النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨٠
سِنان الضَّرّاطة، وأَعطى الزُّبَير بن العَوامِ وأَبا سَلَمَة بن عبد الأَسَد البُوَيلة.
وكان مال سهل بن حُنَيف وأَبِى دُجانة معروفاً، يقال له مال ابن خَرَشَة ،
ووسّع رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الناس منها .
ذكر ما نزل من القرآن فى بنى النَّضير
{سَبَّحَ لِلّهِ ما فى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ﴾(١) قال كلّ شيءٍ سبّح له،
وتسبيح الجُدُر النقض(٢). حدّثْنِى رَبيعة بن عُثمان، عن حُبِىّ ، عن أَبى
هُرَيْرَة بذلك. ﴿ هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ مِنْ
دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ (٣) يعنى بنى النَّضير حين أَخرجهم رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم من المدينة إلى الشام ، وكان ذلك أَوّل الحشر فى الدنيا
إلى الشام ؛ ﴿ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ يقول الله عزّ وجلّ للمؤمنين :
ما ظننتم ذلك ، كان لهم عزَّ ومنَعة ؛ ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَنُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ﴾.
حين تحصّنوا؛ ﴿فَأَّدَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ ال ظهور رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم وإجلاؤهم؛ {وَقَذَفَ فى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ لمّا نزل رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم بساحتهم رَعَبُوا وأيقنوا بالهلكة ، وكان الرعب فى
قلوبهم له وَجَبان (٤)؛ ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِى المُؤْمِنِينَ﴾ قال
كانوا لما حُصِروا والمسلمون يحفرون عليهم من ورائهم وهم ينقُبون ممّاً يليهم ،
فيأُخذون الخشب والنجُف؛ ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِ الأَبْصَارِ﴾ قال يعنى يا أَهل .
(١) سورة ٥٩ الحشر ! .
(٢) فى ب: ((النقيض)).
(٣) سورة ٥٩ الحشر ٢ .
(٤) وجب القلب وجبانا، خفق واضطرب. (لسان العرب، ج ٢، ص ٢٩٤).
٣٨١
العقول. ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلاَءَ﴾(١) يقول فى أُمّ الكتاب أَن
يجلوا. ﴿ذُلِك بِأَنَّهُمْ شَاقّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾(٢) يقول عصوا الله ورسوله وخالفوه .
﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا .. ﴾ (٣) الآية، قال كان رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم قد استعمل على قطع نخلهم أَبا لَيلى المازنىّ وعبد الله بن
سلام ، فكان أبو ليلى يقطع العَجْوَة، وكان ابن سلام يقطع اللَّوْن ، فقال
لهم بنو النَّضير : أَنتم مسلمون ما يحلّ لكم عقْر النخل . فاختلف أصحاب
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى ذلك، فقال بعضهم يُقْطَع ، وقال بعضهم
لا يُقْطَعِ. فأنزل الله عزَّ وجلٌ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِيْنَةٍ﴾ أَلوان النخل سوى العَجْوَة؛
﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال العَجْوَة؛ ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِىَ
الفَاسِقِينَ﴾ يقول يغيظهم ما قُطع من النخل. ﴿ما أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ
أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القُرْبَى وَالْيَتانىَ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾(٤)
قوله لله ولرسوله واحد ﴿ وَلِذِى القُرْبى﴾ قرابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
﴿وَالْيَتامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فسهْم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
خُمس الخمس ، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُعطى بنى هاشم من
الخمس ويُزوّج أياماهم . وكان عمر رضى الله عنه فد دعاهم إلى أَن يُزوّج
أياماهم ويخدم عائلهم ويقضى عن غارمهم ، فأَبَوا إِلاَّ أَن يُسلمه كلَّه ،
وأَبى عمر رضى الله عنه . فحدّثْنِى مُصْعَب بن ثابت ، عن يَزيد بن رُومان ،
عن عُروة، أَنَّ أَبا بكر وعمر وعَلِيًّا كانوا يجعلونه فى اليتامى والمساكين وابن
السبيل . وقوله ( كَىْ لا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) يقول لا يُستنّ بها
(١) سورة ٥٩ الحشر ٣ .
(٢) سورة ٥٩ الحشر ٤ .
(٣) سورة ٥٩ الحشر ٥ .
( ٤) سورة ٥٩ الخشر ٧ .
۔
٣٨٢
من بعد فتُعطَى الأَغنياءَ؛ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُوا﴾ يقول ما جاءَ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من أَمرٍ ونَهْىٍ فهو
بمنزلة ما نزل من الوحى. ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً﴾(١) يعنى المهاجرين الأَوّلين من
قُرْيش الذين هاجروا إلى المدينة قبل بدر . ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّوًّا الدَّارَ وَالإِيمانَ
مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُونَ مَنْ هاجرَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) يعنى الأنصار، يقول هم أهل الدار
الأَوس والخزرج؛ ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصةٌ﴾ لا يجدون فى أنفسهم حسدًا ممّا أُعْطِى
غيرهم ، يعنى المهاجرين حين أعطاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يعط
الأَنصار ، فهذه الأَذَرة على أنفسهم حين قالوا للنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم :
أَعطِهم ولا تُعطنا وهم محتاجون؛ ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ﴾ قال ظلْم الناس .
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٣) يعنى الذين أسلموا فحقّ عليهم أن يستغفروا
لأَّصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَةُ ولُود
لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينِ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ
ولَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحدًا أَبَدًا﴾ (٤) قول ابن أُبَّ حين أرسل سُوَيْدًا وَداعِساً (٥)
إِلى بنى النَّضير : أَقيموا ولا تخرجوا فإِنَّ معى من قومى وغيرهم أَلْفَيْن ، يدخلون
معكم فيموتون عن آخرهم دونكم . يقول الله عزَّ وجلّ ﴿يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
يعنى ابن أُبَىّ وأصحابه. ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ (٦) حين أَجلاهم رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم لم يخرج من المنافقين إنسانٌ واحدٌ معهم ، وقوتلوا فلم يدخل
(٢) سورة ٥٩ الحشر ٩ .
(١) سورة ٥٩ الحشر ٨.
(٣) سورة ٥٩ الحشر ١٠ .
(٤) سورة ٥٩ الحشر ١١ .
