النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦٠
ما الذى يُصيبك؟ أَبك جِنَّة ؟ قال: لا واللهِ يا أمير المؤمنين ، ولكنى كنت
فيمن حضر خُبِيباً حين قُتل وسمعتُ دَعْوَتَهُ ؛ فواللهِ ما خطرتْ على قلبى
وأَنا فى مجلسٍ إِلَّا غُشى علىّ . قال : فزادته عند عمر خيرًا.
وحدثنى قُدامة بن موسى، عن عبد العزيز بن رُمّانَة ، عن عُروة بن
الزُّبَير، عن نَوفل بن مُعاوية الدِّيلىّ، قال: حضرتُ يومئذٍ دعوة خُبِيب ،
فما كنت أَرى أَنّ أَحدًا ممّن حضر ينفلت من دعوته ؛ ولقد كنت قائماً
فأَخلدتُ إِلى الأَرض فَرَقاً من دعوته ، ولقد مكثت قُرَيش شهرًا أَو أَكثر وما
. لها حديث فى أَنديتها إلَّا دعوة حُبَيب .
قالوا : فلمّا صلَّى الركعتين حملوه إلى الخشبة ، ثم وجّهوه إلى المدينة
وأَوْثقوه رِباطاً، ثم قالوا: ارجعْ عن الإِسلام ، نُخلِّ سبيلك ! قال : لا واللهِ
ما أُحبّ أَنى رجعت عن الإِسلام وأَنَّ لى ما فى الأَرض جميعاً! قالوا : فتُحبّ
أَنَّ محمّدًا فى مكانك وأنت جالسٌ فى بيتك؟ قال: واللهِ ما أُحبّ أَن
يُشاكَ محمّدٌ بِشَوْكَةٍ وَأَنا جالس فى بيتى. فجعلوا يقولون: ارجعْ يا خُبِيب!
قال : لا أَرجع أبدًا! قالوا: أَما واللَّات والعُزَّى، لئن لم تفعل لنقتلنَّك!
فقال : إِنَّ قَتْلى فى اللّه لقليلٌ ! فلمّا أَبِى عليهم ، وقد جعلوا وجهه من حيث
جاءَ، قال: أَمّا صَرْفُكم وجهى عن القِبْلَة، فإِنّ الله يقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَّلُّوا
فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ .. ﴾(١). ثم قال: اللَّهِمّ إِنى لا أَرَى إِلَّا وجه عدوٌّ، اللَّهمّ إِنه
ليس هاهنا أَحدٌ يُبلِّغ رسولك السلام عنِّى، فبلِّغه أَنت عنِّى السلام !.
فحدّثنى أُسامة بن زيد، عن أبيه، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
كان جالساً مع أصحابه، فأخذته غَمْيَةٌ (٢) كما كان يأخذه إِذا أُنزِل عليه
(١) سورة ٢ البقرة ١١٥ .
(٢) الغمية: الغشية. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٧١).

٣٦١
الوحى. قال: ثم سمعناه يقول ((وعليه السلام ورحمة الله))؛ ثم قالَ
(( هذا جبريلُ يُقرئنى من خُبَيب السلام)) .. قال: ثم دعوا أبناءٌ مِن
أَبناءِ مَن قُتل ببدر فوجدوهم أربعين غلاماً، فأَعطوا كلَّ غلامٍ رمحاً ،
ثم قالوا : هذا الذى قتل آباء كم. فطعنوه برماحهم طعناً خفيفاً، فاضطرب على
الخشبة فانقلب ، فصار وجهه إلى الكعبة ، فقال : الحمد لله الذى جعل
وجهى نحو قِبْلَته التى رضى لنفسه ولنبيّه وللمؤمنين ! وكان الذين أَجلبوا
على قَتْل خُبَيب : عِكْرِمَة بن أبى جَهل ، وسَعيد بن عبد الله بن قيس ،
والأَخْنَس بن شَريق ، وعُبَيدة بن حكيم بن أُمَيّة بن الأَوْقَص السُّلَمىّ . وكان
عُقبة بن الحارث بن عامر ممّن حضر ، وكان يقول : واللهِ ما أَنا قتلتُ
خُبَيباً إن كنت يومئذٍ لغلاماً صغيرًا. ولكنْ رجلاً من بنى عبد الدار يقال
له أَبو مَيْسَرَة من عوف بن السَّبّاق أَخذ بيدى فوضعها على الحَرْبة ، ثم
أَمسك بيدى ثم جعل يطعُن بيده حتى قتله، فلمّا طعنه بالحَرْبَة أَفلتُّ ،
فصاحوا : يا أَبا سَرْوَعَة، بئس ما طعنه أَبو مَيْسَرَة! فطعنه أَبو سَرْوَعة حتى
أخرجها من ظهره ، فمكث ساعة يُوحّد الله ويشهد أَنَّ محمّدًا رسول الله .
يقول الأَخْذَس بن شَريق : لو ترك ذكر محمّد على حالٍ لتركه على هذه
الحال ؛ ما رأينا قطُّ. والدّا يجد بولده ما يجد أصحاب محمّد بمحمّد صلَّى
الله عليه وسلَّم .
قالوا : وكان زيد بن الدَّئِنَّة عند آل صفوان بن أُمَيّة محبوساً فى
حديد ، وكان يتهجّد بالليل ويصوم النهار ، ولا يأكل شيئاً ممّا أُتِى به
من الذبائح . فشقّ ذلك على صَفوان، وكانوا قد أَحسنوا إِساره ، فأَرسل
إليه صَفوان : فما الذى تأكل من الطعام ؟ قال : لست آكل ممّا ذُبح
لغير الله، ولكنى أَشربُ اللبن. وكان يصوم، فأَمر له صَفوان بعُسُّ من لبن

