النص المفهرس

صفحات 121-140

٥٣٤
مه
غزوة القرطاء (١)
حدّثى خالد بن إلياس ، عن جعفر بن محمود ، قال : قال محمد
ابن مَسْلَمَة : خرجت فى عشر ليالٍ خلون من المحرّم ، فغبت تسعَ عشرة ،
وقدمت لليلةٍ بقيت من المحرّم على رأس خمسة وخمسين شهرًا .
حدّثنى عبد العزيز بن محمّد بن أَنَس الظَّفَرىّ، عن أبيه، وحدّثنا
عبد العزيز بن سعد ، عن جعفر بن محمود ، زاد أحدهما على صاحبه فى
الحديث. قالا: بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم محمّدَ بن مَسْلَمَة فى
ثلاثين رجلاً، فيهم عَبّاد بن بِشر، وسَلَمَة بن سَلامة بن وَقَش، والحارث
ابن خَزَمَة. إِلى بنى بكر بن كلاب. وأَمره أَن يسير الليل ويكمُن النهارَ ،
وأَن يَشُنَّ عليهم الغارة . فكان محمّد يسير الليل ويكمن النهار ، حتى إذا
كان بالشَّرَبَةِ (٢) لقى ظُعُناً، فأرسل رجلاً من أَصحابه يسأل مَن هم.
فذهب الرسول ثم رجع إليه فقال : قومٌ من مُحارِب . فنزلوا قريباً منه ،
وحلّوا وروّحوا ماشيتهم .. فأَمهلهم حتى إذا ظعنوا أَغار عليهم ، فقتل نفرًا
منهم وهرب سائرهم . فلم يطلب مَن هرب، واستاق نَعَماً وشاءً ولم يعرض
للُعُن. ثم انطلق حتى إذا كان بموضعٍ يُطلعه على بنى بكرٍ بعث عَبّاد
ابن بشر إليهم ، فأَوفى على الحاضر فأَقام ، فلمّا روّحوا ماشيتهم وحلبوا
وعطَّنوا (٣) جاء إلى محمّد بن مَسْلَمَة فأخبره، فخرج محمّد بن مَسْلمَة
فشنّ عليهم الغارة ، فقتل منهم عشرةً ،واستاقوا النَّعَم والشاء ثم انحدروا
(١) القرطاء: بطن من بنى بكر. (شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ١٧٣).
(٢) فى الأصل: ((بالسرية))؛ والتصحيح من نسخة ب. والشربة: موضع بين السليلة والربذة،
وقيل هى فيما بين نخل ومعدن بنى سليم. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢٨).
(٣) عطنت الإبل: رويت ثم بركت. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٤٨).

٥٣٥
إلى المدينة، فما أَصبح حين أصبح إِلَّا بضَرِيَّة (١). مسيرة ليلة أو ليلتين.
ثم حدرنا النَّعَمَ، وخفنا الطلب، وطردنا الشاءَ أَشدّ الطرد ، فكانت تجرى
معنا كأنها الخيل، حتى بلغنا العَداسَة، فأَبطأَ علينا الشاءُ الرَّبَذَةَ(٢).
فخلفناه مع نفرٍ من أصحابى يقصدون به، وطُرد النَّعَم فقُدم به المدينة على
النبى صلَّى الله عليه وسلَّم. وكان محمّد يقول : خرجت من ضَرِيَّة. فما
ركبت خطوةً حتى وردتُ بطن نَخْل (٣)؛ فقُدم بالنَّعَم . خمسين ومائة
بعير ، والشاء وهى ثلاثة آلاف شاة، فلما قدمنا خمّسه رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم ثم فَضَّ على أصحابه ما بقى ، فعدلوا الجَزور بعشرٍ من الغنم ،
فَأَصاب كلُّ :جلٍ منهم .
غزوة بنی لِحیان
حدّثْنى عبد الملك بن وَهْب أَبو الحسن الأَسْلَمِىّ، عن عطاء بن أبى
مَروان ، قال : خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لهلال ربيع الأَوّل سنةً
ستٌّ فبلغ غُران وعُسفان (٤)، وغاب أربعَ عشرةَ ليلة .
حدّثْنى مَعْمَر ، عن الزُّهرِىّ ، عن ابن كعب بن مالك، وحدّثنى
یحیی بن عبد الله بن أبى قتادة ، عن عبد الله بن أبى بكر بن حزم ، وغيرهما
قد حدّثنى، وقدزاد أحدهما على صاحبه ، قالوا: وجد رسولُ الله صلَّى الله
(١) قال ابن سعد: إن ضرية على سبع ليال من المدينة. (الطفات ، ج ٢، ص ٥٦).
(٢) الربذة: قرية بنجد من عمل المدينة على ثلاثة أيام منها، وقيل أربعة أيام. (وفاء الوفا ،
ج ٢، ص ٢٢٧) .
(٣) نخل: مكان على يومين من المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢ ص ٣٨١).
(٤) فى الأصل: ((غزان))؛ وما أثبتناه من ب، ومن ابن إسحاق. (السيرة النبوبة، ج ٣،
ص ٢٩٢). وغران: اسم وادى الأزرق خلف أمج بميل . وعسفان: قرية جامعة بين
مكة والمدينة على نحو يومين من مكة. ( وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٤٥،٣٥٣).