(٥) فى الأصل: ((داعيا)».
(٦) سورة ٥٩ الحشر ١٢ .
والتصحيح ن سائر النسخ .
٣٨٣
الحصن منهم إِنسان، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ﴾ يعنى ينهزمون من
الرعب، ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فى صُدُورِهِمْ مِن اللهِ﴾(١) يعنى ابن أُبَىّ والمنافقين
الذين معه خوفاً من المسلمين أَن يُقبلوا ؛ ﴿ذُلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴾
﴿لَا يُقاتِلُونَكُمْ جَميعاً﴾ (٢) يعنى بنى النَّضير والمنافقين؛ ﴿إِلَّا فِى قُرَّى
مُحَصَّنَةٍ﴾ يقول فى حصونهم؛ ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾
بعضهم لبعض ؛ ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) يعنى المنافقين وبنى
الَّضير. ﴿ذُلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ يقول دين بنى النَّضير مخالف
دين المنافقين [وهم] جميعاً، فى عداوة الإِسلام مجتمعون. ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾(٣) قال يعنى قَيْنُفَاع حين أَجلاهم
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا
كَفَرَ قالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِنْكَ إِنَّى أَخافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ﴾(٤) قال هذا مَثَلٌ
لابن أُبَىٌّ وأصحابه الذين جاءُوا بنى النَّضير فقالوا: أُقيموا فى حصونكم فنحن
نُقاتل معكم إن قوتلتم ، ونخرج إِن أُخْرِجتم كذباً وباطلاً، منَّهم من
أنفسهم . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُر ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾(٥)
يقول ما عملت ليوم القيامة. ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ
أَنْفُسَهُمْ﴾(٦) يقول أعرضوا عن ذكر الله تعالى فأَضلَّهم الله تعالى أن يعملوا
لأَنفسهم خيرًا. وقال ﴿القُدُّوسُ﴾ (٧) الظاهر، و﴿المُهَيْمِنِ﴾ الشهيد .
(١) سورة ٥٩ الحشر ١٣ .
(٢) سورة ٥٩ الحشر ١٤ .
(٣) سورة ٥٩ الحشر ١٥ .
( ٤) سورة ٥٩ الحشر ١٦ .
(٥) سورة ٥٩ الحشر ١٨ .
(٦) سورة ٥٩ الحشر ١٩ .
(٧) سورة ٥٩ الحشر ٢٣ .
٣٨٤
غزوة بَدْرِ المَوْعِد
وكانت لهلال ذى القعدة على رأس خمسةٍ وأربعين شهراً ، وغابٍ رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيها ستَّ عشرة ليلة، ورجع إلى المدينة لأربعَ عشرة
بقيت من ذى القعدة ، واستخلف على المدينة ابنَ رَواحَة .
حدّثنى الضَّحّاك بن عُثمان، ومحمّد بن عمرو الأنصارىّ ، وموسى بن
محمّد بن إبراهيم بن الحارث ، وأبو بكر بن عبد الله بن محمّد بن أَبِى
سَبْرَة، ومَعْمَر بن راشد، وأَبو مَعْشَر ، وعبد الله بن جعفر ، ومحمّد بن
عبد الله بن مُسلم ، وعبد الحميد بن جعفر ، وابن أَبِى حَبيبة ، ومحمّد بن
يحيى بن سهل ، وكلُّ قد حدّثنى بطائفة من هذا الحديث ، وغيرهم ممّن
لم أُسمّ ، قالوا : لمّا أَراد أَبو سُفيان أَن ينصرف يوم أُحُد نادى: موعدٌ
بيننا وبينكم بَدر الصَّفْراء رأسَ الحَول، نلتقى فيه فنقتتل. فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم لعمر بن الخَطّب رضى الله عنه : قال نعم إن شاء الله .
ويقال قال أبو سفيان يومئذ : موعدكم بدر الصَّفْراء بعد شَهْريْن . قال ابن
واقد : والأَّل أَثبت عندنا . فافترق الناس على ذلك ، ورجعت قُرَيش
فخبّروا مَن قِبلَهم بالموعد وتهيّئوا للخروج وأَجلبوا(١)، وكان هذا عندهم
أعظم الأَيّام لأُنَّهم رجعوا من أُحُد والدولة لهم ، طمعوا فى بدر الموعد أيضاً
بمثل ذلك من الظفر. وكان بدر الصَّفْراء مجمعاً يجتمع فيه العرب ، وسوقاً
تقوم لهلال ذى القعدة إلى ثمان ليالٍ خلون منه ، فإِذا مضت ثمانى ليال منه
تفرّق الناس إلى بلادهم. فلمّا دنا الموعد كره أَبو شُفيان الخروج إلى رسول
(١) أجلبوا: تجمعوا وتألبوا. (النهاية، ج ١، ص ١٦٩).
٣٨٥
الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وجعل يُحبّ أَن يُقيم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وأصحابه بالمدينة ولا يُوافقون الموعد . فكان كل من ورد عليه مكَّةً يُريد المدينة
أَظهر له: إِنا نُريد أن نغزو محمّدًا فى جَمْعٍ كَثيف . فيقدَم القادم على
أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيراهم على تجهّز فيقول : تركتُ أَبا
سُفيان قد جمع الجموع ، وسار فى العرب ليسير إليكم لموعد كم . فيكره ذلك
المسلمون ويُهيّبهم ذلك .
ويقدم نُعَيم بن مسعود الأَشْجَعى مَّة، فجاءه أَبو سُفيان بن حَرب فى
رجالٍ من قُرَيش فقال: يا نُعَيم، إِى وعدت محمّدًا وأصحابه يوم أُحُد أَن
نلتقى نحن وهو ببَدر الصَّفْراء على رأس الحول ، وقدجاء ذلك. فقال نُعَيم :
ما أَقدمنى إِلاَّ ما رأيتُ محمّدًا وأَصحابه يصنعون من إِعداد السلاح والكُراعِ،
وقد تجلَّب إليه حلفاءُ الأَوس من بَلِيّ وجُهَيْنَة وغيرهم ، فتركت المدينة أَمس
وهى كَالرُّمَانَة. فقال أبو سُفيان: أَحقًّا ما تقول ؟ قال: إِى واله.