٣٦٢
عند فطره فيشرب منه حتى يكون مِثْلُها من القابلة . فلمّا خرج به وبخْبَيب
فى يومٍ واحد التقيا ، ومع كلِّ واحد منهما فِئامٌ (١) من الناس ، فالتزم كلِّ
منهما صاحبه وأوصى كلٌّ واحدٍ منهما صاحبه بالصبر على ما أَصابه ، ثم
افترقا . وكان الذى ولى قتل زيد نِسطاس غلام صَفوان ، خرج به إلى التَّنْعيم
فرفعوا له جِذْعاً (٢) ، فقال: أُصَلّى ركعتين ! فصلَّى ركعتين ثم حملوه على
الخشبة ، ثم جعلوا يقولون لزيد : ارجع عن دينك المُحدَث واتّبع ديننا،
ونُرسلك ! قال : لا والله ، لا أُفارق دينى أبدًا! قالوا: أيسرّك أَنَّ محمّدًا
فى أيدينا مكانَك وأنت فى بيتك ؟ قال: ما يسرّى أَنَّ محمّدًا أُشيك
بشّوْكَة وأَنى فى بيتى ! قال : يقول أَبو سُفيان بن حَرب : لا ، ما رأينا
أَصحاب رجل قطُّ. أَشدّ له حبّاً من أصحاب محمّدٍ بمحمّد. وقال حَسّان بن
ثابت ؛ صحيحة سمعتها من يونس بن محمّد الظَّفَرِىّ :
وليت خُبَيْباً كان بالقوم عالِما
فليت خُبَيْباً لم تَخُنْهُ أَمانةٌ
وكانا قديماً يركبان المَحارِما
شَراهُ(٣) زُهَير بن الأَغَرِّ وَجامِعٌ (٤)
وَكُنْتُمْ بِأَكْنافِ الرَّجِيعِ اللَّهازما (٥)
أَجَرْتُم فلمّا أَن أَجَرْتُمْ غَدَرْتُمُ
وقال حَسّان بن ثابت ، ثبت قديمةٌ (٦):
(١) فى الأصل: ((قيام))؛ والتصحيح عن سائر النسخ. والفئام: الجماعة من الناس. ( الصحاح،
ص ٢٠٠٠ ) .
(٢) فى ب: ((جدعا))
(٣) شرى هنا بمعنى باع، وهو من الأضداد. (شرح أبى ذر، ص ٢٨١).
(٤) قال ابن هشام: زهير بن الأغر وجامع، الهذليان اللذان باعا خبيبا. ( السيرة النبوية،
ج ٣، ص ١٨٨) .
(٥) اللهازم : ينى به الضعفاء الفقراء، وأصل اللهزمتين مضيفتان تكونان فى الحنك واحدتها لهزمة
والجمع لهازم ، فشبههم بها لحقارتها. ( شرح أبى ذر، ص ٢٨١).
(٦) فى الأصل: ((بيت قديمه))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ .

٣٦٣
لَو كانَ فى الدَّارِ قَرْمٌ (١) ذو مُحَافَظَةٍ
إِذَنْ حَلَلْتَ خُبَيِباً مَنْزِلاً فُسُحاً(١٣)
ولم تَقُدْكَ إلى التَّنْعِيمِ زِعْنِفَةٌ (٥)
فَاصْبِرْ خُبَيَبُ فَإِنَّ القَتْلَ مَكْرُمَةٌ
دَلَّوْكَ (٧) غَدْرًا وَهُم فيها أُولو خُلُفٍ
حامِىِ الحَقيقَةِ ماضٍ خالُهُ أَنَسُ (٢)
ولم يُشَدّ عليك الكَبْلُ (٤) والحَرَسُ
مِن المَعاثِيرِ مِمَّن قَدْ نَفَتْ عُدَسُ(٦)
إِلى جِناذِ نَعيمٍ تَرْجِعُ النَّفَسُ
وَأَنْتَ ضَيْفٌ لهم فى الدَّار مُخْتَبَسُ
غزوة بنى النَّضير
فى ربيع الأَوّل، على رأس سبعة وثلاثين شهرًا من مهاجرة النبيّ صلَّى
الله عليه وسلّم .
حدّثنى محمّد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر ، ومحمد بن صالح ،
ومحمّد بن يحيى بن سَهل، وابن أَبِى حَبيبة ، ومَعْمَر بن راشد ، فى رجال
ممّن لم أُسمّهم ؛ فكلٌّ قد حدّثنى ببعض هذا الحديث ، وبعض القوم كان
أَوعى .. من بعض، وقد جمعت كلَّ الذى حدّثونى، قالوا : أَقبل عمرو
ابن أُمَّيّة من بئر مَعُونة حتى كان بقناة ، فلقى رجلين من بنى عامر فنسبهما
فانتسبا، فقابلهما(٨) حتى إذا ناما وثب عليهما فقتلهما . ثم خرج حتى
(١) القرم: السيد، وأصله الفحل من الإبل. ( شرح أبى ذر، ص ٢٨٠).
(٢) قال ابن هشام: أنس الأصم السلمى، خال مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف. (السيرة
النبوية، ج ٣، ص ١٨٨) .
(٣) فسح: واسع. (الصحاح، ص ٣٩١).
(٤) فى الأصل: ((الكتل))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. والكبل: القيد الضخم. (النهاية، ج ٤، ص٦).
(٥) الزعنفة: الذين ينتمون إلى القبائل ويكونون أتباعاً لهم، وأصل الزعنفة الأطراف والأكارع
التى تكون فى الجلد . ( شرح أبى ذر، ص ٢٨٠) .
(٦) قال ابن هشام: يعنى حجير بن أبى إهاب، ويقال الأعشى بن زرارة بن النباش الأسدى،
وكان حليفا لبنى نوفل بن عبد مناف. ( السيرة النبوية، ج ٣، ص ١٨٨).
(٧) دلوك: أى غر وك ومنه قوله تعالى (فدلاهما بغرور). (شرح أبى ذر، ص ٢٨٠).
(٨)أ. ب: ((فقابلهما)».

٣٦٤
ورد على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من ساعته فى قَدْر حَلْب شاة، فأَخبره
خبرهما فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : بِئْسَ ما صنعت ، قد كان
لهما منَّا أَمانٌ وعهد ! فقال : ما شعرت ، كنت أَراهما على شِركهما ، وكان
قومهما قد نالوا منَّا ما نالوا من الغدْر بنا. وجاءَ بسَلَبهما، فأَمر رسول الله
صَلَّى الله عليه وسلَّم فعزل سَلَبهما حتى بعث به مع دِيَتهما . وذلك أَنَّ عامر
ابن الطُّفَيل بعث إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ رجلاً من أصحابك
قتل رجلَيْن من قومى ، ولهما منك أَمانٌ وعهد ، فابعث بدِيَتهما إِلينا . فسار
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بنى النَّضير يستعين فى دِيتهما ، وكانت
بنو النَّضير حلفاء لبنى عامر . فخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم
السبت فصلَّى فى مسجد قُباء ومعه رهطٌ. من المهاجرين والأنصار ، ثم جاءً
بنى النَّضير فيجدهم فى ناديهم ، فجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وأصحابه، فكلّمهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يُعينوه فى دِيَة الكِلابِيَّيْن
اللَّذَين قتلهما عمرو بن أُمَّيّة. فقالوا: نفعل، يا أَبا القاسم ، ما أحببت .
قد أَنى لك أن تزورنا وأَن تأتينا، اجلسْ حتى نُطعمَك! ورسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم مُستنِدٌ إلى بيتٍ من بيوتهم ؛ ثم خلا بعضُهم إلى بعضٍ فتناجَوا ،
فقال حُيَّىّ بن أَخْطَب : يا معشرَ اليهود ، قد جاءَكم محمّد فى نُفَيْرٍ من
أصحابه لا يبلغون عشرة - ومعه أبو بكر، وعمر، وعَلىّ، والزُّبَير ، وطَلحة،
وسعد بن معاذ، وأُسَيد بن حُضَير ، وسعد بن عُبادة - فاطرحوا عليه حجارةً
من فوق هذا البيت الذى هو تحتَه فاقتلوه ، فلن تجدوه أَخلى منه الساعة !
فإِنه إن قُتل تفرّق أصحابه ، فلحق من كان معه من قُرَيش بحرمهم ،
وبقى مَن هاهنا من الأوس والخزرج حلفاوكم ؛ فما كنتمُ تُريدون أن تصنعوا
يوماً من الدهر فمِن الآن ! فقال عمرو بن جِحاش : أَنا أَظهر على البيت

