النص المفهرس

صفحات 161-180

٥٧٤
فتقدّم بُسْر أمامه ، ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبّاد بن بِشر فقدّمه
أمامه طليعةٌ فى خيل المسلمين عشرين فارساً ، وكان فيها رجالٌ من المهاجرين
والأَنصار - المِقداد بن عمرو وكان فارساً، وكان أبو عَيّاش الزُّرَقّ فارساً ،
وكان الحُباب بن المُنْذِرِ فارساً ، وكان عامر بن ربيعة فارساً ، وكان سعيد
ابن زيد فارساً ، وكان أبو قتادة فارساً ، وكان محمّد بن مَسْلَمَة فارساً ،
فى عدةٍ منهم . ويقال أَميرهم سعد بن زيد الأَشْهَلِىّ. ثم دخل رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم المسجد فصلَّ ركعتَيْن ، ثم خرج ودعا براحلته فركبها
من باب المسجد ، فلما انبعثت به مُستقبلةً القبلة أحرم ولبّى بأَربع
كلمات : لبّيك اللَّهمّ لبّيك! لبّيك لا شريكَ لك، لبّيك! إِنَّ الحمْد
والنِّعْمَة لك، والمُلْكَ، لا شريكَ لك ! وأَحرم عامّةُ المسلمين بإِحرامه ،
ومنهم من لم يُحرم إِلَّا من الجُحْفَة. وسلك طريق البَيداءِ(١) ، وخرج
معه المسلمون ستّ عشرة مائة ، ويقال ألف وأربعمائة ، ويقال ألف وخمسمائة
وخمسة وعشرون رجلاً ؛ خرج معه مِن أَسلم مائة رجلٍ ، ويقال سبعون رجلاً ؛
وخرج معه أربع نسوة : أُمّ سَلَمَة زوج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأُمّ عُمارة،
وأُمّ مَنيع ، وأُمّ عامر الأَشْهَلِيّة، فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يمرّ
بالأَعراب فيما بين مكَّة والمدينة فيستنفرهم ، فيتشاغلون(٢) له بأموالهم
وأبنائهم وذَرارِيِّهم - وهم بنوبكر، ومُزينة، وجُهَينة - فيقولون فيما بينهم :
أَيُريد محمّد يغزو بنا إلى قوم مُعدِّين مُؤَّدين فى الكُراع والسلاح ؟ وإِنما
محمّد وأصحابُه أَكَلَةُ جَزور ! لن يرجع محمّدٌ وأصحابه مِن سفرهم هذا أَبدًا!
(١) البيداء: هى التى إذا رحل الحجاج من ذى الحليفة استقبلوها مصعدين إلى المغرب.
(وفاء الوفا، ح ٢، ص ٢٦٧).
(٢) فى الأصل: ((فيتشاغلوا)).

٥٧٥
قومٌ لا سِلاحَ معهم ولا عَدَد ، وإِنما يَقْدَم على قومٍ حديثٍ عهدُهم بمن
أُصِیب منهم ببدر !
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُقدّم الخيل، ثم يُقدّم ناجية بن
جُنْدُب مع الهَدْى، وكان معه فتيانٌ مِن أَسْلَم ، وقدّم المسلمون هَدْيهم مع
صاحب هَدْى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ناجية بن جُذْدُب مع الهَدْى.
وخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين أَصبح يوم الثلاثاء بمَلَل ، فراح
من مَذَلٍ وتعشَّى بالسّالة، ثم أَصبح بالرَّوْحاءِ، فلتى بها أَصْراماً(١) من بنى
نَهْد ، معهم نَعَمٌ وشاءُ ، فدعاهم إلى الإِسلام فلم يستجيبوا له وانقطعوا من
الإِسلام ، فأرسلوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بلبنٍ مع رجل منهم .
فأَبِىَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقبل منهم وقال: لا أَقبل هديّة
مُشرك. فأَمرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يُبتاع منهم فابتاعوه من
الأَعراب فسُرَّ القوم ؛ وجاءوا بثلاثة أَضُبِّ أَحياء يعرضونها ، فاشتراها قوم
أَحِدَّة من العسكر، فأكلوا وعرضوا على المُحرمين فأَّبَوا حتى سأَلُوا رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك فقال: كُلُوا فكلُّ صيدٍ ليس لكم حَلالاً فى
الإِحرام تأُكلونه ، إلَّا ما صِدتم أَو صِيد لكم . قالوا : يا رسول الله، فواللهِ ما
صِدنا ولا صادَتْه إلَّا هؤلاء الأعراب ، أَهدوا لنا وما يدرون أَن يلقونا، إنما
هم قوم سَيّارة يُصبحون اليومَ بأَرض وهم الغَدُ بأَرضٍ أُخرى يتبعون الغيث،
وهم يُريدون سحابةً وقعت من الخريف بفَرْش (٢) مَذَل. فدًا رسولُ الله
صلَّى اله عليه وسلَّم برجلٍ منهم فسأله: أَين تُريدون؟ فقال: يا محمّد ،
ذُكرت لنا سحابةٌ وقعت بفَرْش مَدَل منذ شهر ، فأَرسلنا رجلاً منَّا يرتاد
(١) أصرام: جمع صرمة، وهى الجماعة. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٣٩).
(٢) الفرش: الموضع يكثر فيه النبات. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٨٢).