٥٣٦
عليه وسلَّم على عاصم بن ثابت وأصحابه (١) وَجدًا شديدًا، فخرج
[ فى مائتى رجل ومعهم عشرون فرساً ](٢) فى أَصحابه فنزل بمَضْرِب
الْقُبَّة (٣) من ناحية الجُرْف، فعسكر فى أَوّل نهاره وهو يُظهر أَنه
يُريد الشامَ، ثم راح مُبردًا فمرّ على غُرابات (٤)، ثم على بِين (٥) ، حتى
خرج على صُخّيرات الثُّمام (٦)، فلقى الطريق هناك. ثم أَسرع السير
حتى انتهى إلى بطن غُران حيث كان مُصابهم ، فترحّم عليهم وقال : هَنيئاً
لكم الشهادة ! فسمعت به لِحيان فهربوا فى رؤوس الجبال ، فلم نقدر منهم
على أحد، فأَقام يوماً أَو يومَين وبعث السَّرايا فى كلّ ناحية ، فلم يقدروا على
أَحد ، ثم خرج حتى أتى ◌ُسفان ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
الأَبى بكر : إِنَّ قُرَيشاً قد بلغهم مسيرى وأَنِّى قد وردتُ عُسفان ، وهم يهابون
أَن آتيهم ، فاخرجْ فى عشرة فوارس . فخرج أبو بكر فيهم حتى أتوا
الغَميم، ثم رجع أبو بكر إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم
يلق أَحدًا. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : إِنَّ هذا يبلغ
قُرَيشاً فَيَذْعَرهم، ويخافون أن نكون نُريدهم - وحُبيب بن عَدَىّ
يومئذٍ فى أيديهم. فبلغ قُرَيشاً أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
قد بلغ الغَميم ، فقالت قُرَيش: ما أَنى محمّد الغَميم إِلاَّ يُريد أن يُخلِّص
(١) قتلوا يوم بئر معونة .
(٢) زيادة من نسخة ب .
(٣) هكذا فى النسخ؛ ولعله يريد قباء، وهى قرية بعوالى المدينة (وفاء الوفاء ج ٠٢
ص ٣٥٧) .
(٤) ويقال غراب؛ بصيغة المفرد كما فى ابن إسحاق، وهو جبل بناحيه المدينة. ( السيرة النبويه:
ج ٣ ، ص ٣٩٢) .
(٥) بين: قرية من قرى المدينة تقرب من السيالة. (معجم ما استعجم، ص ١٨٩).
(٦) ويقال الثمامة؛ كما ذكر الممهودى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٧٣). ورواه ابن إسحاق
بالياء التحتية بدل المثلثة. ( السيرة النبوية، ج ٣، ص ٢٩٢ ) .

٥٣٧
خُبَيْباً . وكان خُبَيب وصاحباه فى حديدٍ مُوثَّقين ، فجعلوا فى رقابهم الجوامع ،
وقالوا : قد بلغ محمّد ضَجْنان وهو داخلٌ علينا ! فدخلت ماوِيَّةٌ على خُبَيب
فأخبرته الخبرَ وقالت : هذا صاحبك قد بلغ ضَجْنان يُريدكم . فقال
م
خُبيب: وهَلْ ؟ قالت: نعم . قال حُبَيب: يفعل الله ما يشاء ! قالت :
واللهِ، ما ينتظرون بك إلَّ أَن يخرج الشهر الحرام ، ويُخرجوك فيقتلوك
ويقولون : أَترى محمّدًا غزانا فى الشهر الحرام ونحن لا نستحلٌ أَن نقتل
صاحبه فى الشهر الحرام ؟ وكان مأسورًا عندهم ، وخافوا أن يدخلها رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليهم. فانصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إِلى
المدينة وهو يقول : آئبون ، تائبون، عابدون، لربّنا حامدون! اللَّهَمّ،
أَنت الصاحب فى السفر، والخليفة على الأَهل ! اللَّهمّ، أَعوذُ بك من
وَعْثاءِ السفر، وكآبة المنقلّب، وسوء المنظر فى الأَهل والمال! اللَّهِمّ، بَلِّغْنا
بلاغاً صالحاً يبلغ إلى خير ، مَغْفِرَةً منك ورضواناً! وغاب رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم عن المدينة أربعَ عشرةَ ليلةً ، وكان استخلف على المدينة
ابن أُمّ مَكتوم ، وكانت سنة ستّ فى المحرّم ، وهذا أَوّل ما قال هذا
الدعاءَ ، ذكره أَصحابُنا كلُّهم .
غزوة الغابة
حدّثنى عبد العَزيز بن عُقبة بن سَلَمَة بن الأَكْوَع ، عن إِياس بن
سَلَمَة، عن أَبيه، قال : أَغار عُيَيْنَة ليلةً الأربعاءِ لثلاثٍ خلون من ربيع
الآخر سنة ستِّ، وغزونا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى طلبه يومَ
الأربعاءِ، فغبنا خمسَ ليالٍ ورجعنا ليلةَ الاثنين . واستخلف رسولُ الله

٥٣٨
صلَّى الله عليه وسلَّم على المدينة ابن أُمِّ مكتوم .
حدّثنى موسى بن محمّد بن إبراهيم ، عن أبيه ، وحدّثنى يحيى بن
عبد الله بن أبى قتادة ، وعلىّ بن يَزيد ، وغيرهم ، فكلُّ قد حدّثنى بطائفة،
قالوا : كانب لِقاح (١) رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عشرين لِقْحَةً،
وكانت مِن شَتَّى ، منها ما أَصاب فى ذات الرِّقاع ، ومنها ما قدم به
محمّد بن مَسْلَمَة من نَجد . وكانت ترعى البَيْضاءَ (٢) ودون البَيْضاءِ،
فَأَجْدَبَ ما هناك فقرّوها إلى الغابة ، تُصيب من أَثْلها وطَرْفائها وتغدو فى
الشجر - قال أبو عبد الله: الغادية: تغدو فى العِضاه، أُم غَيلان وغيرها ؛
والواضعة: الإِبل ترعى الحَمْض؛ والأَوارك: التى ترعى الأَراك - فكان الراعى
يَؤُوب بلينها كلَّ ليلةٍ عند المغرب . وكان أَبو ذَرّ قد استأذن رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم إلَى لِقاحه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم:
إِى أَخاف عليك من هذه الضاحية أَن تُغير عليك، ونحن لا نأُمِنُ من عُيَيْنَة
ابن حِصن وذويه، هى فى طَرَفٍ من أَطرافهم فأَلِحّ عليه أَبو ذرّ فقال :
يا رسول الله: ائذن لى. فلما أَلِحَّ عليه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم :
لكأَّى بك ، قد قُتل ابنك، وأخذت امرأَتُك ، وجئت تتوكأُ على عَصاك .
فكان أَبو ذرّ يقول: عجباً لى ! إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول
(كأَّى بك)) وأَنا أُلِحّ عليه. فكان والله على ما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم.
وكان المِقداد بن عمرو يقول : لمّا كانت ليلةُ السَّرْح جعلتْ فِرسى
سَبْحَةٍ لا تَقرُّ ضرباً بأَيديها وصهيلاً. فيقول أَبو مَعْبَد: واللهِ، إِنَّ لها
شأْناً! فننظر آرِيَّها (٣) فإذا هو مملوءٌ عَلَفاً، فيقول: عَطْشى ! . فيَعرِض
الماء عليها فلا تُريده ، فلمّا طلع الفجر أَسرجها وليس سلاحه ، وخرج حتى
صلّى الصرح مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يَرّ شيئاً ، ودخل النبىّ
١) اللقاح. الإبز الحوامل دمات الألبان. (شرح أبى ذر، ص ٣٢٩).
١١) البيضاء: موضع بداء حمى الربذة. (معجم ما استعجم، ص ١٨٤).
(٣) الآرى: حبلتقدي الدابه ى ها. (الصحاح، ص ٢٢٦٧).