٣٦٥
فَأَطرح عليه صخرة . قال سَلَّام بن مِشْكَم : يا قوم، أَطيعونى هذه المرّة
وخالفونى الدهرَ ! واللهِ إن فعلتم ليُخْبَرنَّ بأَنَّا قد غدرنا به ؛ وإِنَّ هذا نقض
العهد الذى بيننا وبينه ، فلا تفعلوا ! أَلا فواللهِ لو فعلتم الذى تُريدون
ليقومنّ بهذا الدين منهم قائم إلى يوم القيامة ؛ يستأصل اليهود ويظهر
دينه! وقد هيّأَ(١) الصخرة ليُرسلها على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويَحْدُرها،
فلمّا أَشرف بها جاءَ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخبرُ من السماءِ بما همّوا به ،
فنهض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سريعاً كأنه يُريد حاجة ، وتوجّه إِلى
المدينة. وجلس أصحابه يتحدّثون وهم يظنُّون أنه قام يقضى حاجة ، فلمّا يئسوا
من ذلك قال أبو بكر رضى الله عنه : ما مقامنا ها هنا بشىءٍ ؛ لقد وجّه
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأَمر. فقاموا، فقال حُيّىّ : عجل أَبو القاسم !
قد كنا نُريد أَن نقضى حاجته ونُغديه . وندمت اليهود على ما صنعوا ، فقال
لهم كِنانة بن صُوَيْراء(٢) : هل تدرون لِمَ قام محمد ؟ قالوا: لا والله،
ما ندرى وما تدرى أنت! قال : بلى والتوراة، إِى الأَدرى؛ قد أُخْبِر محمّدٌ
ما هممتم به من الغدر ، فلا تخدعوا أنفسكم ؛ واللّهِ إِنه لرسول الله ، وما قام
إِلاَّ أَنه أُخْبِر بما هممتم به . وإنه لآخر الأنبياء ، كنتم تطمعون أن يكون من
بنى هارون فجعله الله حيث شاءً . وإِنَّ كُتُبنا والذى درسْنا فى التوراة التى لم
أَغَيّر ولم تُبدَّ أَنَّ مولده بمكّة ودار هجرته يَثْرِب، وصِفته بعينها ما تُخالف
حرفاً ممّا فى كتابنا ، وما يأتيكم [به] أولى من محاربته إِيّاكم ، ولكأَنى
أنظر إليكم ظاعنين ، يتضاغى (٣) صبيانكم ، قد تركتم دوركم خُلوفاً
(١) أى وقد هيأ عمرو بن جحاش .
(٢) فى الأصل: ((صبورا))، وفى ت: ((صوير)). وما أثبتناه من نسخة ب، ومن الطبرى
عن الواقدى . ( تاريخ الرسل والملوك ، ص ١٤٥٠).
(٣) التضاغى: الصياح .. (النهاية، ج ٣، ص ٢١).

٣٦٦
وأموالكم، وإِنما هى شرفكم ؛ فأَطيعونى فى خَصْلَتَيْن ، والثالثة لا خيرَ فيها !
قالوا : ما هما ؟ قال : تُسلمون وتدخلون مع محمّد ، فتأُمنون على أموالكم
وأولاد كم ، وتكونون من عِلية أصحابه ، وتبقى بأيديكم أموالكم ،
ولا تخرجون (١) من دياركم . قالوا : لا نُفارق التوراة وعهد موسى !
قال : فإِنه مُرسِل إليكم : اخرجوا من بلدى ، فقولوا نعم - فإنه لا يستحلّ
لكم دماً ولا مالاً - وتبقى أموالكم ، إن شئتم بِعتم ، وإن شئتم أمسكتم .
قالوا : أَمّا هذا فنعم . قال : أَما واللّهِ إِنَّ الأُخرى خيرهنَّ لى. قال: أَما
واللهِ لولا (٢) أَنِى أَفضحكم لأَسلمتُ. ولكن واللهِ لا تُعَيَّر شَعْتاء بإِسلامى
أبدًا حتى يُصيبنى ما أصابكم - وابنته شَعْثاء التى كان حَسّان ينْسِب (٣) بها.
فقال سَلَّام بن مِشْكَم : قد كنت لِما صنعتم كارهاً ، وهو مُرسلٌ إِلينا أَن
اخرجوا من دارى ، فلا تُعقِّب يا حُييّ كلامه ، وأنعم له بالخروج ، فاخرج
من بلاده ! قال : أَفعلُ ، أَنا أَخرج !
فلمّا رجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة تبعه أصحابه ، فلقوا
رجلاً خارجاً من المدينة فسألوه : هل لقيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟
قال: لقيته بالجسر داخلاً. فلمّا انتهى أصحابه إليه وجدوه قد أرسل إلى محمّد
ابنّ مَسْلَمَة يدعوه ، فقال أبو بكر : يا رسول الله، قمت ولم نشعر . فقال
. رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: همّت اليهود بالغدر بى، فأخبرنى الله بذلك
فقمت . وجاءً محمّد بن مَسْلَمَة فقال : اذهب إلى يهود بنى النَّضير فقُل
لهم ، إِنَّ رسول الله أرسلنى إليكم أَن اخرجوا من بلده. فلما جاءهم قال: إِنَّ
رسول الله أرسلنى إليكم برسالة، ولست أَذكرها لكم حتى أُعرّفكم شيئاً تعرفونه.
(١) فى كل النسخ: ((ولا تخرجوا))؛ والمثبت هو الصحيح.
(٢) فى ت :. ((لولا أن)).
(٣) فى ب، ت: ((يشبب)).

