النص المفهرس
صفحات 1-20
كتاب المغازي للوَاقدي محمّدبن مُرْ وَاقِد المُتَوَفي ال ◌ْ ه تحقِيق الدكتور مَارسدن جُونس الجزء الثاني عالم الكتب ذكر ما كان من أمر ابن أُبَىّ قالوا : فبينا المسلمون على ماء المُرَيْسِيع قد انقطعت الحرب، وهو ماءٌ ظَنون(١)، إنما يخرج فى الدَّلْو نصفه، أَقبل سنان بن وَبَر الجُهَىّ - وهو حليفٌ فى بنى سالم - ومعه فتيان من بنى سالم يستقون ، فيجدون على الماء جمعاً من العسكر من المهاجرين والأنصار ؛ وكان جَهْجا(٢) بن سَعيد الغِفارىّ أَجيرًا لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فأَدلى سِنان وأَدلى جَهْجا دلْوه، وكان جَهْجا أَقرب السقاء إِلى سِنان بن وَبَر ، فالتيست دلْو ◌ِنان ودلْو جَهْجا، فخرجت إِحدى الدَّْوَيْن وهى دَلْو سِنان بن وَبَر . قال سنان : فقلتُ: دَلْوِى . فقال جَهْجا : واللهِ، ما هى إلّا دَلْوِى. فتنازعا إِلى أَن رفع جَهْجا يده فضرب سِناناً فسال الدم، فنادى: يا آل خَزْرَج (٣)! وثارت الرجال . قال سِنان: وأعجزنى جَهْجا هرباً وأعجز أَصحابى، وجعل يُنادى فى العسكر : يا آل قُرَيش! يا آل كنانة! فأَقبلت إليه قُرَيَشْ سِراعاً . قال سِنان : فلمّا رأيت ما رأيت ناديت بالأَنصار . قال : فأَقبلت الأَوس والخّزْرج، وشهروا السلاح حتى خشيتُ أن تكون فِتْنَةٌ عظيمة، حتى جاءَنى ناس من المهاجرين يقولون : اترك حقَّك ! [قال سنان]: وإِذا ضربته لم يضررنى شيئاً. قال سنان: فجعلت لا أَستطيع أَفتات على حلفائى بالعفو لكلام المهاجرين، وقومى يأبون أن ( ١) الماء الظنون: أى القليل. (النهاية، ج ٣، ص ٥٨). (٢) هكذا فى النسخ؛ ويقال أيضاً جهجاه، كما ذكر ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ٣٦٨]. (٣) فى ب: ((يا للخزرج». ٤١٥ ٤١٦ أَعفو إِلَّا بأَمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَو أَقتصّ من جَهْجا. ثم إِنّ المهاجرين كلّموا حلفائى، فكلّموا عبادة بن الصامت وناساً من حلفائى ، فكلَّمنى حلفائى فتركتُ ذلك ولم أَرفعه إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم . وكان ابن أُبىّ جالساً فى عشرة من المنافقين: ابن أُبَىّ ، ومالك ، وداعس، وسُوَيَد، وأَوس بن قَيظىّ، ومُعَقِّب بن قُشَير(١)، وزيد بن الُّصيت (٢) ، وعبد الله بن نَبْتَل - وفى القوم زيد بن أَرْقَم ، غلام لم يبلغ أَو قد بلغ - فبلغه صياح جَهْجا : يا آل قُرَيش! فغضب ابن أُبَىّ غضباً شديدًا، وكان مما ظهر من كلامه وسُمِع منه أن قال : واللهِ، ما رأيتُ كاليوم مَذَلَّة! واللهِ، إِن كنت لَكارهاً لوجهى هذا ولكنّ قوى غلبونى! قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا فى بلدنا، وأنكروا مِنَّتَنا (٣). واللهِ، ما صرنا وجَلابِيب (٤) قُريش هذه إِلَّا كما قال القائل ((سَمِّنْ كَلبَك يَأْكُلْكَ)). والله، لقد ظننتُ أَنى سأموت قبل أَن أَسمع هاتفاً يهتف بما هتف به جَهجا وأَنا حاضر ، لا يكون لذلك منى غِيَرٌ . والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأَعَزُّ منها الأَذلَّ! ثم أقبل على من حضر من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ؛ أَحللتموهم بلادكم فنزلوا منازلكم ، وآسيتموهم فى أموالكم حتى استغنوا! أَما واللهِ، لو أَمسكتم بأَيديكم لتحوّلوا إلى غير بلادكم ، ثم لم يرضوا بما فعلتم حتى جعاتم أنفسكم أغراضاً للمَنايا، فقُتلتم دونه ، فأَيتمتم (١) فى الأصل: ((معتب بن قيس)). وما أثبتناه من ب، ومن البلاذرى يروى عن الواقدى. ( أنساب الأشراف ، ج ١ ، ص ٢٧٦ ) . (٢) فى الأصل: ((زيد بن الصلت)). وما أثبتناه من ب،، ومن ابن الأثير. (أسد الغابة، ج ٢، ص ٢٣٩) . (٣) فى الأصل: ((ملتنا))؛ وما أثبتناه هو قراءةب. والمنة: الإحسان. ( النهاية، ج ؛، ص ١١٠ ) . (٤) الجلابيب: لقب لمن كان أسلم من المهاجرين، لقبهم بذلك المشركون؛ وأصل الجلابيب الأزر الغلاظ، واحدها جلباب، وكانوا يلتحفون بها فلقبوهم بذلك. (شرح أبى ذر، ص ٣٣٣). ٤١٧ أولادكم وقللتم وكثروا. فقام زيد بن أَرْقَم بهذا الحديث كلّه إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسَلَّم ، فيجد عنده نفرًا من أصحابه من المهاجرين والأَنصار - أَبا بكر، وعُمان، وسعدًا، ومحمّد بن مَسْلَمة ، وأَوس بن خَوْلىّ، وعَبّاد بن بشر - فأخبره الخبر. فكره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خبره وتغيّر وجهه، ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا غلام، لعلَّك غضبت عليه ! قال : لا والله ، لقد سمعته منه. قال : لعلَّه أَخطأ سمعك ! قال: لا يانِىّ الله! قال: لعله شُبِّه عليك ! قال : لا والله، لقد سمعته منه يا رسول الله! وشاع فى العسكر ما قال ابن أُبَىّ ، وليس للناس