٥٧٦
البلاد ، فرجع إِلينا فخبّرنا أنَّ الشاة قد شّبِعت وأَنَّ البعير يمشى ثقيلاً مما
جمع من الحوض، وأَنَّ الغُدُرَ كثيرةٌ مُرْوِيةٌ ، فَأَرَدْنا أَن نلحق به .
فحدّثنى عبد العزيز بن محمّد ، عن عمرو بن أبى عمرو ، عن المطّلب
ابن عبد الله بن حَتْطَب، عن أبى قتادة، قال: خرجنا مع رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم فى عمرة الحُدَيبية ومنًّ المُحِلّ والمُحْرِمِ ، حتى إذا كنّاً بالأَبْواء،
وأَنا مُحِلٌّ ، رأيتُ حمارًا وحشيًّا ، فأَسرجت فرسى فركبت فقلت لبعضهم :
ناوِلْتِى سوطى ! فأَّى أَن يُناولى فقلت: ناولنى رُمْحِى! فأَبى، فنزلتُ
فأَخذت سوطى ورمحى ثم ركبت فرسى ، فحملت على الحمار فقتلته ،
فجئت به أَصحابى المُحرِمين والمُحِّين، فَشَكَّ المُحرِمون فى أَكْلِهِ ،
حتى أَدركنا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقد كان تَقدّمنا بقليل ،
فأدركناه فسألناه عنه فقال : أَمعكم منه شىءٌ ؟ قال : فأعطيتُه الذراع
فأَكلها حتى أتى على آخرها وهو مُحرِمٍ . فقيل لأَّبى قتادة : وما خلَّفكم عن
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ قال : طبخنا الحمار فلما نضِج لحقناه
وأدركناه .
وحدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزُّهرىّ ، عن عُبَيد الله بن
عبد الله بن عُتبة ، عن ابن عبّاس ، عن الصَّعْب بن جَثَّامة، أَنه حدّثه
أنه جاء رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالأَبْواءِ يومئذ بحمارٍ وحشىٍّ، فَأَهْداه
له فردّه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. قال الصَّعْب: فلما رآنى وما بوجهى
من كراهية ردِّ هَدِيَّتِى، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّا لم نردّه
إلَّا أَنَّ حُرُم. قال : فسألت رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم يومئذ، فقلت :
يا رسول الله، إِذَّا نُصبّح العدوّ والغارة فى غَلَس الصُّبح فنُصيب الولدان
تحت بُطون الخيل ؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هم مع الآباء.

٥٧٧
وقال : سمعتُه يومئذٍ يقول: ((لا حِمَّى إِلَّا لِلّهِ ولرسولهِ)). ويُقال إِنَّ الحمار
يومئذٍ كان حَيًّا .
وحدّثنى عبد الرحمن بن الحارث ، عن جدّه ، عن أبى رُهم الغِفارىّ،
قال : لمّا نزلوا الأَبْواءَ أَهدَى إيماءُ بن رَحْضَة جُزُرًا ومائةَ شاة ، وبعث بها
مع ابنه حُفاف بن إِيْماء وبعيرَيْن يحملان لبناً ، فانتهى به إلى رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: إِنَّ أَبِى أَرسلنى بهذه الجُزُر واللبن إليك .
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : متى حللتم ها هنا ؟ قال : قريباً ، كان
ماءُ عندنا قد أَجدب فسُقنا ماشيتنا إلى ماءٍ ها هنا. فقال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : فكيف البلاد ها هنا ؟ قال: يتَغذّى بعيرها ، وأَما الشاة فلا
تُذْكَر. فقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هديَّته، وأمر بالغنم فقُرِّق فى
أصحابه، وشربوا اللبن عُسَّا عُسَّا(١) حتى ذهب اللبن، وقال: بارك الله
فیکم !
فحدّثْنى أَبو جعفر الغِفارىّ، عن أُسَيد بن أبى أُسيد ، قال : أُهْدِى
يومئذٍ لرسول الله صلَى الله عليه وسلَّم من وَدَّان ثلاثة أَشياء؛ معيشاً (٢)،
وعِثْرًا (٣)، وضَغابيس(٤)؛ وجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأْكل من
الضَّغابيس والعِتْر وَأَعجبه، وأمر به فأُدخل على أُمّ سَلَمَة زوجته ، وجعل
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُعجبه هذه الهدية ويُرِى صاحبَها أنها طريفة .
و عدّثَنِى سَيف بن سُلَيمان، عن مُجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى،
(١) العس: القدح الكبير. (النهاية، ج ٣، ص ٩٥).
(٢) المعيش: الطعام وما يعاش به والخبز. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٨٠).
(٣) العتر: نبت ينبت متفرقاً فإذا طال وقطع أصله خرج منه شبه اللبن. (النهاية، ج ٣،
ص ٦٥ ) .
(٤) الضغابيس: صغار الفناء، واحدها ضغيوب .. (الأ! المحمل، ج٢، ص ٢٢٥) .

٥٧٨
عن كعب بن عُجْرَة، قال : لمّا كنا بالأَبْواء وقف علىَّ رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم، وأَنا أَنفخ تحتَ قِدْرٍ لى ورأسى يتهافت قَمْلاً وأَنا مُحرم ،
فقال : هل يُؤْذيك هَوَامُّك يا كعب ؟ قلتُ : نعم يا رسول الله . قال :
فاحلِ رأسَك . قال : ونزلت فيه هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَو صَدَقَةِ
أَوْ نُسُكِ﴾(١). فأَمربى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن أَذبح شاةً، أَو أَصوم
ثلاثةَ أَيَّامِ، أَو أُطعم سنَّة مساكين، كل مسكينٍ مُدَّين ((أَىَّ ذلك فعلتَ
أجزأَك )). ويقال إِنَّ كعب بن عُجْرَة أَهدى بقرةً قلَّدها وأَشعرها . وقال
ناجية بن جُنْدُب : عَطِب لى بعيرٌ من الهَدْى حين نظرتُ إِلى الأَبْوَاءِ ،
فجئتُ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالأَبواءِ فأخبرتُه فقال: انحَرْها
واصبُّغْ قلائدها فى دَمِها ، ولا تأكل أَنت ولا أَحدٌ من أَهل رُفْقتك منها
شيئاً، وخَلٌّ بين الناس وبينها . فلمّا نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
الجُحْفَة لم يجد بها ماءَ، فبعث رجلاً فى الرَّوايا إلى الخَرّار ، فخرج
الرجل غير بعيدٍ فرجع بالرَّوايا فقال : يا رسول الله ، ما أستطيع أن أَمضى
قَدَماً رُعْباً ! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اجلِسْ! وبعث رجلاً
آخر فخرج بالرَّوايا ، حتى إذا كان بالمكان الذى أصاب الأَوّلَ الرعبُ
فرجع ، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ما لك ؟ فقال : لا والذى
بعثك بالحقّ ، ما أستطيع أن أَمضى رُعباً ! قال : اجلِسْ! ثم بعث رجلاً
آخر، فلما جاوز المكان الذى رجع منه الرجلان قليلاً وجد مثل ذلك الرُّعب
فرجع ، فدعا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً مِن أَصحابه فأَرسله بالرَّوايا
وخرج السُّقَّءُ معه ، وهم لا يشكُّون فى الرجوع لِما رأوا من رجوع النفر،
فوردوا الخَرّار فاستقوا ثم أَقبلوا بالماء ؛ ثم أَمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
(١) سورة ٢ البقرة ١٩٦.