٣٦٧
قال : أَنشدكم بالتوراة التى أنزل الله على موسى ، هل تعلمون أنى جئتكم
قبل أَن يُبْعَث محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ، وبينكم التوراة ، فقلتم لى فى
مجلسكم هذا: يا ابن مَسْلَمَة، إِن شئت أَن نُغدِّيك غدّيناك ، وإِن شئت
أَن نُهَوِّدك هوّدناك . فقلت لكم: غدّونى ولا تُهَوِّ دونى، فإِى واللهِ لا أَتْهُوّد أبدًا !
فغدّيتمونى فى صَحْفَةٍ لكم ، واللهِ لكأَنى أنظر إليها كأَنها جَزْعَة(١)، فقلتم لى:
ما يمنعك من ديننا إِلَّا أَنه دين يهود. كأَنك تُريد الحَنيفيّة التى سمعتَ بها،
أَمَا إِنَّ أَبا عامر قد سخِطها وليس عليها، أتاكم صاحبها الضَّحوك القنَّال ،
فى عينيه حُمرة، يأتى من قِبَل اليمن، يركب البعير ويلبس الشَّمْلة،
ويجتزئُ بالكسرة ، سيفه على عاتقه ، ليست معه آية ، هو ينطق
بالحكمة ، كأَنّه وشيجتكم (٢) هذه؛ واللهِ ليكوننَّ بقريتكم هذه سَلَب
وقتل ومَثْل ! قالوا : اللَّهمّ نعم ، قد قلناه لك ولكن ليس به . قال: قد
فرغت، إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أرسلنى إليكم يقول لكم : قد نقضتم
العهد الذى جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بى ! وأخبرهم بما كانوا ارتأَوا من
الرأى وظهور عمرو بن جِحاش على البيت يطرح الصخرة ، فأُسكتوا فلم
يقولوا حرفاً . ويقول : اخرجوا من بلدى ، فقد أَجِّلتكم عشرًا فمن رُئِى بعد
ذلك ضربت عنقه! قالوا : يا محمّد، ما كنَّا نرى أَن يأْتِى بهذا رجلٌ
ـن الأَّوس . قال محمّد : تغيّرت القلوب . فمكثوا على ذلك أَيّاماً يتجهَّزون
وأرسلوا إِلَى ظَهْرٍ لهم بذى الجَدْر (٣) تجلب، وتكارَوا من ناسٍ من أَشْجَع
(١) الجزءة: الخرزة. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٣).
(٢) كلمة غامضة شكلها فى الأصل: ((وسيحيكم))؛ وفى ب، ت: ((وسيختكم)).
ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات، والوشيجة: الرحم المشتبكة (تاج العروس، ج ٢، ص
١١١). ولعل أراد بها جماعة اليهود المتواشجة أو أصلها. قال زهير بن أبى سلمى:
وتغرس إلا فى منابتها النخل
وهل ينبت الخطى إلا وشيجه
( ديوانه ، ص ١١٥) .
(٣) فى ت: ((بذى الحدر))؛ وما أثبتناه من سائر النسخ، وهو مسرح على ستة أميال من المدينة
بناحية قباء كما قال السمهودى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٧٩).

٣٦٨
[إِيلاً) (١) وأَخذوا(٢) فى الجهاز. فبينما هم على ذلك إِذ جاءَهم رسول ابن أُبَىّ ،
أتاهم سُوَيَد وداعس فقالا : يقول عبد الله بن أُبَىّ : لا تخرجوا من دياركم
وأموالكم ، وأقيموا فى حصونكم ، فإنَّ معى أَلفَيْن من قومى وغيرهم من العرب ،
يدخلون معكم حصنكم فيموتون من آخرهم قبل أن يُوصل إليكم ، وتُمدّكم
قُرَيْظَةَ فإنهم لن يخذلوكم ، ويُمدّكم حلفاؤكم من غَطَفان. وأرسل ابن أُبَىّ
إلى كعب بن أَسَد يُكلِّمه أَن يُمدّ أصحابه فقال : لا ينقض من بنى
قُرَيْظَة رجلٌ واحدٌ العَهْدَ. فيئس ابن أُبَىّ من قُرَيْظَة وأراد أَن يُلحم الأمر
فيما بين بنى النَّضير ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلم يزل يُرسل إلى حُيَّىّ
حتى قال حُيَى: أَنا أُرسل إلى محمّدٍ أُعلمه أنَّا لا نخرج من دارنا وأموالنا ،
فلْيصنع ما بدا له . وطمع حُبِىّ فيما قال ابن أُبَىّ ، وقال حُيَّىٌ : نرم (٣)
حصوننا، ثم تُدخل ماشيتنا (٤)، ونُدرب(٥) أَزِقّتنا، وننقل الحجارة إلى
حصولنا ، وعندنا من الطعام ما يكفينا سنة ، ومائُنا واتن (٦) فى حصولنا لا
نخاف قطعه . فترى محمّدًا يحصرنا سنة ؟ لا نرى هذا . قال سَلاَّم بن
مِشْكَم : مَنَّتك نَفْسُك والهِ يا حُيّىّ الباطلَ؛ إِنِى واللهِ لولا أَن يُسَفَّهَ رَأيُك
أو يُزْرَى بك لاعتزلتك بمن أَطاعنى من اليهود؛ فلا تفعل يا حُيَىّ ، فوالله
إنك لتعلم ونعلم معك أَنَّه لَرسول الله وأَنَّ صِفته عندنا ، فإن لم نتبعه وحسدناه
حيث خرجت النبوّة من بنى هارون ! فتعال فنقبل ما أعطانا من الأمن ونخرج
(١) الزيادة عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٤١).
(٢) فى ب، ت: ((وأغدوا)).
(٣) رمه: أصلحه. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٢٢).
(٤) فى ت : ((ما شئنا)).
مـ
(٥) ندرب: ندخل الدرب. انظر (النهاية، ج ٢، ص ١٨).
(٦) وتن الماء إذا دام ولم ينقطع. (الصحاح، ص ٢٢١٢).