فِجَزَوا نُعَيماً خيرًا ووصاوه وأَعانوه ، فقال أَبو سُفيان: أَسمعُك تذكر ما
تذكر ، ما قد أَعدّوا ؟ وهذا عام جَدْب - قال نُعَيم: الأَرض مثل ظهر
التُّرْس، ليس فيها لبعير شىءٌ - وإِنما يُصلحنا عام خِصْب غَيداق(١) ترعى
فيه الظَّهر والخيل ونشرب اللبن، وأَنا أَكره أَن يخرج محمّدٌ وأصحابه ولا
أُخرج فيجترئون علينا ، ويكون الخُلف من قِبَلهم أَحبَّ إِلىّ. ونجعل لك
عشرين فَريضة، عشرًا جِذاعاً(٢) وعشرًا حِقاقاً(٣)، وتُوضَع لك على يَدَى
(١) غيداق: واسع مخصب. ( لسان العرب، ج ١٢، ص ١٥٦).
(٢) الجذاع : جمع الجذع، وهو من الإبل ما دخل فى السنة الخامسة . ومن البقر والمعز ما دخل فى
السنة الثانية . ( النهاية، ج ١ ، ص ١٥٠) .
(٣) الحقاق: جمع الحقة، وهو من الإبل ما دخل فى السنة الرابعة إلى آخرها وسمى بسمك لأنه استحق
الركوب . ( النهاية ، ج ١ ، ص ٢٤٤) .
٣٨٦
سُهَيل بن عمرو ويضمنها لك . قال نُعَيم : رضيتُ . وكان سُهَيل صديقاً
لنُعَيم فجاءَ سُهَيلاً فقال: يا أَبا يَزيد ، تضمن لى عشرين فَريضة على أَن
أَقدَم المدينة فأُخذِّلَ أَصحابَ محمّد ؟ قال: نعم . [ قال] : فإِى خارج .
فخرج على بعير حملوه عليه . وأسرع السير فقدم وقد حلق رأسه معتمرًا ،
فوجد أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يتجهَّزون ، فقال أصحاب رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم: من أَين يا نُعَيم ؟ قال: خرجت معتمرًا إِلى مكَّة .
فقالوا : لك علمٌ بأبى سفيان ؟ قال : نعم ، تركت أَبا سُفيان قد جمع
الجموع وأَجلب معه العرب، فهو جاءٍ فيما لا قِبَل لكم به؛ فأقيموا ولا تخرجوا
فإنهم قد أَتوكم فى داركم وقَراركم ، فلن يُفلت منكم إِلاَّ الشريد، وقُتِلِت
سراتكم وأصاب محمّدًا فى نفسه(١) ما أصابه من الجراح . فتُريدون أن
تخرجوا إليهم فتلقَوهم فى موضعٍ من الأرض ؟ بئس الرأى رأيتم لأنفسكم
- وهو مَوسم يجتمع فيه الناس - واللهِ ما أَرى أَن يُفلت منكم أحد ! وجعل
يطوف بهذا القول فى أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى رعّبهم
وكرّه إليهم الخروج ، حتى نطقوا بتصديق قول نُعَيم، أَو مَن (٢) نطق
منهم . واستبشر بذلك المنافقون واليهود وقالوا: محمّدٌ لا يُفلت(٣) من هذا
الجمع ! واحتمل الشيطان أولياءه من الناس لخوف المسلمين ، حتى بلغ
رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك ، وتظاهرت به الأخبار عنده ، حتى خاف
رسول الله ألا يخرج معه أحد . فجاءه أَبو بكر بن أبى قُحافة رضى الله عنه ،
وعمر بن الخطّب رضى الله عنه ، وقد سمعا ما سمعا فقالا : يا رسول الله
إِنَّ اللّه مُظهرٌ دينه ومُعزّ نبيّه، وقد وعدْنا القوم موعدًا ونحن لا نُحبّ أَن
(١) فى ب: ((وأصاب محمدا ما أصابه فى نفسه من الجراح)).
(٢) فى ب: ((أو نطق عنهم)).
(٣) فى ب: ((وما محمد يفلت)).
٣٨٧
نتخلَّف عن القوم، فيرون أنَّ هذا جبن منَّا عنهم ؛ فيِرْ لموعدهم، فواللهِ
إِنَّ فى ذلك لخيرة! فسُرّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك ثم قال : والذى
نفسى بيده ، لأَخرجنّ وإن لم يخرج معى أحد ! قال: فلمّا تكلّم رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم تكلّم بما بصّر الله عزَّ وجلّ المسلمين، وأَذهب ما كان رعْبهم
الشيطان ، وخرج المسلمون بتجارات لهم إلى بَدر .
فحُّدِّثت عن يزيد، عن خُصَيفة، قال: كان عُثمان بن عَفَّان رحمه الله
يقول : لقد رأَيتنا وقد قُذِف الرعب فى قلوبنا، فما أَرى أَحدًا له نيّة فى
الخروج ، حتى أَنهج الله تعالى للمسلمين بصائرهم ، وأذهب عنهم تخويف
الشيطان . فخرجوا فلقد خرجتُ ببضاعة إلى موسم بدر ، فربحتُ للدينار
دينارًا، فرجعنا بخير وفضلٍ من ربّنا . فسار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فى المسلمين وخرجوا ببضائعَ لهم ونفقات ، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذى
القعدة ، وقام السوق صبيحة الهلال ، فأَقاموا ثمانية أَيّامٍ والسوق قائمة .
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد خرج فى ألف وخمسمائة من أصحابه
وكانت الخيل عشرة أَفراس : فرس لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وفرس
لأبى بكر . وفرس لعمر ، وفرس لأَبى قتادة . وفرس لسعيد بن زيد ، وفرس
للمِقداد، وفرس للحُباب ، وفرس للزَّبَير ، وفرس لعَبّاد بن بِشر .
