجنا منه آلةًّ كثيرةً الحرب، ومَنجنيقًا(١) ودبّابات وعُدّة،
فنعلم أنهم قد كانوا يظنّون أَنّ الحصار يكون دهرًا ، فعجَّل الله خِزْيَهم .
فحدّثنى عبد الحميد بن جعفر، عن أَبيه ، قال : لقد خرج من
أُظُمٍ مِن حصن الصَّعب بن مُعاذ مِنِ البَزِ عشرون عِكْمًا(٢) محزومةٌ مِن غليظ.
متاع اليمن ، وألفٌ وخمسمائة قطيفة؛ يقال: قَدِم كلُّ رجل بقطيفةٍ على
أَهلِه . ووجدوا عشرةَ أَحمال خشب ، فأُمِر به فأُخرِج من الحصن ثم أُحرِق،
(١) فى الأصل: ((منجنيق)).
(٢) العكم: ثوب يبسط ويجعل فيه المتاع وشد. (تاج العروس، ج ٨، ص ١٤٠٤

٦٦٥
فمكث أيامًا يحترق، وخَوابى سَكَرٍ كُسرت، وزِقاق خَمْر فأُهرِيقَتْ
وَعَمد يومئذٍ رجل من المسلمين فشرب من الخمر، فرُفع إلى النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم فكّرِهِ حين رُفع إِليه فخفقَه بنعليه ؛ ومَن حضره ، فخفقوه
بنعالهم . وكان يُقال له عبد الله الخمّار. وكان رجلًا لا يصبر عن الشراب
قد ضربه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِرارًا. فقال عمر بن الخطّاب
رضى الله عنه: اللَّهمّ العَنْه! ما أَكثرَ ما يُضرَب! فقال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم: لا تفعل يا عمر، فإِنه يُحبّ الله ورسوله. قال: ثم راح
عبد الله فجلس معهم كأَنه أَحدُهم .
حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أَبِى صعْصَعَة ، عن
الحارث بن عبد الله بن كعب، عن أُمّ عُمارة قالت: لقد وجدنا فى حصن
الصَّعب بن مُعاذ من الطعام ما كنتُ أَظنُّ أَنه لا يكون بِخَيْبر ،
جعل المسلمون يأكلون مُقامَهم شهرًا وأكثرَ من ذلك الحصن ، فيعافون
دوايَّهم، ما يُمنَع أحدهم ولم يكن فيه خُمس ؛ وأُخرج مِن البُزوز شىءٌ
كثيرٌ يُباع فى المقْسم ، ووُجد فيه خَرز من خَرَز اليهود . فقيل لها :
فمَن الذى يشترى ذلك فى المَقْسم ؟ قالت : المسلمون ، واليهود الذين كانوا
فى الكتيبة فآمنوا، ومن حضر مِن الأَعراب، فكل هولاء يشترى ، فأَمَا
من يشترى مِن المسلمين فإِنما يُحاسب به مما يُصيبه من المغنم .
قال الواقدى : وحدّثنى ابن أَبى سَبْرة ، عن إسحاق بن عبد الله،
قال : لمّا نظر عُيَينَة بن حصن إلى حصن الصَّعب بن مُعاذ والمسلمون
ينقلون منه الطعام والعَلَف والبَزَّ قال: ما أَحدٌ يَعلِف لنا دوابّنا ويُطعمنا
من هذا الطعام الضائع ، فقد كان أهله عليه كِراماً ! فشتمه المسلمون وقالوا :

٦٦٦
لك الذى جعل لك رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ذو الرُّقَيبة (١)، فاسكُت!
وبينما المسلمون يجولون فى حصن الصَّعب بن معاذ ، وله مداخل ،
فأَخرجوا رجلاً من اليهود فضربوا عُنقَه فتعجّبوا لسوادٍ دهِه ، ويقول قائلهم :
ما رأينا مثلَ سواد هذا الدم قطُّ - قال: يقول متكلّم : فى رَفِّ من تلك
الرِّفاف الثوم والثريد - وأُنزِل فقدّموه فضربوا عُنقه ..