٣٦٩
من بلاده ، فقد عرفت أنك خالفتنى فى الغدر به ؛ فإذا كان أَوان الثمر
جئنا أَو جاءً من جاءَ مِنا إِلى ثمره فباع أَو صنع ما بدا له ، ثم انصرف إِلينا.
فكأنًّا لم نخرج من بلادنا إذا كانت أَموالنا بأيدينا؛ إِنَّا إِنما شَرُفنا على
قومنا بأموالنا وفعالنا ، فإذا ذهبت أموالنا من أيدينا كنَّا كغيرنا من اليهود
فى الذِّلَّة والإِعدام. وإِنَّ محمّدًا إِن سار إِلينا فحصرنا فى هذه الصَّباحِى
يوماً واحدًا ، ثم عرضنا عليه ما أَرسل به إِلينا ، لم يقبله وأبى علينا . قال
حُيَيّ : إِنَّ محمّدًا لا يحصرنا [إِلاَّ](١) إِن أَصاب منَّا نُهْزَة، وإِلَّ انصرف،
وقد وعدنى ابن أُبَىّ ما قد رأَيتَ . فقال سَلَّم : ليس قول ابن أُبَىّ بشىءٍ،
إِنما يُريد ابن أُبَىّ أَن يُورطك فى الهلكة حتى تُحارب محمّدًا، ثم يجلس
فى بيته ويتركك . قد أَراد من كعب بن أَسد النصر فأَبى كعب وقال :
لا ينقض العهد رجلٌ من بنِى قُرَيْظَةٍ وَأَنَا حَىٌّ . وإلّا فإِنّ ابن أُبَىّ قد وعد
حلفاءه من بنى قَيْنُقاع مثل ما وعدك حتى حاربوا ونقضوا العهد ، وحصروا
أنفسهم فى صَياصيهم وانتظروا نُصرة ابن أُبَى، فجلس فى بيته وسار محمّد
إليهم ، فحصرهم حتى نزلوا على حُكْمِه؛ فابن أُبَىّ لا ينصر حلفاءه ومن
كان يمنعه من الناس كلّهم ، ونحن لم نزل نضربه بسيوفنا مع الأَوس فى
حربهم كلّا ، إِلى أَن تقطّعت حربهم فقدم محمّد فحجز بينهم ، وابن أُبَىّ
لا يهوديّ على دين يهود، ولا على دين محمّد، ولا هو على دين قومه ، فكيف
تقبل منه قولاً قاله ؟ قال حُيَىّ : تأبى نفسى إلاَّ عداوة محمّد وإلاَّ قتاله .
قال سَلّم : فهو واللَّهِ جَلاونا من أَرضنا ، وذَهاب أَموالنا ، وذهاب شرفنا ،
أَو ◌ِباء ذراريّنا مع قَتْلٍ مُقاتلينا. فأَبى حُيَىّ إِلَّ مُحاربة رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم فقال له ساروك(٢) بن أَبى الحُقَيق - وكان ضعيفاً عندهم فى عقله
(١) فى كل النسخ: ((إن أصاب))؛ وما أثبتناه أقرب إلى السياق.
(٢) فى ب: ((ساذوك)).
--

٣٧٠
كأَن به جِنَّة - يا حُيَىّ ، أَنت رجل مَشئوم ، تُهلك بنى النضير ! فغضب
حُيَىّ وقال : كلّ بنى النَّغير قد كلَّمنى حتى هذا المجنون . فضربه إخوته
وقالوا لحُيَّىّ : أَمْرُنَا لِأَمْرِكَ تَبَعٌ ، لن نُخالفك .
فأرسل حُيَيٌ أَخاه جُدَىّ بنِ أَخطب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
إنا لا نبرح من دارنا وأموالنا، فاصنع ما أَنت صانع. وأَمَره أَن يأُنى ابن
أُبَىّ فيُخبره برسالته إلى محمّد، ويأمره بتعجيل ما وعد من النصر. فذهب
جُدَىّ بن أَخطب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بالذى أَرسله حُيَّىَ ،
فجاءَ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّمَ وهو جالسٌ فى أصحابه فأخبره ،
فأَظهر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم التكبير ، وكبّر المسلمون لتكبيره ،
وقال : حاربت اليهود ! وخرج جُدَىّ حتى دخل على ابن أُبَىّ وهو جالس فى
بيته مع نُفَيرٍ من حلفائه ، وقد نادى مُنادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يأمرهم بالمسير إلى بنى النَّضير، فيدخل عبد الله بن عبد الله بن أُبَىّ على
عبد الله أَبيه وعلى النفر معه، وعنده جُدَىّ بن أَخطب ، فلبس درعه وأخذ
سيفه فخرج يعدو ، فقال جُدَىّ: لمّا رأيت ابن أُبَىّ جالساً فى ناحية البيت
وابنه عليه السلاح ، يئستُ من نصره فخرجت أَعدو إِلى حُيَىّ ، فقال :
ما وراءَك ؟ قلت : الشرّ! ساعةً أَخبرتُ محمّدًا بما أَرسلتَ به إليه أَظهر
" التكبير وقال ((حاربت اليهود)). فقال: هذه مكيدة منه. قال: وجئت ابن
أُبَىّ فأَعلمتُه، ونادى مُنادى محمّد بالمسير إلى بنى النَّضير. قال: وما ردّ
عليك ابن أُبَىّ ؟ فقال جُدَىّ: لم أَرَ عنده خيرًا . قال : أنا أُرسل إِلى
حلفائى فيدخلون معكم. وسار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أصحابه فصلّى
العصر بفَضاء بنى النَّضير، فلمّا رأوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه
قاموا على جُدُر حصونهم، معهم النَّبْل والحجارة . واعتزلتهم قُرَيْظَة فلم تُعِنْهُم

٣٧١
بسلاحٍ ولا رجال ولم يقرَبُوهم. وجعلوا يرمون ذلك اليوم بالنَّبل والحجارة حتى
أَظلموا، وجعل أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقدمون(١) ؛ مَن كان
تخلَّف فى حاجته ، حتى تتامّوا عند صلاة العشاء، فلمّا صلَّى رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم العِشاءَ رجع إلى بيته فى عشرة من أَصحابه ، عليه الدِّرع وهو
على فَرَسِ . وقد استعمل عليًّا عليه السلام على العسكر ، ويقال أبا بكر
رضى الله عنه . وبات المسلمون يُحاصرونهم ، يُكبّرون حتى أصبحوا ، ثم
أَذَّن بِلالٌ بالمدينة . فغدا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أصحابه الذين
كانوا معه. فصلَّى بالناس بفَضاءِ بنى خَطْمَة . واستخلف على المدينة ابن أُمّ
مَكتوم ؛ وحُملت مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قُبَّةٌ من أَدَم .
وحدّثْنى يحيى بن عبد العزيز قال : كانت القُبَّة من غَرَبٍ (٢) عليها
مُسوح(٣). أرسل بها سعد بن عُبادة. فأَمر بِلالاً فضربها فى موضع المسجد
الصغير الذى بفَضاءِ بنِى خَطْمَة، ودخل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم القُبَّة.
وكان رجل من اليهود يقال له عَزْوَك ، وكان أَعسرَ رامياً ، فرمى فبلغ نبلُه
قُبَّة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فأَمر بقُبَّتِهِ فحُوَّلَت إلى مسجد الفَضيخ (٤)
وتباعدت من النَّبل .
وأَمسوا فلم يقربْهُم ابن أُبَىّ ولا أَحدٌ من حلفائه وجلس فى بيته ، ويئست
بنو النَّصير من نصره، وجعل سَلَّام بن مِشْكَم وكِنانة بن صُوَيْراء يقولان
لِحُبِىّ : أَين نصر ابن أُبَى كما زعمتَ ؟ قال حُيَىّ : فما أَصنع ؟ هى
(١) فى ب: ((يثوبون)).
(٢) الغرب: ضرب من الشجر. (الصحاح، ص ١٩٤).
(٣) المسوح: جمع مسح، وهو الكسا من الشعر. (لسان العرب، ج ٣،
ص ٤٣٤ ) .
(٤) قال السمهودى: ويعرف اليوم بمسجد الشمس، وهو شرقى مسجد قباء على شفير الوادى
على نشر من الأرض مرضوم بحجارة سود، وهو مسجد صغير. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢).