٥٣٩
صلَّى اله عليه وسلَّمٍ بيته، ورجع المقداد إلى بيته. وفرسه لا تَقِرٌ. فيضع
سرْجها وسلاحه واضطجع، وجعل (١) إِحدى رجلَيْه على الأُخرى. فأَتَاه
آت فقال: إِنَّ الخيل قد صِيح بها. فكان أبو ذرّ يقول: واللهِ. إِنَّه ◌ِنى
منزلنا . ولقاح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فد رُوِّحت، وعُطِّنت:
وحُلبن عَتَمَتُها (٢) ومنا، فلما كان فى الليل أَحدق بنا ◌ُيَيْنَة فى أَربعين
فارساً ، فصاحوا بنا وهم قيامٌ على رءوسنا ، فأَشرف لهم ابنى فقتلوه ، وكانت
معه امرأته وثلاثة نَفَرٍ فَنَجَوا، وتنحّيت عنهم وشغلهم عنِّى إِطلاقُ عُقُل
اللّقاح ، ثم صاحوا فى أَدبارها ، فكان آخرَ العهد بها . وجئتُ إلى النّبِىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبرتُه وهو يتبسَّم. فكان سَلَمَة بن الأكْوَع يقول: غدوتُ
أُريد الغابة للقاح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأَن أُبلِّغه لبنها، حتى
أَلقَى غلاماً لعبد الرحمن بن عوف كان فى إِبلٍ لعبد الرحمن بن عَوف ،
فأخطأُوا مكانَها واهتدّوا إِلى لِقاح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخبرنى
أَنَّ لِقاح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَغار عليها عُيَيْنَة بن حِصن فى
أربعين فارساً، فأخبرنى أنهم قد رأَوا مَدَدًا بعدَ ذلك أُمِدَّ به عُيَيْنَةُ . قال
سَلَمْة : فأَحضرتُ فرسى راجعاً إلى المدينة حتى وافيت على ثَنيّة الوَداعِ(٣)
فصرخت بأعلى صوّى: يا صَبَاحاه ! ثلاثاً، أُسمع مَن بين لا بَتَيْهَا.
فحدّثنى موسى بن محمّد ، عن عاصم بن عمر ، عن محمود بن لَبيد ،
قال : نادى: الفَزَعَ ! الفَزَعَ ! ثلاثاً ، ثم وقف واقفاً على فرسه حتى طلع
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الحديد مُقَنَّعاً فوقف واقفاً ، فكان أَوّل من
--
(١) فى ب: ((ووضع)).
(٢) فى الأصل: ((غنمتها))؛ وما أثبتناه من ب. والعتمة: ظلمة الليل، وكانت الأعراب
يسمون الحلاب باسم الوقت . ( النهاية، ج ٣ ، ص ٦٧) .
(٣) ثارة الوداع: عن يمين المدينة ودونها. (معجم ما استعجم، ص ٨٤١).
٠٠ إلى ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة، وقيل من يريد الشام. ( وفاء الوفا ،
_٠ ٠٢ ص ٢٧٧).

٥٤٠
أَقبل إِليه المقداد بن عمرو ، عليه الدّرع والمِغْفَر شاهرًا سيفه، فعقد له رسولُ
الله صلَّى الله عليه وسلَّم لِواءً فى رمحه وقال : امضِ حتى تلحقك الخيولُ ،
إِنَّا على أَثَرك. قال المِقداد: فخرجتُ وأَنا أَسأَّل اللهَ الشهادة، حتى أُدرك
أُخرَيَات العدوّ، وقد أَذَمّ (١) بهم فرَسُ لهم فاقتحم فارسَه وردَف أَحدَ
أَصحابه ؛ فاخُذُ الفرس المُدِمّ فإذا هو ضَرَع (٢)، أَشْقَر ، عتيق ، لم
يَقْوَ على العَدْو ، وقد ◌َدوا عليه من أقصى الغابة فحَسِر ، فأَربطُ فى عنقه
قطعةً وَتَرٍ وأُخلِّيه ،وقلت: إِن مرّ به أحدٌ فأخذه جئتُه بعلامتى فيه . فأُدركُ مَسْعَدة
فَأَطعنُه برمحٍ فيه اللواءُ ، فزلَّ الرمح وعَطفَ علىّ بوجهه فطعنى وآخذُ الرمح
بعَضُدى فكسرته، وأَعجزنى هَرَّباً ، وأَنصبُ لِوائى فقلت : يَرَاه أَصحابى .
ويلحقنى أبو قتادة مُعلِماً بعمامةٍ صفراءَ على فرسٍ له ، فسايرتُه ساعةً ونحن
ننظر إلى دُبُر مَسْعَدَة ، فاستحثَّ فرسه فتقدّم على فرسِى ، فبان سَبْقُه
فكان أجود من فرسى حتى غاب عنِّى فلا أَراه . ثم أَلحقُه فإذا هو يَنْزِع
بُرْدَتَه ، فصحتُ : ما تصنع ؟ قال : خيرًا أَصنَعُ كما صنعتَ بالفرس .
فإِذا هو قد قتل مَسْعَدَة وسجّاه ببُرْدَة. ورجعنا فإذا فرسُ فى يد عُلْبَة بن
زيد الحارثىِّ ، فقلت : فرسى هذا وعلامتى فيه ! فقال: تعال إلى النبىّ،
فجعله مَغنماً .
وخرج سَلَمة بن الأُكْوع على رجلَيْه يعدو ليسبق الخيل مثل السَّبُع .
قال سَلَمَة : حتى لحقتُ القومَ فجعلتُ أَرميهم بالنَّبل ، وأُقول حين
أَربى: خُذُها منِّى وأنا ابن الأَكْوَعِ ! فتكرُّ علىّ خيلٌ من خيلهم ، فإذا
(١) أذمت ركاب القوم أى أعيت وتأخرت عن جماعة الإبل. ( الصحاح، ص ١٩٢٦).
(٢) الفرع: الضعيف. ( الصحاح ، ص ١٢٤٩).