فحدّثنِى عَلىّ بن زيد، عن أبيه قال : قال المِقداد: شهدت بدر
الموعد على فرسى سَبْحَة، أَركب ظهرها ذاهباً وراجعاً، فلم يلق كيدًا. ثم
إِنْ أَبا سُفيان قال. يا مَعشر قُرَيش، قد بعثنا نُعَيم بن مسعود لأَن يُخذِّل
أَصحابَ محمّد عن الخروج وهو جاهد، ولكن نخرج نحن فنسير ليلة أو ليلتَيْن
ثم نرجع ، فإِن كان محمّدٌ لم يخرج بلغه أنَّا خرجنا فرجعنا لأنه لم يخرج ،
فيكون هذا لنا عليه؛ وإِن كان خرج أَظهرْنا أَنَّ هذا عام جَدْب ولا يُصلحنا
٣٨٨
إِلَّا عامٌ عَشِب. قالوا: نِعْمَ ما رأَيتَ . فخرج فى قُرَيش . وهم ألفان ومعهم
خمسون فرساً، حتى انتهوا إِلى مَجَنَّةً (١) ثم قال: ارجعوا، لايُصلحنا إِلَّ عام
خِصْب غَيداق ، نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن ، وإِنَّ عامكم هذا عام
جَدْب، وإِنى راجع فارجعوا . فسمّى أَهل مكَّة ذلك الجيش جيش السّويق،
يقولون : خرجوا يشربون السَّويق .
وكان يحمل لواءَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأَّعظم يومئذٍ عَلىّ بن أبى
طالب عليه السلام . وأَقبل رجلٌ من بنى ضَمْرَة يقال له مَخشىّ بن عمرو ،
وهو الذى حالف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على قومه فى غزوة رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم الأُولى إِلى وَدّان فقال - والناس مجتمعون فى سوقهم
وأصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أكثر أهل ذلك الموسم - فقال :
يا محمّد، لقد أُخْبرنا أنه لم يبق منكم أَحد، فما أَعْلَمُكم إلّا أَهل الموسم.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ ليرفعَ ذلك إلى عدوّه من قُرَيش : ما
أَخرجنا إِلاَّ موعدُ أَبِى سُفيان وقتالُ عدوّنا، وإن شئت(٢) مع ذلك بذنا
إليك وإلى قومك العهدَ ، ثم جالدناكم قبل أن نبرح من منزلنا هذا . قال
الضَّمْرِىّ : بل ، نكفّ أَيدينا عنكم ونتمسّك بحِلْفك. وسمع بذلك مَعْبَد
ابن أَبِى مَعبد الخُراعىّ فانطلق سريعاً. وكان مُقيماً ثمانية أَيّم ، وقد رأَى أَهل
الموسم ورأَى أَصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، وسمع كلام
مَخْشِىٌ ، فانطلق حتى قدم مكَّة ، فكان أَوّل من قدم بخبر موسم بَدر .
فسألوه فأخبرهم بكثرة أصحاب محمّد . وأنهم أَهل ذلك الموسم ، وما سمع من
قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الضَّمْرِىّ، وقال : وافى محمّدٌ فى أَلفَيْن من
(١) مجنة: موضع على أميال يسيرة من مكة بناحية مر الظهران. (معجم البلدان ، ج ٧ ، ص
٣٨٩) .
(٢) فى ب: ((وإن شئت نبذنا)).
٣٨٩
أَصحابه، وأقاموا ثمانية أَيّام حتى تصدّع أهل الموسم . فقال صفوان بن
أُمَيّة لأَّبِى سُفيان : قد واللهِ نهيتُك يومئذٍ أَن تَعِدَ القوم ، وقد اجترأوا علينا
ورأوا أن قد أَخلفناهم، وإِنما خلَّفَنا الضعف عنهم. فأَخذوا فى الكَيْد والنفقة
فى قتال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واستجلبوا من حولهم من العِربِ، وجمعوا الأموال
العظام ، وضربوا البعث على أَهل مكَّة ، فلم يُتْرَك أَحدٌ منهم إلاَّ أَن يأْتى بما
قلّ أَو كثُر ، فلم يُقْبَل من أَحدٍ منهم أَقْلَّ من أُوْقيّةٍ لغزوة الخَنْدَق . وقال
مَعَبَد : لقد حملنى ما رأَيت أَن قلت شعرًا :
تَهْوى على دِينٍ (١) أَبيها الأَتْلِدِ(٢) إِذْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدِ(٣) مَوْعِدٍ
إِذْ نفرتْ مِن رُفْقَتَىْ مُحَمَّدٍ
وماءَ ضَجْنانَ لهَا ضُحَى الغَدِ
وَعَجْوَةٍ مَوضوعةٍ كَالعَنْجَدِ (٤)
ويزعمون أَنَّ حُمّاماً(٥) قالها .
وأَنزل الله عزَّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾(٦)
الآية ، يعنى نُعَيم بن مَسعود .
وقال كعب بن مالك - قال الواقدىّ : أَنشدنيها مشيخة آل كَعب
وأصحابنا جميعاً :
لِمَوْعِدِهِ صِدْقاً ومَا كَان وَافِيا
وعدْنا أَبا سُفيانَ بَدْرًا فلم نَجِدْ
رجعتَ ذَميمًا وافتقدتَ المَوالِيا (٧)
فَأُقْسِمُ لو وافيتَنا فلقيتَنا
() تهوى: أى تسرع. والدين هنا الدأب والعادة. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٦).
() الأن": الأقدم. (الصحاح، ص ٤٤٧) .
(٣) القد: قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٦٠).
(٤) العنجد: حب الزبي، ويقال هو الزبيب الأسود. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٥).
(٥) لعله يريد حمام بن حصين المرى.
(٦) سورة ٣ آل عمران ١٧٣.
(٧) افتقدت: معناه هنا فقدت. والموالى: القرابة. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٦).