٥٧٩
بشجرةٍ فقُمَّ(١) ما تحتَها ، فخطب الناس فقال: أَيُّها الناس ، إِنى
كائنٌ لكم فَرَطاً (٢)، وقد تركتُ فيكم ما إن أخذتم بهلم تَضِلُّوا ؛ كتاب
الله وسُنَّته بأيديكم ! ويقال : قد تركتُ فيكم كتاب الله وسُنَّةً نبيّه.
ولما بلغ المشركين خروجُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى مكَّة راعَهم
ذلك ، واجتمعوا له وشاوروا فيه ذوى رأيهم فقالوا : يُريد أن يدخل علينا
فى جُنُوده مُعتمِرًا، فتسمع به العربُ، وقد دخل علينا عَنْوَةً وبيننا وبينه
من الحرب ما بيننا ! واللهِ، لا كان هذا أَبدًا ومنَّا عينٌ تَطرِف ، فارتأُوا
رأيكم ! فأَجمعوا أَمرَهم ، وجعلوه إلى نفرٍ من ذوى رأيهم - صَفوان بن أُمَيّة ،
وسَهْل بن عمرو ، وعِكْرِمَة بن أبى جهل - فقال صَفوان : ما كنَّا لنقطعَ
أَمرًاً حتى نُشاوركم؛ ذَرَى أَن نُقدِّم مائتى فارسٍ إِلى كُراع الغَميم ونستعمل
عليها رجلًا جَلْدًا. فقالت قُرَيش: نِعْمَ ما رأَيتَ ! فَقدَّموا على خيلهم عِكْرِمَة
ابن أبى جهل - ويقال خالد بن الوليد - واستنفرت ذُرَيشٌ مَن أَطاعها مِن
الأحابيش، وأَجلبت ثقيفٌ معهم ؛ وقدّموا خالد بن الوليد فى الخيل ،
ووضعوا العيون على الجبال حتى انتهوا إلى جبلٍ يقال له وَزَر(٣) وَزّع،
كانت عيونُهم عشرةَ رجالٍ قام [عليهم ] الحَكَم بن عبد مناف، يُوحى
بعضُهم إلى بعضٍ الصوتَ الخفىّ : فعل محمّدٌ كذا وكذا ! حتى ينتهى
ذلك إِلى قُرَيشِ ببلْدَح. وخرجت قُريشٌ إِلى بَلْدَحَ فضربوا بها القِبابَ
والأبنية ، وخرجوا بالنساء والصِّبيان فعسكروا هناك ، ودخل بُشْر بن سفيان
مگّة فسمع من کلامھم ورَأَی منھم ما رأی ، ثم رجع إلى رسول الله صلَّى
(١) قم: كنس. ( النهاية، ج ٣، ص ٢٧٨) .
" (٢) فرطا: أى أجرا. ( النهاية، ج ٣، ص ١٩٤).
(٣) هكذا فى الأصل. والوزر: الجبل المنيع. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٥٤).

٥٨٠
الله عليه وسلَّم فلقيه بغدير ذات الأَشطاط مِن وراءِ عُسْفان، فلما رآه رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم قال: يا بُسْر ، ما وراءَك ؟ قال: يا رسول الله، تركتُ
قومَك ، كعب بن لُؤى ، وعامر بن لُؤْىٌ ، قد سمعوا بمسيرك ففزعوا وهابوا
أن تدخل عليهم عَنْوةً ، وقد استنفروا لك الأحابيش ومَن أَطاعهم ، معهم
الْعُوذُ المَطافِيل(١)، قد لبسوا لك جِلْدَ النُّمور ليصدّوك عن المسجد الحرام ،
وقد خرجوا إلى بَلْدَحَ وضربوا بها الأَبنية، وتَرَكتُ عمادهم يُطعمون الجُزُر
أحابيشهم ومن ضَوَى إِليهم فى دُورهم، وقدّموا الخيل عليها خالد بن الوليد ،
مائتى فرس ، وهذه خيلهم بالغَميم ، وقد وضعوا العيون على الجبال ووضعوا
الأَرصاد. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للناس : هذا خالد بن الوليد
على خيل المشركين بالغَميم . ثم قام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى المسلمين
فأَّثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أَما بعد ، فكيف ترون يا معشر
المسلمين فى هولاء الذين استنفروا إِلىّ مَن أَطاعهم لِيَصدُّونا عن المسجد
الحرام ؟ أَترون أن نمضى لِوَجْهنا إلى البيت فمَن صَدّنا عنه قاتلناه ، أَم
ترون أَن نُخَلِّف هؤلاء الذين استُنفِروا لنا إلى أَهليهم فنُصيبَهم ؟ فإن
اتَّبعونا اتَّبِعَنا منهم عُنُقُ يقطعها الله ، وإِن قعدوا قعدوا محزونین موتورین !
فقام أبو بكر رضى الله عنه فقال: اللهُ ورسولُه أَعلم ! نَرَى يا رسول الله أَن
نمضى لِوَجْهنا فمن صَدَّنا عن البيت قاتلناه. فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : فإِنَّ خيل قُرَيْشٍ فيها خالد بن الوليد بالغَميم . فقال أبو هُرَيرة : فلم
أَرَ أَحدًا كان أَكثرَ مشاورةً لأَصحابه مِن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم،
وكانت مشاورته أَصحابه فى الحرب فَقَط . . قال : فقام المِقْداد بن عمرو
(١) العوذ من الإبل: جمع عائذ، وهى التى ولدت. والمطافيل: جمع مطفل، وهى التى لها طفل.
فاستعاره ها هنا النساء والصبيان. ( شرح أبى ذر، ص ٣٣٩).