٥٤١
وجَّهتْ نحوى انطلقتُ هارباً فأُسبقُها، وأعمدُ إلى المكان المُعْوِر (١) فأُشرف
عليه وأربى بالنَّبل إِذا أمكننى الرمى وأقول :
وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ(٢)
خُذْهَا وَأَنا ابنُ الأَحْوَعِ
فما زلتُ أكافحهم وأقول: قِفوا قليلاً ، يلحقكم أربابكم من المهاجرين
والأَنصار . فيزدادون علىّ حَنَقاً فيكرّون علىّ ، فأُعجزهم هَرَباً حتى انتهيتُ بهم
إلى ذى قَرَد(٣). ولحقنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم والخيولُ عِشاءً،
فقلت : يا رسول الله، إِنَّ القوم عِطاشٌ وليس لهم ماءُ دون أَحْساء كذا
وكذا ، فلو بعثتنى فى مائةٍ رجلٍ استنقذت ما بأَيديهم من السَّرْح ،
وأخذت بأَعناق القوم. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ملكتَ
فَأَسْجِحْ(٤). ثم قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنهم لِيُقْرَون فى غَطّفان .
فحدّثنى خالد بن إلياس ، عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى جَهم ،
قال : توافت الخيل وهم ثمانية - المقداد، وأَبو قتادة ، ومُعاذ بن ماعِص ،
وسعد بن زيد، وأَبو عَيّاش الزُّرَقىّ، ومُحرِز بن نَضْلَة، وعُكَّاشة بن مِحْصَن،
ورَبيعة بن أَكْثَم .
حدّثنى موسى بن محمّد ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : من
المهاجرين ثلاثة: المِقداد، ومُحْرِز بن نَضْلَة، ومعُكَّاشة بن مِحْصَن . ومن
الأَنصار: سعد بن زيد ، وهو أميرهم، وأَبو عَيّاش الزُّرَقىّ فارس جُلوَة (٥)،
(١) مكان معور: أى ذو عورة. ( أساس البلاغة ، ص ٦٦١).
(٢) الرضع: جمع راضع وهو الثيم، وأراد أن هذا اليوم هو يوم هلاك التام. (شرح أبى ذر،
ص ٣٢٩) .
(٣) ذو قرد: على نحو يوم من المدينة مما يلى غطفان، ويقال هو بين المدينة وخيبر على يومين
من المدينة . ( وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٦٠).
(٤) أى قدرت فسهل وأحسن العفو، وهو مثل سائر. ( النهاية، ج ٢، ص ١٠٠).
(٥) قال ابن إسحاق: وفرس أبى عياش جلوة. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ٢٩٦).

٥٤٢
وعبّاد بن بِشر، وأُسَيد بن حُضير ، وأبو قَتادة .
قال أبو عَيّاش: أُطلعُ على فرسٍ لى، فقال لى رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : لو أَعطيتَ فرَسَك من هو أَفرُسُ منك فَتَبِعَ الخيولَ ! فقلت: أَنا
یا رسول الله أَفرُسُ الناس. فركضتُه ، فما جری بی خمسین ذراعاً حتى صرعنى
الفرس. فكان أبو عَيّاش يقول: فعجباً! إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يقول: ((لو أُعطيتَ فرسَك هذا مَن هو أَفرُسُ منك)) وأَقول: ((أَنا أَفرس
الناس)) .
قالوا : وذهب الصَّريخُ إِلى بنى عمرو بن عَوف، فجاءَت الأَمدادُ ،
فلم تزل الخيل تأتى ، والرجال على أقدامهم ، والإِبل ، والقوم يعتقبون
البعيرَ والحمار، حتى انتهوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذى قَرَد ،
فاستنقذوا عشرَ لقائح ، وأَفلت القوم بما بقى وهى عشر . وكان مُحرِز بن
نَضْلَة حليفاً فى عبد الأَشْهَل، فلما نادى الصريخ: ((الفَزَع! الفَزَع!))
كان فرسٌ لمحمّد بن مَسْلَمَة يقال له ذو اللِّمّة مربوطاً فى الحائط. ، فلمّا
سمع صاهلةً الخيل صهل وجال فى الحائط. فى شَطَنه ، فقال له النساءُ :
هل لك يا مُحْرِز فى هذا الفرس فإِنه كما ترى صَنِعٌ (١) جامٌّ تركبه فتلحق
اللّواء؟ وهو يرى راية رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد مر بها العُقاب يحملها
سعد. قالوا : فخرج فجَزِع وقطع وادى قناة فسبق المقداد ، فيُدرك القوم
بِهَيْقًا(٢) فاستوقفهم فوقفوا ، فطاعنهم ساعةً بالرمح ، ويحمل عليه مَسْعدَة
(١) الفرس الصنيع: هو الذى يخدمه أهله ويقومون عليه. (شرح أبى ذر، ص ٣٢٩).
(٢) هكذا فى النسخ؛ ولعله يريد هيفا، وهو موضع على ميل من بئر المطلب. (وفاء الوفا،
ج ٢، ص ٣٨٧) .