قال : وتحوّلت اليهودُ مِن حصن ناعم كلُّها ، ومن حصن الصَّعب
ابن مُعاذ ، ومن كلّ حصون النَّطاة ، إلى حصنٍ يقال له قلعة الزُّبير،
فزحف رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم والمسلمون ، فحاصرهم وغلّقوا
عليهم حصنَهم وهو حَصين مَنيع ، وإنما هو فى راس قلعة لا تَقلِير عليه
الخيلُ ولا الرجال لصعوبته وامتناعه ، وبقيت بقايا لا ذكْر لهم فى بعض
حصون النَّطاة، الرجل والرجلان. فجعل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بإزائهم رجالاً(٢) يحرسونهم، لا يطلع أحدٌ عليهم إلَّا قتلوه. وأقام رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم على محاصرة الذين فى قلعة الزُّبير ثلاثةَ أيام،
فجاءَ رجلٌ من اليهود يقال له غَزَّال فقال : أبا القاسم ، تُؤْمّنّى على أَن
أَدلّك على ما تستريح به مِن أَهل النَّطاة وتخرج إِلى أَهل الشِّقّ، فإِنَّ أَهل
الشِّق قد هلكوا رُعْباً منك؟ قال: فأَمّنه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على
أَهله وماله. فقال اليهودىّ: إِنك لو أَقمتَ شهرًا ما بالوا، لهم دُبُولٌ (٣)
تحت الأَرض . يخرجون بالليل فيشربون بها ثم يرجعون إلى فلعتهم فيمتنعون
(١) ذو الرقبة: جبل مطل على خبر. (معجم البلدان، ج٤، ص ٢٧٤).
(٢) فى الأصل: ((رجال)).
(٣) فى الأصل: ((ذنول))، وما أثبتناه عن ابن كبير. (البداية والنهاية، ج ٤، ص ١٩٨).
والدبول: جمع دبل وهو الجدول. ( القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٧٣).

٦٦٧
منك، وإِن قطعتَ مَشْرَبهم عليهم ضجّوا. فسار رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم إلى دُبولهم فقطعها ، فلما قطع عليهم مشاربَهم لم يُطبقوا المُقام
على العطش ، فخرجوا فقاتلوا أَشدَّ القتال، وقُتل من المسلمين يومئذٍ
نفرٌ، وأُصيب من اليهود ذلك اليوم عشرةٌ، وافتتحه رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم فكان آخرَ حصون النَّطاة . فلما فرغ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم مِن النَّطاة أَمر بالانتقال، والعسكر أَن يُحوَّل مِن منزله بالرَّجيع
إِلى مكانه الأَوّل بالمنزلة، وأَمِن رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم من البَيات
ومن حرب اليهود وما يخافُ منهم ، لأَن أَهل النَّطاة كانوا أَحدّ اليهود وأَهلَ
النَّجْدة منهم . ثم تحوّل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى أَهل الشِّقِّ.
فحدّثْنى موسى بن عمر الحارثىّ ، عن أَبِى عُفَير محمّد بن سَهل بن
أَبِى حَثْمَة قال : لما تحوّل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الشِّقّ . وبه
حصونٌ ذات عدد ، كان أَوّل حصنٍ بدأً منها حصن أُبَىّ ، فقام رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم على قلعةٍ يقال لها سُمران (١)، فقاتل عليها أَهل
الحصن قتالاً شديداً. وخرج رجلٌ مِن اليهود يقال له غَزَّال(٢) فدعا إِلى
البراز ، فبرز له الحُباب بن المُنْذِر فاختلفا ضربات ، ثم حمل عليه
الحُباب فقطع يده اليمنى من نصف الذراع ، فوقع السيف من يد غَزَّال
فكان أَعزل، ورجع مُبادِرًا مُنهزِماً إلى الحصن ، وتبعه الحُباب فقطع
عُرقوبَه ، فوقع فذَفَّف عليه . وخرج آخر فصاح : مَن يبارز ؟ فبرز إِليه
رجلٌ من المسلمين من آل جَحش فقُتل الجَحْشِىّ . وقام مكانَه يدعو إلى
(١) هكذا فى الأصل. وفى ابن كثير يروى عن الواقدى: ((سموان)). (البداية والنهاية، ج ٤،
ص ١٩٨) .
