النص المفهرس
صفحات 221-240
٦٣٤ قالوا : قدم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينةَ مِن الحُدَيبية فى ذى الحجّة تمامَ سنة ستّ (١)، فأقام بالمدينة بقيّة ذى الحجّة والمحرم، وخرج فى صفر سنةَ سبْعٍ - ويقال خرج لهلال ربيع الأَوّل - إِلى خَيْبَر. وأَمر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابَه بالتهيّؤ للغزو فهم مُجدِّون، وتجلَّب مَن حولَه يغزون معه ، وجاءه المُخلَّفون يُريدون أن يخرجوا معه رجاء الغنيمة ، فقالوا: نخرج معك! وقد كانوا تَخلَّفوا عنه فى غزوة الحُدَيبية، وأرجفوا بالنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبالمسلمين ، فقالوا: نخرج معك إِلى خَيْبر . إِنها ريف الحجاز طعامًا وَوَدَكًا(٢) وأَموالًا. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : لا تخرجوا معى إلاَّ راغبين فى الجهاد، فأَما الغنيمة فلا. وبعث مُناديًا فنادى : لا يخرجنّ معنا إلاَّ راغبٌ فى الجهاد ، فأَّمَّا الْغنيمة فلا! فلمّا تجهّز الناس إِلى خَيْبَر شقَّ ذلك على يهود المدينة الذين هم مُوادعون لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعرفوا أنهم إذا دخلوا خَيْبَر أهلك الله خَيْبَر كما أَهلك بنى قَيْنُقَاعِ والنَّضِير وقُرَيْظَة. قال: فلما تجهّزْنا لم يبقَ أَحدٌ من يهود المدينة له على أحدٍ من المسلمين حَقٌّ إلَّا لَزِمَه، وكان لأَبى الشَّحْم اليهودىّ عند عبد الله بن أَبى حدْرَدِ الأَسلمىّ خمسةُ دراهم فى شعيرٍ أَخذه لأَّهله ، فلزمه، فقال : أَجِّلْنى فإِنِى أَرجو أَن أَقدَم عليك فأَقْضيّك حقَّك إن شاء الله ، إِنَّ اللّه عزّ وجلّ قد وعد نبيَّه خَيْبَر أَن يُغْنِّمه إيّاها . وكان عبد الله بن أبى حَدْرد ممّن شَهِدَ الحُدَيبية ، فقال: يا أَبا الشَّحْمِ، إِنا نَخْرُج إلى ريف الحجاز فى الطعام والأَموال. فقال أَبو الشَّحْم حسدًا وبغيًا: تَحسِبُ أَنَّ قِتال خَيْبَر مثل ما تلقّونه من الأَعراب؟ فيها والتوراةِ عشرةُ آلافٍ مُقاتل ! (١) فى الأصل: ((تمام سنة ست سنين)). (٢) الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذى يستخرج منه. (النهاية، ج ٤، ص ٢٠٢). ٦٣٥ قال ابن أَبى حدْرَد: أَى عدوَّ الله! تُخوِّفنا بعدوّنا وأنت فى ذِمّتنا وجوارنا؟ واللهِ لأَّرفعنَّك إِلى رسول الله ! فقلتُ : يا رسول الله أَلا تسمع إلى ما يقول هذا اليهودى؟ وأخبرتُه بما قال أَبو الشَّحْم. فأُسكت رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يرجع إليه شيئًا، إِلَّا أَنى رأيتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حرّك شفتَيْه بشىءٍ لم أسمعه ، فقال اليهوديّ : يا أبا القاسم، هذا قد ظلمنى وحبسنى بحقِّى وأخذ طعامى! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَعطِه حَقَّه. قال عبدُ الله : فخرجتُ فبعت أَحدَ ثَوْبَىّ بثلاثة دراهم ، وطلبتُ بقيَّةَ حقِّه فقضيته، ولبستُ ثوبى الآخر ، وكانت علىَّ عمامةٌ فاستدفأْت(١) بها. وأَعطانى سَلَمَة بن أَسلم ثوبًا آخر ، فخرجتُ فى ثوبين مع المسلمين، وذَفَلْنِى اللهُ خيرًا، وغنمتُ امرأةً بينها وبين أَبى الشَّحْم قرابةٌ فبعتُها منه مال . وجاءَ أَبو عَبس بن جبْر فقال : يا رسول الله ما عندنا نفقة ولا زاد ولا ثوب أَخرجُ فيه، فأعطاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شُقَيقَةٌ سُنْبُلانيّةً،(٢) فباعها بثمانية دراهم، فابتاع تمرًا بدرهمين لِزاده وترك لِأَهلِه نفقةٌ درهمين ، وابتاع بُرْدَةً بأربعةِ دراهم . فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى طريق خَيْبَر فى ليلةٍ مُقمرةٍ إِذْ أَبصر برجل يسير أَمامَه ، عليه شى ءٌ يبرق فى القمر كأنه فى الشمس وعليه بَيْضة، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : مَن هذا؟ فقيل: أَبو عَبس بن جَبْر. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : (١) فى الأصل: ((استدمرت). (٢) فى الأصل: ((شقيقة سيلانية))، والشقيقة: تصغير شقة وهى جنس من الثياب. وسنبلانية: أى سابغة الطول ، سنبل ثوبه إذا أسبله وجره من خلفه أو أمامه ، والنون زائدة ، ويحتمل أن يكون منسوبا إلى موضع. (النهاية، ج ٢، ص ١٨٤، ٢٣١). ٦٣٦ أَدرِكُوه! [قال]: فأَدركونى فحبسونى، وأَخذنى ما تقدم وما تأَخَّر، وظننتُ أنه قد نزل فى أَمرٌ من السماءِ، فجعلت أَتذكَّر ما فعلتُ حتى لحقنى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : مالك تَقدُم الناسَ لا تسيرُ معهم ؟ قلتُ: يا رسول الله، إِنَّ ناقتى نَجيبة. قال: فأَين الثُّقَيْقَة التى كسوتُك ؟ فقلت : بعثُها بثمانية دراهم ، فتزوّدت بدرهمين تمرًا، وتركتُ لأَهلى نفقةٌ درهمين، واشتريتُ بردةً بأربعة دراهم . فضحك رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم قال: أَنت واللهِ يا أَبا عَبس وأَصحابك من الفقراءِ! والذى نفسى بيده لئن سلمتم وعشتم قليلاً ليكثرنَّ زادُ كم ، وليكثرنَّ ما تتركون لأَهليكم ، ولتكثرنَّ دراهمُكم وعبيدُكم ، وما ذاك بخيرٍ لكم ! قال أَبو عبس : فكان واللهِ ما قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمْ. واستخلف رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على المدينة سِباع بن عُرْفُطَة الغِفارىّ، قال أبو هريرة رضى الله عنه: قدمنا المدينةَ ونحن ثمانون بيتًا مِن دَوْسُ، فقال قائل : رسول الله بخَيْبَر وهو قادمٌ عليكم . فقلتُ : لا أَسمعُ به ينزل مكانًا أبدًا إِلَّ جِئْتُه. فتحمّلنا حتى جِئناه بخَيْبَر فنجده قد فتح النَّطاة وهو مُحاصِرٌ أَهل الكتيبة ، فأَقمنا حتى فتح اللهُ علينا . وكنّا قدمنا المدينة فصلّنا الصبح خلف سِباع بن عُرْقُطَة بالمدينة ، فقرأ فى الركعة الأُولى سورةَ مَرْيَم وفى الآخرة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾(١)، فلمّا قرأ ﴿إِذا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾(٢) قلت: تركتُ عَمِّى بالسرَاة له مِكْيالان، مكيال (١) سورة ٨٣ المطففين ١ (٢) سورة ٨٣ المطففين ٢ ١ ٦٣٧ يُطفّف به ومكيال يَتَبخَّس به (١). ويقال: استخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أبا ذرّ ، والثبت عندنا سِباع بن عُرْقُطَة . وكانت يهود خَيْبَر لا يظنّون أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يغزوهم لِمَنَعَتهم وحُصونهم وسلاحهم وعَدَدِهم؛ كانوا يخرجون كلّ يوم عشرةَ آلاف مقاتل صفوفًا ثم يقولون : محمّد يغزونا؟ هَيْهاتَ ! هَيْهاتَ! وكان مَن كان بالمدينة من اليهود يقولون حين تَجهّز النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى خَيْبَر: ما أَمنحَ واللهِ خيبرَ منكم! لو رأَيتُمْ خَيْبَر وحصونها ورجالَها لرجعتم قبل أنتصلوا إليهم؛ حصون شامخات فى ذُرَى الجبال، والماءُ فيها واتِنٍ (٢)، إِنَّ بِخَيْبَر لِأَلْفَ دارع، ما كانت أَسدٌ وغَطَفان يمتنعون من العرب قاطبةٌ إِلاَّ بهم ، فأَنَّمْ تُطيقون خَيْبَر؟ فجعلوا يُوحون بذلك إِلى أَصحاب النبى صلَّى الله عليه وسلَّم ، فيقول أَصحابُ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: قد وعدها اللهُ نبيَّه أَن يُغنّمه إِيّاها. فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إليهم، فعَمَّى اللهُ عليهم مخرجَه إِلاَّ بالظن حتى نزل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم بساحاتهم ليلًا. وكانوا قد اختلفوا فيما بينهم حيث أَحسّوا بمسير رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، فأشار عليهم الحارث أبو زينب اليهودىّ بأَن يُعسكروا خارجًا من حصونهم ويبرزوا له ، فإِنِى قد رأيتُ مَن سار إِليه من الحصون ، لم يكن لهم بقاء بعد أن حاصرهم حتى نزلوا على حُكْمِهِ، ومنهم مَن سُبِى ومنهم مَن قُتِل صَبْرًا. فقالت اليهود : إِنّ حصوننا هذه ليست مثل تلك ، هذه حصون مَنيعة فى (١) تبخس: أى نقص. (القاموس المحيط . ج ٢، ص ١٩٩). (٢) فى الأصل: ((وانق))؛ والتصحيح هو ما يقتضيه السياق. ووتن الماء وغيره: أى دام ولم ينقطع. (الصحاح ، ص ٢٢١٢) . ٦٣٨ ذُرَى الجبال . فخالفوه وثبتوا فى حصونهم ، فلمَّا صبحهم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وعاينوه أيقنوا بالهلكة. فخرج رسول الله صََّى الله عليه وسلَّم من المدينة فسلك ثَنيّة الوداع ، ثم أَخذ على الزَّغابة، ثم على نَقْمَى، ثم سلك المُسْتَناخ، ثم كبس الوطيح(١)، ومعهم دليلان مِن أَشْجع يقال لأحدهما حُسَيل بن خارجة، والآخر عبد الله بن نُعَيم، خرج على عَصَر (٢) وبه مسجد، ثم على الصَّهْباءِ(٣). فلمّا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فى مسيره قال لعامر بن سِنان : انزِلْ يا ابن الأَْوَعِ فخُذْ لنا مِن هَناتِكَ(٤). فاقتحم عامر عن راحلته ، ثم ارتجز برسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وهو يقول : ولا تصدّقْنا ولا صَلّْنا اللَّهمَّ لَولا أَنتَ ما اهتديْنا(٥) وَثَبِّتِ الأَّقدامَ إِنْ لاقيْنا فَأَلْقِيَنْ سَكينةً(٦) علينا وبالصِّياحِ عَوَّلُوا عَلَيْن إِنَّا إِذا صِيحَ بِنا أَتَينا قال رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم: يرحمك الله ! فقال عمر بن الخطّاب رضى الله عنه: وَجَبت والله يا رسول الله! فقال رجل من القوم : لولا متّعتَنا [به] يا رسول الله! فاستُشهد عامر يوم خَيْبَر. فكان سَلَمَة بن (١) فى الأصل: ((ثم كبس الوطه)). وكبس دار فلان: أغار عليها. (الصحاح، ص ٩٦٦). والوصاح: من أعظم حصون خيبر، سمى بوطيح بن مازن. ( وفاء الوفا، ج٢، ص ٣٩٢). (٢) عصر: جبل بين المدينة ووادى الفرع. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٤٦). (٣) الصهباء: موضع بينه وبين خيبر روحة. (معجم البلدان، ج ٥،، ص ٤٠١). (٤) من هناتك: أى من كلمانك أو من أراجيزك، وهى جمع هنة. (النهاية، ج ٤، ص ٢٥٦). (٥) هكذا فى الأصل. وانظر لتصويب الوزن صحيح مسلم (ص ١٤٢٨)، وشرح الزرقانى على المواهب اللدنية ( ج ٢، ص ٢٦٢) . (٦) السكينة هنا الوقار والتثبث. ( شرح أبى ذر، ص ٣٤٤). ٦٣٩ الأَّكوع يقول: لما كنا دون خَيْبَر نظرت إلى ظَبى حاقفٍ (١) فى ظل شجرة ، فأتفرّدُ له بسهمٍ فأُرميه فلم يصنع سهمى شيئًا، وأُذعِرَ الظَّبْىُ فيلحقنى عامر ففوّق له السهمَ فوضع السهمَ فى جنب الظَّبى ، وينقطع وترُ القوس فيعلق رِصَافُه بجنبه، فلم يُخلّصِه إِلَّا بعد شدِّ. ووقع فى نفسى يومئذٍ طِيَرَةٌ ورجوتُ له الشهادة فبصرتُ رجلًا من اليهود فيصيب نفسه فمات ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعبد الله بن رواحة : أَلا تُحرّك بنا الركب ! فنزل عبد الله عن راحلته فقال : ولا تصدّقْنا ولا صَلَّيْنَا واللهِ لولا أَنتَ ما اهتَدِيْنا وَثَّبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنا فأَنْزِلَنْ سَكينةً علينا والمشركونَ قد بَغَوْا علينا فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: اللَّهِمَّ ارحمْه! فقال عمر رضى الله عنه: وَجَبت يا رسول الله. قال الواقدىّ: قُتِل يوم مُؤْنة شهيدًا . قالوا: وانتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إلى الصَّهْباء فصَلَّى بها العصر ثم دعا بالأَّطعمة فلم يُؤْتَ إِلَّا بالسَّويق والتمر ، فأكل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وأكلوا معه ، ثم قام إلى المغرب فصلّى بالناس ولم يتوضّأُ ، ثم صَلَّى العشاء بالناس، ثم دعا بالأَدلَّاءِ فجاءَ حُسَيل بن خارجة الأَشْجَعَىّ، وعبد الله بن نُعَيمِ الأَشْجَعَىّ. قال: فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حُسَيا: امضِ أَمامنا حتى تأخذنا صُدور الأَودية، حتى نأتى خَيْبَر من بينها وبين الشام ، فأحولَ بينهم وبين الشام وبين حُلفائهم مِن غَطّان . فقال حُسَيل: أَنا أَسلكُ بك. فانتهَى به إلى موضع له طُرُق ، فقال له: (١) ظبى حاقف: رابض فى حقف من الرمل؛ والحقف: المعوج من الرمل أو الرمل العظيم المستدير، أو المستطيل المشرف. ( القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٠٩). ٦٤٠ يا رسول الله، إِنَّ لها طُرُقًا يُؤُّتَى منها كلّها، فقال رسول الله صَلَّى اللّه عليه وسلَّم : سَمِّها لى! وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يُحبّ الفأل الحسن والاسمَ الحسن ، ويكره الطيَرَة والاسم القبيح . فقال الدليل : لها طريق يقال لها خَزَن. قال: لا تَسلكْها ! قال: لها طريق يقال لها شاش. قال: لا تَسلكْها ! قال: لها طريق يقال لها حاطِب. قال : لاتسلكْها ! قال عمر بن الخطَّب رضى الله عنه: ما رأيتُ كالليلة أسماءَ أَقبح! سمِّ لرسول الله ! قال: لها طريقٌ واحدةٌ لم يبق غيرها. فقال عمر: سمِّها. قال : اسمها مَرْحَب. قال رسول الله صلّى اللهُ عليه وسلَّم: نعم اسلكْها ! قال عمر: أَلا سمَّيت هذا الطريقَ أَوّل مرة ! وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم عَبّاد بن بِشرفى فوارس طليعةً ، فأَخذ عينًا لليهود مِن أَشْجَع فقال: مَن (١) أَنت؟ قال: باغٍ أَبتغى أَبِرَةً ضَلّت لى، أَنا على أَثْرِها. قال له عَبّاد: أَلَك عِلْمٌ بخَيْبَر ؟ قال : عَهْدى بها حديث ، فيمَ تسألنى عنه؟ قال: عن اليهود. قال : نعم، كان كِنانة بن أبى الحُقَيق وهَوْذَة بن قيس ساروا فى حُلفائهم مِن خَطَّفان ، فاستنفروهم وجعلوا لهم تمر خَيْبَر سنةً، فجاءُوا مُعدّين مُوَيَّدين(٢) بالكُراع والسلاح يقودُهم عُتبة بن بدر ، ودخلوا معهم فى حُصونهم ، وفيها عشرة آلاف مقاتل ، وهم أهل الحُصون التى لا تُرام، وسلاحٌ وطعامٌ كثير لو حُصِروا لسنين لَكّفاهم، وماءٌ واتنٌ يشربون فى حُصونهم، ما أَرى لأحدٍ بهم طاقة . فرفع عبّاد بن بشر السوطَ. فضربه ضربات وقال: ما أنت إلاَّ عينٌ لهم ، اصْدُقْتِى وإِلاَّ ضربتُ عنقَك! فقال الأَعرابىّ: أَفتؤُمّنى على أن (١) فى الأصل: ((ما أنت)). (٢) فى الأصل: ((مودين)). ٦٤١ أَصدقك؟ قال عبّاد: نعم. فقال الأعرابيّ: القوم مرعوبون منكم خائفون وَجِلُونَ لِمَا قد صنعتم بمَن كان بيئْرِب من اليهود ، وإنّ یھود یَشْرِب بعثوا ابن عمّ لى وجدوه بالمدينة ، قد قدم بسلعةٍ يبيعها ، فبعثوه إلى كنانة بن أَبِى الحُقَيق يُخبرونه (١) بِقِلْتكم وقِّة خيلكم وسلاحكم. [ويقولون له]: فاصدقوهم الضرب ينصرفوا عنكم ، فإِنَّه لم يَلْقَ قومًا يُحسنون القتال ! وقُرَيش والعرب قد سُرّوا بمسيره إِليكم لما يعلمون مِن مَوادِّكم وكثرةٍ عددكم وسلاحكمٍ وَجَودة حُصونكم! وقد تتابعت قُرَيش وغيرُهم مَّمَّن يَهَوَى هوى محمّد، تقول قُريش: إِنَّ خَيْبر تظهر! ويقول آخرون: يظهر محمّد، فإِن ظَفِرَ محمّد فهو ذُلّ الدهر ! قال الأعرابيّ: وأَنا أَسمعُ كلّ هذا، فقال لى كِنانة : اذهبْ مُعترِضًّا للطريق فإنهم لا يستنكرون مكانك ، واخْزُرْهم لنا ، واذنُ منهم كالسائل لهم ما تَقوى به ، ثم أَلْقِ إليهم كثرةً عددِنا ومادّتنا فإنهم لن يدَعوا سُؤالك ، وعجِّل الرجعة إلينا بخبرهم. فأتى به عَبّادُ النبيَّ صلَّى اله عليه وسلَّم فأخبره الخبر ، فقال عمر بن الخطّاب : اضرِبْ عنقه . قال عباد جعلتُله الأَّمان. فقال رسول الّه صلَّى الله عليه وسلَّم: أَمِكه معك يا عَبّاد !