٥٤٣
فطعنه بالرمح فدقَّه فى صُلبه ، وتناول رمح مُحرِز ، وعار(١) فرسُه حتى رجع
إلى آرِيِّهِ ، فلما رآه النساءُ وأَهل الدار قالوا: قد قُتل. ويقال : كان مُحرِز
على فرسٍ كان لعُكّاشة بن مِحْصَن يُدعى الجناح ، قاتل عليه . ويقال: الذى
قَتل مُحرِز بن نضْلَة أوثار ، وأَقبل عَبّاد بن بِشر فيُدرك أوثارًا ، فتواقفا
فتطاعنا حتى انكسرت رماحهما ، ثم صارا إِلى السيفَيْن فشدّ عليه عبّاد
ابن بِشْر فعانقه ، ثم طعنه بخنجرٍ معه فمات .
وحدّثنى عمر بن أبى عاتكة ، عن أبى الأُسود ، عن عُروة ، قال :
كان أوثار وعمرو بن أوثار على فرسٍ لهما يقال [له] الغُرُط (٢) رديفَيْن
عليه ، قتلهما عُكَّاشة بن محصن .
فحدّثنی زكريا بن زيد ، عن عبد الله بن أبى سفيان ، عن أبيه ، عن
أُمّ عامر بنت يزيد بن السِّكَن، قالت : كنت ممّن حضّن مُحرِزًا على
اللُّحوق برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فوالله إِذَّا لفى أُطُمنا ننظر إلى رَهَج
الغُبار إِذ أَقبل ذو اللَّمّة، فرس محمّد بن مسْلَمَة ، حتى انتهى إلى آرِبِّهِ،
فقلت : أُصيب واللهِ! فحملنا على الفرس رجلاً مِن الحىّ فقلنا : أَطلِعْ
لنا رسول الله هل أصابه إلَّا خير، ثم ارجعْ إلينا سريعاً. قال: فخرج
مُحْضِرًا(٣) حتى لحق رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِهَيْقا فى الناس، ثم
رجع فأخبرنا بسلامة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فحمدنا الله تعالى على
سلامة رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم .
فحدّثنی ابن أبى سَبْرَة ، عن صالح بن گیسان قال ، قال مُخْرِز بن
(١) عار فرسه: أى أفلت وذهب على وجهه. (النهاية، ج ٣، ص ١٤٣).
(٢) فى ب: ((القرط)).
(٣) أحضر الفرس، وكذلك الرجل: إذا عدا. (لسان العرب، ج ٥، س ٢٧٧).

٥٤٤
نَضْلَة : قبل أن يلتقى القومُ بيومٍ رأيتُ السماءَ قُرجت لى، فدخلت السماء
الدُّنيا حتى انتهيت إلى السابعة ، وانتهيت إلى سدرة المنتهى ، فقيل لى :
هذا منزلك . فعرضتُها على أبى بكر وكان من أَعبر الناس ، فقال : أَبشِر
بالشهادة ! فقُتل بعد ذلك بيوم .
وحدّثنى يحيى بن عبد الله بن أبى قَتَادة، عن أُمّه ، عن أبيه ، قال :
قال أبو قتادة : إنى لأَغسلُ رأسى ، قد غسلت أَحدَ شِقَّيه، إِذ سمعتُ
فرسى جَرْوَة تصهل وتبحث بحافرها ، فقلت : هذه حرب قد حَضَّرت !
فقمتُ ولم أَغسل شِقّ رأسى الآخر، فركبت وعلىّ بردةٌ لى ، فإذا رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يصيح: الفَزَعَ! الفَزَعَ ! قال: وأُدرك المقداد بن عمرو
فسايرته ساعةً ، ثم تقدّمه فرسى وكانت أَجود من فرسه ، وقد أخبرنى
المقداد - وكان سبقنى - بقتل مَسْعَدَة مُحرِزًا. قال أبو قتادة لِلمقداد:
يا أَبا مَعَبَد، أَنا أَموت أو أَقتل قائلَ مُحْرِز . فضرب فرسه فلحقهم أَبو
قتادة، ووقف له مَسْعَدَة ، وحمل عليه أَبو قتادة بالقَناة فدقّ صُلبه ويقول :
خُذْها وأَنا الخَرْرجى! ووقع مَسْعَدَة ميتاً ، ونزل أبو قتادة فسجاه ببُرْدَته ،
وجنَّب فرسّه معه، وخرج يُحضِر فى أَثر القوم حتى تلاحق الناس . قال
أبو قتادة: فلمّا مرّ الناس ونظروا إلى بُرْدَة أبى قَتادة عرفوها فقالوا : هذا
أبو قتادة قتيل! واسترجع أحدهم ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
لا ، ولكنه قتيل أبى قتادة، وجعل عليه بُرْدَته لتعرفوا أنه قتيلُه. فخلُّوا بين
أبي قتادة وبين قتيله وسلبه وفرسه ، فأخذه كلَّه ، وكان سعد بن زيد قد
أُخذ سَلَّه، فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا واللهِ! أَبو قتادة قتله ،
ادفعه إليه . .

٥٤٥
فحدّثنى عبد الله بن أبى قتادة ، عن أبيه أبى قَتادة ، قال : لما أُدركنى
النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ ونظر إلىّ قال: اللَّهِمّ باركْ له فى شَعرِهِ
وبَشَرِه ! وقال : أَفلح وجهك ! قلت : ووجهك يا رسول الله ! قال : قتلت
مَسْعَدَة ؟ قلت : نعم . قال: فما هذا الذى بوجهك ؟ قلت : سهمٌ رمِيت
به يا رسول الله . قال: فَادْنُ منِّى! فدنوتُ منه فبَصَق عليه، فما ضَرب (١)
عليه قَطُّ. ولا قاح. فمات أبو قتادة وهو ابن سبعين سنة ، وكأنه ابن خمسَ
عشرة سنة . قال: وأعطانى يومئذٍ فرسَ مَسْعَدَة وسلاحه ،وقال: بارك الله لك فيه !
حدّثَنِى ابن أَبِى سَبْرَة، عن سُلَيمان بن سُحَيم ، قال : قال سعد بن
زيد الأَشهَلِيّ: لمّا كان يوم السَّرْح أَتانا الصَّريخ، فأَنا فى بنى عبد
الأَشْهَل ، فألبسُ دِرعى وأخذتُ سلاحى ، وأَستوى على فرس
إلى جامٌّ حصانٍ ، يقال له النَّجْل(٢)، فأَنتهى إلى رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم وعليه الدرع والمِغفر لا أَرِى إِلَّ عَيْنَه، والخيل تعدو قِبَل قَناة ،
فالتفت إِلىّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا سعدُ امضٍ ، قد
استعملتُك على الخيل حتى أَلحقَك إِن شاءَ الله . فقرَّبْت فرسى ساعة ثم
خلَيته فمرّ يُحضر، فأَمُرُّ بفرسٍ حسير، فقلت: ما هذا؟ وأَمرُّ بمَسْعَدَة
قتيل أَبِى قَتادة، وأَمُرُّ بمُحرِزٍ قتيلاً فساعنى ، وألحقُ المِقداد بن عمرو ،
ومُعاذ بن ماعِص ؛ فأحضرْنا ونحن ننظر إلى رَهِجِ القوم ، وأَبو قتادة فى
أثرهم وأَنظرُ إلى ابن الأَكْوَع يسبق الخيل أمام القوم يرشُقهم بالنَّبل.
فوقفوا وقفةٌ ونلحق بهم فتناوشنا ساعةً، وأَحملُ على حُبُيب بن عُيِيناً
(١) ضرب الجرح: اشتد وجعه. ( أساس البلاغة، ص ٥٥٨).
(٢) فى ب: ((النخل)).