(٢) فى ابن كثير يروى عن الواقدى: ((غزول)). (البداية والنهاية، ج١، ص ١٩٨).

٦٦٨
البِراز ويبرز له أَبو دُجانة قد عصب رأسَه بعِصابة حمراء فوق المِغْفَر يختال
فى مِشيته، فبدره أَبودُجانة فضربه فقطع رجليه، ثم ذَفَّف عليه
وأخذ سلبه، دِرعه وسيفه، فجاءً به إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم فنفلّه رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك. وأحجموا عن البِراز، فكبّر المسلمون ثم تحاملوا
على الحصن فدخلوه ، يَقدُمهم أَبو دُجانة، فوجدوا فيه أَثانًا ومَتائًا وغَنَمًا
وطعامًا، وهرب مَن كان فيه مِن المُقاتِلة، وتقحّموا الجُدُر كأَنهم اللِّباء (١)
حتى صاروا إلى حصن النِّزار(٢) بالفِّقّ، وجعل يأتى مَن بقى من قُلَل (٣)
النَّطاة إلى حصن النِّزار فعلَّقوه وامتنعوا فيه أَشدَّ الامتناع. وزَحَف رَء ◌ِ اله
صَلَّى الله عليه وسلَّم إليهم فى أَصحابه فقاتلوهم، فكانوا أَشدَّ أَهل الشّـ،
قتالًا، رموا المسلمين بالنَّبل والحجارة ، ورسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم معهم ،
حتى أصابت النَّبلُ ثيابَ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وعَلِقت به ، فأخذ
النَّبلَ فجمعها ثم أَخذ لهم كَفَّا مِن حصا فحصب به حصنَهم ، فرَجَف
بهم ثم ساخ فى الأرض .
قال إبراهيم بن جَعفر : استوى بالأرض حتى جاء المسلمون ، فأَخذوا
أَهله أَخذًا(٤). وكانت فيه صفية بنت حُيَى وابنةُ عمِّها. فكان عُمَير
مولى آبِى اللَّحْم يقول: شهدتُ صفيّة أُخرِجَتْ وابنةُ عمِّها وصبيّاتٌ مِن
(١) هكذا فى الأصل. وفى ابن كثير يروى عن الواقدى: ((الضباب)). (البداية والنهاية، ج ٤.
ص ١٩٨ ) .
(٢) هكذا فى الأصل. وفى ابن كثير يروى عن الواقدى: ((البزاة)). (البداية والنهاية، ح ٤:
ص ١٩٨ ) .
(٣) قلل: جمع قلة، وقلة كل شىء أعلاه. ( الصحاح، ص ١٨٠٤).
(٤) هكذا فى الأصل. وفى ابن كثير يروى عن الواقدى: ((وأخذهم المسلمون أخذاً بالید)). (البدا.
والنهاية ، ج ١، ص ١٩٨).

٦٦٩
حصن النِّزار ، فلما فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم حصن النِّزار بقيت
حصونٌ فى الشِّقّ ، فهرب أَهلُها منها حتى انتهوا إِلى أَهل الكتيبة والوَطيح
وسُلالِم. وكان محمّد بن مَسْلَمَة يقول: ونظر رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم
إلى حصن النِّزار فقال : هذا آخرُ حُصون خَيْبَر كان فيه قتال ؛ لمّا فتحنا
هذا الحصن لم يكن بعده قتالٌ حتى خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
من خَيْبَر .