٣٩٠
وَعَمْرًا أَبَا جَهْلٍ تركناه ثَاوِيا
تركنا بها أَوصالَ عُنْبَةَ وابنِهِ
وَأَمْرِ كُمُ الَِّىْءٍ(١) الَّذِى كَانَ غَاوِيا
عصيتم رسولَ اللهِ أُفٍّ لِدِينِكم
فِدِى لِرسول اللهِ أَهْلِي وَمَا لِيا
وَإِنِّى وَإِن عَنَّفْتمونى(٢) لِقَائِلٌ
شِهاباً لَنا فى ظُلمة الليل هَادِيا
أَطعنا فَلم نَعْدِلْ سِواهُ بِغَيْرِهِ
وقال حسّان بن ثابت الأنصارىّ - ثبت ابن أبى الزِّناد وابن جَعفر
وغيرهما :
بِأَرْعَنَ(٤) جَرّارٍ عَريضِ المَبَارِكِ
أَقمنا على الرَّسِّ النَّزوعِ (٣) ثَمانيا
بِكُلْ كُمَيْتٍ جَوْزُهُ(٥) نِصْفُ خَلْقِهِ
وَأُدْمٍ(٦) طِوالٍ مُشْرفات الحَوارِهِ(٧)
مَنَاسِمُ(٩) أَنْفافِ المطلىّ الرَّوَاتِكِ(١٠)
تَرَى العَرْفَجِ(٨) العامىَّ تُبدى أُصولَهُ
فَقولا لَهَا ليس الطَّريق هُنالِكِ
ضِرابٌ كَأَفواهِ المَخاضِ الأَوارِهِ(١٤)
إِذا هَبَطَت خَوْرات (١) من رَمْلٍ عالِيجٍ(١٢)
ذَروا فَلَجَاتٍ (١٣) الشَّام قد حال دونها
(١) فى ب: ((الشىء)).
(٢) عنفتمونى: أى لمتمونى. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٦).
(٣) الرس النزوع: البئر التى يخرج ماؤها بالأيدى. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٦).
(٤) الأرعن: الجيش الكثير الذى له أتباع وفضول. (شرح أبى ذر ، ص ٢٩٦) .
(٥) جوزه: يعنى وسطه، وأراد به هنا بطنه. ( شرح أبى ذر، ص ٢٩٧).
(٦) أدم: جمع أدماء، والأدمة فى الإبل: البياض الشديد. (الصحاح، ص ١٨٥٩).
(٧) الحوارك: جمع حارك، وهو أعلى الكتفين. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٧).
(٨) العرفج: شجر معروف صغير سريع الاشتعال بالنار، وهو من نبات الصيف . ( النهاية
ج ٣ ، ص ٨٦) .
(٩) مناسم: جمع منسم، وهو طرف خف البعير. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٧).
(١٠) الرواتك: المسرعة، والرتك ضرب من المشى فيه إسراع. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٧).
(١١) هكذا فى الأصل. وفى ب: ((حوران))، وكذا فى ديوان حسان أيضاً (ص ١٩).
وخورات : جمع خور، وهو المنخفض من الأرض . (القاموس المحيط، ج ٢، ص٢٥).
(١٢) عالج: مومع فى ديار كلب، ويقال لبنى بحتر من طىء. وقال أبو زياد الكلابى : رمل
عالج يصل إلى الدهناء، والدهناء فيما بين اليمامة والبصرة. ( معجم ما استعجم ، ص ٦٦٤) .
(١٣) فلجات: جمع فلج، وهو الماء الجارى. (الروض الأنف، ج ٢، ص ١٨٦).
(١٤) المخاض: الحوامل من الإبل. والأوارك: التى ترعى الأراك، وهو شجر. (شرح أبى
ذر ، ص ٢٩٦) .
٣٩١
وأَنْصارِ حَقِّ أُيِّدوا بِمَلائِكِ
بأيدى رجالٍ هاجروا نحو رَبِّهِم
◌ُراتَ بن حَيّاذِيكُنْ رَمْنَ هالِكِ
فإِن نَلْقَ فى تَطْوافِنا والتماسنا
نَزِدْ فِى سوادٍ وَجْههِ لَوْنَ حالِكِ (١)
وإِنْ نَلْقَ قَيْس بن آَمْرِئُ القَيْسِ بَعْدَه
فأجابه أَبو سُفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب(٢). هكذا كان.
سريّة ابن عَتيك إِلى أَبى رافع
خرجوا ليلة الاثنين فى السحَر لأَربع خلون من ذى الحجّة ، على رأس
ستَّة وأربعين شهرًا ، وغابوا عشرة أَيّام .
حدّثنى أَبو أَيّوب بن النُّعمان ، عن أبيه ، عن عَطيّة بن عبد الله بن
أنّيس، عن أبيه ، قال : خرجنا من المدينة حتى أَتينا خَيْبَر . قال : وقد
كانت أُمّ عبد الله بن عَتيك بخَيْبَر يهوديّة أرضعته، وقد بعثَنا رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم خمسة نفر : عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أُنّيس ،
وأَبو قتادة، والأَّسود بن خُزاعىّ، ومَسعود بن سِنان . قال : فانتهينا إِلى
خَيْبَر، وبعث عبد الله إِلى أُمّه فأَعلمها بمكانه ، فخرجت إِلينا بجراب مملوء
تمرًا كبيساً وخبزًا، فأَكلنا منه ثم قال لها: يا أُمّاه، إِنا قد أَمسينا،(٣)
بيِِّينا عندك فأَدخلينا خَيْبَر. فقالت أُمّه: كيف تُطبق خَيْبَر وفيها أربعة
آلاف مقاتل ؟ ومَن تُريد فيها ؟ قال : أَبا رافع . فقالت : لا تقدر عليه .
(١) الحالك: الشديد السواد. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٧).
(٢) ذكر ابن إسحاق أبيات أبى سفيان. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ٢٢٢).
(٣) فى ب: ((يا أمه إنا قد أمسينا لقد بتنا عندك)).
٣٩٢
قال: واللهِ لأَقتلنّه أَو لأُقْتَلَنَّ دونه قبل ذلك. قالت : فادخلوا علىّ ليلاً.
فدخلوا عليها فلمّا نام أَهلُ خَيْبَر، وقد قالت لهم: ادخلوا فى خَمَرِ ()
الناس ، فإِذا هدأَت الرِّجْلُ فاكْمُنوا! ففعلوا ودخلوا عليها ثم قالت : إنّ
اليهود لا تُغلق عليها أبوابها فَرَقاً أَن يطرقها ضيف ، فيُصبح أَحدهم بالفِناءِ
ولم يُضَف ، فيجد الباب مفتوحاً فيدخل فيتعشَّى. فلمّا هدأَت الرجْل
قالت : انطلقوا حتى تستفتحوا على أبى رافع فقولوا ((إنا جئنا لأَبى رافع
بهديّة)) فإنهم سيفتحون لكم . ففعلوا ذلك ، ثم خرجوا لا يمرّون ببابٍ من
بيوت خَيْبَر إِلَّا أَغلقوه حتى أغلقوا بيوت القرية كلَّها، حتى انتهوا إِلى عَجَلَة(٢)
عند قصر سَلّام(٣). قال: فصعدنا وقدّمنا عبد الله بن عَتيك، لأَنه كان
يَرْطُن باليهوديّة، ثم استفتحوا على أبى رافع فجاءت امرأته فقالت : ما
شأُنك؟ فقال عبد الله بن عَتيك ورطن باليهوديّة: جئت أبا رافعٍ بهديّة.