٥٤٦
بالسيف فأَقطعُ منْكِبَه الأَيسر، وخلَّى العِنان ، وتَتابع(١) فرسُه ، فيقع
لوجهه، واقتحم عليه فقتله، وأَخذتُ فرسَه . وكان شِعارنا : أَمِتْ أَمِتْ !
وقد سمعنا فى قتل حُبَيَب بن عُيَيْنَة وجهاً آخر .
فحدثنى موسى بن محمّد بن إبراهيم ، عن أَبيه ، قال : إِنَّ المسلمين
لمّا تلاحقوا هم والعدوّ وقُتل منهم مُحرِز بن نَضْلَة ، وخرج أبو قَتادة فى
وجهه ، فقتل أَبو قتادة مَسْعَدَة ، وقُتل أوثار وعمرو بن أوثار ، قتلهما
◌ُكَّاشة بن مِحْصَن، وإِنَّ حُبَيب بن عُيَيْنَة كان على فرسٍ له ، هو وفَرَقَة
ابن مالك بن حُذيفة بن بدر ، قتلهم المقداد بن عمرو . قالوا : وتلاحق
الناس بذى قَرد ، وصلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة الخوف.
فحدّثنى سُفيان بن سعيد ، وابن أَبِى سَبْرة ، عن أبى بكر بن عبد الله
ابن أبى جَهم ، عن عُبيد الله بن عُتبة ، عن ابن عبّاس رضى الله عنه ،
قال : قام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى القِيْلَة، وصفّ طائفةً خلفه،
وطائفة مواجهة العدوّ، فصلَّى بالطائفة التى خلفه ركعةً وسجدتَيْن ،ثم
· انصرفوا فقاموا مقامَ أَصحابهم، وأَقبل الآخرون فصلّى بهم رسول الله صلَّى
الله عليه وسلّم ركعةٌ وسجدتيْن ، فكان لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ركعتان،
ولكلِّ رجلٍ من الطائفتَيْن ركعة .
حدّثنى مالك بن أَبِى الرَّجّال ، عن عبد الله بن أبى بكر بن حزم ،
عن عُمارة بن مَعْمر ، قال: أَقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذى قرد
يوماً وليلةً يتحسّب (٢) الخبرَ ، وقسم فى كلّ مائةٍ من أصحابه جَزورًا ينحرونها ،
وكانوا خمسمائة ، ويقال كانوا سبعمائة . قالوا: واستخلف رسول الله صلَّى
(١) فى الأصل: ((نتابع))؛ وما أثبتناه من ب. والتتابع: التسارع. (الفائق، ص ٧٤).
(٢) التحسب: الاستخبار. ( القاموس المحيط ، ج ١، ص ٥٥).

٥٤٧
الله عليه وسلَّم على المدينة ابن أُم مَكتوم . وأَقام سعد بن عُبادة فى ثلاثمائة
من قومه يحرسون المدينة خمس ليالٍ حتى رجع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم،
وبعث إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأَحمال تمر وبعشرة جزائر بذى قَرَد .
وكان فى الناس قيس بن سعد على فرس له يقال له الوَرْد ، وكان هو الذى
قرّب الجُزُر (١) والتمر إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم: يا قيس، بعثك أَبوك فارساً، وقوّى المجاهدين، وحرس المدينة
من العدو؛اللَّهمّ ارحمْ سعدًا وآل سعد !ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
نِعِمَ المرءُ سعدُ بن ◌ُميادة ! فتكلَّمت الخَزْرَج فقالت: يا رسول الله، هو
بَيْتُنا (٢) وسيّدنا وابن سيّدنا! كانوا يُطعمون فى المَحْل، ويحملون الكَلَّ (٣)
ويَقْرون الضيفَ ، ويُعطون فى النائبة ، ويحملون عن العشيرة ! فقال النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم: خِيارُ الناس فى الإِسلام خيارُهم فى الجاهلية إِذا فَقُهوا فى
الدين . ولما انتهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بئر هَمّ قالوا: يا رسول
الله ، أَلا تَسُمّ بئرَ هَمّ ؟ فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم: لا ولكن يشتريها
بعضكم فيتصدّق بها . فاشتراها طلحة بن عُبَيد الله فتصدّق بها .
حدّثنى موسى بن محمّد ، عن أَبيه ، قال : كان أَمير الفرسان المِقداد
حتى لحقهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذی قَرَد .
حدّثنى محمّد بن الفضل بن عبيد الله بن رافع بن خديج ، عن المِسْوَر
ابن رفاعة ، عن ثَعلبة بن أبى مالك ، قال : كان سعيد بن زيد أَمير القوم ،
(١) فى ب: ((الجزور)).
(٢) فى الأصل: ((هو بيننا))؛ وما أثبتناه هو قراءة ب.
(٣) فى الأصل: ((ويحملون فى الكل))؛ وما أثبتناه من نسخة ب. والكل: العياك.
( النهاية، ج ٤، ص ٣٢) .

