النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨٠ وقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ: أَنا ابن العَواتِك(١). وقال أيضاً. أَنا النبيُّ لا كَذِبْ ) أَنا ابن عبد المطّلب ! وقالوا : أَتينا عمر بن الخَطَّب فى رهطٍ. من المسلمين قُعودًا، ومرّ بهم أَنَس بن النَّضْر بن ضَمْضَم عمّ أَنَس بن مالك فقال : ما يُقعدكم ؟ قالوا : قُتل رسول الله . قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه ! ثم (٢) جالّد بسيفه حتى قُتل. فقال عمر بن الخطّب: إِنِّى لأَرجو أن يبعثه الله أُمّةً وَحْدَه يومَ القيامة . ووُجد به سبعون ضربةً فى وجهه ، ما عُرف حتى عرفتْ أُخته حُسن بَنانه، ويقال حُسن ثناياه(٣). قالوا : ومرّ مالك بن الدُّخْتُم على خارجة بن زيد بن أبى زُهَير ، وهو قاعدٌ فى حُشْوَتِه، به ثلاثةَ عَشَرَ جُرْحاً ، كلّها قد خلصت إلى مَقتل ، فقال : أَما علمتَ أَنَّ محمّدًا قد قُتل ؟ قال خارجة : فإن كان قد قُتل فإِنَّ الله حىٌّ لا يموت ؛ فقد بلَّغ محمّد ، فقاتِلْ عن دينك ! ومرّ على سعد بن الرَّبيع وبه اثنا عشر جُرْحاً ، كلّها قد خلص إِلى مَقتلٍ ، فقال: علمتَ أَنَّ محمّدًا قد قُتل ؟ قال سعد بن الرّبيع: أَشهد . أَنَّ محمّدًا قد بلَّغ رسالةَ رَبّه ، فقاتِلْ عن دينك، فإِنَّ اللّه حىٌّ لا يموت! وقال مُنافق : إِنَّ رسول الله قد قُتل فارجعوا إلى قومكم ؛ فإنهم داخلو البيوت . (١) العواتك: ثلاث نسوة كن من أمهات النبى صلى الله عليه وسلم، إحداهن عاتكة بنت هلال ابن فالج بن ذكوان وهى أم عبد مناف بن قصى، والثانية عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج ابن ذكوان وهى أم هاشم بن عبد مناف ، والثالثة عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال وهى أم وهب أبى آمنة أم النبى صلى الله عليه وسلم ؛ فالأولى من العواتك عمة الثانية والثانية عمة الثالثة، وبنو سليم تفخر بهذه الولادة. ( النهاية، ج ٣ ، ص ٦٦) . (٢) فى ح: (( ثم قام فجالد)). (٣) فى الأصل: ((ثيابه))؛ والتصحيح عن سائر النسخ، وهو أقرب إلى السياق. ٢٨١ حدّثْنى عبد الله بن عَمّار، عن الحارث بن الفُضَيلِ الخَطْمَىّ ، قال : أقبل ثابت بن الدَّحْداحة يومئذٍ والمسلمون أَوزاعٌ ، قد سُقط. فى أيديهم ، فجعل يصيح : يا معشر الأنصار، إِلىَّ! إِلىَّ! أَنا ثابت بن الدَّحْداحة ، إِن كان محمّدٌ قد قُتل فإِنَّ الله حىٌّ الا يموت! فقاتِلوا عن دينكم، فإِنَّ الله مُظهرُ كم وناصرُكم ! فنهض إليه نَفَرٌ من الأَنصار ، فجعل يحمل بمن معه من المسلمين ، وقد وقفت لهم كَتيبةٌ مخشناء ، فيها رؤساؤهم : خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص ، وعِكْرِمَة بن أبى جَهل ، وضِرار بن الخَطَّاب، فجعلوا يُناوشونهم . وحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح ، فطعنه فأَنفذه فوقع ميّتاً ، وقُتل مَن كان معه من الأَنصار. فيقال إِنّ هؤلاءٍ لآخرُ مَن قُتل من المسلمين . ووصل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الشِّعْب مع أصحابه ، فلم يكن هناك قتالٌ . كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل أُحُد قد خاصم إليه يتيمٌ من الأَنصار أَبًا لُبابة فى عَذْقِ بينهما ، فقضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأَبى لُبابة، فجَزِع اليتيم على العَذْق، وطلب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم العَذْقَ إلى أبى لُبابة لليتيم، فأَبِى أَبو لُبابة فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لأَبى لُبابة : لك به عَذْقٌ فى الجنَّةِ(١). فأَبِى أَبو لُبابة ، فقال ابن الدَّحْداحة : يا رسول الله، أَرَأَيت إن أعطيتُ اليتيم عَذْقه، مالى(٢) ؟ قال: عَذْقٌ فى الجنَّة . قال: فذهب ثابت بن الدَّحْداحة فاشترى من أَبِى لُبابة ابن عبد المُنْذِر ذلك العَذْق بحديقة نخل ، ثم ردّ على الغلام العَذْق ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : رُبّ عَلْقٍ مُذَلِّلٍ لابن الدَّحْداحة فى الجنَّة. ١ (١) فى ح: ((أدفعه إليه ولك عذق فى الجنة)). (٢) فى ح: ((من مالى)). ٢٨٢ فكانت تُرجَى له الشهادة لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى قُتل بأُحُد . ويُقبل ضِرار بن الخَطَّاب فارساً ، يجرّ قَناة له طويلة، فيطعُن عمرو ابن مُعاذ فأَنفذه ، ويمشى عمرو إليه حتى غُلب ، فوقع لوجهه . يقول ضِرار : لا تعدمنَّ رجلاً زوّجك من الحور العين . وكان يقول: زوّجتُ عشرة من أَصحاب محمّد. قال ابن واقد : سأَلت ابن جعفر : هل قتل عشرة ؟ فقال : لم يبلغنا أنه قتل إِلاَّ ثلاثة .. وقد ضرب يومئذٍ عمر بن الخَطَّاب حيث جال المسلمون تلك الجولة بالقناة. قال : يا ابن الخَطَّاب، إِنها نِعمة مشكورة ، واللهِ ما كنتُ لأَقْتلَكَ ! وكان ضِرار بن الخَطَّب يُحدّث ويذكر وقعة أُحُد، ويذكر الأَنصار ويترحّم عليهم ، ويذكر غناءهم فى الإِسلام ، وشجاعتهم ، وتقدّمهم (١) على الموت ، ثم يقول : لمّا قُتل أَشراف قومى ببدر جعلتُ أَقول : مَن قتل أَبا الحَكَم ؟ يقال: ابن عَفْراءَ. مَن قتل أُمَيّة بن خَلَف ؟ يقال: خُبِيب ابن يَساف . مَن قتل عُقبة بن أبى مُعَيط ؟ قالوا : عاصم بن ثابت بن أَبِى الأَقْلَح. مَن قتل فلاناً؟ فيُسمَّى لى. مَن أَسر سُهَيل بن عمرو ؟ قالوا : مالك بن الدُّخْتُم . قلمًا خرجنا إِلى أُحُد وأَنا أَقول: إِن أَقاموا فى صَياصِيهم فهى مَنيعة ، لا سبيلَ لنا إِليهم ، نُقيم أَيّاماً ثم ننصرف ، وإِن خرجوا إِلينا من صَياصيهم أصبنا منهم - معنا عددٌ كثيرٌ أَكثر من عددهم وقوم (٢) مَوتورون خرجنا بالظُّعُنِ يذكّرْننا قتلى بَدْر ، ومعنا كُراعٌ ولا كُراعَ معهم ، ومعنا سلاح أكثرُ من سلاحهم . فقُضى لهم أَن خرجوا ، فالتقينا، فوالله (١) فى ح: ((وإقدامهم)). (٢) فى ح: ((ونحن قوم)). ٢٨٣ ما أَقمنا لهم حتى هُزمنا وانكشفنا مُولِّين، فقلت فى نفسى: هذه أَشدّ من وقعة بَدْر ! وجعلتُ أَقول لخالد بن الوليد : كُرّ على القوم ! فجعل يقول : وتَرَى وجهاً نكُرٌ فيه ؟ حتى نظرت إلى الجبل الذى كان عليه الرُّماة خالياً ، فقلت : أَبا سُليمان ، انظر وراءَك ! فعطف عِنان فَرَسه . فكرّ وكررنا معه ، فانتهينا إلى الجبل فلم نجد عليه أحدًا له بالٌ، وجدنا نُفَيْرًا فأَصبناهم، ثم دخلنا العسكر ، والقوم غارّون ينتهبون العسكر ، فأَفحمنا الخيل عليهم فتطايروا فى كلّ وجه ، ووضعنا السيوف فيهم حيث شئنا . وجعلتُ أَطلب الأَكابر من الأَّوس والخزرج تَتَلَةَ الأَحِبَّة فلا أَرى أَحدًا، قد هربوا ، فما كان حَلْب ناقة حتى تداعت الأنصار بينها ، فأقبلتْ فخالطونا ونحن فُرسان ، فصبروا لنا(١)، وبذلوا أنفسهم حتى عقروا فرسى وترجّلتُ ، فقتلتُ منهم عشرة . ولقيتُ من رجلٍ منهم الموت الناقع حتى وجدتُ ريح الدم ، وهو مُعانقى، ما يُفارقنى حتى أَخذتْه الرماحُ من كلّ ناحية ووقع، فالحمد لله الذى أكرمهم بيدى ولم يُهِنّ بأيديهم . وقالوا : إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قال يوم أُحُد : مَن له علم بَذْوان بن عبد قَيس ؟ قال عَلىُّ عليه السلام : أَنا رأَيت يا رسول الله فارساً يركض فى أَثره حتى لحقه وهو يقول : لا نجوتُ إِن نجوتَ ! فحمل عليه بفرسه ، وذَكْوان راجلٌ ، فضربه وهو يقول: خُذْها وأَنا ابن عِلاج ! فأَهويتُ إليه وهو فارس ، فضربتُ رجله بالسيف حتى قطعتها عن نصف الفَخِذ ، ثم طرختُه من فرسه فذفقتُ عليه، وإذا هو أَبو الحُكَم بن الأَخْنَس بن شَرِيق ابن عِلاج بن عمرو بن وَهب الثَّقَفىّ . (١) فى ح: ((فصبرنا لهم فصبروا لنا)). 7 ٢٨٤ وحدّثنى صالح بن خَوّات، عن يزيد بن رُومان، قال : قال خَوّات بن جُبير : لمّا كرّ المشركون انتهَوْا إِلى الجبل ، وقد عَرِى من القوم ؛ وبقى عبد الله بن جُبَير فى عشرة نَفَرٍ ، فهم على رأس عَينَين . فلمّا طلع خالد ابن الوليد وعِكْرِمَة فى الخيل(١)، قال لأصحابه: انبَسِطوا نَشَرًا(٢) لئلا يَجوزَ القومُ ! فصفّوا وجه العدوّ. واستقبلوا الشمس ، فقاتلوا ساعة حتى قُتل أَميرهم عبد الله بن جُبير ، وقد جُرح عامَّتهم. فلمّا وقع جرّدوه ومَثَلوا به " أَقبح المَثْل ، وكانت الرماح قد شُرعت فى بطنه حتى خَرَقت ما بين سُرَّتِه إلى خاصرته إِلى عانَتِه (٣)، فكانت حُشْوَته قد خرجت منها . فلمّا جال المسلمون تلك الجولة مررتُ به على تلك الحال ؛ فلقد ضحكتُ فى موضعٍ ما ضحك فيه أَحدٌ قطٌّ.، ونَعَستُ فى موضعٍ ما نَعَس فيه أَحدٌ ، وبَخِلتُ فى موضعٍ ما بَخِل فيه أَحد. فقيل: ما هى ؟ قال : حملته فأَخذت بضَبْعَيْهِ (٤)، وأَخذ أَبو حَنَّة برجليه، وقد شددتُ(٥) جُرْحَه بعِمامتى ، فبينا نحن نحمله والمشركين ناحيةً إِلى أَن سقطت عِمامتى من جُرحه فخرجتْ حُشْوَتُه ، ففزع صاحبى وجعل يلتفت وراءه يظنّ أَنه العدوّ ، فضحكت . ولقد شَرَع لى رجلٌ برمح يستقبل به ثُغْرَة نَحرى ، فغلبنى النومُ وزال الرمح . ولقد رأيتنى حين انتهيت إِلى الحَفْر له، ومعى قوسى، وغَلُظ علينا الجَبَلُ فَهَبَطْنا به الوادى ، فحفرتُ بِيَة القوس وفيها الوَتَر ، فقلتُ : لا أُفسد (١) فى الأصل: ((فى الجبل))؛ والتصحيح عن سائر النسخ . (٢) أى منتشرين. (الصحاح، ص ٨٢٨). (٣) فى ت: ((إلى عاتقه)). (٤) الضبع: العضد. ( الصحاح ، ص ١٢٤٧). (٥) فى ت: ((سددت)). ٢٨٥ الوَتَر ! فحللتُه ثم حفرت بسِيتها حتى أَنعمنا ، ثم غيّبناه وانصرفنا ، والمشركون بَعْدُ ناحيةً، وقد تحاجزنا ، فلم يلبثوا أَن ولَّوا. قالوا : وكان وَحشىُّ عبدًا لابنة الحارث بن عامر بن نَوْفَل ـ ويقال كان لجُبَير بن مُطْعِم - فقالت ابنة الحارث: إِنَّ أَبِى قُتل يوم بدر ، فإِن أَنت قتلتَ أَحد الثلاثة فأَنت حرّ ؛ إِن قتلتَ محمّدًا، أَو حمزة