فأُوثق رباطًا. فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم خَيْبَر عرض عليه الإِسلام وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنى داعيك ثلاثًا، فإِن لم تُسلم لم يخرج الحبلُ عن عنقك إِلَّا صَعَدًا! فأسلم الأَعرابىّ، وخرج الدليل يسير برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى انتهى به، فيسلك بين خياض والسَّرير(٢)، فاتَّبِع صدورَ الأَودية حتى هَبط به الخَرَصَة(٣) ، ثم نهض به حتى سلك بين الشِّقّ (١) فى الأصل: ((يخبروه). (٢) السرير: الوادى الأدنى بخيبر. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢٢). (٣) الخرصة: حصن من حصون خيبر. (السيرة الحلبية، ج ٢، ص ١٥٨). ٦٤٢ والنَّطاة. ولما أشرف رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم على خَيْبر قال لأصحا به: قِفُوا! ثم قال: قُولوا: اللَّهِمَّ ربَّ السموات السبع وما أَظَلَّت، وربَّ الأَرَضين السبع وما أَقلَّتْ ، وربّ الرياح وما ذَرَتْ ، فإِنَّا نسألك خيرَ هذه القرية ، وخيرَ أَهلِها ، وخيرَ ما فيها ، ونَعوذُ بك مِن شرّها وشرّ ما فيها . ثم قال : ادخلوا على بركة الله! فسار حتى انتهى إلى المنزلة ، وعرّس بها ساعةً من الليل ، وكان اليهود يقومون كلَّ ليلة قبل الفجر فيتلبّسون السلاح ويصفون الكتائب ، وهم عشرة آلاف مقاتل. وكان كِنانة بن أبى الحُقَيق قد خرج فى ركبٍ إِلى غَطَفان يدعوهم إلى نصرهم، ولهم نصف تمر خَيْبَر سنةً ؛ وذلك أنه بلغهم أَنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم سائرٌ إليهم . وكان رجلٌ من بنى فَزارة حليفٌ لهم قدم بسلعةٍ إلى المدينة فباعها ، ثم رجع فقدم عليهم فقال: تركتُ محمدًا يُعبّىُ أَصحَابَه إليكم. فبعثوا [ إلى] حلفائهم من غَطَفانْ ، فخرج كِنانة بن أَبِى الحُقَيق فى أربعةَ عشرَ رجلًا من اليهود يدعوهم إلى نصرهم، ولهم نِصْفُ تمرٍ خَيْبَر سنةً. فلمَّا نزل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بساحتهم لم يتحرّكوا تلك الليلةَ ، ولم يَصِحْ لهم ديكٌ حتى طلعت الشمس ، فأصبحوا وأفئدتهم تخفق ، وفتحوا خُصونَهم معهم المساحى والكرازين والمَكاتل(١)، فلمَّا نظروا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قد نزل بساحتهم قالوا : محمّد والخميس (٢)! فَولّوا هاربين حتى رجعوا : (١) المساحى: جمع مسحاة، وهى المجرفة من الحديد. والكرازين: جمع كرزن وهو الفأس. والمكاتل: جمع مكتل وهو الزبيل الكبير، قيل إنه يسع خمسة عشر صاعاً. (النهاية، ج ٢، ص ١٥٠ ؛ ج ٤، ص ٨ ، ١٤) . (٢) الخميس: الجيش. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٢٦٦). ٦٤٣ إلى حصونهم ، وجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم يقول: اللهُ أكبر ! خُربتْ خَيْبَر! إِذَّا إذا نزلنا بساحةٍ قوم فساءَ صباحُ المُنذَرين . ولما انتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إلى المنزلة جعل مسجدًا فصلّى إِليه من آخر الليل نافلةً . فثارت راحلتُه تجرّ زِمامَها، فأُدرِكت توجّه إلى الصخرة لا تُريد ترْكَب ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: دَعُوها فإنها مأمورة! حتى بركت عند الصخرة ، فتحوّل رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إِلى الصخرة، وأَمر برحْلِهِ فَحُطَّ.، وأمر الناسَ بالتحوّل إِليها، ثم ابتنى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم عليها مسجدًا . فهو مسجدهم اليوم . فلمّا أُصبح جاءَه الحُبابُ ابن المُنْذِر بن الجموح فقال : يا رسول الله صلّى اللهُ عليك ، إِنك نزلت منزلك هذا ، فإن كان عن أمرٍ أُمِرت به فلا نتكلَّمُ فيه ، وإن كان الرأىُ تكلَّمْنا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: بل هو الرأى. فقال: يا رسول الله ، دنوتَ من الحصن ونزلتَ بين ظهرَى النخل والنَّ (١)، مع أنّ أَهلَ النَّطاة لى بهم معرفة ، ليس قوم أَبعد مَدِّى منهم ؛ ولا أَعدلَ منهم ، وهم مرتفعون علينا . وهو أسرعُ لانحطاط. نَبْلِهم ، مع أَنى لا آمنُ مِن بياتهم يدخلون فى خَمَر (٢) النخل؛ تَحوّلْ يا رسول الله إلى موضعٍ برىء من النَّزّ ومن الوَباء ، نجعل الحرّةَ بيننا وبينهم حتى لا ينالنا نبلُهم. ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: نُقاتِلهم هذا اليوم. ودعا رسول الله صلّى الله عليه (١) النز: ما بتحلب من الأرض من الماء. (الصحاح، ص ٨٩٦). (٢) فى الأصل: ((جمر))، ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات. والخمر بالتحريك: كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره. (النهاية، ج ١، ص ٣٢٠). ٦٤٤ وسلَّم محمّد بن مَسْلَمَةً فقال: انظرْ لنا منزلا بعيدًا مِن حصونهم بَريقًا (١) من الوباء ، نأَمنُ فيه بَياتَهم . فطاف محمّد حتى انتهى إلى الرَّجيع(٢)، ثم رجع إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم ليلًا فقال : وجدتُ لك منزلاً . فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: على بركة الله. وقاتل رسول الله صلّى الله عليه وسلم يومه ذلك إلى الليل يُقاتل أَهلَ النَّطاة، يُقاتلها مِن أَسفلها. وحشّدت اليهود يومئذٍ ، فقال له الحُباب: لو تَحوّلتَ يا رسول الله! فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم: إِذا أَمسينا إِن شاءَ الله تَحوّلنا. وجَعلتْ نبلُ اليهود تُخالط. عسكرَ المسلمين وتُجاوزه ، وجعل المسلمون يلقطون نبلَهم ثم يَردُّونها عليهم. فلما أمسى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم تَحوّل، وأمر الناس فتحوّلوا إلى الرَّجيع ، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يغدو بالمسلمين على راياتهم، وكان شِعارهم: يا مَنصور أَمِتْ! فقال له الحُباب بن المُنْذِرِ: يا رسول الله، إِنّ اليهودَ تَرَى النخل أَحبَّ إِليهم من أَبكار أولادهم ، فاقطعْ نخلَهم . فأَمر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم بقطع النخل ، ووقع المسلمون فى قطعها حتى أسرعوا (٣) فى القطع، فجاءه أَبو بكر فقال: يا رسول الله ، إِنّ الله عزّ وجلّ قدوعد كم خَيْبَر، وهو مُنْجزٌ ما وعدك، فلا تَقطع النخل. فأَمر فنادى منادى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فَنَهَى عن قطع النخل . وحدّثنى محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن جدّه، قال: رأيتُ نخلاً بِخَيْبرِ فى النَّطاة مُقطَّعَةً، فكان ذلك ممّا قطع أصحابُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . (١) فى الأصل: ((برىُ)). (٢) الرجيع: واد قرب خيبر. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣١٥). (٣) فى الأصل: ((أشرعوا)). ٦٤٥ وحدثنى أسامة بن زيد اللَّيْىّ ، عن جعفر بن محمود بن محمّد بن مَسْلَمَة قال: قطع المسلمون فى النَّطاة أربعمائة عِذْق، ولم تُقطَعْ فى غير النَّطاة . فكان محمّد بن مسْلَمَة ينظر إِلى صَوْر (١) من كَبيس. قال: أَنا قطعت هذا الصَّوْر بيدى حتى سمعت بِلالًا ينادى عزمةً من رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: لا يُقطَع النخل! فأَمسكنا . قال: وكان محمود بن مَسْلَمَة يقاتل مع المسلمين يومئذٍ ، وكان يومًا صائفًا شديدَ الحرّ . وهو أَوّل يومٍ قاتل فيه رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم أَهل النَّطاة وبها بدأَ. فلمَّا اشتد الحرّ على محمود وعليه أَداتُه كاملةً جلس تحت حصن ناعِم يبتغى فَيْئه . وهو أَوّلُ حصنٍ بدأَ به رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ولا يظنّ محمود أَنَّ فيه أحدًا من المقاتلة، إِنما ظنّ أَنّ فيه أَناذًا ومتاعًا - وناعم يهود ىّ . وله حصون ذوات عدد فكان هذا منها - فدلّ عليه مَرْحَب رحَّى فأَصاب رأسه . فه ممت البَيْضة رأسَه حتى سقطت جِلْدَة جبينه على وجهه، وأُتِىَ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فردّ الجِلْدَة فرجعت كما كانت، وعَصَبها رسولُ الله صلّ الله عليه وسلَّم بثوب. فلمّا أَسى رسولُ الله صَلّى الله عليه وسلَّم تحوّل إلى الرَّجيع وخاف على أصحابه البيات ، فضرب عسكرَه هناك وبات فيه ، وكان مُقامه بالرّجيع سبعة أَيّام ، يغدو كلَّ يوم بالمسلمين على راياتهم مُتسلّحين ويترك العسكر بالرَّجيع، ويستخلف عليه عُثمان بن عَفّان رضى الله عنه ، ويقاتل أَهلَ النَّطاة يومَه إِلى الليل، ثم إِذا أَمسى رجع إلى الرَّجيع. وكان قاتل أَوّلَ يومٍ من أَسفل النَّطاة، ثم عاد بعدُ فقاتلهم من أعلاها حتى (١) الصور: النخل الصغار أو المجتمع. والكبيس: ضرب من التمر. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٤٥،٧٣) . ٦٤٦ فتح الله عليه. وكان مَن جُرِح من المسلمين حُمِل إلى المعسكر فدُووى، وإِن كان به انطلاق انطلق إلى معسكر النبيّ صلى الله عليه وسلَّم. وكان أول يوم قاتلوا فيه جُرِح من المسلمين خمسون رجلًا مِن ذَبلهم ، فكانوا يُداوَون من الجراح . ويقال: إِنّ قومًا شكوا إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم وباءَ المنزل فأمرَهم بالتحوّل إِلى الرّجيع، وقدموا خَيْبَر على ثمرة خضراء وهى وَبِئَةٌ وخيمة ، فأكلوا من تلك الثَّمرة، وأَهمَدتْهم الحُمَّى، فشكوا ذلك إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، فقال : قَرّسوا (١) الماءَ فى الشِّنان، فإذا كان بين الأَذانَين فاحدُروا الماءَ عليكم حَدْرًا (٢) واذكروا اسم الله. ففعلوا فكأَّما أُنشِطُوا مِن عِقال (٣). وكان كعب بن مالك يُحدّث : إِنّ رجلًا من اليهود من أَهل النَّطاة نادانا بعد ليلٍ ونحن بالرَّجيع: أَنا آمنُ وأُبلّغكم؟ قلنا : نعم . قال : فابتدرناه فكنتُ أَوّل مَن سبق إليه فقلتُ: من (٤) أَنت؟ فقال: رجلٌ من اليهود. فأَدخلناه على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال اليهوديّ: يا أَبا القاسم: تُؤمّنّى وأَهلى على أَن أَدلَّك على عَورة من عورات اليهود ؟ قال رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم: نعم. فَدلَّه على عَورة اليهود . قال : فدعا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم أصحابَه تلك الساعة فحضّهم على الجهاد، وخَبَّرهم أنَّ اليهود قد أَسلمها حُلفاوُها وهربوا، وأنها قد تجادلتْ واختلفوا بينهم . قال (١) فى الأصل: ((قرصوا)). وقرس: صب. (النهاية، ج ٣، ص ٢٤٢) . (٢) الحدر: الحط من علو إلى أسفل. ( القاموس المحيط، ج ٢، ص ٥). (٣) فى الأصل: ((نشطوا من العقل)). وما أثبتناه أفصح كما ذكر ابن الأثير. ( النهاية، ج ٤ ، ص ١٤٥) . (٤) فى الأصل: ((ما)). ٦٤٧ كعب : فغدونا عليهم فظفّرنا اللهُ بهم . فلم يكن فى النَّطاة شى ءٌ غير الذُّرّية فلما انتهينا إلى الشِّقّ وجدنا فيه ذرّيّة . فدفع رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم إِلى اليهودىّ زوجته وكانت فى الشِّقّ. فدفعها إليه فرأيته أخذ بيد امرأةٍ حسناء. قالوا : وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يُناوِب بين أصحابه فى حراسة الليل فى مُقامه بالرَّجيع سبعةً أَيّام. فلمَّا كانت الليلة السادسة مِن السبع استعمل عمرَ بن الخطّاب على العسكر ، فطاف عمر بأصحابه حول العسكر وفرَّقهم أَو فرّق منهم . فأتى برجلٍ من اليهود فى جوف الليل فأَّر به عمر أَن يُضرَب عنقُه، فقال اليهودى: اذهبْ بِى إِلى نبيّكم حتى أُكلِّمه، فأَمسكه عمر وانتهى به إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فرجده يُصلّى، فسمع رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم كلامَ عمر فسلَّم وأَدخله عليه . ودخل عمر باليهودىّ . فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لليهودى: ما وراءَك ومن أَنت (١))) فقال اليهوديّ: تُؤنّ يا أَبا القاسم وأَصدُقك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: نعم . فقال اليهوديّ: خرجتُ من حصن النَّطاة من عندقومٍ ليس لهم نظام . تركتُهم يتسلَّلون مِن الحصن فى هذه الليلة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم : فأين يذهبون؟ قال: إِلى أَذلَّ ممَّا كانوا فيه، إِلى الشقّ، وقد رُعِبوا منك حتى إِنَّ أَفئدتهم لَتخفق . وهذا حصن اليهود فيه السلاحُ والطعام والوَدَكِ، وفيه آلةُ حصونهم التى كانوا يقاتلون بها بعضُهم بعضًا ، قد غيَّبُوا ذلك فى بيتٍ من حصونهم تحت الأرض. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (٠١) فى الأصل: ((وما أنت)). ٦٤٨ وما هو ؟ قال : منجنيق مُفكّكَة ودبَّابتان وسلاح مِن دروع وَبَيْضٍ وسيوف ، فإِذا دخلت الحصن غدًا وأَنتَ تدخله . قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم: إن شاء الله. قال اليهودىُّ: إِن شاءَ الله أُوقِفُك عليه ، فإنّه لا يعرفه أحدٌ من اليهود غيرى. وأُخْرَى ! قيل: ما هى؟ قال: مستخرجه، ثم أَنصِب المنجنيق على حِصن الشِّقّ ، وتدخل الرجال تحت الدبَّابتين فيحفرون الحصن فتفتحه مِن يومك، وكذلك تفعل بحصن الكتيبة . فقال عمر : يا رسول الله، إِنى أَحسبُه قد صَدَق. قال اليهودىّ: يا أَبا القاسم ، احقِنْ دمى. فال: أَنت آمِن. قال: ولى زوجة فى حِصْنِ النِّزار فَهَبْها لى. قال: هى لك. قال رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم : ما لليهود حوّلوا ذراريّهم مِن النَّطاة ؟ فال: جرّدوها للمُقاتِلة، وحَولوا الذراريَّ إِلى الشقّ والكتيبة . قالوا : ثم دعاه رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم إلى الإِسلام ، فقال : أَنْظِرْنى أَيّامًا، فلما أَصبح رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم غَدا بالمسلمين إِلى النَّطاة ، ففتح اللهُ الحصن ، واستخرج ما كان قال اليهودىّ فيه ، فأمر النبىّ صَلَى الله عليه وسلَّم بالمنجنيق أَن تُصلَح وتُنصَب على الشِّقّ على حصن النِّزار، فهيّئوا، فما رموا عليها بحجرٍحتى فتح الله عليهم حصن النِّزار. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم حين انتهى إليه حَصَب الحصن فساخ فى الأرض حتى أُخذ أَهلَه أَخذًا، وأُخرِجتْ زوجتُه، يقال لها نُفَيلة، فدفَعها إِليه. فلما فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم الوَطيح وسُلالِم أسلم اليهودىُّ ، ثم خرج من خَيْبَر فلم يُسمَع له بذكر، وكان اسمه سماك. وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين انتهى إلى حصن ناعِم فى النَّطاة وصَفَّ أَصحابَه نهى عن ٦٤٩ القتال حتى يأذن لهم ، فعمد رجلٌ مِن أَشْجع فحمل على يهودىّ ، وحمل عليه مَرْحب فقتله. فقال الناس : يا رسول الله ، استُشهد فلان! فقال . رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم : أَبعد ما نهيتُ عن القتال؟ فقالوا : نعم . فأَمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُناديًا فنادى: لا تَحِلُّ الجنّةُ لعاصٍ. ثم أَذِن رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فى القتال وحُثَّ عليه، ووطَّن المسلمون أَنفسَهم على القتال . وكان يَسار الحَبَشِىّ - عبدٌ أَسود(١) لعامر اليهودىّ- فى غنيم مولاه، فلما رأَى أَهلَ خَيْبَر يتحصّنون ويقاتلون سألهم ، فقالوا: نُقاتل هذا الذى يزعم أنه نبىّ . قال : فوقَعَتْ تلك الكلمةُ فى نفسه ، فأقبل بغنمه يَسوقُها إِلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا محمّد، ما تقول ؟ ما تدعو إليه؟ قال: أَدعو إلى الإِسلام ، فاشْهَدْ أَن لا إله إلا الله وأنى رسول الله . قال : فما لى ؟ قال: الجنَّة إِن ثَبَتَّ على ذلك. قال: فأسلم . وقال : إِنّ غنمى هذه وديعة. فقال النبىّ صَلّى الله عليه وسلَّم: أَخرجْها من العسكر ثم صِحْ بها وارِها بحصيات، فإِنّ الله عزّ وجلّ سيؤَّدِّى عنك أَمانتك. ففعل، العبد فخرجت الغنم إلى سيّدها، وعلم اليهودىّ أَنَّ عبده قد أَسلم . ووعظ رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم الناسَ وفرق بينهم الرايات ، وكانت ثلاثَ رايات، ولم تكن راية قبل يوم خَيْبر ، إنما كانت الألوية ، وكانت راية النبىّ صَلّى اله عليه وسلَّم السوداء مِنْ بُرْدٍ لعائشة، تُدْعَى العُقَاب، ولواوُه أبيض، ودفع رايةٌ إِلى عَلىٍّ عليه السلام ، ورايةً إِلى الحُباب بن المُنْذِر ، وراية إِلى سعد بن عُبادة ، فخرج عَلىّ عليه السلام بالراية وتبعه العبد الأَّسود فقاتل حتى قُتِل ، فاحتُمِل فأُدخِل خِباءٌ مِن أَخبية العسكر ، فاطِّع رسولُ الله صلّى الله عليه (١) فى الأصل: ((عبداً أسوداً)). ٦٥٠ وسلَّم فى الخباءِ فقال : لقد كرم اللهُ هذا العبدَ الأَسود وساقَه إِلى خَيْبَر، وكان الإِسلامُ من نفسه حقًّا . قد رأَيتُ عند رأسه زوجتين من الحُور العين. قالوا : وكان رجلٌ من بنى مُرَّة يقال له أبو شُيّيم يقول: أَنا فى الجيش الذين كانوا مع عُيَيْنَة من غَطَفان ؛ أَقبلَ مَدَد اليهود . فنزلنا بخَيْبَر ولم ندخل حصنًا. فأَرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إلى عُيَينة بن حِصن وهو رأسُ غطَفان وقائدهم أَن ارجعْ بمن معك ولك نِصْفُ تمرٍ خَيْبَر هذه السنة ، إِنّ اللّه قد وَعَدَنِى خَيْبر. فقال عُيَيْنة: لستُ بمُسلمٍ حُلفائى وجِيرانى. فأَّقْمنا فبينا نحن على ذلك مع عُيَيْنة إِذ سمعنا صائحاً ، لا ندرى من السماء أو من الأَرض : أَهلَكم ، أَهلّكم بحَيفاء(١) - صِيح ثلاثة - فإنكم قد خُولِفتم إِليهم ! ويقال : إنه لمّا سار كِنانة بن أبى الحُقَيق فيهم حلفوا معه. وارتاً سهم عُيَينةُ بن حِصن وهم أربعةُ آلاف، فدخلوا مع اليهود فى حصون النَّطاة قبل قدوم رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم بثلاثة أيام، فلمّا قدم رسولُ الله صَلّى الله عليه وسلَّم خَيْبر أرسل إليهم سعد بن عُبادة وهم فى الحصن ، فلمّا انتهى سعدُ إِلى الحصن ناداهم: إنى أُريد أَن أُكلِّم عُيَيْنة بن حِصن . فأراد عُيَيْنةُ أَن يُدخله الحصنَ فقال مَرْحَب: لا تُدْخِلْه فيرى خَلَل حِصْنِنا ويعرف نواحيه التى يُؤُتَّى منها، ولكن تخرج إِليه. فقال عُيَيْنة: لقد أحببت أن يدخل فيرى حصانته ويرى عددًا كثيرًا. فأَبِى مَرْحَب أَن يُدخله ، فخرج عُيَينة إلى باب الحصن. فقال سعد: إِنّ رسول الله أرسلنى إليك يقول: إنّ الله قد وعدنى خَيْبَر فارجعوا وكُفُّوا، فإِن ظهرنا عليها فلكم تَمْرُ خَيْبَر سنةً. فقال عُيّينة: إِنا والهِ ما كنا لنُسلمَ حلفاءَنا لشىءٍ، وإِنا لَنعلمُ ما لك (١) وبقال. حفياء، كما ذكر السمهودى، وهو موضع قرب المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٩٢). ٦٥١ ولمن معك بما ها هنا طاقَة ، هؤلاءِ قومٌ أَهلُ حصونِ مَنيعة ، ورجالٍ عددهم كثير، وسلاح. إِنْ أَقمتَ هلكتَ ومَن معك، وإن أردت القتال عجلوا عليك بالرجال والسلاح. ولا واللهِ، ما هؤلاءِ كَقُرَيش، قوم ساروا إليك، إِن أَصابوا غرة منك فذاك الذى أرادوا وإِلَّ انصرفوا، وهؤلاء يُماكرونك الحرب ويُطاولونك حتى تمَلّهم . فقال سعد بن عُبادة : أَشهدُ لَيحضرنَّك فى حصنك هذا حتى تطلبَ الذى كنّا عرضنا عليك، فلا نُعطيك إِلَّ السيف. وقد رأَيتَ يا عُيَينة مَن قد حللنا بساحته من يهود يَثْرِب، كيف مُزّقوا كلَّ مُعزَّق! فرجع سعد إلى رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم فأخبرَه بما قال ، وقال سعد : يا رسول الله ، إِنّ الله مُنجِزٌ لك ما وعدك ومُظهِرٌ دِينَه، فلاتُعطِ. هذا لأَعرابىَّ تمرةً واحدة، يا رسول الله، لئن أخذه السيفُ لَيُسلمنَّهم وليهربنّ إلى بلاده كما فعل ذلك قبل اليوم فى الخَنْدق. فأَمر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أصحابه أَن يوجّهوا إِلى حصنهم الذى فيه غَطَفان ، وذلك عشيّةً وهم فى حِصْن ناعِم، فنادى مُنادى رسولِ الله صَلَى الله عليه وسلَّم أَن أَصبِحوا على راياتكم عند حصن ناعِم الذى فيه غَطَفان . قال : فرُعبوا من ذلك يومَهم وليلتَهم ، فلمّا كان بعدهذه من تلك الليلة سمعوا صائحًا يصيح ، لا يدرون مِن السماء أَو من الأَرض: يا معشر غطفان، أَهلَكم أَهلَكم! الغَوْثَ ، الغَوْثَ بحيفاءً .