٥٤٨
وقال لحسّان بن ثابت: أَرَيتَ حيث جعلتَ المِقداد رأس السريّة وأنت
تعلم أَنَّ رسول الله استعملنى على السَّريَّة ، وإنك لتعلم لقد نادى الصريخ :
الفَزَعَ ! فكان المقداد أَوّل من طلع ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم :
امضِ حتى تلحقك الخيولُ. فمضى أَوّل، ثم توافينا بغدُ عند النبيّ صلَّى
الله عليه وسلَّم وقد مضى المِقداد أَوّلنا ، فاستعملنى رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم على السَّرية . فقال حسّان : يا ابن عمّ، واللهِ ما أردتُ إِلَّ القافية
حيث قلتُ : غَدَاةَ فَوارِسِ المِقْداد ... (١)فحلف سعد بن زيد أَلَّا يُكلِّم
حَسّاناً أبدًا. والثبت عندنا أَنَّ أَميرهم سعد بن زيد الأَشْهَلىّ .
قالوا : ولمّا بلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة أَقبلت امرأة أَبى
ذَرٌ على ناقة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم القَصْواء، وكانت فى السَّرْح،
فكان فيها جمل أبى جَهل، فكان مما تخلَّصه المسلمون ، فدخلت على رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبرته من أخبار الناس ، ثم قالت :
يا رسول الله، إِنى نذرتُ إِن نجّانى الله عليها أَن أَنحرَها فآكل من كَبِدها
وسَنامها. فتبسّم النبى صلَّى الله عليه وسلَّم وقال : بئس ما جزيتها أَن
حملكِ الله عليها ونجّكِ ثم تنحرينها ! إنه لا نذرَ فى معصية الله ولا فيما لا
تملكين ، إنما هى ناقةٌ من إبلى فارجعى إلى أهلك على بركة الله .
حدّثنى فائد مولى عبد الله، عن عبد الله بن علىّ، عن جدّته سَلمى،
قالت : نظرتُ إلى لَقوح (٢) على باب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يقال لها السَّمْراءُ ، فعرفتها فدخلت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقلت :
(١) انظر ديوان حسان، ص ٦٠. وذكر ابن إسحاق أبيات حسان أيضاً. (السيرة النبوية،
ج ٣، ص ٢٨٩) .
(٢) ناقة لقوح: أى غزيرة اللبن. (النهاية، ج ٤، ص ٦٣).

٥٤٩
هذه لِقِحتك السَّمْراء على بابك. فخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
مستبشرًا، وإذا رأسُها بيد ابن أَخى عُبَيْنَة، فلمّا نظر رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم عرفها ثم قال: أَيْمَ بك ؟ فقال : يا رسول الله . أَهديتُ لك هذه
اللِّفحة . فتبسم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقبضها منه، ثم أقام يوماً أَو
يوميْن ، ثم أَمر له بثلاث أَواقٍ من فضَّة، فجعل يتسخَّط . . قال ، فقلت :
يا رسول الله، أَتُثيبه على ناقةٍ من إِبلك؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : نعم وهو ساخطٌ. علىّ ! ثم صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمِ الظُّهر،
ثم صعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إِنَّ الرجل ليُهدى
لى الناقة من إبلى أعرفُها كما أَعرِفُ بعض أَهلى، ثم أُتيبه عليها فيَظَلّ
يتسخّط. علىّ، ولقد هممتُ أَلاَّ أَقبل هديةٌ [إِلاَّ من قُرَشِىٌّ أَو أَنصارىّ -
وكان أبو هريرة يقول: أَو ثَقَفِىُّ أَو دَوْسِىَ](١).
ذكر من قُتل من المسلمين ومن المشركين
ب
من المسلمين واحد : مُحْرِزِ بن نَضْلة ، قتله مَسْعدّة .
وقُتل من المشركين : مَسْعَدَة بن حَكَمَة ، قتله أَبو قتادة ؛ وأوثار وابنه
عمرو بن أوثار ، قتلهما عُكَّاشة بن مِحْصَن؛ وحُبّيب بن عُيَيْنَة ، قتله
المقداد . وقال حَسّان بن ثابت ...
. (١) زيادة من ب .

٥٥٠
سرية مُكَّاشة بن مِحْصَن إلى الغَمْرُ
فى شهر ربيع الأوّل سنة ستّ
حدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن عبد رَبِّه بن سَعيد، قال : سمعتُ رجلاً
من بنى أَسَد بن خُزَيمة يُحدِّث القاسمَ بن محمّد يقول : بعث رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم ◌ُكَّاشة بن مِحصَن فى أربعين رجلاً - منهم ثابت بن
أَقْرَم، وشُجاع بن وَهب ، ويزيد بن رُقَش. فخرج سريعاً يُخِذُّ السير ،
ونذر القوم فهربوا من مائهم فنزلوا عَلياءَ بلادهم ، فانتهى إلى الماءِ فوجد
الدار خُلوفاً ، فبعث الطلائع يطلبون خبرًا أَو يرون أَثرًا حديثاً ، فرجع إليه
شُجاع بن وهب فأَخِبره أنه رأَى أَثر نَعَمٍ قريباً ، فتحملوا فخرجوا حتى
يُصيبوا ربيئةً لهم قد نظر ليلتَه يسمع الصوت ، فلمّا أَصبح نام فأخذوه
وهو نائم ، فقالوا : الخبر عن الناس ! قال : وأَين الناس ؟ قد لحقوا
بِعَلياءِ بلادهم ! قالوا : فالنَّعَم ؟ قال : معهم . فضربه أَحدهم بسوطٍ فى
يده . قال: تُوَّمِّننى على دمى وأُطلعُك على نعمٍ لبنى عمُّ لهم ، لم يعلموا
بمسيركم إليهم ؟ قالوا : نعم . فانطلقوا معه ، فخرج حتى أَمعن ، وخافوا
أَن يكونوا معه فى غَدر، فقرّبوه فقالوا : واللهِ، لتصدُقنا أَو لنضربنّ عنقك!
قال: تطلعون عليهم من هذا الظُّرَيب(٢). قال: فأَوفوا على الظُّرَيب فإِذا
نعمٌ رواتع ، فأَغاروا عليه فأَصابوه ، وهربت الأعراب فى كلّ وجه ، ونهى
عُكَّاشة عن الطلب، واستاقوا مائتى بعير فحدروها إلى المدينة، وأرسلوا
(١) الغمر .: هو ماء لبنى أسد على ليلتين من فيد، كما قال ابن سعد .. (الطبقات، ج ٢،
ص ٦١ ) .
(٢) الظريب: تصغير ظرب، وهو الجبل المنبسط الصغير. (القاموس المحيط، ج ١،
ص ٩٩) .