٥٨١
فقال: يا رسول الله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فقاتِلا إِنَّا ها هُنَا قَاعِدُونَ﴾ (١) ولكن: اذهَبْ أَنت وربُّك فقاتِلا
إِذَّا معكم مُقاتِلون. واللهِ يا رسول الله، لو سِرْتَ إِلى بِرْكِ الغِماد (٢) لَسِرْنا
معك ما بقِى منا رجل. وتكلّمْ أُسَيد بن حُضُير فقال: يا رسول الله . نَرِى
أَن نَصمِد لِما خرجنا له، فمن صَدّنا قاتلناه . فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم: إِذَّا لم نَخرج لِقتال أَحد، إنما خرجنا عُمَّارًا. ولقيه بُدَيل بن
وَرْقاء فى نفرٍ من أَصحابه فقال : يا محمّد ، لقد اختررتَ بقتال قومك
جَلابيبٍ (٣) العرب، واللهِ ما أَرى معك أَحدًا له وجه، مع أَنِى أَراكم قوماً
لا سِلاحَ معكم! قال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه: عضضتَ بَظْرَ
اللَّات! قال بُدَيل: أَما والهِ لولا يَدٌ لك عندى لأَجبتُك، فواللهِ ما أُتَّهَمُ أَنا
ولا قومى أَلاَّ أَكونَ أُحِبُّ أَن يظهر محمّد ! إِنى رأيتُ قُرَيشاً مُقَاتلتك عن
ذَرارِيّها وأَموالها ، قد خرجوا إلى بَلْدَح فضربوا الأَبنية ، معهم العُوذُ المَطافيل،
ورادفوا(٤) على الطَّعام، يُطعمون الجُزُر مَن جاءَهم، يتقوَّون بهم على حربكم ،
فَرَ رأيكَ !
حدّثنى سعيد بن مُسلم بن قَمادين ، عن عُثمان بن أبى سُلَيان ، قال :
كانت قُرَيشٌ قد توافدوا وجمعوا الأَموال يُطعمون بها مَن ضَوَى إليهم من
الأحابيش ، فكان يُطعَم فى أربعة أمكنة : فى دار النَّدْوَة لجماعتهم ،
(١) سورة ٥ المائدة ٢٤ .
(٢) برك الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلى البحر. (معجم البلدان، ج ٢،
ص ١٤٩ ) .
(٣) فى الأصل: ((جلابت)). والجلابيب: جمع جلباب، وهو الإزار والرداء.
(النهاية، ج ١، ص ١٧٠). والجلابيب : لقب كان المشركون فى مكة يلقبون به أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم. (شرح أبى ذر، ص ٣٣٣).
(٤) أى يتبع بعضهم بعضاً. ( القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٤٤).

٥٨٢
وكان صَفوان بن أُمَّيّة يُطعم فى داره، وكان سُهَيل بن عمرو يُطعم فى
داره ، وكان عِكْرِمَة بن أبى جَهل يُطعم فى داره ، وكان حُوَيطب بن عبد
العُزَّى يُطعم فى داره .
حدّثنى ابن أَبى حبيبة، عن داود بن الحُصَين قال : ودَنَا خالدُ بن
الوليد فى خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فصفٌ
خيلَه فيما بين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وبين القِيْلة، وهى فى مائتى فرس،
وأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَبّاد بن بِشر فتقدَّم فى خَيْله فقام بإزائه
فصَفَّ أَصحابه .
قال داود : فحدّثنى عِكْرِمَة ، عن ابن عبّاس رضى الله عنه، قال :
فحانت صلاة الظُّهر فأَذَّن بلال وأقام ، فاستقبل رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم القِيلة وصَفَّ الناس خَلْفَه يركع بهم ويسجد ، ثم سلَّم فقاموا
على ما كانوا عليه من التَّعبية . فقال خالد بن الوليد : قد كانوا على غِرَّة ،
لو كذَّا حملنا عليهم لأَّصبنا منهم ، ولكن تأْنى الساعةَ صلاةٌ هى أَحبُّ
إليهم من أَنفسهم وأبنائهم ! قال: فنزل جبريل عليه السلام بين الظُّهر
والعصر بهذه الآية: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ .. ﴾(١)
الآية. قال: فحانت العصر فأَذَّن بلال، وأقام فقام رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم مُواجِهاً القبيلة، والعدو أَمامَه، وكبر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وكبّرِ الصَّفَّان جميعاً، ثم ركع وركع الصَّفَّان جميعاً، ثم سَجَد فسجد
الصَّفُّ الذى يليه وقام الآخرون يحرسونه . فلمّا قَضَى رسولٌ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم السجود بالصَّفّ الأَوّل وقاموا معه سَجَد الصَّفّ المُؤَخَّرِ السجدتَيْنِ،
ثم استأخر الصَّفّ الذى يلونه، وتَقدَّم الصَّفّ المُؤخَّر ، فكانوا يلون رسول
(١) سورة ٤ النساء ١٠٢.

٥٨٣
الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقاموا جميعاً، ثم ركع رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم فركع الصَّفَّانِ جميعاً، ثم سجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسجد.
الصَّفّ الذى يلونه، وقام الصَّفُّ المُؤْخَّر يحرسونه مُقبِلِين على العدوّ ،
فلما رفع رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم رأسَه مِن السجدتَيْنِ سجد الصَّفُّ
المُؤخَّر السجدتَيْنِ اللَتَيْنِ بَقِيتا عليهم ، واستوى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
جالساً فتشهّد، ثم سَلَّم عليهم . فكان ابن عبّاس رضى الله عنه يقول :
هذه أَوَّلُ صلاةٍ صلاًّها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الخوف .
حدّثنى سُفيان بن سعيد، عن مَنصور، عن مُجاهد ، عن ابن عَيّاش
الزُّرَقِىّ، أَنه كان مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ، فذكر أَنَّ النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى هكذا. وذكر أبو عَيّاش أنه أَوّل ما صلَّى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم صلاةَ الخوف.
حدثنى ربيعة بن عُثمان . عن وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله ،
قال: صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَوّل صلاة الخوف فى غزوة ذات
الرِّفاع ، ثم صلَّاها بعدُ بعُسْفان ، بينهما أربع سنين ؛ وهذا أَثْبتُ عندنا.
قالوا : فلمّا أَمَسَى قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم : تَيامنوا فى هذا
العَصَلِ(١)، فإِنَّ عيون قُرَيش بمَرّ الظَّهْران أَو بضَجْنان، فأَيُّكم يعرف ثنيَّةً
ذات الحَنْظَلَ(٢)؟ فقال بريدة بن الحُصيب الأَسلمىّ: أَنا يا رسول الله
عالِمٌ بها . فال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: اسلكْ أَمامنا. فأَخذ به
بُريدة فى العَصَلِ قِبَل جبال سراوع قبل المغرب، فسار قليلًا تُنَكِّبه الحجارةُ
(١) فى الأصل: ((هذا العضل))؛ والتصحيح من ابن سعد. (الطبقات، ج ٢ ص ٦٩).
والعصل: الاعوجاج، والمعنى هنا الرمل المعوج الملتوى. ( النهاية، ج ٣، ص ١٠٢).
(٢) عند البكرى: ((ذات الحناظل)) بصيغة الجمع، وهو موضع فى ديار بنى أسد. (معجم
ما استعجم ، ص ٢٨٨) .