٣٧٢
مَلْحَمَةٍ كُتِبت علينا . ولزم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الدِّرع وبات،
وظلّ مُحاصرَهم ، فلمّا كان ليلة من الليالى فُقد عَلَىّ بن أبى طالب عليه السلام
حين قرب العِشاء ، فقال الناس : ما نرى عَليًّا يا رسول الله . قال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم : دعوه، فإنه فى بعض شأنكم! فلم يلبث أن جاءً
برأس عَزْوَك، فطرحه بين يدَىْ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يارسول
الله، إِنّى كمنتُ لهذا الخبيث فرأيت رجلاً شجاعاً ، فقلت : ما أَجرأَه أَن
يخرج إِذا أَمسينا يطلب منا غِرَّة . فأَقبل مصلتاً سيفه فى نفرٍ من اليهود،
فشددت عليه فقتلته ، وأجلى أصحابه ولم يبرحوا قريباً ، فإِن بعثتَ معى نفراً
رجوت أَن أَظفر بهم. فبعث معه أَبا دُجانة، وسَهل بن حُنَيف فى عشرة من
أصحابه ، فأَدركوهم قبل أن يدخلوا حصنهم ، فقتلوهم وأتوا برءوسهم ،
فأَمررسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم برءوسهم فطُرِحت فى بعض بثار بنى خَطْمَة .
وكان سعد بن عُبادة يحمل التمر إلى المسلمين ، فأقاموا فى حصنهم ،
وأَمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالنخل فقُطِعت وحُرِّقت . واستعمل على
قطعها رجلَيْن من أصحابه : أَبا ليلى المازنىّ ، وعبد الله بن سَلام، فكَان أَبو
ليلى يقطع العَجْوَةَ، وكان عبد الله بن سَلام يقطع اللَّوْن(١)، فقيل لهما
فى ذلك فقال أبو ليلى : كانت العَجْوَة أَحرقَ لهم . وقال ابن سَلام : قد
عرفت أَنَّ الله سيُغنّمه أموالهم ، وكانت العَجْوَة خير أموالهم ؛ فنزل فى ذلك
رضاءً بما صنعنا جميعاً ... ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾(٢) ألوان النخل، لِلذى
فعل ابن سَلام؛ ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلَى أُصُولِها) يعنى العَجْوَة ؛
﴿فَبِإِذْنِ اللهَ﴾. وقطع أبو ليلى العجوة ﴿ولِيُخِْىَ الفاسِقينَ﴾ يعنى بنى النَّضير،
(١) اللون: نوع من النخل؛ وقيل هو الدقل، وقيل النخل كله ما خلا البرنى والعجوة، ويسميه أهل
المدينة الألوان، واحدته لينة، وأصله لونة: لمبت الواو ياء. ( النهاية، ج ٤، ص ٧٠).
(٢) سورة ٥٩ الحشر ٥ .

٣٧٣
رضاءً من الله بما صنع الفريقان جميعاً . فلمّا قُطعت العَجْوَة شقّ النساءُ
الجيوب ، وضربن الخدود ، ودعون بالوَيْل ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه .
وسلَّم : ما لهنّ ؟ فقيل : يجزعن على قطع العَجْوَة. فقال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : إِنَّ مثل العَجْوَة جُزِع عليه . ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : العَجْوَة والعَتيق - الفحل الذى يُؤْبَّر به النخل - من الجَنَّة، والعَجْوَة
شفاءٌ من السمّ. فلمّا صِحْن صاح بهنّ أَبو رافع سَلّام : إِن قُطِعت العجْوَة
ها هنا ، فإِنَّ لنا بخَيْبَر عَجْوَة . قالت عجوزٌ منهنَّ : خَيْبَر ، يصنع بها
مثل هذا ! فقال أبو رافع : فضّ اللهُ فاكِ! إِنَّ حلفائى بخَيْبَر لَعشرة آلاف
مقاتل . فبلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قولُه فتبسّم . وجزعوا على قطع
العَجْوَة فجعل سَلَّام بن مِشْكَم يقول: يا حُيَىّ ، العَذْق خير من العَجْوَة ،
يُغْرَس فلا يُطعم ثلاثين سنة يُقْطَع! فأَرسل حُبىّ إلى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : يا محمّد ، إِنك كنت تنهَى عن الفساد ؛ لِمَ تقطع النخل ؟
نحن نُعطيك الذى سأَلتَ، ونخرج من بلادك. فقال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم : لا أَقبله اليوم ، ولكن اخرجوا منها ولكم ما حملت الإِبل إِلاَّ
الحَلْقَة . فقال سَلّم: اقبل وَيْحَكَ، قبل أن تقبل شرًّا من هذا ! فقال
حُييّ : ما يكون شرًّا من هذا ؟ قال سَلّام : يسبى الذُّرِّيَّة ويقتل المقاتلة
مع الأَّموال، فالأَموال اليوم أَهون علينا إِذا لحمَنا هذا الأمر من القتل والسباء.
فَأَبِى حُيَىّ أَن يقبل يوماً أَو يومَيْن، فلمّا رأى ذلك يامين بن عُمَير وأَبو سعد
ابن وهب قال أَحدهما لصاحبه: وإنك(١) لتعلم أنه لرسول الله، فما تنتظر
أَن نُسلم سأُمنَ على دمائنا وأموالنا ؟ فنزلا من الليل فأَسلما فأَحرزا دماءهما
وأَموالهما .
(١) فى ب: ((والله إنك)).

٣٧٤
ثم نزلت اليهود على أَنَّ لهم ما حملت الإِبل إلّ الحَلْقَة، فلمّا أَجلاهم
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لابن يامين: ألم تر إلى ابن عمّك عمرو
ابن جِحاش وما همّ به من قَتْلِى؟ وهو زوج أخته، كانت الرُّواع بنت عُمَير
تحت عمرو بن جحاش . فقال ابن يامين : أَنا أَكفيكه يا رسول الله .
فجعل لرجلٍ من قيس عشرةَ دنانير على أن يقتل عمرو بن جِحاش ، ويقال
خمسةً أَوْسُقٍ من تمر. فاغتاله فقتله، ثم جاءَ ابن يامين إلى النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم فأَخبره بقتله ، فسُرَّ بذلك .
وحاصرهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خمسة عشر يوماً ، فأجلاهم
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من المدينة ووَلِ إخراجَهم محمّدُ بن مَسْلَمَة .
فقالوا : إِنّ لنا ديوناً على الناس إلى آجال . فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : تعجّلوا وضّعوا . فكان لأَبى رافع سَلّام بن أبى الحُقَيق على أُسَيد
ابن حُضَير عشرون ومائة دينار إلى سنة ، فصالحه على أَخذ رأس ماله
ثمانين دينارًا، وأَبطل ما فضل . وكانوا فى حصارهم يُخربون بيوتهم
ممّا يليهم ، وكان المسلمون يُخربون ما يليهم ويحرقون حتى وقع
الصلح، فتحمّلوا، فجعلوا يحملون الخشب ونُجُف (١) الأبواب. وقال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لصَفيّة بنت حُيَّىّ: لو رأَيتِنِى وأَنا أَشدّ الرَّحْل
لِخالك بَحْرىّ بن عمرو وأُجليه منها! وحملوا النساء والصبيان، فخرجوا على
بَالحارث بن الخزرج، ثم على الجَبَلِيَّةِ، ثم على الجِسر حتى مرّوا بالمُصَلَّى،
ثم شقُّوا سوق المدينة، والنساءُ فى الهوادج عليهنَّ الحرير والدِّيباج، وقُطُف
الخزّ الخُضْر والحُمْر ؛ وقد صفّ لهم الناس ، فجعلوا يمرّون قِطارًا(٢) فى
أثر قِطار، فحُمِلوا على ستمائة بعير، يقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
(١) نجف: جمع نجاف، وهو العتبة. (شرح أبى ذر، ص ٢٨٦).
(٢) القطار أن تشد الإبل على نسق، واحدا بعد واحد. (النهاية، ج ٣، ص ٢٦٣).