ففتحت له فلمّا رأت السلاح أرادت تصيح . قال عبد الله بن أُنَيس:
وازدحمنا على الباب أَيّنا يبدُر إِليه، فأَرادت أن تصيح . قال : فأَشرتُ
إِليها السيف. قال : وأَنا أَكره أَن يسبقنى أَصحابى إليه . قال: فسكنت(٤)
ساعة . قال: ثم قلت لها: أَين أَبو رافع؟ وإلاَّ ضربتُكِ بالسيف !
فقالت : هو ذاك فى البيت . فدخلنا عليه فما عرفناه إِلاَّ ببياضه كأنه
قُطْنَةٌ (٥) مُلقاة، فعلَوْناه بأَسيافنا فصاحت امرأته، فهمّ بعضُنا أن يخرج
إليها ثم ذكرنا أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نهانا عن قتل النساءِ . قال :
(١) فى خمر الناس: أى فى جماعتهم وكثرتهم. (الصحاح، ص ٦٤٩).
(٢) العجلة: درجة من النخل نحو النقير. (لسان العرب، ج ١٣، ص ٤٥٦).
(٣) أى سلام بن أبى الحقيق .
(٤) فى ب: ((فسكنت شيئاً)).
(٥) فى ب: ((قبطية)).
٣٩٣
فلمّا انتهينا جعل سَمْك(١) البيت يقصر علينا ، وجعلت سيوفنا ترجع .
قال ابن أُنَيس : وكنت رجلاً أَعشى لا أُبصر بالليل إلّا بصرًا ضعيفاً.
قال : فتأَمّلته كأَّنه قمر . قال : فأَنَّكىء بسيفى على بطنه حتى سمعت
خَشَّهِ(٢) فى الفراش وعرفت أنه قد قَضَى. قال : وجعل القوم يضربونه
جميعاً ، ثم نزلنا ونسى أَبو قتادة قوسه فذكرها بعد ما نزل ، فقال أصحابه :
دع القوس . فأَبى فرجع فأَخذ قوسه ، وانفكَّت رجله فاحتملوه بينهم ؛
فصاحت امرأته ، فتصايح أهل الدار بعد ما قُتِل . فلم يفتح أَهل البيوت
عن أنفسهم ليلاً طويلاً، واختبأً القوم فى بعض مناهر (٣) خَيْبَر. وأَقبلت
اليهود وأَقبل الحارث أَبو زَيْنَب ، فخرجت إِليه امرأته فقالت : خرج
القوم الآن . فخرج الحارث فى ثلاثة آلاف فى آثارنا ، يطلبوننا بالنيران
٠
فى شُعَل (٤) السَّعَف، ولربّما (٥) وطئوا فى النهر ، فنحن فى بطنه وهم على
ظهره فلا يرونا ، فلمّا أَوعبوا فى الطلب فلم يروا شيئاً رجعوا إلى امرأته فقالوا
لها : هل تعرفين منهم أحدًا ؟ قالت : سمعت منهم كلام عبد الله بن
عَتيك ، فإِن كان فى بلادنا هذه فهو معهم . فكرُّوا الطلب الثانية ، وقال
القوم فيما بينهم : لو أَنَّ بعضنا أتاهم فنظر هل مات الرجل أم لا. فخرج
الأَسود بن خُزاعىّ حتى دخل مع القوم وتشبّه بهم ؛ فجعل فى يده شُعْلَةً
كشعلهم حتى كرّ القوم الثانية إلى القصر وكرّ معهم ، ويجد الدار قد
(١) السمك: السقف. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٠٧) .
(٢) فى الأصل: ((جسه))، والتصحيح عن نسخة ب. وخشه: أى شقه. ( القاموس المحيط،
ج ٢، ص ٢٧٢).
(٣) مناهر: جمع منهر، وهو خرق فى الحصن نافذ يجرى منه الماء. ( لسان العرب، ج ٧ ،
ص ٩٥) .
(٤) الشعل: جمع شعلة، وهى قطعة من خشب تشعل فيها النار . والسعف: أغصان النخلة.
( لسان العرب، ج ١٣، ص ٤٣٧٦ ج ١١، ص ٥١) .
(٥) فى الأصل: (ولزما وظنونا))، وما أثبتناه هو قراءة ب.
٣٩٤
شُحنت(١). قال: فأَقبلوا جميعاً ينظرون إِلى أَبى رافع ما فعل . قال :
فأَقبلت امرأَته معها شعلةٌ من نار ثم أَحنت عليه تنظر أَحىّ أَم ميّت هو ،
فقالت : فاظ. (٢) وإِلهِ موسى! قال: ثم كرهتُ أَن أَرجع إلّا بأَمرٍ بيّن.
قال : فدخلت الثانية معهم ، فإِذا الرجل لا يتحرّك منه عِرْق . قال :
فخرجت اليهود فى صيحةٍ واحدة . قال : وأخذوا فى جهازه يدفنونه . قال :
وخرجت معهم وقد أبطأْتُ على أَصحابى بعض الإِبطاء . قال: فانحدرتُ عليهم
فى النهر فخبرتهم ، فمكثنا فى مكاننا يومَيْن حتى سكن عنا الطلب ، ثم
خرجنا مُقبلين إلى المدينة ، كلُّنا يدّعى قتله ، فقدمنا على النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم وهو على المنبر ، فلمّا رَآنا قال: أَفلحتْ الوجوه ! فقلنا :
أفلح وجهك يا رسول الله ! قال : أَقتلتموه ؟ قلنا: نعم ، وكلُّنا يدّعى قتله .
قال : عجّوا علىّ بأَسيافكم. فأَتينا بأَسيافنا ثم قال : هذا قتله ، هذا أَثر
الطعام فى سيف عبد الله بن أُنَيس . قال : وكان ابن أبى الحُقَيق قد أَجلب
فى غَطَفان ومن حوله من مُشركى العرب ، وجعل لهم الجُعْل العظيم لحرب
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فبعث النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه هولاء
النفر .