فحدّثنى عبد الرحمن بن محمّد بن أبى بكر قال ، قلتُ لجعفر بن
محمود : كيف صارت صفيّة فى حصن النُّزار فى الشِّقّ وحصن آل أبى
الحُقَيق بسُلالِم، ولم يُسْبَ فى حصون النَّطاة من النساء والذُّرّة أَحدٌ
ولا بالشقّ ، إِلّا فى حصن النزار ، فإنه قد كان فيه ذُرّيّةٌ ونساء؟ فقال :
إِنّ يهود خَيْبَر أَخرجوا النساءَ والذُّرّيّة إِلى الكتيبة وفرّغوا حصن النَّطاة للمُقاتِلة
فلم يُسْبَ أَحدٌ منهم إِلّا مَن كان فى حصن النِّزار، صفيّة وابنة عمّها
ونُسيّات معها . وكان كِنانة قد رأَى أَنّ حصن النِّزار أَحصن ما هنالك ،
فأخرجها فى الليلة التى تَحوّل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم فى صبيحتها إِلى
الشِّقّ حتى أُسرت وبنتُ عمّها ومَن كان معهما من ذّرارىّ اليهود ، وبالكتيبة
من اليهود ومن نسائهم وذراريّهم أكثر من أَلفين ؛ فلمّا صالح رسولُ الله
صلّى الله عليه وسلَّم أَهلَ الكتيبة أَمّن الرجال والذُّرّة، ودفعوا إليه الأَموال،
والبيضاءَ والصفراءَ، والحَلْقة، والثياب، إلّا ثَوْبًا (١) على إِنسان. فلقد
كان من اليهود حين أَمّنهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُقبِلون ويُدبِرون،
ويبيعون ويشترون، لقد أَنفقوا عامةَ المَغْنم ممّا يشترون مِن الثياب مِن
(١) فى الأصل: ((ثوب)).

٦٧٠
الثياب والمتاع، وكانوا قد غيّوا نُقودَهم وعَيْنَ مَالِهِم .
قالوا : ثم تَحوّل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم إلى الكتيبة والوَطيح
وسُلالِم ، حصن ابن أبى الحُقَيق الذى كانوا فيه ، فتحصّنوا أَشدّ التحصّن،
وجاءهم كلّ فَلُّ(١) كان قد انهزم من النَّطاة والشِّقِّ، فتحصّنوا معهم فى
القَموص وهو فى الكتيبة، وكان حصنًا منيعًا، وفى الوّطيح وسُلالِم . وجعلوا
لا يطلعون من حصونهم مُغلِّقين عليهم، حتى هَمّ رسولُ الله صلّى الله عليه
وسلَّمْ أَن يَنصبِ المَنجنيق عليهم لِما رأى من تغليقهم، وأنه لا يبرز منهم بارِز.
فلمّا أَيقنوا بالهَلَكة وقد حصرهم رسولُ اللّه صَلّى الله عليه وسلَّم أربعةَ عشر
يومًا سأَّلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم الصُّلْح. قال أبو عبد الله، قلت
لإبراهيم بن جعفر: وُجد فى الكتيبة خمسمائة قوس عربيّة. (قال: أخبرنى
أَبى عمّن رأَى كِنانة بن أبى الحُقَيق يرى بثلاثة أَسهم فى ثلثمائة - يعنى
ذراع - فيُدخلها فى هَدَفٍ شِبْرًا فى شِبْر، فما هو إِلَا أَن قِيل: هذا رسولُ الله
صَلَى الله عليه وسلَّم قد أَقبل مِن الشِّقّ فى أصحابه، وقد تهيّاً أَهلُ الموص
وقاموا على باب الحصن بالنَّبل ، فنهض كِنانة إلى قوسه فما قدر أَن يوترها
مِن الرِّعْدة، وأوماً إِلى أَهل الحصون : لا ترموا! وانقمع فى حصنه، فما رُئِى
منهم أَحدُ ،حتى أَجهدهم الحصار وقذف الله فى قلوبهم الرعب. فأرسل كِنانة
رجلًا من اليهود يقال له شَمّخ إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم يقول: أَنزلُ
إليك أُكلّمك! فلمّا نزل شَمّاخ أَخذه المسلمون فأُنى به النبيّ صلّى الله عليه
وسلَّم فأخبره برسالة كِنانة . فأَنعم له ،فنزل كِنانة فى نفر من اليهود ، فصالحه
على ما صالحه، فأَحلفه على ما أحلفه عليه . قال إبراهيم: تلك القِسى
والسلاح إنما كان لال أَبى الحُقَيق جماعة يُعيرونه العرب ، والحلى يُعيرونه
(١) فل القوم: أى منهزموهم، يستوى فيه الواحد والجمع؛ يقال رجل فل وقوم فل. (الصحاح ،
ص ١٧٩٣) .