٣٧٥
هؤلاء فى قومهم بمنزلة بنى المُغيرة فى قُرَيش . وقال حَسّان بن ثابت وهو
يراهم وسَراة الرجال على الرحال: أَما واللهِ إن لقد كان عندكم لَنائلٌ للمجتدى
وقِرَّى حاضر للضيف ، وسُقيا للمُدام، وحِلْمٌ على من سَفِهِ عليكم ، ونَجْدَةٌ
إذا اسْتُنْجِدتم. فقال الشَّحّاك بن خليفة : واصَباحاه ، نفسى فداؤكم !
ماذا تحمَّلْتم به من السُّؤْدُد والبَهاء، والنَّجْدَة والسَّخَاء ؟ قال، يقول نُعَيم
ابن مَسعود الأَشْجَعَىّ : فِدَّى لهذه الوجوه التى كأنها المصابيح ظاعنين من
يَثْرِب . مَن للمجتدى المَلهوف ؟ ومن للطارق السَّغْبان ؟ ومَن يسقى العُقار؟
ومن يُطعم الشَّحم فوق اللَّحم ؟ ما لنا بيَثْرِبَ بعدكم مقام . يقول أبو عمبس
"ابن جَبر(١) وهو يسمع كلامه. نعم ، فالحقهم حتى تدخل معهم المار.
قال نُعَيم: ما هذا جزاؤهم منكم ، لقد استنصرتموهم فنصروكم على الخَزْرَج،
ولقد استنصرتم (٢) سائر العرب فأَّبُوا ذلك عليكم . قال أبو عَبس : قطع
الإِسلامُ العهود. قال : ومرُّوا يضربون بالدفوف ويزورون بالمزامير ، وعلى النساء
المُعَصْفَرَات وحُلىّ الذهب، مُظهرين ذلك تجلّدًا. قال ، يقول جَبّار بن
صّخر : ما رأَيت زُهاءَهم (٣) لِقوم زالوا من دار إلى دار . ونادى أبو رافع
سَلّام بن أَبى الحُقَيق ، ورفع مَسْك الجمل وقال: هذا مما نعدّه لخفض الأَرض
ورفعها ، فإِن يكن النخل قد تركناها فإنَّا نقدَم على نخلٍ بخَيْبَر .
فحدّثْنى أَبو بكر بن أبى سَبْرَة ، عن رُبَيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد
الخُدرِىّ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لقد مرّ يومئذٍ نساءٌ من نسائِهم
(١) فى الأصل: ((بن حير)). والتصحيح من ب، ومن ابن سعد. (الطبقات،
ج ٣، ص ٢٣) .
(٢) فى ب: ((لقد استنصرتم فنصروكم سائر العرب)).
(٣) فى هامش نسخة ب: ((زهاءهم قدرهم وعدتهم)).
1

٣٧٦
فى تلك الهوادج قد سفَرْن عن الوجوه ، لعلِّى لم أَر مثل جمالهنَّ لنساءٍ قَطُّ ..
لقد رأيت الشَّفْراءَ بنت كِنانة يومئذٍ كأنها لؤلؤة غَوَّاص، والرُّواع بنت
عُمَير مثل الشمس البازغة ، فى أيديهنَّ أَسْوِرَة الذهب ، والدُّرّ فى رقابهنّ .
ولقى المنافقون عليهم يوم خرجوا حزناً شديداً ؛ لقد لقيت زيد بن رِفاعة بن
التابوت وهو مع عبد الله بن أُبَىّ، وهو يُناجيه فى بنى غَنْم وهو يقول :
توحّشتُ بيَثْرِب لِفَقْد بنى النَّضير، ولكنهم يخرجون إلى عِزِّ وَثَرْوَة من
حلفائهم ، وإلى حصون منيعة شامخة فى رءوس الجبال ليست كما ها هنا .
قال : فاستمعتُ عليهما ساعة، وكلّ واحد منهما غاٌّ لله ولرسوله .
قالوا : ومرّت فى الظُّعُن يومئذٍ سَلمَى صاحبة عُروة بن الوَرْد العَبسىّ،
وكان من حديثها أنها كانت امرأة من بنى غِفار ، فسباها عُروة من قومها
فكانت ذات جمال ، فولدت له أولادًا ونزلت منه منزلاً ؛ فقالت له ، وجعل
ولده يُعَيَّرون بأُمّهم ((يا بنى الأُخيذة! ))، فقالت: أَلا ترى ولدك يُعَيَّرون؟
قال : فماذا ترَين ؟ قالت : تردّنى إلى قومى حتى يكونوا هم الذين يُزوّجونك.
قال : نعم . فأرسلت إلى قومها أَن القوه بالخمر ثم اتركوه حتى يشرب
ويثْمَل ، فإِنه إِذا ثمِل لم يُسأل شيئاً إِلّا أَعطاه. فلقوه ونزل فى بنى النَّضير،
فسقوه الخمر ، فلمّا سكِرٍ سألوه سَلمى فردّها عليهم ، ثم أَنكحوه
بعدُ. ويقال : إنما جاءَ بها إلى بنى النَّضير وكان صُعلوكاً يُغير . فسقوه الخمر
فلمّا انتشى منعوه ، ولا شىءَ معه إلّا هى، فرهنها فلم يزل يشرب حتى غَلِقَت
فلمّا صحا قال لها : انطلقى . قالوا : لا سبيل إلى ذلك ، فد أُغلقتَها .
فبهذا صارت عند بنى النَّضير . قال عُروة بن الورد :
سقوْنى الخمرَ ثُمّ تَكَنَّفونى عُدَاةُ اللهِ مِن كَذِبٍ وَزُورٍ