٥٥١
الرجل، وقدموا على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يُصَبْ منهم أحدٌ ولم
يلقوا كيدًا .
سريّة محمّد بن مَسْلَمَة إلى ذى القَصّة
إلى بنی ثعلبة وعوال فى ربيع الآخر
حدّثنى عبد الله بن الحارث، عن أبيه، قال: بعث النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم محمّد بن مَسْلَمَة فى عشرة ، فورد عليهم ليلاً ، فكمن القوم
حتى نام ونام أصحابه ، فأَحدقوا به وهم مائة رجل ، فما شعر القوم إِلَّ
بالنبل قد خالطتهم. فوثب محمّد بن مَسْلَمَة وعليه القوس، فصاح بأصحابه :
السلاحَ! فوثبوا فتراموا ساعةً من الليل، ثم حملت الأعراب بالرِّاح
فقتلوا منهم ثلاثة ، ثم انحاز أصحاب محمّدٍ إِليه فقتلوا من القوم رجلاً ،
ثم حمل القوم فقتلوا مَن بقى. ووقع محمّد بن مَسْلَمَة جريحاً ، فضُرب
كعبُهُ فلا يتحرّك ، وجرّدوهم من الثياب وانطلقوا، فمرّ رجلٌ على القتلى
فاسترجع ، فلمّا سمعه محمّدٌ تحرّك له فإِذا هو رجلٌ مُسلم ، فعرض على
محمّدٍ طعاماً وشراباً وحمله حتى ورد به المدينة . فبعث النبيّ صلّى الله عليه
وسلَّم أَبا عُبَيدة بن الجَرّاح فى أربعين رجلاً إِلى مَصارعهم فلم يجد أحدًا
واستاق نَعَماً ثم رجع. قال أبو عبد الله: فذكرت هذه السَّريّة لإِبراهيم بن جعفر
ابن محمود بن محمّد بن مَسْلَمَة فقال : أَخبرنى أَبِى أَنَّ محمّد بن مَسْلَمَة
خرج فى عشرة نفر : أَبو نائِلة ، والحارث بن أَوس ، وأبو عبس بن
جَبر، ونُعمان بن عَصر، ومُحَيِّصَة بن مَسعود، وحْوَيِّصَة، وَأَبو بُردة
ابن نِيار، ورجلان من مُزَينة، ورجلٌ من غَطّفان ، فقُتل المُزَنِيّان

٥٥٢
والغَطَفانىّ، وارْتُثَّ محمّد بن مَسْدَمة من القتلى. قال محمّد : فلمّا كانت
غزوة خَيْبَر نظرت إلى أحد النفر الذين كانوا وَلوا ضربى يوم ذى القَصَّة،
فلما رآنى قال : أَسلمتُ وجهى لله! فقلت : أَولى !
سريّة أسرُها أبو ◌ُبيدة إلى ذى القَصَّة
فى ربيع الآخر سنة ستّ ليلة السبت ، وغاب ليلتين .
حدّثنى عبد الرحمن بن زِياد الأَشْجَعى، عن عيسى بن عُمَيلة، وحدّثنى
عبد الله بن الحارث بن الفضل ، عن أبيه ، زاد أَحدهما على صاحبه ،
قالا : أَجدبت بلاد بنى ثَعلبة وأَنْمار، ووقعت سحابةٌ بالمَراض إِلى
تَغْلَمَيْنِ(١)، فصارت بنو مُحارب وثَعلبة وأَنْمار إلى تلك السحابة ، وكانوا
قد أجمعوا أَن يُغيروا على سَرْح المدينة، وسَرْحهم يومئذٍ يرعى ببطن هَيقا ،
فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَبا مُبَيدة بن الجرّاح فى أربعين رجلاً
من المسلمين حين صدَّوا صلاة المغرب ، فباتوا ليلتهم يمشون حتى وافوا ذى
القَصَّة مع عَماية الصبح ، فأَغار عليهم فأَعجزهم هرباً فى الجبال ، وأخذ
رجلاً منهم ووجد نَعَماً من نَعَمهم فاستاقه ، ورِثَّةً من متاع ؛ فقدم به
المدينة ، فأَسلم الرجل فتركه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمّا قدم عليه
خمَّسه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقسم ما بقى عليهم .
(١) التغلمين: موضع من بلاد بنى فزارة قبل ريم. (معجم ما استعجم، ص ٢٠٣).

٥٥٣
سريّة زيد بن حارثة إلى العيص
فی جمادى الأولى سنة ستّ
حدثنى موسى بن محمّد بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال: لمّا رجع رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم من غزوة الغابة بلغه أَنَّ عِيرًا لقُرَيْشٍ أَقبلت من الشام،
فبعث زيد بن حارثة فى سبعين ومائة راكب ، فأخذوها وما فيها . وأخذوا
يومئذٍ فضَّةٌ كثيرةٌ لصَفوان(٢) ، وأَسروا ناساً ممّن كان فى العير معهم ، منهم
أبو العاص بن الرَّبيع، والمُغيرة بن معاوية بن أبى العاص. فأَما أَبو
العاص فلم يَغْدُ أَن جاءَ المدينة، ثم دخل على زينب بنت رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم سَحَرًا، وهى امرأته، فاستجارها فأجارته. فلما صلَّ رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم الفجر قامت زينب على بابها فنادت بأعلى صوتها فقالت:
إنى قد أجرتُ أَبا العاص! فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَيّها
الناس ، هل سمعتم ما سمعتُ ؟ قالوا : نعم . قال : فوالذى نفسى
بيده ، ما علمت بشىءٍ ممّا كان حتى سمعتُ الذى سمعتم ، المؤمنون يَدٌ
على مَن ◌ِواهم، يُجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا مَن أَجارت . فلما انصرف
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى منزله دخلت عليه زينب فسأَلته أن يردّ
إلى أبى العاص ما أُخِذ منه من المال، ففعل وأمرها أَلَّ يقربها، فإِنها لا تحلّ
له ما دام مشركاً . ثم كلَّم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابه ، وكانت
معه بضائعُ لغير واحدٍ من قُرَيش، فأَدّوا إليه كلَّ شىءٍ ؛ حتى إنهم ليردّون
(١) العيص: بينها وبين المدينة أربع ليال، وبينها وبين ذى المروة ليلة. (طبقات ابن سعد،
ج ٢، ص ٦٣) .
(٢) أى صفوان بن أمية.