فحدّثنى أيوب بن النُّعمان قال: حدّثنى خارجة بن عبد الله(٣) قال :.
لمّا انتهَوا إِلى أَبى رافع تشاجروا فى قتله . قال : فاستهموا علیه فخرج سهم
عبد الله بن أُنَيس . وكان رجلاً أَعشى فقال لأصحابه : أَين موضعه ؟
قالوا : ترى بياضه كأَنّه قمر . قال: قد رأيت . قال : وأقبل عبد الله بن
أُنَيس ، وقام النفر مع المرأة يفْرُقون أَن تصبح ، قد شهَروا سيوفهم عليها ؛
(١) شحنت: أى ملئت. (الصحاح، ص ٢١٤٣) .
(٢) فاظ: مات. (شرح أبى ذر، ص ٣٢٦).
(٣) أى خارجة بن عبد الله بن أنيس .
٣٩٥
ودخل عبد الله بن أُنَيس ، فضرب بالسيف ، فرجع السيف عليه لقصر
السَّمْك فاتَّكاً عليه وهو ممتلىء خمرًا حتى سمع خشَّ السيف وهو فى الفراش .
ويقال كانت السريّة فى شهر رمضان سنة ستّ.
غزوة ذات الرِّقاع
فإنما سُمِّيت ذات الرِّفاع لأَّنه جبلٌ فيه بُقَع حمر وسواد وبياض(١).
خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليلة السبت لعشرٍ خلون من المحرّم على
رأس سبعة وأربعين شهرًا. وقدم صِرارًا(٢) يوم الأحد لخمس بقين من
المحرّم وغاب خمس عشرة .
فحدّثْنى الضَّحَّاك بن عُثمان ، عن عُبيد الله بن مِقسم . وحدّثنى
هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن جابر . وعن عبد الكريم بن أَبِى
حَفْصَة ، عن جابر ، وعبد الرحمن بن محمّد بن أبى بكر . عن عبد الله
ابن أبى بكر ، ومالك بن أَنَس ، وعبد الله بن عمر . عن وهْب بن كَيسان ،
عن جابر بن عبد الله ، وقد زاد بعضهم على بعضٍ فى الحديث ، وغيرهم قد
حدّثنى به ، قالوا : قدم قادم بجَلَبٍ له فاشترى بسوق النَّبْط. ، وقالوا : من
أين جلبتَ جَلَبَك ؟ قال : جئتُ من نَجْد وقد رأَيت أَنْمارًا وَتَعْلَبَة قد
جمعوا لكم جموعاً، وأراكم هادين(٣) عنهم. فبلغ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
(١) زاد السهيلى على ذلك فقال: سميت ذات الرقاع لأنهم رقعوا فيها راياتهم؛ ويقال ذات الرقاع
شجرة بذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع. ( الروض الأنف ، ج ٢، ص ١٨١) .
(٢) صرار: بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة واقم. (معجم ما استعجم، ص ٦٠١).
(٣) هكذا فى سائر النسخ، ولعله تسهيل أهل الحجاز للهمزة، فتكون الكلمة أصلا ((هادئين)).
٣٩٦
قولُه ، فخرج فى أربعمائة من أصحابه ، وقال قائل : كانوا سبعمائة أُوثمانمائة.
وخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من المدينة، حتى سلك على المَضيق(١)
ثم أَفضى إلى وادى الشُّقْرَة فأَقام به يوماً ، وبثَّ السرايا فرجعوا إِليه مع
الليل، وخبّروه أنهم لم يروا أحدًا وقد وطئوا آثارًا حديثة ، ثم سار رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أَصحابه حتى أتى محالَّهم ، فيجدون المحالّ ليس
فيها أحد ، وقد ذهبت الأَعراب إلى رءوس الجبال وهم مُطلُّون على النبيّ
صلَّى الله عليه وسلَّم . وقد خاف الناس بعضهم بعضاً ، والمشركون منهم
قريب، وخاف المسلمون أَن يُغيروا عليهم وهم غارون . وخافت الأَعراب أَلَّا
يبرحَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى يستأصلهم .
وفيها صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة الخوف . فحدّثنی رَبيعة
ابن عُمان، عن أبى نُعَيم ، عن جابر بن عبد الله، قال : فكان أَوّل
ما صلَّى يومئذٍ صلاة الخوف ، وخاف أن يُغيروا عليه وهم فى الصلاة
وهم صُفُوفٌ ..
فحدّثنى عبد الله بن عُثمان ، عن أَخيه ، عن القاسم بن محمّد ، عن
صالح بن خَوّات ، عن أبيه ، قال: صلَّيت مع رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم يومئذٍ ضلاة الخوف، فاستقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم القبلة
وطائفةٌ خلفَه وطائفةٌ مُواجهة العدوّ، فصلّى بالطائفة التى خلفه ركعةٌ
وسجدتَيْن ، ثم ثبت قائماً فصلُّوا خلفه ركعةٌ وسجدتَيْن ، ثم سلَّموا ،
وجاءَت الطائفة الأُخرى فصلّى بهم ركعةً وسجدتَيْن، والطائفة الأُولى مُقبلة
على العدوّ، فلمّا صلَّى بهم ركعةٌ ثبت جالساً حتى أَتمّوا لأنفسهم ركعةٌ
وسجدتَيْن ثم سلَّم .
(١) المضيق: قرية كبيرة قريبة من الفرع. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٣٩).
٣٩٧
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَصاب فى محالِّهم نسوة ، وكان
فى السبى جاريةٌ وضيئةٌ كان زوجها يُحبّها ، فلمّا انصرف رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم راجعاً إلى المدينة حلف زوجها ليطلبنّ محمّدًا ، ولا يرجع
إلى قومه حتى يُصيب محمّدًا، أَو يُهريق فيهم دماً، أَو تتخلّص صاحبته .
فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى مسيره عشيّةً ذاتَ ريح ، فنزل فى
شِعْبٍ استقبله فقال : مَن رجلٌ يكلونا الليلة ؟ فقام رجلان ، عَمّار بن
ياسر وعَبَّاد بن بشر، فقالا: نحن يا رسول الله نكلؤك . وجعلت الريح
لا تسكن ، وجلس الرجلان على فم الشِّعْب ، فقال أحدهما لصاحبه : أَىّ
الليل أحبُّ إِليك ، أَن أَكفيك أَوّله فتكفينى آخره ؟ قال : أَكْفِى أَوّله .
فنام عَمّار بن ياسر ، وقام عَبّاد بن بِشر (١) يُصِّى، وأَقبل عدوّ الله يطلب
غِرّةً وقد سكنت الريح ، فلمّا رأى سواده من قريبٍ قال : يعلم الله إِنَّ هذا
لَربِيئة (٢) القوم ! ففوّق له سهماً فوضعه فيه فانتزعه فوضعه ، ثم رماه بآخر
فوضعه فيه فانتزعه فوضعه ، ثم رماه الثالث فوضعه فيه ؛ فلمّا غلب عليه
الدم ركع وسجد ، ثم قال لصاحبه : اجلس فقد أُتِيت ! فجلس عَمّار ،
فلمّا رأى الأُعرابىّ أَنَّ عَمّاراً قد قام علم أنهم قد نذروا به. فقال عَمّار: أَى
أَخى ، ما منعك أن توقظنى به فى أَوّل سهم ربى به ؟ قال : كنت فى سورة
أَقرأها وهى سورة الكهف، فكرهتُ أَن أَقطعها حتى أَفرغ منها ، ولولا أنى
خشيتُ أَن أُضَيِّع تَغْرًا أَمرنى به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما انصرفتُ ولو
أُتِى على نفسى. ويقال: الأَنصارىّ عُمارة بن حَزم . قال ابن واقد :
وأَثبتهما عندنا عَمّار بن ياسر .
(١) فى ب: ((عبد الله بن بشر)).
(٢) الربيئة: الطليعة الذى يحرس القوم؛ يقال ربا القوم إذا حرسهم. ( شرح أبى ذر ،
ص ٢٩٥) .
٣٩٨
فكان جابر يقول : إِذَّا لمَع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِذ جاءَ رجلٌ من
أصحابه بَفْرخٍ طائرٍ ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينظر إليه ، فأَقبل أبواه
أو أحدهما حتى طرح نفسه فى يَدَى الذى أَخذ فرخه . فرأَيت الناس
عجبوا من ذلك .، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَتعجبون من هذا
الطائر؟ أَخذتم فرخّه فطرح نفسه رحمةً لفرخه ! واللهِ لَربّكم أَرحم بكم
من هذا الطائر بفرخه !
قال الواقدىّ: وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُصِّى على راحلته
نحو المشرق فى غزوته .
قال جابر : فإِنّاً لفى مُنصَرَفَنا أَتانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأَنا
تحت ظلِّ شجرة فقلت : هلمّ إِلى الظلّ يا رسول الله . فدنا إِلى الظلّ فاستظلّ ،
فذهبت لأُقرّب إِليه شيئاً ، فما وجدت إِلّا جِرْوًا من قِّاء فى أَسفل الغِرارة.
قال : فكسرتُه كسرًا ثم قرَّبته إِليه . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم :
من أين لكم هذا ؟ فقلنا : شىءُ فضل من زاد المدينة . فأَّصاب منه
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وقد جَهَرْنا (١) صاحباً لنا ، يرعى ظهرنا وعليه
ثوبٌ متخرّق، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَمَا لَهُ غير هذا ؟
فقلنا : بلى يا رسول الله، إِنَّ له ثوبَيْن جديدَيْن فى العَيْبَة . فقال له رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم : خذ ثوبَيْك. فأَخذ ثوبَيْه فلبسهما ثم أَدبر .
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أليس هذا أَحسن ؟ ما لَهُ ضرب اللهُ
عنقَه ؛ فسمع ذلك الرجل فقال: فى سبيل الله يا رسول الله ؟ فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم : فى سبيل الله. قال جابر: فضُرِبت عنقه بعد ذلك
فى سبيل الله .
(١) أى صبحناه. ( الصحاح، ص ٦١٨).
٣٩٩
قال : فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يتحدّث عندنا إِلى أَن جاءَنا
عُلْبَةٍ(١) بن زيد الحارثى بثلاث بيضات أَداحِىّ، فقال: يا رسول الله،
وجدت هذه البيضات فى مَفْحَص نَعام . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
دونك يا جابر ، فاعمل هذه البيضات ! فوثبتُ فعملتهنَّ ، ثم جئت بالبيض
فى قَصْعة، وجعلت أَطلب خبزًا فلا أَجده . قال: فجعل رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم وأصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز . قال جابر : فرأيت
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَمسك يده وأَنا أَظنُّ أَنه قد انتهى
إِلى حاجته ، والبيض فى القَصْعة كما هو. قال : ثم قام رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم وأكل منه عامّة أصحابنا ، ثم رحنا مُبرِدِين . قال جابر : وإِنّاً
لنسير إِلى أَن أدركنى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : ما لك يا جابر؟
فقلت : أَى رسول الله جَدِّى(٢) أَن يكون لى بعير سوء ، وقد مضى الناس
وتركونى! قال: فأَناخ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعيره فقال: أَمعك ماء؟
فقلت : نعم . فجئته بقَعْبٍ من ماء ، فنفث فيه ثم نضح على رأسه وظهره
وعلى عَجُزه ، ثم قال : أَعطنى عصاً . فأعطيته عصاً معى - أَو قال قطعتُ
له عصاً من شجرة . قال : ثم نَخَسه ، ثم قرعه بالعصا ، ثم قال : اركب
يا جابر . قال : فركبت . قال : فخرج ، والذى بعثه بالحقّ ، يُواهقُ
ناقته (٣) مُواهَقَةً ما تفوته ناقته .
قال : وجعلت أَتحدّث مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم قال :
(١) فى الأصل: ((عليه بن زيد)). وما أثبتناه من ب، ومن ابن عبد البر. ( الاستيعاب،
ص ١٢٤٥ ) .
(٢) فى الأصل: ((خذفى ألا يكون))؛. وما أثبتناه هو قراءة ب.
(٣) أى يباريها فى السير ويماشيها، ومواهقة الإبل مد أعناقها فى السير. (النهاية، ج ٤،
ص ٢٣٤) .