٣٧٧
بِمُغْنٍ(١) ما لديك ولا فَقِيرٍ
وقالوا لستَ بعدَ فداءٍ سَلْمَى
ومَن لَىَ بالتدبُّر فى الأُمورِ (٢)
فَلا واللهِ لو كاليومٍ أَمسرى
إِذَا لَعَصَيْتُهُمْ فِى أَمْرٍ سَلْمَى (٣)
ولو ركبوا عِضاهَ المُسْتَعورِ (٤)
أَنشدنيها ابن أبى الزِّناد .
حدّثنى أَبو بكر بن عبد الله ، عن المِسْوَر بن رِفاعة قال : وقبض
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأَموال وقبض الحَلْقَة ، فوجد من الحَلْقَة
خمسين درعاً ، وخمسين بَيْضَةٌ ، وثلثمائة سيف ، وأربعين سيفاً . ويقال
غيّبوا بعض سلاحهم وخرجوا به ، وكان محمّد بن مَسْلَمَة الذى ولى قبض
الأَموال والخَلْقَة وكشفهم عنها . فقال عمر رضى الله عنه: يا رسول الله ،
أَلا تُخمّس ما أَصبتَ من بنى النَّضير كما خمّستَ ما أَصبتَ من بَدر ؟
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: لا أَجعل شيئاً جعله الله عزَّ وجلّ لى دون
المؤمنين! بقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى .. ﴾(٥) الآية،
كهيئة ما وقع فيه السُّهمان للمسلمين . وكان عمر بن الخطّاب رضى الله عنه
يقول : كان لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثُ صَفَايَا، فكانت بنو
(١) فى الأصل: ((بمفن)). والتصحيح من ب، وهكذا فى ديوان عروة (ص ٤٨)، وفى
الكامل للمبرد . (ج ٢، ص ٤٠) .
(٢) والمعنى كما قال ابن السكيت فى شرحه: لو كنت يومئذ مثل اليوم لملكت أمرى. (ديوان
عروة بن الورد ، ص ٤٨) .
(٣) فى ب: ((إذا لعصيبهم من حب سلمى)).
(٤) فى الأصل: ((المستغور)) بالغين المعجمة، والتصحيح من ب. ويوجد على هامش ب :
((المستعور جبل بنا ية قلهى)). ويروى أيضاً عضاه اليستعور)) كما قال ابن السكيت،
واليستعور موضع قبل حرة المدينة. (ديوان عروة بن الورد ، ص ٤٨).
(٥) سورة ٥٩ الحشر ٧ .

٣٧٨
النَّضير حُبْساً (١) لنوائبه، وكانت فَدَك لابن السبيل، وكانت خَيْبَر قد
جزأَها ثلاثة أجزاء فجزءان للمهاجرين وجزء كان يُنفق منه على أَهله ، فإِن
فضل ردّه على فقراء المهاجرين .
حدّثنى موسى بن عمر الحارثىّ، عن أَبِى عُفَير ، قال: إِنما كان يُنفق
على أهله من بنى النَّضير ، كانت له خالصة ، فأَعطى مَن أَعطى منها وحبس
ما حبس . وكان يزرع تحت النخل زرعاً كثيرًا، وكان رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم يُدْخَل له منها قُوت أهله سَنةً من الشعير والتمر لأَزواجه وبنى عبد
المطّلب ، فما فضل جعله فى الكُراع (٢) والسلاح، وإنه كان عند أبى بكر
وعمر من ذلك السلاح الذى اشتُرى فى عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم .
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد استعمل على أَموال بنى النَّضير أَبا
رافع مولاه، وربّما جاء رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالباكورة منها ، وكانت
صدقاته منها ومن أَموال مُخَيْرِيق. وهى سبعة حوائط . - المِيثَب ، والصافية ،
والدَّلال، وحُسنَى، وبُرْقَة، والأَعْواف، ومشربة أُمّ إِبراهيم، وكانت أُمّ
إبراهيم تكون هناك ، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأتيها هناك.
وقالوا : إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمّا تحوّل من بنى عمرو بن عَوف
إلى المدينة تحوّل أصحابه من المهاجرين ، فتنافست فيهم الأَنصار أَن ينزلوا
عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسُّهمان ، فما نزل أَحدٌ منهم على أَحدٍ إِلّا
بِقُرْعَة سهم .
فحدّثنى مَعْمَر ، عن الزُّهرىّ ، عن خارجة بن زيد ، عن أُم العَلاءِ ،
(١) حبسا: أى وقفا. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ١٠٢).
(٢) الكراع: جماعة الخيل. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ١٠٢).

٣٧٩
قالت : صار(١) لنا عُثمان بن مَظعون فى القُرْعَة، وكان فى منزلنا حتى تُوقِّى
وكان المهاجرون فى دورهم وأموالهم ، فلمّا غنم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بنى النَّضير دعا ثابت بن قيس بن شَّمّاس فقال: ادعُ لى قومك ! قال
ثابت : الخزرج يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: الأَنصار
كلّها ! فدعا له الأَوس والخزرج، فتكلَّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأَنصار وما صنعوا بالمهاجرين ،
(إنزالَهم إِيّاهم فى منازلهم، وأثرتَهم على أنفسهم ، ثم قال : إن أحببتم
قسمتُ بينكم وبين المهاجرين ممّا أَفاءَ الله علىّ من بنى النَّضير ، وكان
المهاجرون على ما هم عليه من السُّكنى فى مساكنكم وأموالكم ، وإن أحببتم
أعطيتهم وخرجوا من دوركم . فتكلَّم سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقالا :
يا رسول الله ، بل تَقسِمه للمهاجرين(٢) ويكونون فى دورنا كما كانوا .
ونادت الأَنصار : رضينا وسلَّمنا يا رسول الله. قال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم: اللَّهمّ ارحم الأنصار وأبناءَ الأَنصار !فقسم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
ما أَفاءَ الله عليه. وأعطى المهاجرين ولم يُعط أَحدًا من الأَنصار من ذلك الوُّ شيئاً،
إِلاَّ رجلَيْن كانا محتاجين - سَهل بن حُنَيف، وأَبا دُجانة . وأَعطى سعد بن
مُعاذ سيف ابن أبى الحُقَيقِ ، وكان سيفاً له ذِكرٌ عندهم. قالوا: وكان ممّن
أُعطى ممّن سُمّى لنا من المهاجرين أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه بئر
حِجْر ؛ وأعطى عمربن الخطّاب رضى الله عنه بئر جَرم ؛ وأعطى عبد الرحمن
ابن عَوف سُوَّالة - وهو الذى يقال له مال سُلَيمٍ . وأَعطى صُهَيب بن
(١) فى ب: ((طار لنا)) .
(٢) فى الزرقانى، يروى عن الواقدى: ((تقسم بين المهاجرين)). (شرح على المواهب
اللدنية ، ج ٢، ص ١٠٣) .