بن عبد المطّلب، أَو عَلىّ بن أبى طالب ، فإنى لا أَرى فى القوم كُفْوًّا لِأَبى غيرَهم. قال وَحشىّ: أَمّا رسول الله فقد علمتِ (١) أَنِّى لا أَقدر عليه، وأَنَّ أصحابه لن يُسلموه . وأَمّا حمزة فقلت: واللهِ لو وجدتُه نائماً ما أيقظته من هيبته؛ وأَمّا عَلىُّ فقد كنت أَلتمسُه(٢). قال: فبينا أَنا فى الناس ألتمسُ عَلَيَّا إِلى أَن طلع علىَّ، فطلع رجلٌ حَذِيرٌ مَرِسُ، كثير الالتفات . فقلت : ما هذا صاحبى الذى أَلتمس ! إِذ رأيت حمزة يَفْرِى الناسَ فَرْياً، فكمنتُ إلى صخرة، وهو مُكَبِّسٌ، له كَثيب (٣) ، فاعترض له سِباع ابن أُمّ أَنْمار - وكانت أُمّه خَتَّانة بمكّة مولاة الشَريف بن عِلاج بن عمرو بن وهب الثَّقَفِىّ، وكان سباع يُكنَى أبا نِيار - فقال له حمزة: وأنت أيضاً يا ابن مُقَطَّعَة الْبُظور(٤) ممّن يُكثر علينا. هلمّ إلىّ! فاحتمله حتى إذا بَرِقَت(٥) قدماه رمى به، فَبَرك عليه فشَحَطه شَحْط الشاة . ثم أَقبل إِلىّ مُكَبِّسا(٦) حين رآنى، فلمّا بلغ المسيل وطى على جُرُفٍ(٧) فزلَّت قدمه، فهززت حَرْبتى (١) فى ت: ((عرفت)). (٢) فى ت: ((التمسته)). (٣) فى ت: ((له كثيث)). (٤) فى الأصل: ((البطون))؛ والتصحيح عن سائر النسخ . (٥) أى ضعفتا، وهو من قولهم برق بصره أى ضعف. ( النهاية، ج ١، ص ٧٤). (٦) فى ح: ((مكبا)). (٧) الجرف: المكان أصابه سيل. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٢٣). ٢٨٦ حتى رضيتُ منها ، فأَضربُ بها فى خاصرته حتى خرجتْ من مثانته . وكرّ عليه طائفة من أصحابه فأَسمعهم يقولون: أَبا عُمارة! فلا يُجيب؛ فقلت : قد، والهِ مات الرجل ! وذكرتُ هِندًا وما لقيتْ على أَبيها وعمّها وأَخيها ، وانكشف عنه أَصحابه حين أَيقنوا موته ولا يرونى ، فأَكرُّ عليه فشققتُ بَطْنَه فأَخرجتُ كَبِده ، فجئت بها إِلى هِند بنت عُتبة ، فقلت : ماذا لى إِن قتلتُ قاتلَ أَبيك؟ قالت : سَلَبى ! فقلت : هذه كَبِد حمزة . فمضغتْها ثم لفظتها ، فلا أَدرى لم تُسِغْها أَو قَذِرتها. فنزعتْ ثيابَها وحُلِيَّها فأَعطْنيه ، ثم قالت :. إذا جئت مكَّة فلك عشرة دنانير . ثم قالت : أربنى مصرعه! فأَريتها مصرعه ، فقطعت مَذاكيره ، وجدعت أَنفه ، وقطعت أُذُنيه ، ثم جعلت مَسَكَتَين ومِعْضَدَين وخَدَمَتَين حتى قدمت بذلك مكّة ، وقدمت بكَبِده معها . فحدّثنى عبد الله بن جعفر، عن ابن أَبِى عَون، عن الزُّهرِىّ، عن عُروة، قال : حدّثنا عُبيد الله بن عَدىّ بن الخِيار قال : غزونا الشام فى زمن عُثمان بن عَفَّن رضى الله عنه فمررنا بحِمْص بعد العصر ، فقلنا : وَحشىّ ! فقالوا : لا تقدرون عليه ، هو الآن يشرب الخمر حتى يُصبح . فبتنا من أَجله وإنَّا لثمانون رجلاً، فلمّا صلّيْنا الصبح جئنا إلى منزله، فإذا شيخٌ كبيرٌ، قد طُرحت له زِرْبِيّة (١) قَدْرَ مجلسه، فقلنا له: أُخبِرنا عن قَتْل حمزة وعن مُسَيْلِمَة ، فكره ذلك وأعرض عنه ، فقلنا له : ما بتنا هذه الليلة إِلَّا من أجلك . فقال : إنى كنت عبدًا لجُبَير بن مُطْعِم بن عُدىّ ، فلمّا خرج الناس إلى أُحُد دعانى فقال : قد رأيتَ مَقتل طُعَيمة بن عَدىّ ، قتله حمزة بن عبد المطّلب يوم بدر، فلم تزل نساؤُنا فى حُزنٍ شديدٍ إلى يومى هذا؛ (١) الزربية: البساط. (النهاية، ج ٣، ص ١٢٤). ٢٨٧ فإِن قتلتَ حمزة فأَنت حرُّ . قال: فخرجتُ مع الناس ولى مَزاريقُ(١)، وكنت أَمَرُّ بهند بنت عتبة فتقول: إِيه أَبا دَسْمَة، أشْفٍ وَأَشْتَفٍ ! فلمّا وردنا أُحُدًا نظرت إلى حمزة يَقدُم الناس يَهُدُّهم(٢) هَدَّا فرآنى وأَنا قد كمنت له تحت شجرة ، فأَقبل نحوى ويعترض له سباع الخُزاعىّ ، فأَقبل إِليه فقال : وأَنت أيضاً [يا] ابنَ مُقَطِّعة البُظور ممّن يُكثر علينا، هلمّ إِلَّ! قال : وأَقبل حمزة فاحتمله حتى رأَيتُ بَرَقان رجليه ، ثم ضرب به الأَرض ثم قتله . وأَقبل نحوى سريعاً حتى يعترض له جُرُفٌ فيقع فيه، وأَزْرُقُهُ بمِزراقى فيقع فى ثُنَّته(٣) حتى خرج من بين رجليه، فقتلته، وأَمِرُّ بهندبنت عُتبة (٤) فأَعطتنى حُلِيَّها وثيابها . وأَما مُسَيْلِمَةٍ ، فإِنَّا دخلنا حديقة الموت، فلمّا رأيته زَرَقْتُه بالمِزراق وضربه رجلٌ من الأَنصار بالسيف ، فربّك أعلم أَيّنا قتله إِلاَّ أَنى سمعت امرأة تصيح فوق الدَّير(٥) : قتله العبد الحَبَشىّ. قال عُبَيد الله: فقلت : أَتعرفنى ؟ قال: فأَكرّ(٦) بَصَرَه علىّ، وقال: ابن عَدىّ ولعاتكة بنت أبى العِيص ! قال : قلت : نعم . قال : أَما واللهِ ما لى بك عَهْدٌ بعد أن رفعتُك إلى أُمّك فى مِحَفَّتِها التى تُوضعك فيها ، ونظرتُ إِلى بَرَقان قدميك حتى كأَن الآن . (١) مزاريق: جمع مزراق، وهو رمح قصير. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٤٠). (٢) فى ت: ((يهزهم هزا))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. ويهذ الناس، من رواه بالذال المعجمة ، فمعناه يسرع فى قطع لحوم الناس بسيفه ، ومن رواه بالدال المهملة فمعناه يرديهم ويهلكهم . (شرح أبى ذر ، ص ٢٢٠). (٣) فى ح: ((فى لبنه)). والثنة: ما بين السرة والعانة. (الصحاح، ص ٢٠٩٠). (٤) فى ح: ((ومررت بهند بنت عتبة فآذنتها فأعطتنى)). (٥) فى ح: ((فوق جدار)) . (٦) فى الأصل: ((فأكره بصره))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. ٢٨٨ وكان فى ساقَى هِند خَدَمَتان من جَزْع ظَفار، ومَسَكَتان من وَرِق(١)، وخَواتم من وَرِقٍ . كنَّ فى أَصابع رجليها ، فأعطتنى ذلك . وكانت صَفيّة بنت عبد المُطَّلب تقول: رُفعنا(٢) فى الآطام ومعنا حَسّان بن ثابت ونحن فى فارِعٍ(٣)، فجاءَ نَفَرٌ من اليهود يرمون الأُطُم، فقلت : عندك يا ابن الفُرَيعة(٤)! فقال: لا واللهِ، ما أستطيع، ما يمنعنى أَن أَخرِجَ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أُحُد ! ويصعد يهودىّ إِلى الأُطُم فقلت : شُدّ على يدى السيف ، ثم برئتَ ! ففعل . قالت : فضربتُ عنقه ، ثم رميت برأسه إليهم ، فلمّا رأَوه انكشفوا. قالت : وإنى فى فارع أَوّل النهار مُشْرِفَة على الأُطُم، فرأيت المِزراق يُزْرَق به ، فقلت: أَوَمِن سلاحِهِم المَزاريق ؟ أَفلا أَراه هوى إِلى أَخى ولا أشعرُ . قالت : ثم خرجتُ آخرَ النهار حتى جئت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . وكانت تُحدّث تقول: كنت أَعرفُ انكشاف أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنا على الأُطُم، يرجع حَّان إِلى أَقصى الأُطُم، فإِذا رأَى الدّولة لأصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَقبل حتى يقف على جدار الأُطُم . قالت : ولقد خرجتُ والسيف فى يدى ، حتى إذا كنت فى بنى حارثة أدركتُ نسوة من الأَنصار وأُمّ أَيْمَن معهنَّ، فكان الجَمْز(٥) منَّا حتى (١) الورق: الفضة. ( النهاية، ج ١، ص ٢٠٥) . (٢) فى ح: ((رفعنا يوم أحد)). (٣) فارع: اسم أطم كان فى موضع دار جعفر بن يحيى بباب الرحمة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٤) . (٤) فى الأصل: ((القرية))، وكذا فى ح أيضا. سوما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن عبد البر . ( الاستيعاب ، ص ٣٤١) . ( د) الجمز: ضرب من العدو دون الحضر وفوق العنق. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٦٩): ٢٨٩ انتهينا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأصحابه أَوزاعٌ؛ فأَوَّل مَن لقيتُ عَلىّ ابن أخى، فقال : ارجعى يا عمّة فإِنَّ فى الناس تكشّفاً فقلت: رسول الله ؟ فقال : صالحٌ بحمد الله ! قلت : أدللْنى عليه حتى أراه . فأَشار لى إِليه إشارةً خَفيّةً من المشركين ، فانتهيتُ إليه وبه الجراحة . قال : وجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ما فعل عمّى؟ ما فعل عمّى حمزة؟ فخرج الحارث بن الصِّمَّة فأَبطأً ، فخرج علىّ بن أبى طالب ، وهو يرتجز ويقول : كان رَفيقاً وبنا ذا ذِمَّهْ يا رَبِّ إِنَّ الحارثَ بن الصِّمَّهْ يَلْتَمِسُ الجَنَّة فيما تَمَّهْ(١) قد ضَلَّ فى مَهامِهٍ مُهِمَّهْ قال الواقدىّ: سمعتها من الأَصْبَغ بن عبد العزيز وأَنا غلام، وكان بِنّ أَبى الزناد - حتى انتهى إلى الحارث ووجد حمزة مقتولاً، فأخبر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فخرج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يمشى حتى وقف عليه ، فقال : ما وقفتُ موقفاً قطُ. أَغيظ إلىّ من هذا الموقف! فطلعتْ صَفيّة فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا زُبَير أَغنٍ عَنّى أُمّك.، وحمزة يُحفّر له . فقال: يا أُمّه، إِنَّ فى الناس تكشّفاً [فارجعى]. فقالت: ما أَنا بفاعلة حتى أرى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فلمّا رأَت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قالت: يا رسول الله ، أين ابن أُتّ حمزة ؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : هو فى الناس . قالت : لا أَرجِعُ حتى أَنظر إليه. قال الزُّبَير: فجعلتُ أَطِدُها(٢) إِلى الأَرض حتى دُفن حمزة . وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : لولا أَن يُحزن ذلك نساءنا، لتركناه للعافية - يعنى السِّباعِ والطَّير - حتى يُحشَر يوم القيامة من بُطون السباع وحَواصل الطَّير. (١) فى ت: ((تمه))؛ وفى البلاذرى، عن الواقدى: ((يمه)). (أنساب الأشراف، ج ١، ص ٣٢٥) . (٢) وطد الشىء: أثبته. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٤٥). ٢٩٠ ونظر صفوان بن أُمَيّة إِلى حمزة يومئذٍ وهو يهدّ (١) الناس فقال: مَن هذا ؟ قالوا : حمزة بن عبد المطّلب. فقال: ما رأيت كاليوم رجلاً أَسرع فى قومه - وكان يومئذٍ مُعلِماً بريشة نَسر . ويقال: لمّا أُصيب حمزة جاءت صَفيّة بنت عبد المطّلب تطلبه، فحالتْ بينها وبينه الأَنصار ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: دَعوها ! فجاستْ عنده فجعلتْ إِذا بكتْ بكى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، وإِذا نَشَجَتْ ينشِج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وكانت فاطمة بنت النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم تبكى ، وجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا بكتْ بكى، وجعل رسول صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: لَنْ أُصابَ بمثلك(٢) أَبدًا! ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَبشِرا ! أَتانى جبريل فأَخبرنى أَنَّ حمزة مكتوبٌ فى أَهل السموات السبع - حمزة بن عبد المطَّلب أَسدُ الله وأَسدُ رسوله . قال: ورأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مَثْلاً شديدًا فأَحزنه ذلك المثْلُ، ثم قال : لئن ظَفِرت بقُرَّيش لأُمثِّلنّ بثلاثين منهم ! فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوْقِيْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. (٣) فعنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يُمثِّل بأَحَدٍ . وجعل أبو قتادة يُريد أَن ينال من قريش، لِما رأَى من غمّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى قَتْل حمزة وما مُثِّل به، كلّ ذلك يُشير إليه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَن اجلس ثلاثاً - وكان قائماً - فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَحتسبُكَ عند الله. ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا أَبا قتادة ، إِنَّ قُرَيشاً أَهلُ أَمانةٍ، مَن بغاهم العَواثِرَ كَبَّه الله لِفيه ؛ وعسى إِن (١) فى ت: ((يهز)) . (انظر هامش ص ٢٨٧) . (٢) فى ح: ((بمثل حمزة أبدا)). (٣) سورة ١٦ النحل ١٢٦ . ٢٩١ طالت بك مُدّةٍ أَن تَحقِر (١) عملَك مع أعمالهم وفَعالك مع فَعالهم ، لولا أَن تَبْطَرَ قُرَيشٌ لِأَخبرتُها بما لها عند الله. قال أبو قتادة: واللهِ يا رسول الله ، ما غضبتُ إِلَّا لله ولرسوله حين نالوا منه ما نالوا! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : صدقت ، بئس القومُ كانوا لنبيّهم ! وقال عبد الله بن جحش : يا رسول الله ، إِنَّ هولاءٍ قد نزلوا حيث ترى ، وقد سألت الله عزَّ وجلّ ورسوله فقلتُ: اللَّهم إنى أُقسمُ عليك أَن نلقى العدوّ غدًا فَيقتُلُونِى ويَبقُرونى ويُمثّلون بى، فأَلفاك مقتولاً قد صُنع هذا بى ، فتقول: فِيمَ صُنع بك هذا؟ فأقول: فيك! وأَنا أَسألك أُخرى : أَن تلى تَرِكَتى من بعدى. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: نعم. فخرج عبد الله وقاتل حتى قُتل، ومُثل به كلّ المثْل ودُفِن، ودُفن هو وحمزة فى قبرٍ واحد. ووَلِ تَرِكَته رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فاشترى لأُمّه مالاً بِخَيْبَر. وأَقبلت حَمْنَة بنت جَحش وهى أُخته، فقال لها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : يا حَمْنَ ، احتسبى! قالت : مَن يا رسول الله؟ قال : خالك حمزة . قالت: إِنَّا لله وإنّا إليه راجعون، غَفَر الله له ورحمه، هَنيئاً له الشهادة ! ثم قال لها : احتسبى ! قالت : مَن يا رسول الله؟ قال: أَخوك. قالت : إِنَّا لله وإِنَّا إليه راجعون، غَفَر الله له ورحمه، هَنيئاً له الجنّة! ثم قال لها : احتسبى ! قالت : مَن يا رسول الله ؟ قال : مُصْعَب بن عُمَير (٢). قالت: وَاحُزْناه! ويقال إِنها قالت: وَاعَقْراه ! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : إِنَّ للزوج من المرأة مكاناً ما هو لأَحَدٍ . ثم قال لها ١ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : لِمَ قلتٍ هذا ؟ قالت : يا رسول الله ، (١) فى ت: ((أن يحقر)). (٢) فى ح: ((بعلك مصعب)). ٢٩٢ ذكرتُ يُثْمَ بَنيه فراعنى. فدعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لولده أَن يُحسن عليهم من الخَلَف ، فتزوّجت طَلحةَ بن عُبَيد الله فولدت له محمّد بن طَلحة ، وكان أوصل الناس لولده . وكانت حَمْنَة خرجت يومئذٍ إِلى أُحُد مع النساء يسقين الماء . وخرجت السّمَيراء بنت قيس إِحدى نساء بنى دينار ، وقد أُصِيب ابناها مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأُحُد، النُّعمان بن عبد عمرو، وسُلَيم بن الحارث ، فلما نُعِيا لها قالت : ما فعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ قالوا : خيرًا، هو بحمد الله صالحٌ على ما تُحبّين. قالت: أَرُونيه أَنظرْ إليه ! فأَشاروا لها إليه فقالت : كلّ مُصيبة بعدك يا رسول الله جَدَلٌ . وخرجت تسوق بابنيها بعيرًا تردهما إلى المدينة ، فلقيتها عائشة رضى الله عنها فقالت : ما وراءَك ؟ قالت : أَمّا رسول الله، بحمد الله فبخير ، لم يمت ! وانَّخذ الله من المؤمنين شهداءَ ﴿وَرَدَّ اللّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾(١). قالت: من هؤلاء ٠ سك؟ قالت : ابنای ... حَلْ ! حَلْ ! وقالوا : وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : من يأتينى بخبر سعد بن رَبيع ؟ فإنى قد رأيته - وأشار بيده إلى ناحيةٍ من الوادى - وقد شُرع فيه اثنا عشر سِناناً. قال : فخرج محمّد بن مَسْلَمة - ويقال أُبَىّ بن كَعب - فخرج نحو تلك الناحية . قال : وأَنا وَسْط القَتْلَى أَنعرفهم ، إذ مررتُ بهْ صريعاً فى الوادى ، فناديتُه فلم يُجب، ثم قلتُ: إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أرسلنى إليك! فتنفَّسَ كما يتنفَّس الكِير (٢)، ثم قال : (١) سورة ٣٣ الأحزاب ٢٥. (٢) فى ت: ((المكير))، وفى ب: ((الطائر)). والكير: زق ينفخ فيه الحداد. (القامون المحيط، ج ٢، ص ١٣٠-). ١ ٢٩٣ وإِنّ رسول الله لحىٌّ ؟ قال : قلت : نعم ، وقد أَخبرَنا أَنَّ شُرع لك اثنا عشر ◌ِناناً . قال : طُعِنْتُ اثنتى عشرة طعنة، كلُّها أَجافتنى(١)؛ أَبْلِغ قومك الأَنصار السلام وقُل لهم : الله، اللهَ! وما عاهدتم عليه رسول الله ليلة العَقَبة! واللهِ ما لكم عُذْرٌ عند الله إن خُلُص إلى نبيّكم ومنكم عينٌ تَطرِف! ولم أَرِمِ (٢) من عنده حتى مات. قال: فرجعتُ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَخبرْته . قال : فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم استقبل القبلة رافعاً يديه يقول : اللَّهمّ القَ سعد بن الرَّبيع وأَنت عنه راضٍ ! قالوا : ولمّا صاح إِبليس ((إِنَّ محمّدًا قد قُتل)) يُحزنهم (٣) بذلك ؛ تفرّقوا فى كلّ وجهٍ ، وجعل الناس يمرّون على النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم ، لا يلوى عليه أحدٌ منهم، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يدعوهم فى أُخراهمٍ ، حتى انتهى مَن انتهى منهم إلى المِهِراس(٤)، ووجّه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُريد أصحابه فى الشِّعب . فحدّثنى موسى بن محمّد بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : لمّا صار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم كانوا فئته (٥). وحدّثنى الضَّحّاك بن عُمان، عن ضَمْرَة بن سعيد ، قال: لمّا انتهى إليهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا(٦) فئته ، فانتهى إلى الشّعب وأصحابه فى الجبل أَوزاعٌ ، يذكرون مَقتل من قُتل منهم ويذكرون ما جاءَهم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم . قال كَعب : وكنت أَوّل مَن عرفه وعليه (١) أجاب الطعن: وصل إلى جوفه. (أساس البلاغة، ص ١٤٢). (٢) فى الاسل: ((فلم أمر))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. (٣) فى ح: ((يخزيهم)). (٤) فى ح: ((حتى انتهت هزيمة قوم منهم إلى المهراس)). (٥) فى ب: ((فتيه)). (٦) فى الأصل: ((كان فئته))، وفى ب، ت: ((كان فتهم)). انظر هامش (٣)، ص ٢٧٨. ٢٩٤ اِغْفَر. قال : فجعلتُ أَصيحُ : هذا رسول الله حيًّ سويًّا! وأَنا فى الشِّعب، فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُومِىُّ إِلىّ بيده على فيه أَنِ اسكتْ، ثم دعا بَلأُّمَتِى - وكانت صفراء أَو بعضها - فلبسها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ونزع لَأُمَته. قال: وطلع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على أصحابه فى الشِّعب بين السَّعْدَين؛ سعد بن عُبادة وسعد بن معاذ، يتكفَّأُ فى الدِّرع. وكان إذا مشى تكفَّأَ تكفّؤًا صلَّى الله عليه وسلَّم - ويقال إنه كان يتوكَّأُ على طلحة بن مُبَيد الله - وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد جُرح يومئذ؛ فما صلَّى الظهر إِلاَّ جالساً. قال: فقال له طلحة: يا رسول الله، إنَّ بِى قوّة! فحمله حتى انتهى إلى الصَّخرة على طريق أُحُد - مَن أَراد شِعب الجَزَّارين - لم يَعْدُها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى غيرها ؛ ثم حمله طلحة حتى ارتفع عليها، ثم مضى إلى أصحابه ومعه النَّفَر الذين ثبتوا معه . فلمّا نظر المسلمون من معه جعلوا يُولُّون فى الشِّعب، ظنُّوا أنهم من المشركين ، حتى جعل أَبو دُجانة يُليح إليهم بعِمامةٍ حمراءَ على رأسه ، فعرفوه فرجعوا ، أَو بعضهم . ١ ويقال إِنَّه لمّا طلع فى النَّفَر الذين ثبتوا معه؛ الأربعة عشر - سبعة من المهاجرين وسبعة من الأَنصار - وجعلوا يُولُّون فى الجبل، جعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يتبسّم إلى أبى بكر وهو إلى جنبه، ويقول له : أَلِحْ إليهم ! فجعل أَبو بكر يُليح ، ولا يرجعون حتى نزع أَبو دُجانة عصابة حمراءَ على رأسه ، فأَوفى (١) على الجبل فجعل يصيح وَيُليح ، فوقفوا حتى تلاحق (٢) المسلمون. ولقد وضع أَبو بُرْدَة بن نِيار سهماً على كَبِد