٥٨٤
وتُعلِّقه الشَّجَر ، وحار حتى كأنه لم يعرفها قَطُّ . . قال: فواللهِ إِنْ كنتُ
لأَسِلُكها فى الجمعة مِرارًاً. فلما رآه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
لا يتوجّه قال : اركبْ! فركبتُ فقال صلَّى الله عليه وسلَّم :
مَن رجل يدلُّنا على طريق ذات الحَنْظَل ؟ فنزل حمزة بن عمرو الأَسلمىّ
فقال: أَنا يا رسول الله أَدلُّك. فسار قليلاً ثم فقط. فى خَمَر (١) الشجر،
فلا يدرى أين يتوجه، فقالّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم : اركبْ. ثم
قال : منّ رجل يدلُّنا على طريق ذات الحَنْظَل؟ فنزل عمرو بن عبد نُهْمِ(٢)
الأَسْلَمِىّ فقال: أَنا يا رسول الله أَدلُّك. فقال: انطلقْ أَمامَنا . فانطلق
عمرو أَمامَهَم حتى نظر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الثَّنيّة فقال : هذه
ثنيّة ذات الحَنْظَل ؟ فقال عمرو: نعم يا رسول الله . فلمّا وقف على
رأسها تحدّر به. قال عمرو: واللهِ إِن كان لّيَهمَّتِى نَفْسِى وجَدِّى، إِنما كانت
مثل الشِّراكِ (٣) ، فاتسعتْ لى حتى برزتْ وَ كانت محجّة لاحِبة (٤) . ولقد
كان النفر يسيرون تلك الليلةَ جميعاً مُعطِفِين مِن سَعَتها يتحدّثون، وأَضاءَت
تلك الليلة حتى كأَذَّا فى قمر ، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فَوالذى
نفسي بيده ، ما مِثْلُ هذه الثَّنيّةِ الليلةَ إِلَّا مثلُ الباب الذى قال الله لبنى
إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجِّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾(٥) .
حدّثْنى ابن أبى حبيبة، عن داود بن الحُصين، عن الأعرج ، عن أبى
(١) فى الأصل: ((جمر الشجر))؛ وما أثبتناه أقرب الاحتمالات. والخمر: كل ما سترك
من شجر أو بناء أو غيره. ( النهاية، ج ١، ص ٣٢٠).
(٢) فى الأصل: (عبديهم)). وما أثبتناه من ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ١٩٩٢).
(٣) الشراك: سير الفعل. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٠٨).
(٤) اللاحب: الطريق الواسع. ( النهاية ، ج ٤، ص ٥٠).
(٥) سورة ٢ البقرة ٥٨ .

٥٨٥
هُرَيْرة قال ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: الكلمة التى تُرِضَتْ على
بنى إِسرائيل: ((لا إله إلّا الله وادخلوا الباب سُجَّدًا)). قال: باب بيت
المقدس، فدخلوا مِن قِبَل أستاههم، وقالوا: ((حَبّة فى شعيرةٍ)).
وحدّثنی عبد الرحمن بن عبد العزیز ، عن عبد الله بن أبى بكر بن حزم ،
قال ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : الكلمة التى عُرِضت على بنى
إسرائيل أن يقولوا: ((نستغفر الله ونتوب إليه)). فكلا هذَيْن الحديثَيْن
قد رُوِی .
قالوا : ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا يجوز هذه الثَّنيّةَ أَحدٌ
إِلَّا غفر الله له . قال أبو سعيد الخُدْرِىّ: وكان أَخى لأُّمِّى قتادة بن النُّعمان
فى آخر الناس ، قال : فوقفتُ على الثَّنيّة فجعلت أَقول للناس : إِنَّ
رسول الله قال: ((لا يجوز هذه الثنية أَحدُ إلَّا غُفر له )) . فجعل الناسُ
يُسرعون حتى جاز أَخى فى آخر الناس، وفَرِقْتُ أَن يُصبح قبل أن نجوز.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين نزل : مَن كان معه ثَقَلٌ فلْيصطنعْ .
قال أبو سعيد: وإنما معه صلَّى الله عليه وسلَّم ثَقَل - الثَّقَل: الدَّقيق - وإنما
كان عامّةُ زادِنا التمر . فقلنا : يا رسول الله، إِنَّا نَخافُ مِن قُرَيْشٍ أَن
ترانا. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: إنهم لن يروكم، إِنَّ الله
سيُعينكم عليهم . فأَوقدوا النيران ، واصطنع من أراد أن يصطنع . فلقد
أوقدوا أكثرَ من خمسمائة نار . فلمّا أَصبحنا صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم الصبح ، ثم قال : والذى نفسى بيده، لقد غفر اللهُ لِلرِّكْب أجمعين
إِلَّ رُوَيكباً واحدًا على جملٍ أَحمر ، التقت عليه رجال القوم ليس منهم.
فطُلِبَ فى العسكر وهو يُظَنُّ أَنه مِن أَصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ،
فإذا به ناحيةٌ إِلى ذَرَى سَعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل من بنى ضّمرة من

٥٨٦
أهل سيف البحر ، فقيل لسعيد: إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال كذا
وكذا . قال سَعيد: وَيْحك! اذهبْ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يستغفرْ لك ! قال : بعيرى واللّهِ أَهُمُّ إِلى مِن أَن يَستغْفِر لى - وإِذا هو قد
أَضلّ بعيرًا له يتبع العسكر يتوصّل بهم ويطلب بعيرَه - وإنه لفى عسكركم ،
فأَدُّوا إِلىّ بعيرى . فقال سعيد : تَحوَّلْ عنى لا حَيَّاك الله! أَلا لا أَرِى قُرْبِى
إِلَّ داهيةٌ وما أَشعر به! فانطلق الأَعرابىُّ يطلب بعيرَه بعد أن استبرأَ العسكر ،
فبينا هو فى جبال سُراوع إِذ زلقت نعله فتردّى فمات ، فما عُلِم به حتى
أَكلنْه السّباعِ .
وحدّثنى هِشام بن سعد ، عن زيد بن أَسْلَمَ ، عن عطاء بن يسار ،
عن أبى سعيد الخُدْرِىّ، قال ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: إنه
سيأتى قومٌ تَحقِرون أعمالكم مع أعمالهم . فقيل: يا رسول الله ، قُرَيش ؟
قال : لا، ولكن أَهل اليمن ، فإنهم أَرْقُّ أَفْئِدةً وأَلينُ قُلُوباً . قلنا : يا رسول
الله، هم خيرٌ منَّا ؟ فقال بيدِه هكذا - ويصف هِشام فى الصفة كأَّنه
يقول مَواء - أَلاَ إِنَّ فَضْلَ ما بيننا وبين الناس (لا يَسْتَوِى مِنْكُمْ مَنْ
أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ﴾ (١)
حدّثنى ابن أَبِ ذِئْب ، عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن محمّد بن
◌ُبَير بن مُطعِم، عن أبيه ، أَنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يقول
يومئذٍ: أَتاكم أَهلُ اليمن كأَنَّهم قِطَعُ السَّحاب، هم خيرُ مَن على الأَرض. قال
رجلٌ من الأَنصار : ولا نحن يا رسول الله ؟ فسكت رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم ثلاثاً ، ثم الرابعة قال قولاً ضعيفاً : إلاَّ أنتم .
حدّثنى مَعْمر وعبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن الزُّهرىّ، عن عُروة ،
(١) سورة ٥٧ الحديد ١٠.