٦٧١
العرب . ثم يقول : كانوا شرِّ يهود يَغْرب.
قالوا: وأرسل كِنانةُ بن أبى الحُقَيق إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم:
أَنزلُ فأُكلّمك؟ فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم: نعم . قال : فنزل ابن أبى
الحُقَيقِ فصالح رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَّم على حقن دماءٍ مَن فى حُصونهم
مِن المقاتلة، وترك الذُّرّيّة لهم، ويخرجون مِن خَيْبَر وأَرضِها بذراريّهم ،
ويُخْلّون بين رسولِ الله صلّى الله عليه وسلَّم وبين ما كان لهم من مالٍ أَو
أَرْضِ، وعلى الصفراء والبيضاء والكُراع والحَلْفَة، وعلى البَزّ ، إِلّ ثوبًا
على ظَهر إِنسان. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: وَبَرِئتْ منكم ذِمَةُ الله
وذمّةُ رسولِهِ إِن كتمتمونى شيئًا . فصالحه على ذلك، وأرسل رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم إِلى الأَموال فقبضها، الأَوّل فالأَوّل، وبعث إلى المتاع
والحَلْقَة فقبضها ، فوجد من الدروع مائة درع ، ومن السيوف أربعمائة سيف،
وألفَ رمح، وخمسمائة قوس عربيّة بِجِعابها . فسأَّل رسولُ الله صلّى الله عليه
وسلَّم كِنانَة بن أبى الحُقَيق عن كنز آل أَبى الحُقَيق وحَليٍ من حَليهم ، كان
يكون فى مَسْكِ (١) الجملِ، كان أَسراهم(٢) يُعرَف به، وكان العُرْس
يكون بمكّة فيُقدَم عليهم ، فيُستَعار ذلك الخَّلى الشهرَ فيكون فيهم ، وكان
ذلك الحلى يكون عند الأكابر فالأكابر من آل أَبى الحُقَيق. فقال: يا أَبا
القاسم، أَنفقناه فى حربنا فلم يبقَ منه شىء، وكنّا نرفعه لمثل هذا اليوم ،
فلم تُبْقِ الحربُ واستندسارُ الرجال من ذلك شيئًا. وحَلَفا على ذلكَ
فوكَّدا الأَمان واجتهدا، فقال رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلَّم لهما (٣):
(١) المسك: الجلد. (الصحاح، ص ١٦٠٨) .
(٢) فى الأصل: ((لسرهم))؛ وامراهم: أشرفهم. (لسان العرب، ج ١٩، ص ٩٨).
(٣) هكذا فى الأصل بصيغة المثنى.

٦٧٢
بَرِئِتْ مِنكما ذِمَّةُ اللهِ وذِمّةُ رسولهِ إِنْ كان عند كما ! قالا : نعم . ثم قال
رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: وكلّ ما أَخذتُ مِن أَموالكما وأَصبتُ مِن
دمائكما فهو حِلٌّ لى ولا ذِمَّةً لكما! قالا: نعم. وأَشهد عليهما رسولُ الله
صَلّى الله عليه وسلَّم أبا بكر، وعمر، وعليًّا، والزُّبَير رضوان الله عليهم وعشرةً مِن
اليهود. فقام رجلٌ من اليهود إلى كِنانة بن أبى الحُقَيْق فقال : إِن كان
عندك ما يطلب منك محمّدٌ أَوتعلم عِلْمه فأ علمْه فإنك تأمن على دمك، وإِلّ فواللهِ
لَيظهرنّ عليه ، قد اطّع على غير ذلك بما لم نعلمه . فزَبَره ابن أبى الحُقّيق
فتنحّى اليهودىُّ فقعد. ثم سأل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم ثَعلبة بن
سَلّام بن أَبى الحُقَيق - وكان رجلًا ضعيفًا - عن كنزهما، فقال: ليس لى علم
غير أنى قد كنت أَرى كِنانة كلَّ غداة يطوف بهذه الخَرِبَة - قال: وأشار