قوسه ، (١) فى ت: ((فأومى)). (٢) فى ح: ((فوقفوا حتى ترفوهم)). ٢٩٥ فأراد أن يرمى به القوم (١)، فلمّا تكلّموا وناداهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فكأنَّهم(٢) لم يُصبهم فى أنفسهم مُصيبةٌ حين أَبصروا رسول الله صلِّى الله غعليه وسلَّم . فبينا هم كذلك عرض الشيطان بَوسْوَسَته وتَخزيته (٣) لهم حين أَبصروا عدوّهم قد انفرجوا عنهم . قال رافع بن خديج: إنى إلى جنب أبى مسعود الأَنصارىّ وهو يذكر مَن قُتل من قومه ويسأَل عنهم ، فيُخْبَر برجال ، منهم سعد بن رَبيع وخارجة بن زُهَبر ، وهو يسترجع ويترحّم عليهم ؛ وبعضهم يسأل بعضاً عن حَميمه ، فهم يُخبرون بعضهم بعضاً . فبيناهم على ذلك ردّ الله المشركين لِيذهبَ بالحُزْن عنهم، فإذا عدّوهم فوقهم قد عَوا، وإِذا كتائب المشركين . فنسوا ما كانوا يذكرون، ونَدَبنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وحضَّنا على القتال، وإنى لأَنظر إلى فلان وفلان فى عُرْض الجبل يَعْدُون . فكان عمر يقول: لمّا صاح الشيطان ((قُتل محمّد)) أَقبلتُ أَرْقَى فى الجبل كأَنّى أُرْوِيّةٌ(٤)، فانتهيت إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... )(٥) الآية؛ وأبو سفيان فى سفح الجبل. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. اللَّهمّ ليس لهم أَن يَعلُونا (٦)! فانكشفوا . قال أبو أُسَيد الساعدىّ : لقد رأيتنا قبل أَن يُلقَى علينا النُّعاس، وإنَّا السَلْمٌ لِمَن أَرَادِنا ، لِما بنا من الحُزْن ؛ فأُلتقى علينا النَّعاس فنمنا حتى (١) فى ح: ((أن يرمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه)). (٢) فى ب: ((فكأنه)). (٣) فى ب: ((وتحزينه)). (٤) الأدوية: الأنثى من الوعول. ( الصحاح، ص ٢٣٦٣). (٥) سورة ٣ آل عمران ١٤٤ . (٦) فى ح: ((أن يعلوا)). ٢٩٦ تَناطحَ الحَجَف(١)، وفزعنا وكأنّا لم يُصبنا قبل ذلك نَكْبَةٌ . وقال طلحة بن عُبَيد الله : غشينا النُّعاس حتى كان حَجَف القوم تَناطحَ. وقال الزُّبَير بن العَوّامِ: غشينا النُّعاسُ فما منَّا رجلٌ إِلَّا وذَقَنه فى صدره من النوم ، فأسمعُ مُعَتِّب بن قُشَير يقول - وإنى لكالحالم ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِشَىْءٌ ما قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾(٢) فأَنزل الله تعالى فيه: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ شَىءٌ مَا قُتْلِنا هَاهُنَا﴾(٢). قال أَبو اليَسَر : لقد رأيتنى يومئذٍ فى أربعةٌ عشّرَ رجلاً من قومى إِلى جنب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقد أَصابنا النعاسُ أَمَنَةً منه ، ما منهم رجلٌ إلَّا يَغِطٌ. غطيطاً حتى إِنَّ الحَجَف لتَناطح . ولقد رأَيتُ سيف بشر بن البراء بن مَعرور سَقَط. من يده وما يَشْعُر به، وأَخذه بعد ما تَثْلَّم؛ وإنَّ المشركين لتحتنا . وقال أبو طلحة : أُلقى علينا النُّعاس، فكنت أَنعس حتى سَقَط. سيفى من يدى . وكان النُّعاس لم يُصب أَهلَ النّفاق والشكّ يومئذٍ ، فكلّ منافق يتكلّم بما فى نفسه ؛ وإِنما أَصاب النُّعاسُ أَهلَ اليقين والإيمان. وقالوا : لمّا تحاجزوا أَراد أَبو سُفيان الانصراف، وأَقبل يَسيرُ على فَرَسٍ له حَوّاء(٣) أُنثِيّ، فَأَشرف (٤) على أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فى عُرْض الجبل فنادى بأعلى صوته : أَعْلُ هُبَل ! ثم يصيح : أين ابن أَبِى كَبْشَة؟ أَين ابن أبى قُحافة؟ أين ابن الخطَّب؟ يومٌ بيوم بدر، أَلا إِنَّ (١) الحجف. التروس من جلود بلا خشب ولا عقب. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٢٦ ) . (٢) سورة ٣ آل عمران ١٥٤. (٣) فى ح: ((حوراء)). والحوة: حمرة تضرب إلى السواد. (الصحاح، ص ٢٣٢٢). (٤) فى ح: ((فوقف على)). ٢٩٧ الأَّيَّامِ دُوَلٌ، وإِنَّ الحُبِ سِجَالٌ؛ وحَنْظَلَة بِحَنْظَلَةٍ (١)! فقال عمر رضى الله عنه: يا رسول الله، أجيبه ؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم : بلى، فَأَجِبْه! فقال أبو سُفيان: أُعْلُ هُبَل! فقال عمر: الله أَعلى وأَجلّ ! قال أبو سُفيان: إِنها قد أَنعمتْ؛ فَعالِ(٢) عنها ! ثم قال : أَين ابن أَبى كَبْشَة ؟ أَين ابن أبى قُحافة؟ اين ابن الخطّاب ؟ فقال عمر : هذا رسول الله، وهذا أبو بكر ، وهذا عمر . فقال أَبو سُفيان : يومٌ بيوم بدر، أَلا إِنَّ الأَيّامِ دُوَلٌ، وإِنَّ الحرب سِجالٌ . فقال عمر : لا سَواء ؛ قتْلانا فى الجنَّة وقتْلاكم فى النار! قال أبو سُفيان: إنكم لتقولون ذلك ! لقد خِبنا إذن وخسرنا! قال أَبو سُفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم ! فقال عمر : الله مولانا ولا مولى لكم ! قال أبو سُفيان : إِنها قد أَنعمتْ يا ابنَ الخطَّب، فَعالٍ عنها . ثم قال : قُمْ إِلىّ يا ابنَ الخطَّاب، أُكلِّمْك . فقام عمر فقال أَبو سُفيان : أَنشدك بدينك، هل قتلنا محمّدًا ؟ قال عمر : اللَّهمّ لا، وإنَّه ليسمع كلامك الآن . قال : أَنت عندى أصدق من ابن قَميئة - وكان ابن قَميئة أَخبرهم أنَّه قتل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. ثم قال أبو سُفيان ورفع صوته: إِنكم واجدون فى قتلاكم عَيثاً(٣) ومَثْلاً، أَلا إِنَّ ذلك لم يكن عن رأى سَراتنا . ثم أَدركته حميّة الجاهليّة فقال: أَمّا إذا كان ذلك فلم نَكرَهه. ثم نادى: أَلا إِنَّ موعدكم بدر الصَّفْراءِ على رأس الحَول ! فوقف عمر وقفةً ينتظر ما يقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : قل ، نعم . فقال عمر : نعم ! ثم انصرف أبو سُفيان (١) يعنى حنظلة بن أبى عامر بحنظلة بن أبى سفيان. (٢) فعال عنها: تجاف عنها ولا تذكرها بسوء، يعنى آلهتهم. (النهاية، ج ٣، ص ١٢٥). (٣) فى الأصل: ((عيبا))، وفى ت: ((عنتا)). وما أثبتناه قراءة ب. والعيث: الإفساد ( الصحاح ، ص ٢٨٧) . ٢٩٨ إلى أصحابه وأخذوا فى الرَّحيل؛ فأَشفق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمون فاشتدّت شفقتهم من أَن يُغير المشركون على المدينة فتَهلِك الذراريّ والنساء ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لسعد بن أبى وقَّص : انْتنا بخبر القوم ، إن ركبوا الإِبل وجنَّبوا الخيل فهو الظَّعْن، وإِن ركبوا الخيل وجنَّبوا الإِبل فهى الغارة على المدينة . والذى نفسى بيده ، لئن ساروا إليها لأَسيرنَّ إليهم ثم لأُناجزنَّهم . قال سعد : فوجّهت أَسعى، وأَرصدتُ فى نفسى إِن أفزعنى شىءٌ رجعت إلى النبى صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ فأَنا أَسعى ، فبدأت بالسعى حين ابتدأت ، فخرجت فى آثارهم حتى إذا كانوا بالعَقيق ، وكنت حيث أَراهم وأَنأَمّلهم ، فإذا هم قد ركبوا الإِبل وجنَّبوا الخيل ، فقلت : إِنه الظَّعْن إِلى بلادهم . فوقفوا وقفةً بالعَقيق وتشاوروا فى دخول المدينة ، فقال لهم صَفوان بن أُمَيّة : قد أَصبتم القوم ، فانصرِفوا فلا تدخلوا عليهم وأنتم كالّون ، ولكم الظفَر ، فإِنكم لا تدرون ما يَغشاكم . قد ولَّيتم يوم بدر ؛ واللهِ ما تبعوكم والظفر لهم ! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : نها هم صَفوان! فلمّا رآهم سعد على تلك الحال مُنطلقين، قد دخلوا فى المُكَيْمِنِ(١)، رجع إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو كالمُنكسر ، فقال : وجّه القوم يا رسول الله إلى مكَّة ، امتطوا الإِبل وجنّبوا الخيل: فقال : ما تقول ؟ فقلت ذلك ، ثم خلا بى فقال : حقًّا ما تقول ؟ قلت : نعم يا رسول الله . فقال : مالى(٢) رأيتك مُنكسرًا؟ قال، فقلت: كرهت أن آتى (٣) المسلمين (١) فى الأصل: ((المكتمن))، وفى ح: ((المكمن))؛ وما أثبتناه عن ب، ت. قال السمهودى: مكيمن تصغير مكمن ، ويقال مكيمن الجماء وهو الجبل المتصل بجماء تضارع ببطن العقيق . (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٧٦) . (٢) فى ح: ((فا. بالى)). (٣) فى ت: ((كرهت أن يرى المسلمون)). ٢٩٩ فرِحاً بقُفولهم إلى بلادهم . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ سعدًا المُجرِّب! ويقال إِنَّ سعدًا لمّا رجع جعل يرفع صوته بأَن جنَّبوا الخيل وامتطوا الإِبل ، فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُشير إلى سعد أَن اخفضْ صوتك ! قال: ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ الحرب خُدْعَةٌ! فلا تُرِى الناس مثل هذا الفرّح بانصرافهم ، فإِنما ردّهم الله تبارك وتعالى . قال الواقدىّ: حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن يحيى بن شِبْل، عن أَبِى جَعفر ، قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِن رأَيتَ القوم يريدون المدينة فأخبرنى فيما بينى وبينك ، ولا تفتَّ أَعضاد المسلمين . فذهب فرآهم قد امتطوا الإِبل فرجع ، فما ملك أن جعل يصيح سرورًا بانصرافهم . فلمّا قدم أبو سُفيان على قُرَيش بمكّةً لم يصل إلى بيته حتى أَنِى هُبَل فقال : قد أَنعمتَ ونصرتَنى وشفَيَتَ نفسى من محمّد وأصحابه ! وحَلَق رأسه . وقيل لعمرو بن العاص : كيف كان افتراق المشركين والمسلمين يوم أُحُد ؟ قال: ما تُريد (١) إِلى ذلك؟ قد جاءَ الله بالإِسلام ونَفَى الكفر وأَهله . ثم قال: لمّا كررنا عليهم أَصبنا مَن أَصبنا منهم وتفرَّقُوا فى كلّ وجهٍ. وفاءَت لهم فئةٌ بعد ، فتشاورت قُرَيش فقالوا: لنا الغَلّبة ، فلو انصرفنا فإِنه بلغنا أَنَّ ابن أُبَىّ انصرف بثُلُث الناس، وقد تخلَّف ناس من الأَوس والخزرج ، ولا نأُمن أَن يكرّوا علينا وفينا جراحٌ ، وخيلنا عامّتها قد عُقرت من النَّبْل. فمضوا(٢)، فما بلغنا الرَّوْحاءَ حتى قام علينا عدّة منها ، ومضينا(٣). (١) فى ت: ((ما يريد))، وفى ح: ((ما تريدون)). (٢) فى ح: ((فضينا)). (٣) فى ح: ((وانصرفنا)).