٥٨٧
عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة قال: وسار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمّا
دَنا من الحُدَيبية وقعت يد راحلته على ثَنِيّةٍ تُهْبِطه على غائط. القوم ، فبركت
راحلتُه فقال المسلمون: حَلْ! حَلْ! فأَبت أَن تنبعث فقالوا: خَلاَّت (١)
القَصْواءُ! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنها ما خَلاَّت، ولا هو لها
بِعادة، ولكن حبسها حابسُ الفيل. أَما واللهِ لا يسألوننى اليومَ خُطّةً فى
تعظيم حُرمةٍ الله إِلَّا أَعطيتُهم إيّاها. ثم زجرناها فقامت، فولّ راجعاً عَوْدَه
على بدْئِهِ حتى نزل بالناس على ثَمَدِ (٢) من ثِماد الحُدَيبية ظَنُون (٣) قليل
الماء، يتَبرَّض ماوُّه تَبرُّضاً(٤)، فاشتكى الناسُ إلى رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم قِلَّة الماءِ ، فانتزع سهماً من كِنانته فأَمر به فغُرِز فى الثَّمَد ،
فجاشت لهم بالرَّواءِ حتى صَدَروا عنه(٥) بعَطَن. قال: وإِنهم لَيَغْرفون
بآنيتهم جُلوساً على شفير البئر . والذى نزل بالسهم ناجية بن الأَعْجم مِن
أَسْلَم . وقد رُوِى أَنَّ جاريةً من الأَنصار قالت لناجية بن جُنْدُب وهو فى
القَليب :
يا أيُّها الماتحُ دلْوِى دونَكا إِنِّى رأيتُ الناسِ يَحْمَدونكا
يُثْنونَ خيرًا ويُمجدوتكا
فقال ناجية وهو فى القليب :
(١) خلات: أى بركت، والخلاء فى الإبل بمنزلة الحران فى الدواب. ( شرح أبى ذر ،
ص ٣٤٠) .
(٢) الثمد: الماء القليل الذى لا مادة له . ( الصحاح ، ص ٤٤٨).
(٣) الظنون: البئر لا يدرى أفيها ماء أم لا، ويقال القليلة الماء.
( الصحاح ، ص ٢١٦٠) .
(٤) برض الماء من العين إذا خرج وهو قليل. ( الصحاح ، ص ١٠٦٦).
(٥) أى تركوا الماء . (لسان العرب، ج ٦، ص ١١٨). والعطن: مبرك الإبل حول الماء.
( النهاية ، ج ٣ ، ص ١٠٧).

٥٨٨
أَنِّى أَنا الماتِحُ واسمِی ناجِيَهْ
علمتْ جاريةٌ يَمَانِيَهْ
طعنتُها تحتَ صُدُورِ العَالِيَةْ
وَطَعْنَةٍ مِنِّى رَشَاشِ وَاهِيَهْ
أَنشدنيها رجلٌ من ولد ناجية بن الأَعجم يُقال له عبد الملك بن وَهب
الأَسلمىّ. فحدَّثَنِى موسى بن عُبَيَد، عن إياس بن سَلَمَة بن الأَْوَع،
عن أبيه ، قال : الذى نزل بالسهم ناجية بن جُنْدُب .
وحدّثنى الهَيْثَم بن واقد، عن عطاء بن أَبِى مَروان ، عن أبيه ، قال :
حدّثْنى رجلٌ مِن أَسلم من أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّ ناجية بن
الأَعجم - وكان ناجيةُ بن الأَعجم يُحدّث - يقول: دعانى رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم حين تُكِى إليه قِلَّةُ الماءِ ، فأخرج سهماً من كنانته
ودفعه إِلىّ ودعانى بِدَلْوٍ من ماءِ البئر ، فجئته به فتوضَّاً ، فقال : مضمض
فاه ، ثم مج فى الدلو ، والناسُ فى حَرِّ شديدٍ وإنما هى بئر واحدة ، وقد
سبق المشركون إلى بَلْدَحَ فغلبوا على مِياهه، فقال: انزلْ بالماءِ فصُبَّه فى
البئر وأَثِّرْ(١) ماءها بالسّهْمِ. ففعلتُ، فوالذى بعثه بالحقّ ما كنتُ أَخرجُ
حتى كاد يغمرنى، وفارتْ كما تفور القِدْر حتى طَمَّتْ، واستوت بشفيرها
يغترفون ماءَ جانبها حتى نَهِلوا مِن آخرهم . قال : وعلى الماءِ يومئذ نَفَرٌ من
المنافقين؛ الجَدّ بن قيس، وأوس، وعبد الله بن أُبَىّ ، وهم جُلُوسٌ ينظرون
إلى الماء، والبئر تجيش بالرَّواء وهم جُلُوسٌ على شفيرها . فقال أَوس بن
خَولىّ : ويحك يا أَبا الحُباب! أما آن لك أَن تُبْصِرَ ما أَنت عليه؟ أَبِعْدَ
هذا شىءٌ؟ وردْنا بئرًا يتبرّض ماؤها - يتبرّض: يخرج فى القَعْب جرْعة
ماءٍ - فتوضَّأَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الدَّأْو ومضمض فاه فى الدلو ،
(١) أثر فى الشىء: ترك فيه أثراً. ( لسان العرب ، ج ٥، ص ٦٠).