- صِيح ثلاثة - لا تُرْبَةً ولا مال ! قال: فخرجتْ غَطَفان على الصَّعْب والدَّلول، وكان أَمرًا صنعه اللهُ عزّ وجلّ لنبيه . فلمّا أَصبحوا أُخبِر كِنانة بن أبى الحُقَيق وهو فى الكتيبة بانصرافهم، فسُقط. فى يديه (١)، وذَلٌّ وأيقن بالهَلَكة وقال: كنَّا من هؤلاءِ الأَعراب فى باطل، إِنَّا سِرْنا فيهم فوعدونا النصر وغرّونا، ولَعَمْرِى لولا ما وعدونا مِن نصرهم ما نابذنا محمّدًا بالحرب ، (١) فى الأصل: ((فی أیدیه)). ٦٥٢ ٦ ولم تحْفَظ كلامَ سَلَام بن أبى الحُقَيقِ إِذ قال: لا تستنصروا بهؤلاءِ الأَعراب أبدًا فإنَّا قد بلوناهم. وجَلَبهم لنصرِ بنى قُرَيْظَة ثم غرّوهم. فلم نَرَ عندهم وفاءً لنا ، وقد سار فيهم خُيَّى بن أَخْطَب وجعلوا يطلبون الصلح من محمّد ، ثم زحف محمّد إِلى بنى قُرَيْظَة وانكشفت غَطَفان راجعةً إِلى أَهلها . قالوا : فلمّا انتهى الغَطَفانيّون إلى أهلهم بحَيفاء وجدوا أَهلهم على حالهم فقالوا : هل راعَكم شىء ؟ قالوا : لا واللهِ . فقالوا : لقد ظننا أنكم قد غَنِمْتُمْ ، فما نَرَى معكم غنيمةً ولا خَيْرًا! فقال ◌ُيَينة لأَصحابه : هذا واللهِ من مكائد محمّد وأصحابِهِ، خَدَعنا واللهِ! فقال له الحارث بن عَوف: بأَىّ شىءٍ؟ قال عُيَيْنة: إِنَّا فى حِصْن النَّطاة بعد هَدْأَةٍ(١) إِذ سمعنا صائحاً يصيح، لا ندرِى من السماء أو من الأَرض: أَهلَكم أهلكم بحيفاء - صِيح ثلاثةً - فلا تُرْبَةً ولا مال! قال الحارث بن عَوف: يا عُيَينة ، واللهِ لقد غبرتَ(٢) إِن انتفعتَ . واللّهِ إِنّ الذى سمعت لَمن السماء! واللهِ لَيظهرنّ محمّد على مَن ناوأه، حتى لو ناوأَته الجبال لأَّدرك منها ما أراد. فأَقام عُيينة أَيّامًا فى أهله ثم دعا أصحابَه للخروج إلى نصر اليهود ، فجاءه الحارث بن عوف فقال: يا عُيَينة أَطِعْنِى وَأَقِمْ فى منزلك ودَعْ نصرَ اليهود ، مع أَنى لا أراك ترجع إلى خَيْبَر إِلَّا وقد فتحها محمَّد ولا آمنُ عليك. فأَبِى عُيَيْنَة أَن يقبل قولَه وقال: لا أُسلمُ حُلَفانى لشىءٍ. ولمّا وَلّى عُيينةُ إلى أَهله هجم رسولُ الله صَلَى الله عليه وسلَّم على الحصون حِصْنًا حِصْنًا، فلقد انتهى رسولُ الله صلّى الله. عليه وسلَّم إلى حِصْن ناعِم ومعه المسلمون ، وحصون ناعم عِدة ، فرمَتْ اليهودُ یومئذ بالنّبل، وترّس أصحابُ رسول الله صلّى الله علیہ [وسلَّم عن رسول (١) فى الأصل: ((بعد هده))، والتصحيح هو ما يقتضيه السياق. والهدأة: أول الليل إلى ثلثه. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٣) . (٢) أى بقيت. ( الصحاح، ص ٧٦٥). ٦٥٣ الله ] ، وعلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ دِرْعان ومِغْفَرٌ وَبَيْضَة، وهو على فرسٍ يقال له الظَّرِب(١)، فى يده قناةٌ وتُرْس، وأصحابُه مُحدِقون به،. وقد كان دفع لواءه إلى رجلٍ من أصحابه من المهاجرين فرجع ولم يصنع شيئًا، ثم دفعه إلى آخر فرجع ولم يصنع شيئًا ، ودفع رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم لواءَ الأَنصار إلى رجلٍ منهم ، فخرج ورجع ولم يعمل شيئًا ، فحثٌ رُسُولُ الله صَلَى الله عليه وسَلَّم المسلمين، وسالت كتائبُ اليهود ، أَمامَهم الحارثُ أَبو زَينب يقدُم اليهود يَهُدّ الأَرْضَ هَدَّا، فأَقبل صاحبُ رايةٍ الأنصار فلم يزل يسوقهم حتى انتهوا إلى الحِصْن فدخلوه ، وخرج أُسَير اليهودىّ يقدُم أصحابَه معه عاديتُه(٢). وكشف رايةً أصحاب الأَنصار حتى انتهى إلى رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم فى موقفه، ووجد رسولُ الله صلَى الله عليه وسلَّم فى نفسه حِدّةً شديدة، وقد ذكر لهم الذى وعدهم الله ، فأمسى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مَهمومًا ، وقد كان سعدُ بن عُبادة رَجَع مجروحًا وجعل يستبطئُ أَصحابَهِ، وجعل صاحبُ راية المهاجرين يستبطئُ أصحابه ويقول: أَنتم، وأنتم! فقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ اليهود جاءهم الشيطان فقال لهم: إنّ محمّدًا يقاتلكم على أموالكم ! نادوهم: قولوا لا إله إلّ الله، ثم قد أحرزتم بذلك أموالكم ودماءكم، وحِسابُكم على الله . فنادوهم بذلك فنادت اليهود: إِنّا لا نفعل ولا نترك عهدَ موسى والتوراةُ بيننا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: لأُعطينّ الراية غدًا رجلًا يُحبّه اللهُ ورسولُه، يفتح الله على يديه، ليس بفرّار، أَبِشِرْ يا محمّد بن مَسْلَمَة غدًا، إِنْ شاءَ الله يُقتَل قاتلُ أَخيك وتُولّ عادية اليهود. (١) فى الأصل: ((الطرف)). (٢) عاديته: أى الذين يعدون على أرجلهم. (النهاية ، ج ٣، ص ٧٤).