إِلى خَرِبَة - فإن كان شىءٍ(١) دفنه فهو فيها . وكان كِنانة بن أبى الحُقَيق
لمّا ظهر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم على النَّطاة أَيقَن بالهَلَكة - وكان أَهلُ
النَّطاة أخذهم [الرعب] - فذهب بمَسْك الجمل، فيه حليهم ، فحفر له
فى خَرِبَةٍ ليلًا ولا يَراه أَحد ، ثم سَوّى عليه التراب بالكَتيبة، وهى الخرِبَةُ
التى رآه ثَعلبة يدور بها كلّ غداة. فأرسل مع ثَعلبة الزُّبَير بن العَوّام ونفرًا
من المسلمين إلى تلك الخَرِبَة ، فحفر حيث أَراه ثّعلبة فاستخرج منه ذلك
الكنز. ويقال: إِنّ الله عزّ وجلّ دَل رسولَه على ذلك الكنز. فلمّا أُخرِج
الكنز أمر رسولُ الله صَلّى الله عليه وسلَّمِ الزُّبَيرَ أَن يُعذّب كِبانة بن أبى الحُقَيق
حتى يستخرج كلّ ما عنده. فعذّبه الزُّبَير حتى جاءَه بزَنْدٍ (٢) يقدحه فى
صدره ، ثم أمره رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم أَن يدفعه إلى محمّد بن مَسْلَمَة
(١) فى الأصل: ((شيئا)).
(٢) فى الأصل: ((يريد)). وما أثبتناه من السيرة الحلبية. (ج ٢، ص ١٦٧).

٦٧٣٠
يقتله بأَخيه، فقتله محمّد بن مَسْلَمَة. وأَمر بابن أَبى الحُقَيق الآخر ،
فُعُذّب ثم دُفع إِلى وُلاةٍ بِشر بن البراء فقُتِل به ، ويُقال: ضُرب عُنقه .
واستحلّ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم بذلك أموالَهما وسبى ذراريّهما:
فحدّثنى خالد بن الرَّبيعة بن أبى هلال ، عن هلال بن أسامة ، عمّن
نَظَر إِلى ما فى مَسْك الجمل بين يدى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم حين أُنى
به، فإِذا جُلُّهُ أَسْوِرَة الذهب، ودَمالج الذهب ، وخَلاخل الذهب، وقِرَطة
الذهب، ونَظْمٌ مِن جوهرٍ وزُمُّدٍ، وخواتم ذهب، وفَتَخٌ(١) بجَزْع ظَفار
مُجَزَّعٌ بالذهب . ورأى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم نظامًا مِن جوهرٍ فأعطاه
بعضّ أَهله، إِما عائشة أَو إحدى بناته ، فانصرفت فلم تمكث إلّا ساعةً مِن
نهارٍ حتى فَرّقَتْه فى أَهل الحاجة والأَرامل، فاشترى أَبو الشَّحم ذَرَةً منها .
فلما أمسى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم وصار إلى فراشه لم ينم ، فغدا فى
فى السَّحَر حتى أَتى عائشة، ولم تكن ليلتها، أَو بنته ، فقال: رُدّى علىّ
النظامَ فإِنه ليس لى ، ولا لك فيه حقّ. فخبرتْه كيف صنعت به ، فحمد
الله وانصرف .
وكانت صفيّةُ بنت حُيَىّ تقول: كان ذلك النظام لبنت كِنانة .
وكانت صفيّة تحت كِنانة بن أبى الحُقَيق، وقد كان رسول الله صلّى الله
عليه وسلَّم سباها قبل أن ينتهى إلى الكتيبة ، وكان رسول الله صلّى الله عليه
وسلَّم قد أرسل بها مع بِلال إلى رَحْلِهِ . فمرّ بها وبابنة عمّها على القَتلى ،
فصاحتْ ابنةُ عمّها صِياحًا شديدًا ، فكره رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم
ما صنع بِلال فقال : أَذهبتْ منك الرحمةُ ؟ تمرُّ بجارية حديثة السنّ على
(١) فتخ: جمع فتخة، وهى خاتم كبير يلبس فى الأيدى، وربما وضع فى أصابع الأرجل . ( النهاية،
ج ٣، ص ١٨٢) .