٥٨٩
ثم أَفرغ الدَّلْو فيها ونزل بالسهم فحثحثها(١) فجاشت بالرَّواءِ . قال :
يقول ابنُ أُبىّ : قد رأَيتُ مثل هذا. فقال أَوس: قَبَّحك اللهُ وَقَبَّح رأيك !
فيقبل ابنُ أُبَىّ يُريد رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسولُ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم : أَى أَبا الحباب ، أَين رأَيتَ مثل ما رأيتَ اليوم ؟ فقال :
ما رأَيتُ مثلَه قَطُّ . . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فلِمَ قلتَ ما قلت ؟
قال ابن أُبَىّ: أَستغفر الله ! قال ابنُه : يا رسول الله ، استغفِرْ له !
فاستغفر له رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
وحدَّثنى عبد الرحمن بن الحارث بن عُبَيد ، عن جدّه عُبيد بن أَبى
◌ُمبيد ، قال : سمعتُ خالد بن عَبّاد الغِفارىّ يقول : أَنا نزلت بالسهم
يومئذٍ فى البئر .
حَدّثنى سُفيان بن سعيد ، عن أبى إسحاق الهمْدانىّ ، قال: سمعتُ
البَرَاءَ بن عازِب يقول : أَنا نزلت بالسهم.
قالوا : ومُطِرِ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالحُدَيبية مِرارًا فكثرت المِياه.
حدّثنى سُفيان بن سعيد، عن خالد الحَذَّاءِ، عن أبى العُلَيِحِ الْهُذَلِىّ،
عن أبيه ، قال : مُطِرِنا بالحديبية مَطَرًا فما ابتلَّت منه أَسفلُ نِعالنا ،
فنادى مُنادى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ الصلاة فى الرِّحال.
حدّثنى مالك بن أنس، عن صالح بن كيسان ، عن عُبيد الله بن
عُتبة ، عن زيد بن خالد الجُهَنى، قال: صلَّى بنا رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم الصبح فى الحُدَيبية فى إثر سماء كانت من الليل ، فلمّا انصرف أقبل
على الناس فقال : هل تدرون ماذا قال رَبَّكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم !
(١) - ثحثها: حركها. (أساس البلاغة ، ص ١٥٣).

٥٩٠
قال : ((أُصبح من عِبادى مؤمنٌ بى وكافرٌ (١) . فأَما من قال مُطِرت بفضل
الله ورحمتِهِ فذلك مُؤمن بى كافرٌ بالكواكب؛ وأَمّا من قال مُطِرِنا بنَوهِ كذا
وكذا فذلك كافرٌ بِى مُؤْمِنٌ بالكواكب .
حدثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن إسحاق بن عبد الله، عن أَبِى سَلَمَة
الحضرمىّ ، قال : سمعت أبا قتادة يقول، سمعتُ ابنَ أُبَىٌّ يقول- ونحن
بالحُديبية ومُطِرْنا بها - فقال ابن أُبَى: هذا نَوْءُ الخَريف، مُطِرنا بالشِّعْرَى!
وحدّثنى محمّد بن الحِجازىّ، عن أُسَيد بن أبى أُسَيد ، عن أبى قتادة ،
قال : لما نزلنا على الحُدَيبية، والماءُ قليل، سمعتُ الجَدّ بن قيس يقول :
ما كان خُروجُنا إلى هؤلاء القوم بشىءٍ ! نموت من العطش عن آخرنا ! فقلت :
لا تَقُلْ هذا يا أَبا عبد الله، فلِمَ خرجتَ ؟ قال : خرجتُ مع قوى . قلت :
فَلَمْ تخرج معتمِرًا ؟ قال: لا واللهِ، ما أَحرمتُ . قال أَبو قتادة : ولا
نويتَ العُمْرَة؟ قال: لا ! فلمّا دعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّ لرجل
فنزل بالسهم، وتوضَّأَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الدَّلْو وجّ فاه
فيه ، ثم رده فى البئر، فجاشَت البئرُ بالرَّواء . قال أبو قتادة :
فرأيتُ الجَدَّ مادًّا رِجْلَيْه على شفير البئر فى الماءِ ، فقلتُ: أَبا عبد الله!
أَين ما قلتَ ؟ قال : إنما كنتُ أَمزح معك، لا تَذكُرْ لمحمّد ممّا قلتُ
شيئاً . قال أَبو قتادة : وقد كنتُ ذكرته قبل ذلك للنبيّ صلَّى الله عليه وسلّم،
قال : فغضب الجَدُّ وقال : بقِينا مع صِبيانٍ مِن قومنا لا يعرفون لنا
شَرَفاً ولا سِنَّا، لَبطْنُ الأَرْضِ اليومَ خيرٌ من ظَهْرها ! قال أبو قتادة:
(١) فى الأصل: ((أصبح من عبادى مؤمناً وكافراً بى))؛ وما أثبتناه من مسلم. (الصحيح،
ج ١ ، ص ٨٥) .

٥٩١
وقد كنتُ ذكرت قولَه للنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : ابنُه خيرٌ منه ! قال أبو قتادة : فلقينى نَفَرٌ من قومى فجعلوا يُونِّبونى
ويَلومونى حين رفعتُ مقالته إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقلتُ لهم:
بِئْسَ القومُ أَنتَم! ويحكم ! عن الجَدِّ بن قيس تذبّون ؟ قالوا : نعم ،
كبيرُنَا وسيّدُنا. فقلتُ: قد واللهِ طَرَح رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمْ سُؤْدَدَه
عن بنى سَلِمَة، وسوّد علينا بِشر بن البَراءِ بن مَعرور (١) ، وهدمنا المنامات
التى كانت على باب الجَدّ وبنيناها على باب بشر بن البَراءِ ، فهو سيّدنا
إلى يوم القيامة. قال أبو قتادة : فلما دعا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى
البيعة فرّ الجَدُّ بن قيس فدخل تحت بطن البعير، فخرجتُ أَعدو وأخذتُ
بيد رجلٍ كان يُكلِّمنى فأخرجناه من تحت بطن البعير ، فقلتُ : وَيَحك!
ما أَدخلَك ها هنا ؟ أَفرارًا ممّا نزل به روحُ القُدُس ؟ قال : لا ، ولكنى
رُعِبْتُ وسمعتُ الهَيْعَةِ (٢). قال الرجل: لا نضحتُ (٣) عنك أبدًا، وما
فيك خَيْرِ . فلمّا مرض الجَدُّ بن قيس ونزل به الموتُ لزم أَبو قتادة بيته
فلم يخرج حتى مات ودُفِن ، فقيل له فى ذلك فقال : واللهِ ، ما كنتُ
الأُصلِّىَ عليه وقد سمعتُه يقول يوم الحُدَيبية كذا وكذا ، وقال فى غزوة تبوك
كذا وكذا ، واستحييتُ من قومى يروننى خارجاً ولا أَشهَده . ويقال: خرج
أَبو قتادة إلى ماله بالواديَيْن فكان فيه حتى دُفِن ، ومات الجَدُّ فى خلافة
عُمان .
وقالا: لمّا نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الحُدَيبية أَهدَى له عمرو
(١) فى الأصل: ((مغرور)). والتصحيح عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٨٧)،
وعن ابن عبد البر . ( الاستيعاب ، ص ١٦٧).
(٢) الهيعة: الصوت تفزع منه وتخافه من عدو. (النهاية، ج ٤، ص ٢٦١).
(٣) نضح عنه: ذب ودفع. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٥٣).
ا