حديثٌ إِلّ ما قال ابن أبىّ، وجعل الرهط. من الأَنصار (١) يُؤثِّبون الغلام ويقولون: عمدت إلى سيّد قومك تقول عليه ما لم يقل ، وقد ظلمتَ وقطعت الرَّحم ! فقال زيد: واللهِ لقد سمعت منه ! قال : وواللهِ، ما كان فى الخَزْرَج رجلٌ واحدٌ أَحبٌ إلىّ من عبد الله بن أُبَى ؛ واللهِ، لو سمعت هذه المقالة من أبى لنقلتها إلى رسول اله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنى لأَرجو أَن يُنْزل الله تعالى على نبيه حتى يعلموا أنا كاذبٌ أَم غيرى، أَو يرى رسول الله صلَّى عليه وسلَّم تصديق قولى . وجعل زيد يقول : اللَّهمَّ، أَنزل على نبيّك ما يُصدق حديثى! فقال قائل: يا رسول الله، مُر عبّاد بن بِشر فليأتك برأسه. فكره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هذه المقالة. ويقال قال: قل لمحمّد بن مَسْلَمَة، يأُتك برأسه. فقال النبى صلَّى الله عليه وسلَّم ، وأَعرض عنه : لا يتحدّث الناس أَنَّ محمّدًا يقتل أصحابه. وقام النفر من الأَنصار الذين سمعوا قول النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وردّه على الغلام، فجاءوا إِلى ابن أُبَىّ فأخبروه، وقال أَوس بن خَولىّ: يا أَبا الحُباب، إِن كنتَ قلتَه (١) فى ب: ((يقولون ويؤنبون)). ٤١٨ فَأُخْبِر النبىَّ يستغفرْ لك، ولا تجحده فينزلَ ما يُكذّبك . وإن كنتَ لم تقله فأْت رسولَ الله فاعتذر إليه واحْلِف لرسول الله ما قلته . فحلف بالله العظيم ما قال من ذلك شيئاً. ثم إِنَّ(١) ابن أُبَىّ أَنَى إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : يا ابن أُبَىّ ، إن كانت سلفتْ منك مقالة فتُبْ . فجعل يحلف بالله : ما قلت ما قال زيد، ولا تكلَّمت به ! وكان فى قومه شريفاً ، فكان يظنّ أَنه قد صدق ، وكان يظنّ به سوء الظنّ . فحدثنى هِشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطَّاب، قال: لمّا كان من قول ابن أُبَىّ ما كان أسرع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم السير ، وأُسرعتُ معه ؛ وكان معى أَجيرُ استأجرته يقوم على فرسى ، فاحتبس علىّ فوقفت له على الطريق أنتظره حتى جاءَ، فلمّا جاءً ورأى ما بى من الغضب أَشفق أَن أَقع به، فقال: أَيُّها الرجل ، على رِسْلِكَ، فإنه قد كان فى الناس أَمْرٌّ من بعدك، فحدِّثنى بمقالة ابن أُبَىّ . قال عمر: فأَقبلت حتى جئت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو فى فَىْءٍ شجرة ، عنده غُلَيِّمٌ أُسَيْوِدُ يَغْمِز ظهرَه، فقلت : يا رسول الله، كأَنك تشتكى ظهرك . فقال: تقحّمت بى الناقة الليلة . فقلت: يا رسول الله، إِيذن لى أَن أَضرب عنُقَ ابن أُبَىٌّ فى مقالته . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَوَ كنت فاعلاً ؟ قال : نعم، والذي بعثك بالحقّ ! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِذًا لأُرعِدَت له آنُفِّ بيَثْرِب كثيرة؛ لو أَمرّهم بقتله قتلوه . قلت : يا رسول الله، فمُرْ محمّد بن مَسْلَمَة يقتلْه . قال : لا يتحدّث الناس أَنَّ محمّدًا قتل أصحابه . قال ، فقلت: فمُر الناس بالرحيل . قال: نعم . فأَذَّنتُ بالرحيل فى الناس . (١) فى ب: ((ثم مشى ابن أبى إلى)). ٤١٩ ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلّ برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد طلع على راحلته القَصْواء ، وكانوا فى حرّ شديد ، وكان لا يروح حتى يبرد، إلاّ أنه لما جاءَه خبر ابن أُبَّىٌّ رحل فى تلك الساعة. فكان أَوَّل من لقيه سعدُ بن عُبادة ، فقال : السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله !فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: وعليك السلام ! فقال: يا رسول الله، قد رحلتَ فى ساعةٍ مُنكرةٍ ما كنتَ ترحل فيها! ويقال لقيه أُسَيد بن حُضّيْر - قال ابن واقد: وهو أَثبت عندنا - فقال: يا رسول الله، خرجتَ فى ساعةٍ منكرةٍ ما كنتَ تروح فيها! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَوَ لم يبلغكم ما قال صاحبُكم ؟ قال: أَىّ صاحب يا رسول الله ؟ قال : ابن أُبىّ، زعم أنه إِن رجع إلى المدينة أخرج الأَعُّ منها الأَذلَّ! قال: فأَنت يا رسول الله تُخرجه إِن شئتَ، فهو الأَذلّ وَأَنت الأَعزُّ ، والعزّة لله ولك وللمؤمنين. ثم قال : يا رسول الله، ارْفُقْ به فوالله لقد جاءَ الله بك؛ وإنَّ قومه لينظمون له الخّرَز ، ما بقيت عليهم إلاّ خَرَزَةٌ واحدةٌ عند يوشع اليهودىّ، قد أَرب(١) بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها ليتوّجوه، فجاءَ الله بك على هذا الحديث، فما يرى إِلاّ قد سلبتَه مُلْكَه. قال : فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسير من يومه ذلك ، وزيد ابن أَرْقَم يُعارض النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم براحلته، يُريه وجهه فى المسير، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستحثّ راحلته فهو مُخِذُّ فى السير، إِذ نزل عليه الوحى . قال زيد بن أَرْقَم: فما هو إِلَّا أَن رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تأخذه البُرَحاء ويعرَق جبينه ، وتثقل يدا راحلته حتى ما كادينقلها ، عرفت أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُوحى إليه، ورجوتُ أن يكون ينزل (١) أرب بهم: اشتد. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٦). ٤٢٠ عليه تصديق خبرى. قال زيد بن أَرْقَم : فسُرّى عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأخذ بأُذنى وأَنا على راحتى حتى ارتفعت من مقعدى ويرفعها إلى السماء ، وهو يقول: وَفَتْ أُذُنُك يا غلام، وصدّق الله حديثك ! ونزل فى ابن أُبَىّ السورة من أَوّلها إلى آخرها وحده ﴿ إِذا جَاءَكَ المُنافِقُونَ ... ﴾(١) فحدّثنى عُبيد الله بن الهُرَير ، عن أبيه، عن رافع بن خديج، قال : سمعت عُبادة بن الصامت يقول يومئذٍ لابن أُبَىّ قبل أن ينزل فيه القرآن : إيتٍ رسول الله ، يستغفر لك . قال : فرأيته يلوى رأسه مُعرضاً . يقول عُبادة: أما واللهِ لينزلنَّ فى لَىّ رُسك قرآنٌ يُصَلَّى به . وحدّثنى يونس بن محمّد الظَّفَرىّ، عن أبيه، عن عُبادة بن الوليد ابن عُبادة بن الصامت ، قال : مرّ عُبادة بن الصامت بعبد الله بن أبَى عَشِيَّةً راح النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من المُرَيْسِيعٌ ، وقد نزل على النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم سورة المنافقون فلم يُسَلِّمْ عليه، ثم مرّ أَوس بن خَوْلىٌ فلم يُسَلِّمْ عليه، فقال ابن أُبَى: إِنَّ هذا الأمر قد تَمالأُتُما (٢) عليه. فرجعا إليه فأَنَّباه وبكَّتاه بما صنع، وبما نزل من القرآن إِكذاباً لحديثه، وجعل أَوس بن خَوْلىّ يقول : لا أُكذّبُ عنك أبدًا حتى أعلم أن قد تركتَ ما أنت (٣) عليه وتبتَ إِلى الله، إنا أَقبلنا على زيد بن أَرْقَم نلومه ونقول له ((كذبتَ على رجل من قومك)) حتى نزل القرآن بتصديق حديث زيد وإِكذاب حديثك. وجعل ابن أُبَىّ يقول: لا أَعود أبدًا! وبلغ ابنَه عبد اله ابن عبد الله بن أُبَىّ مقالةُ عمر بن الخطّاب رضى الله عنه لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ((مُرْ محمّد بن مَسْلَمة يأُتِك برأسه)) فجاءَ إِلى النبىّ (١) سورة ٦٣ المنافقون !. (٢) أى تساعدا واجتمعا عليه. ( النهاية، ج ٤، ص ١٠٥). (٣) فى الأصل: (( ما أنزل عليه))؛ وما أثبتناه هو قراءة ب. ٤٢١ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : يا رسول الله، إن كنت تُريد أن تقتل أبى فيما بلغَكَ عنه فَمُرِنِي، فواللهِ لأَحملنَّ إِليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا. واللهِ، لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أَبَرّ بوالدٍ منِّى، وما أَكل (١) طعاماً منذ كذا وكذا من الدهر ، ولا يشرب شراباً إِلَّا بيدى، وإنى لأَخشى يا رسول الله أن تأمر غيرى فيقتله ، فلا تدعنى نفسى أنظر إلى قاتل أبى يمشى فى الناس، فأَقتله فأَدخل النار، وعَفْوُك أفضل، ومنُّك أَعظم . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا عبد الله، ما أردتُ قتله وما أَمرت به، ولنُحْسِنَنَّ صُحْبَتَه ما كان بين أظهرنا . فقال عبد الله : يا رسول الله، إِن أَبى كانت هذه البَحْرَة (٢) قد اتَّسقوا عليه ليتوّجوه عليهم، فجاء الله بك؛ فوضعه الله ورفعنا بك، ومعه قومٌ يُطيفون به ويذكرون أمورًا قد غلب الله عليها . قال : فلمّا انصرف من عند النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعرف أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد تركه ولم يأمره بقتله ، قال : وَمِن أَعْجبِ الأَحْداثِ ما قاله عُمَرْ أَلا إِنما الدُّنْيَا حوادِثُ تُنْتَظَرْ وَلَمْ يَسْتَشِرْهُ بالَّتِى تَحْلِقُ الشَّعَرْ يُشيرُ على مَن عنده الوحىُ هكذا فقلتُ له ما قال فى والدِى كَشَرْ ولَو كان للخَطَّبِ ذَنْبٌ كَذَنْبِه لِيَقْتُلَهُ بِئْسَ لَعَمْرُكَ مَا أَمَرْ غَدَاةَ يقولُ ابْعَثْ إِليه محمّدًا كَفَيْتُكَ عبدَ اللهِ لَمْحَكَ بِالْبَصَرْ فقلتُ رسولَ الله إن كنتَ فاعِلاً وَقَلْبٌ على البَلْوَى أَشَدُّ من الحَجَرْ تُسَاعِدُنِى كَفُّ ونَفْسُ سَخِيَّةٌ وفى العَيْنِ مِنِّى نحو صاحِبِها عَوَرْ وفى ذاك ما فيه والأُخْرَى(٣) غَضَاضَةٌ (١) فى الأصل: ((وما ناكل))؛ والتصحيح من نسخة ب. (٢) فى الأصل: ((النخوة))؛ وما أثبتناه هو قراءة ب. والبحرة: البلدة، يعنى المدينة. ( النهاية ، ج ١، ص ٦٢ ) . (٣) فى الأصل: ((وللآخر))، والمثبت قراءة ب. ٤٢٢ فقال أَلا لا يَقْتُل المَرْءُ طائِعاً أَباه وقد كادَت تَطيرُ بها مُضَرْ أَنشدنيها إسماعيل بن مُصعَب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت، قال : أخذتها فى الكتاب. وإِبراهيم بن جعفر بن مَحمود، عن محمد بن مَسْلَمة . فحدّثْنى عُبيد الله بن الهُرَير، عن أبيه، عن رافع بن خديج ، قال : لما رحنا من المُرَيْسِيع قبل الزَّوال كان الجَهد بنا يومنا وليلتنا ، ما أَناخ منا رجلٌ إِلَّا لحاجته أَو لصلاةٍ يُصَلِّيها . وإِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يَسْتَحِثُّ راحلته، ويخلف بالسوط فى مَراقّها (١) حتى أَصبحنا ، ومددنا يومنا حتى انتصف النهارُ أَو كَرَب ، ولقد راح الناس وهم يتحدّثون بمقالة ابن أُبَىّ وما كان منه، فما هو إلاّ أَن أَخذهم السَّهَر والتعب بالمسير ، فما نزلوا حتى ما يُسمَع لقول ابن أُبَىّ فى أَفواههم - يعنى ذكرًا، وإنما أُسرع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالناس ليدّعوا حديث ابن أُبَى، فلمّا نزلوا وجدوا مسّ الأَرض فوقعوا نياماً. ثم راح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالناس مُبردًا، فنزل من الغد ماءً يقال له بَقْعاء فوقَ النَّقيع، وسرّح الناس ظَهرهم، فأخذتهم ريحٌ شديدةٌ حتى أَشفق الناس منها، وسألوا عنها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وخافوا أَن يكون عُيَيْنَة بن حِصْن خالف إِلى المدينة، وقالوا : لم تَهِجْ هذه الريح إلَّ من حَدَثٍ! وإِنما بالمدينة الذَّرارىّ والصبيان. وكانت بين النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبين عُبَيْنَة مُدَّة، فكان ذلك حين انقضائها فدخلهم أشدّ الخوف، فبلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خوفُهم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ليس عليكم بأس منها، ما بالمدينة من نَقْبٍ إِلَّا عليه مَلَكُ يحرسه ، وما كان ليدخلها عدوّ حتى تأتوها؛ ولكنه مات اليومَ (١) أى فى مراق بطنها، وهى ما رق منه فى أسافله. (أساس البلاغة، ص ٣٦٢). ٤٢٣ مُنافقٌ عظيم النفاق بالمدينة ، فلذلك عصفت الريح . وكان موته للمنافقين غيظاً شديدًا، وهو زيد بن رِفاعة بن التابوت ، مات ذلك اليوم . فحدّثنى خارجة بن الحارث ، عن عبّاس بن سَهل ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كانت الريح يومئذٍ أَشدّ ما كانت قَطُّ إِلى أَن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار . قال جابر : فسأَلتُ حين قدمت قبل أن أدخل بيّى : مَن مات ؟ فقالوا : زيد بن رِفاعة بن التابوت . وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدّة الريح حتى دُفن عدوّ الله فسكنت الريح . وحدّثنى عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه، قال : قال عُبادة بن الصامت يومئذٍ لابن أُبَىّ: أَبا حُباب، مات خليلك! قال: أَىّ أَخِلّاتى؟ قال : مَن موته فَتْحٌ للإِسلام وأَهله . قال : مَن ؟ قال : زيد بن رِفاعة بن التابوت قال: يا وَيَلاه، كان واللهِ وكان ! فجعل يذكر ، فقلت : اعتصمتَ بالذَّنَبِ الأَبتَر (١). قال : مَن أَخبرك يا أَبا الوليد بموته ؟ قلت : رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أخبرنا الساعةَ أَنه مات هذه الساعة . قال : فأُسقط. فى يدَيْه وانصرف كئيباً حزيناً. قالوا: وسكنت الريح آخرَ النهار فجمع الناس ظهورهم . فحدّثنى عبد الحميد بن جعفر ، عن ابن رُومان ، ومحمّد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قالا: وفُقِدَت ناقة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم القَصْواء من بين الإِبل ، فجعل المسلمون يطلبونها فى كلّ وجه ، فقال زيد بن اللُّصَيت - وكان منافقاً وهو فى رفقة قومٍ من الأَنصار ، منهم عَبّاد ابن بشر بن وَقَش، وسَلَمَة بن سلامة بن وَقَش، وأُسَيد بن حُضَير - فقال : أين يذهب هؤلاء فى كلّ وجه ؟ قالوا : يطلبون ناقة رسول الله ، (١) أى المقطوع. ( النهاية، ج ١، ص ٥٨) . ٤٢٤ قد ضلَّت . قال : أَفلا يُخبره الله بمكان ناقته ؟ فأنكر القوم ذلك عليه فقالوا : قاتلك الله يا عدوّ الله، نافقتَ! ثم أقبل عليه أُسَيد بن حُضَير فقال : واللهِ، لولا أنى لا أدرى ما يوافق رسول الله من ذلك لأَنفذتُ خُصْيَتك بالرمح يا عدوّ الله ، فلِمَ خرجتَ معنا وهذا فى نفسك ؟ قال : خرجت لأَطلب من عَرَض الدنيا ، ولَعَمْرى إِنّ محمّدًا ليُخبرنا بأَعظم من شأن الناقة ، يُخبرنا عن أَمر السماء. فوقعوا به جميعاً وقالوا: واللهِ، لا يكون منك سَبيل أَبدًا ولا يُظِلُّنا وإياك ظلُّ أَبدًا ؛ ولو علمنا ما فى نفسك ما صحبتنا ساعةً من نهار. ثم وثب هاربًا (١) منهزماً منهم أن يقعوا به ونبذوا متاعه ، فعمد لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فجلس معه فِرارًا من أصحابه متعوّذًا به . وقد جاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خبرُ ما قال من السماء ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمنافق يسمع: إنَّ رجلاً من المنافقين شَمِتَ أَن ضلَّت ناقة رسول الله وقال ((أَلا يُخبره الله بمكانها؟ فلَعَمرِى إِنَّ محمّدًا لِيُخبرنا بأَعظم من شأن الناقة !)) ولا يعلم الغيبَ إِلاَّ اللّه، وإِنَّ الله تعالى قد أخبرنى بمكانها، وإنها فى هذا الشِّعْب مُقابِلَكم، قد تعلَّق زِمامها بشجرة، فاعْمِدوا عَمْدَها . فذهبوا فَأَذَوْا بها من حيث قال رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمّا نظر المنافق إليها قام سريعاً إلى رفقائه الذين كانوا معه، فإِذا رَحْلُه منبوذ، وإذا هم جُلُوسٌ لم يقم رجلٌ من مجلسه ، فقالوا له حين دنا : لا تَدْنُ منا! قال: أُكلّمكم ! فدنا فقال: أُذكّركم بالله، هل أَتِى أَحدٌ منكم محمّدًا فأخبره بالذى قلت ؟ قالوا : لا واللهِ، ولا قمنا من مجلسنا هذا . قال : فإنى قد وجدت عند القوم ما تكلَّمت به ، وتكلَّم به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأخبرهم بما قال رسول الله صلَّى (١) فى ب: (( ثم وثب هارباً منهم)). ٤٢٥ الله عليه وسلَّم، وإنه قد أُتِى بناقته، وإِلى قد كنت فى شكّ من شأن محمّد فأشهد أنه رسول الله، والله لكأَنى لم أُسام إلَّ اليوم . قالوا له : فاذهب إلى رسول الله يستغفرْ لك. فذهب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فاستغفر له واعترف بذنبه. ويقال إنه لم يزل فَسْلاً(١) حتى مات ، وصنع مثل هذا فى غزوة تبوك . وحدّنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن شُعَيب بن شَدّاد ، قال: لما مر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالنَّقيع منصرفَه من المُرَيْسيع ورأَى سَعَةً، وَكَلأَّ، وغُدُرًا(٢) كثيرةً تتناخس (٣)، وخُبِّرَ بِمَرَاءَته وبَراءَته(٤)، فسأل عن الماءِ فقيل: يا رسول الله، إذا صِفنا قلّت المياه وذهبت الغُدُر، فأَمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حاطب بن أَبى بَلْتَعَة أَن يَحْفِرِ بثرًا، وأمر بالنَّقيع أَن يُحْمَى، واستعمل عليه بلال بن الحارث المُزَنِىّ، فقال بلال : يا رسول الله ، وكم أحمى منه ؟ قال : أَقِم رجلاً صيّئاً إذا طلع الفجر على هذا الجبل - يعنى مقْمِلاً - فحيث انتهى صوتُه فَاحمِه لخيل المسلمين وإبلهم التى يغزون عليها . قال بلال : يا رسول الله ، أَفرأَيت ما كان من سوائم المسلمين ؟ فقال: لا يدخلها . قلت : يا رسول الله، أَرأَيتَ المرأة والرجلَ الضعيفَ تكون له الماشية اليسيرة وهو يضعُف عن التحوّل ؟ قال : دَعْهُ يرعى . فلما كان زمان أبى بكر رضى الله عنه حماه على ما كان رسول (١) الفسل: الردىء الرذل من كل شىء. (النهاية، ج ٣، ص ٢٠١). (٢) الغدر: جمع الغدير، وهو القطعة من الماء يغادرها السيل. ( لسان العرب، ج ٦ ، ص ٣١٢) . (٣) تتناخس: أى يصب بعضها فى بعض. (على هامش نسخة ب ). (٤) كلمتان رسمهما فى الأصل هكذا: ((بمراته وبراته))، وفى ب: ((بمراته ومدامه))؛ ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات . ومرأت الأرض مراءة أى حسن هواؤها، وكلأ مرىء غير وخيم. ( القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٨). وبراءة مصدر من برىء بمعنى خلا ، أى لا صاحب له . ( لسان العرب؟ ج ١، ص ٢٤). ٤٢٦ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حماه ، ثم كان عمر فكثرت به الخيل ، وكان عُثمان فحماه أيضاً . وسبّق النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ بين الخيل وبين الإِبل ، فسبقت القَصْواءُ الإِبل ، وسبق فرسه - وكان معه فرسان، لِزاز (١) وآخر يقال له الظَّرِب - فسبق يومئذٍ على الظَّرِب ، وكان الذى سبق عليه أبو أُسَيد الساعدىّ ، والذى سبق على ناقته بِلال . ذكر عائشة رضى الله عنها وأصحاب الإفك حدّثنى يعقوب بن يحيى بن عَبّاد، عن عيسى بن مَعْمَر ، عن عَباد ابن عبد الله بن الزُّبَير قال ، قلت لعائشة رضى الله عنها: حدّثينا يا أُمّه حديثك فى غزوة المُرَيْسِيع. قالت: يا ابن أَخى، إِنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا خرج فى سفرٍ أَفْرَع بين نسائه، فأَيْتهنَّ خرج سهمها خرج بها، وكان يحبّ أَلَا أُفارقه فى سفر ولا حضّر . فلمّا أَراد غزوة المُرَيْسِيعِ أَفرع بيننا فخرج سهمى وسهم أُمّ سَلَمَة، فخرجنا معه ، فغنّمه الله أموالهم وأنفسهم، ثم انصرفنا راجعين . فنزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلم منزلاً ليس معه مالٌ ولم ينزل على ماء . وقد سقط. عِقْد لى من عنقى، فأَخبرت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَقام بالناس حتى أصبحوا ؛ وضجٌ الناس وتكلَّموا وقالوا: احتبستنا عائشة. وأَتى الناس أبا بكر رضى الله عنه فقالوا : أَلا ترى إِلى ما صنعت عائشة؟ حبست رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَّم ، والناس على غير ماءٍ وليس معهم ماء. فضاق بذلك أبو بكر رضى الله عنه فجاءنى مغيظاً فقال: أَلا تَريْن ما صنعتِ بالناس ؟ حبستٍ رسولٌ (١) فى الأصل: ((لوان))؛ والتصحيح عن نسخة ب. لزاز: فرس للنبى صلى الله عليه وسلم أهداها له المقوقس مع مارية. ( القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٩٠ ). ٤٢٧ الله صلَّى الله عليه وسلَّم والناس على غير ماءٍ وليس معهم ماءٌ . قالت عائشة : فعاتبنى عِتاباً شديدًا وجعل يطعُن بيده فى خاصرتى، فلا يمنعنى من التحرّك إِلَّا مكانُ رسول اله صلَّى الله عليه وسلَّم، رأسه على فخذى وهو نائم . فقال أُسيد ابن حُضَيْر: واللهِ، إنى لأرجو أن تنزل لنا رُخْصة ؛ ونزلت آية النَّيَمُّم . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: كان مَن قَبْلَكم لا يُصلُّون إِلّ فِى بِيَعِهِمْ وكنائسهم، وجُعِلَت لى الأَرض طَهورًا حيثما أدركتنى الصلاة . فقال أُسيد ابن حُضَيْر : ما هى بأَوّل بركتكم يا آل أبى بكر . قالت : وكان أُسَيد رجلاً صالحاً فى بيتٍ من الأوس عظيم . ثم إنا سرنا مع العسكر حتى إِذا نزلنا موضعاً دَمِثاً طيّباً ذا أَراك ، قال : يا عائشة ، هل لك فى السباق؟ قلت : نعم . فتحزَّمت بثيابى وفعل ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، ثم استبقنا فسبقنى، فقال : هذه بتلك السبقة التى كنت سبقتينى. وكان جاءَ إلى منزل أَبى ومعى شىءٌ فقال: هَلُمّيه ! فأَبيت فسعيت وسعى على أَثْرِى فسبقته . وكانت هذه الغزوة بعد أن ضُرِب الحجاب . قالت : وكان النساء إِذ ذلك إلى الخفَّة، هنَّ إِنما يأْكلن العُلَق (١) من الطعام، لم يُهَيَّجْن(٢) باللحم فيثقذْن. وكان اللذان يُرحّلان بعيرى رجلَيْنِ، أَحدهما مولى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقال له أبو مَوهِبة، وكان رجلاً صالحاً ، وكان الذى يقود بى البعير . وإنما كنت أَقعد فى الهودج فيأتى فيحمل الهودج فيضعه على البعير ، ثم يشدّه بالحبال ويبعث بالبعير ، ويأخذ بزمام البعير فيقود بى البعير . (١) العلق: جمع علقة، وهى ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغذاء. (شرح أبى ذر، ص ٣٣٥). (٢) النسيج: كالورم فى الجسد. (شرح أبى ذر ، ص ٣٣٥) . ٤٢٨ وكانت أُمّ سَلَمَة يقاد بها هكذا، فكنا نكون حاشيةً من الناس، يُذَبّ عنا مَن يدنومنا، فربّما سار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى جنبى وربّما سار إِلى جنب أُمّ سَلَمَة. قالت: فلما دنونا من المدينة نزلنا منزلاً فبات به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعض الليل، ثم ادّلج وأَذَّن للناس بالرحيل فارتحل العسكر . وذهبتُ لحاجتى فمشيت حتى جاوزت العسكر وفى عُنُقِى عِقْدٌ لى من جَزْعِ ظَفار(١)، وكانت أُمّى أَدخلتنى فيه على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . فلما قضيت حاجتى انسلّ من عُنُقِى فلا أَدرى به ، فلمّا رجعت إلى الرَّحْلِ ذهبتُ أَلتمسه فى عُنُفى فلم أجده؛ وإذا العسكر قد نغضوا(٢) إِلَّا عِيرات (٢)، وكنت أظنّ أنى لو أقمت شهرًا لم يبعث بعيرى حتى أكون فى هودجى ، فرجعت فى التماسه فوجدته فى المكان الذى ظننت أنه فيه ، فحبسنى ابتغاؤه وأَتى الرجلان خِلافى، فرحّلوا البعير وحملوا الهودج وهم يظنّون أَنى فيه ، فوضعوه على البعير ولا يشكّون أَنى فيه - وكنت قَبْلُ لا أَتكلّم إِذ أكون عليه فلم يُنكروا شيئاً - وبعثوا البعير فقادوا بالزمام وانطلقوا ، فرجعتُ إِلىّ العسكر وليس فيه داعٍ ولا مُجيب، ولا أَسمع صوتاً ولا زَحرًا . قالت: فَأَلتفعُ بشوبى واضطجعتُ وعلمت أَنِى إِن افْتُقِدِتُ رُجع إلىّ. قلت: فواللهِ، إنى المضطجعة فى منزلى ، قد غلبتنى عينى فنمت . وكان صَفوان ابن مُعطَّل السُّلَمِىّ ثم الذَّكْوَانىّ على ساقة الناس من ورائهم، فادّلج فأَصبح عند منزلى فى عماية الصبح ، فيرى سواد إنسان فأَتانى ، وكان يرانى قبل أن ينزل الحجاب، وأَنا مُتلفّعة، فأَثبتنى فاستيقظت باسترجاعه حين (١) ظفار: موضع باليمن قرب صنعاء، ينسب إليه الجزع. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٨١ ) . (٢) نغضوا: تحركوا. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٤٦). (٣) فى ب: ((إلا غيرات)). ٤٢٩ عرفنى. فخمّرت وجهى بمِلْحَفتى، فواللهِ إِن كلّمنى كلمةً غير أَنى سمعت استرجاعه حين أَناخ بعيره . ثم وطى على يده مُولِّياً عنى ، فركبت على رحله ، وانطلق يقود بى حتى جئنا العسكر شَدَّ الضحا ، فارتعج العسكر وقال أصحاب الإِفك الذى قالوا - وتولَى كِبْرَهُ عبدُ الله بن أُبَىّ - ولا أَشعر من ذلك بشىء والناس يخوضون فى قول أصحاب الإِفك . ثم قدمنا فلم أَنشِب أن اشتكيت شكوى شديدة ، ولا يبلغنى من ذلك شىء ، وقد انتهى ذلك إِلى أَبَوَىَّ، وأَبواى لا يذكران لى من ذلك شيئاً ، إِلَّا أَنِى قد أَنكرت من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لُطْفَه بى ورحمته ، فلا أعرف منه اللطف الذى كنت أعرف حين اشتكيت ، إِنما يدخل فيُسلِّم فيقول : كيف تِيكُم ؟ فكنت إذا اشتكيت لطف بى ورحمنى وجلس عندى . وكنا قوماً عرباً لا نعرف الوضوء فى البيوت، نَعافُها ونقذرها ، وكنا نخرج إِلى المَناصع(١) بين المغرب والعشاء لحاجتنا. فذهبت ليلةً ومعى أُمّ مِسْطَح مُلتفعة فى مِرْطِها، فتعلَّقت به فقالت: تَعِس مِسْطَح! فقلت: بِئْسَ لَعَمْر الله ما قلتِ ، تقولين هذا لرجلٍ من أَهل بدر ؟ فقالت لى مُجيبة : ما تدرين وقد سال بك السيل . قلت : ماذا تقولين ؟ فأخبرتنى ول أصحاب الإِفك، فقلَّص ذلك منّى، وما قدرت على أن أذهب لحاجتى . وزادنى مرضاً على مرضى ، فما زلت أَبكى ليلى ويومى . قالت : ودخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ذلك فقلت: الْذَن لى أَذهب إِلى أَبوىَّ. وأَنا أُريد أَن أَستيقن الخبر من قِبَلهما. فأذن لى فأَّتيت أَبوىَّ فقلت لأُمَّى: يغفر الله لكِ ، تحدّث الناس بما تحدّثوا به وذكروا ما ذكروا ولا تذكرين لى من ذلك شيئاً! فقالت: يا بُنَيَّة، خَفِّضى عليك الشأنَ. فواللهِ م! كانت جارية حسناء عند رجلٍ يحبها ولها ضرائرُ إِلَّا كثَّرن عليها القالة (١) هى المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة. واحدها منصع. (النهاية، ج،. ص ١٤٩). ٤٣٠ وكثَّر الناس عليها. فقلت : سبحان الله، وقد تحدّث الناس بهذا كلِّه ؟ قالت : فبكيتُ تلك الليلة حتى أصبحتُ لا يرقأ لى دمع ، ولا أَكتحل بنوم. قالت : فدعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَليّاً وأسامة فاستشارهما فى فراق أهله . قالت : وكان أَحد الرجلَيْنِ أَلينَ قولاً من الآخر . قال أسامة : يا رسول الله، هذا الباطل والكذب، ولا نعلم إِلَّ خيرًا، وإِنَّ بُرَيْرَة تصدُقك . وقال عَلىّ عليه السلام: لم يُضيَّ الله عليك، النساء كثيرٌ وقد أَحلّ الله لك وأَطاب ، فطَلِّقْها وانكحْ غيرها. قالت: فانصرفا، وخلا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ببُرَيْرَة فقال: يا بُريْرَة، أَىّ امرأَةٍ تعلمين عائشة ؟ قالت : هى أَطيب من طيّب الذهب؛ واللهِ ما أَعلم عليها إلّ خيرًا، والّهِ يا رسول الله، لئن كانت على(١) غير ذلك ليُخبرنَّك الله عزَّ وجلّ بذلك، إِلاَّ أَنها جاريةٌ ترقد عن العجين حتى تأتى الشاة فتأكل عجينها ، وقد لُمْتُها فى ذلك غير مرّة. وسأَل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم زَيْنَب بنت جَحْش ولم تكن امرأة تُضاهى (٢) عائشة عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غيرها . قالت عائشة رضى الله عنها : ولقد كنت أَخاف عليها أن تهلِك لِلِغَيْرَة على، فقال لها النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا زينب، ماذا علمتِ على عائشة؟ قالت : يا رسول الله، حاشَى سمعى وبصرى، ما علمت عليها إِلّ خيرًا . واللهِ، ما أُكلّمها وإِنِى لمهاجرتها، وما كنت أَقول إِلّ الحقّ . قالت عائشة رضى الله عنها : أَما زينب . فعصمها الله، وأَما غيرها فهلك مع من هلك . ثم سأَّل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أُمّ أَيْمَن فقالت: حاشَى سمعى (١) فى ب: ((لئن كانت على ذلك)) .. (٢) فى ب: ((تناضى)). ٤٣١ وبصرى أَن أَكون علمت أَو ظننت بها قَطُ. إِلَّا خيرًا. ثم صعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : من يعذرنى مِمَّن يُؤذينى فى أَهلى ؟ ويقولون لرجل ، واللهِ ما علمتُ على ذلك الرجل إِلَّا خيرًا، وما كان يدخل بيتاً من بيوتى إِلَّا معى ، ويقولون عليه غير الحقّ . فقام سعد بن معاذ فقال : أَنا أَعذرك منه يا رسول الله؛ إِن يك من الأوس آتك برأسه . وإن يك من إخواننا من الخزرج فمُرْنا بأَمرك نمضى لك . فقام سعد بن عبادة - وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ، ولكن الغضب بلغ منه، وعلى ذلك ما غُمِص(١) عليه فى نفاق ولا غير ذلك إلَّا أَنَّ الغضب يبلغ من أهله - فقال : كذبت لعمر اللهِ، لا تقتله ولا تقدر على قتله . واللّه، ما قلتَ هذه المقالة إلَّا أَنك قد عرفت أنه من الخزرج ؛ ولو كان من الأوس ما قلت ذلك، ولكنك تأُخذنا بالذُّحول (٢) كانت بيننا وبينك فى الجاهلية، وقد محا الله ذلك! فقال أُسَيد بن حُضَير : كذبت واللهِ ، لنقتلنَّه وأَنْفُك راغِمٌ ، فإنك منافقٌ تُجادل عن المنافقين! واللهِ، لو نعلم ما يهوَى رسول الله من ذلك فى رهطى الأَدنين ما رام رسول الله مكانه حتى آتيه برأُسه ؛ ولكنى لا أَدرى ما يهِوَى رسول الله ! قال سعد بن عُبادة: تأّون يا آل أوس إلَّا أَن تأُخذونا بذحولٍ كانت فى الجاهلية. واللهِ، ما لكم بذكرها حاجة ، وإنكم لتعرفون لمن الغلبة فيها ، وقد محا الله بالإِسلام ذلك كلّه. فقام أُسَيد بن حُضَير فقال : قد رأيتَ موطننا يوم بعاث ! ثم تغالظوا ، وغضب سعد بن عبادة فنادى : يا آل خزرج ! فانحازت الخزرج (١) تقول هو مغموص عليه، أى مطعون فى دينه. (القاموس المحيط، ج ٢ ص ٣١٠). (٢) فى الأصل: ((بدخول))، وما أثبتناه هو قراءة ب. والذحول: العداوة. (النهاية، ج ٢، ص ٤٣ ). ٤٣٢ "كلّها إِلى سعد بن عُبادة . ونادى سعد بن معاذ : يال أَوس ! فانحازت الأَوس كلّها إلى سعد بن مُعاذ. وخرج الحارث بن حَزْمَة مُغيرًا حتى أَتى بالسيف يقول : أَضرب به رأس النفاق وكهفَه. فلقيه أُسَيد بن حُضَير وهو فى رهطه وقال: ارمٍ به ، يُحمل السلاح من غير أمر رسول الله ! لو علمنا أَن لرسول الله فى هذا هوىٌ أَو طاعةً ما سبقتَنا إليه. فرجع الحارث(١) واصطفَّت الأَوس والخزرج، وأشار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الحيّين جميعاً أَنِ اسكتوا ، ونزل عن المنبر فهدّأَهم وخفّضهم حتى انصرفوا . قالت عائشة رضى الله عنها : وجاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدخل علىَّ فجلس عندى ، وقد مكث شهرًا قبل ذلك لا يُوحَى إليه فى شأنى . قالت : فتشهَّد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين جلس، ثم قال : أَمّا بعد يا عائشة ، فإِنه بلغنى كذا وكذا ، فإن كنتِ بريئةً يُبرِّئَكِ الله، وإن كنتِ أَلممتِ بشىءٍ ممّا يقول الناس فاستغفرى الله عز وجل، فإِنَّ العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه . قالت : فلمّا قضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كلامه ذهب دمعى حتى ما أَجد منه شيئاً ، وقلت لأَّبِى: أَجِبْ رسول الله . فقال: واللهِ، ما أَدرى ما أَقول وما أُجيب به عنك. قالت : فقلت لأُمِّى: أَجيبى عنّى رسولَ الله . فقالت: واللهِ، ما أَدرى ما أُجيب عنك لرسول الله. وأَنا جاريةٌ حديثة السِّن، لا أَقرأ كثيرًا من القرآن . قالت : فقلت : إنى واللهِ قد علمتُ أَنكم سمعتم بهذا الحديث ، فوقع فى أنفسكم فصدّقتم به ، فلئن قلتُ لكم إنى بريئة لا تُصدّقونى، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ يعلم الله أَنى منه بريئة لتصدّقونى . وإنى (١) فى ب: ((فرجع الحارث بسيفه ولغطت الأوس والخزرج)) .. ٤٣٣ واللهِ ما أَجِد لى مثلاً إِلَّا أَبا يوسف إذ يقول: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)(١) واللهِ ما يحضرنى ذكر يعقوب ، وما أهتدى من الغيظ. الذى أَنا فيه . ثم تحوّلتُ فاضطجعتُ على فراشى وقلت: والله يعلم أنى بريئة، وأَنا بالله واثقةٌ أَن يَبرّننى الله ببراءتى. فقال أبو بكر رضى الله عنه: فما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر . واللهِ ، ما قيل لنا هذا فى الجاهلية حيث لا نعبد الله ولا ندع له شيئاً ، فيقال لنا فى الإِسلام ! قالت : وأقبل علىَّ أَبى مُغْضَباً . قالت: فاسْتَعْبَرْتُ فقلتُ فى نفسى: ((واللهِ لا أَتوب إلى الله مما ذكرتم أبدًا))، وأيْمُ الهِ لَأَّنا كنت أَحقرَ فى نفسى وأصغر شأناً من أَن ينزل فىّ قرآنٌ يقرأه الناس فى صلاتهم ، ولكن قد كنت أرجو أن يرى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى نومه شيئاً يُكذّبهم(٢) الله عنى به لِما يعلم من براءتى، أَو يُخبَر خبرًا؛ فأَما قرآن ، فلا واللهِ ما ظننته ! قالت : فواللهِ، ما برح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من مجلسه، ولا خرج أَحدٌ من أهل البيت حتى يغشاه من أمر الله ما كان يغشاه . قالت : فسُجِّى بثوبه وجُمِعَت وسادةٌ من أَدَمٍ تحت رأسه؛ فأَما أَنا حين رأيت ما رأَيت فواللهِ لقد فرحْتُ به وعلمتُ أَنى بريئة ، وأَنَّ اللّه تعالى غير ظالمٍ لى . قالت : وأَما أَبواى فوالذي نفسي بيده ما سُرِّىَ عن النبى صلَّى الله عليه وسلَّم حتى ظندُ لتخرجنَّ أَنفسهما فَرَقاً أَن يأْنِى أَمرٌ من الله تحقيق ما قال الناس. ثم كشف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن وجهه وهو يضحك، وإنه لَيتحدّر منه مثل الجُمان، وهو يمسح جبينه ، فكانت أَوّل كلمة قالها (١) سورة ١٢ يوسف ١٨. (٢) فى ب: ((يكذب الله عنى به)).