٥٩٢
ابن سالم وبُسر بن سُفيان الخُزاعيّان غَذَماً وجزورًا ، وأَهدَى عمرو بن سالم
لسعد بن عبادة جُزُرًا، وكان صديقاً له ، فجاءً سعد بالغنم إلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره أَنَّ عَمْرًا أَهْداها له، فقال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : وعمرو قد أَهدَى لنا ما تَرَى ، فبارك اللهُ فى عمرو ! ثم أَمر
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجُزُر ، تُنحَر وتُقْسَم فى أصحابه ، وفرّق
الغنم على أَصحابه من آخرها. قالت أُمُّ سَلَمَة زوج النبى صلَّى الله عليه وسلَّم
وكانت معه : فدخل علينا مِن لحم الجُزُر كنحوٍ ممّاً دخل على رجل من
القوم ، وشركنا فى شاةٍ فدخل علينا بعضُها . وكان الذى جاءنا بالهديّة .
غلامٌ منهم ، فأَجلسَه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بين يديه ، والغلام
فى بُرْدَةٍ له بَلِيَّةٍ (١)، فقال: يا غلام، أَين تركتَ أَهلك؟ قال: تركتُهم
قريباً بضَجْنانَ وما وَالاهُ . فقال : كيف تركتَ البلاد ؟ فقال الغلام :
تركتُها وقد تيسّرت، قد أَمشر ◌ِضاهُها(٢)، وَأَعْذَقَ إِذْخِرُها(٣)، وَأَسْلَب
ثُمامُها (٤)، وأَبْقَل حَمْضُها (٥) ، وانبلَّت الأَرضُ فتشبّعت شاتُها إلى الليل،
وثَبع بعيرُها إلى الليل ممّاً جَمَع من خوصٍ وضَمْدِ الأَرض (٦) وبَقْل، وتركتُ
مِيامَهم كثيرةٌ تُشرِع فيها الماشيةُ ، وحاجة الماشية إلى الماء قليلٌ لرطوبة الأَرْض.
فأَعجب رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابَه لِسانُه، فأَمرَ له رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم بكسوةٍ فَكُسِىَ الغلامُ، وقال الغلام: إنى أُريد أَن أَمسَّ
(١) كلمة غامضة فى الأصل: ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات .
(٢) فى الأصل: ((قد أمسن عضاهها)). وأمشر: خرج ورقه. ( النهاية ، ج ٤، ص ٩٥).
(٣) الإذخر: الحشيش الأخضر، وحشيش طيب الريح. (القاموس المحيط، ج ٢ ،
ص ٣٤) .
(٤) أسلب ثمامها: أى أخرج خوصها. (النهاية، ج ٢، ص ١٧٣).
(٥) أى نبت وظهر من الأرض. (النهاية، ج ١، ص ١٥٩).
(٦) ضمد الأرض: رطبها. (النهاية، ج ٣ ، ص ٢٥).

٥٩٣
يدك أَطلبُ بذلك البركة . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ادْنُ !
فدنا فأَخذ يدَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقبّلها، ومسح رسولُ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم على رأسه وقال: بارك الله فيك ! فكان قد بلغ ◌ِنًّا، وكان
له فضلٌ وحالٌ فى قومه حتى تُوّى زمنَ الوليد بن عبد الملك .
قالوا : فلمّا اطمأَنَّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالحُدَيبية جاءَه بُدَيل
ابن وَرْقَاءَ وَرَكْبٌ من خُزاعة، وهم عَيْبَةُ نُصْحٍ(١) رسولِ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم بتِهامة ، منهم المسلم ومنهم المُوادِعِ ، لا يُخْفُون عليه بتِهامة شيئاً ،
فأَناخوا رَواحِلَهم عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم جاءُوا فسلَّموا
عليه ، فقال بُدَيل : جئناك من عند قومك ، كعب بن لُوَّىّ وعامر بن
لُوَّىّ ، قد استنفروا لك الأحابيشَ ومنْ أَطاعهم، معهم العُوذُ المَطافيلُ.
- النساءُ والصِّبْيان - يُقْسِمون بالله لا يُخَلُّون بينك وبين البيت حتى تَبِيدَ
حَضْرَاوُّهم (٢). فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: إِنَّا لم نأْتِ لقتال
أَحد، إنَّما جئنا لنَطوف بهذا البيت، فمَن صَدَّنا عنه قاتلناه؛ وقُرَيَشْ
قومٌ قد أَضرّتْ بهم الحرب ونَهَكَتْهم، فإن شاءُوا ماددتُهم مُدّةً يأُمنون
فيها، ويُخَلُّون فيما بيننا وبين الناس، والناسُ أَكثرُ منهم. ، فإِن ظهر
أمرى على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس ، أَو يُقاتلوا وقد
جمعوا ! واللهِ لأَجهَدنَّ على أَمرى هذا حتى تنفردَ سالِفَتِى (٣) أَو يُنفِذَ اللهُ أَمرَه !
(١) أى موضع الأمانة على سره. (شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٢٢٤).
(٢) فى الأصل: ((حفراهم))؛ والتصحيح عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٧٠).
وخضراؤهم: أى جماعتهم. ( الفائق ، ص ١٧٥).
. (٣) السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، وكنى بانفرادهما عن الموت لأنها لا تنفرد عما
يليها إلا بالموت، وقيل أراد حتى يفرق بين رأسى وجسدى. ( النهاية، ج ٢، ص ١٧٥).
٠